|
الإسلام والغرب .. صدام السيوف وحوار الحروف |
|
راجي أنور هيفا |
|
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين. تردد في الآونة الأخيرة مصطلح (صدام الحضارات)، وأخذ هذا المصطلح يطفو على سطح الوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية والمطبوعة وكأن العالم قاب قوسين أو أدنى من حرب كونية ثالثة سوف تأتي على السلالة البشرية بأكملها. وراح البعض يروّج لفكرة غريبة، وهي أن الدين سيكون شرارة هذه الحرب، لأن الإنسان لا يقاتل الإنسان إلا من أجل العقيدة، ورابطة الدم التي تزيد من تقارب أبناء الدين الواحد. وما أن طغى مصطلح (صِدام الحضارات) على السطح، حتى ظهر مصطلح آخر وهو بمثابة الند أو الضد للمصطلح الأول، وهو مصطلح (حوار الحضارات). ويرى أصحاب هذا المصطلح أو التيار أن الحضارات لا تتصارع ولا تتصادم وإنما تتكامل وتتبلور بحيث تعتمد كل حضارة على ما عند الحضارات الأخرى من علوم ومعارف وثقافات وعقائد. ويرى أصحاب هذا التيار أيضاً أن الأديان لا يمكن أن تكون بذاتها وسيلة للصدام والمجابهة، بل هي بذاتها وسيلة لتقارب الإنسان من أخيه الإنسان. وكما أن الدين وسيلة للتفاهم، فإن الحضارة أيضاً هي خير وسيلة للتعبير عن احتياجات ورغبات الإنسان في العيش الهانئ دون اللجوء إلى لغة العنف مع (الآخر) مهما كانت درجة ثقافته، وأياً كان دينه أو معتقده في الحياة. وانطلاقاً من فكرة (صدام الحضارات) و (حوار الحضارات) رأينا أن نؤكد من خلال هذا البحث الذي أسميناه (الإسلام والغرب صدام السيوف وحوار الحروف)، أنَّ الصدام الحضاري موجود منذ القديم ولا يستطيع أحد أن يتجاهله أو أن يتجاوزه، ولكن هذا الصدام الموجود ليس كما يريد أن يصوّره البعض على أنه معركة حياة أو موت، أو أنه إثبات وجود أو نفي كامل للآخر، وأنّ الدين هو فتيل تلك الصدامات الحضارية بين الشعوب، بل إن الصدام في محصلة الأمر عملية قائمة على ترسيخ الذات وتجذيرها، وإثبات القيم الفكرية ونثر بذورها في الأرض الأم وفي أرض (الآخر) بشتى الوسائل والطرق. وبما أننا أبناء حضارة إسلامية عريقة أنجبت للعالم المعلمين البارزين في تاريخ البشرية، المعلم الثاني (الفارابي) والمعلم الثالث (ابن مسكويه)، بالإضافة إلى الشيخ الرئيس (ابن سينا) والعديد من العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين ساهموا في صُنع أو إغناء الحضارة الأوروبية، فقد رأينا أن نركّز هذا البحث على علاقة الإسلام بالغرب من خلال ما عرف بـ(الصدام) و(الحوار)، وجعلنا بحثنا مقسماً إلى عدة فصول كالتالي: الفصل الأول: (الحضارة) بين رسالة الإسلام وثقافة الغرب: وقد تناولنا فيه مفاهيم الحضارة وعلاقتها بالمدنيّة والثقافة والأخلاق. وبيّنا فيه أن هناك علاقةٌ وثيقة بين الإسلام والحضارة من جهة، والغرب والحضارة أيضاً من جهةٍ ثانية، مع اعتبار أن لكل طرف نظرته الخاصة في فهم معنى الحضارة. ومن اختلاف وجهات النظر وتنازعها يمكن أن تتولّد شرارات المجابهة بين الطرفين كما حدث في الماضي. الفصل الثاني: الإسلام بين رؤيتين غربيتين: وفيه نركز على نقطتين بارزتين: النقطة الأول تتمثل بالرؤية الغربية السلبية تجاه الإسلام والمسلمين، والنقطة الثانية الرؤية الغربية الإيجابية تجاه العقيدة الإسلامية وما قدّمته للبشرية من جلائل الأعمال والكشوف العلمية. ومن خلال هاتين النظرتين الغربيتين تناولنا حركة الاستشراق ودورها في نقل صورة الإسلام إلى الغرب، سواء كانت تلك الصورة المنقولة حقيقية أم مشوّهة، وقد نوّهنا إلى ضرورة عدم لوم المستشرقين في كلّ ما كتبوه عن تاريخنا وذلك لعدة أسباب قد ذكرناها في مكانها المناسب. الفصل الثالث: الغرب في المنظور الإسلامي: وفيه تكلمنا عن نظرتنا كمسلمين تجاه الغرب، هل الغرب صديقنا أم أنه عدوّنا الدائم؟ ماذا نأخذ منه، وماذا نترك له؟ هل هو متفوّق علينا أم أننا نخادع أنفسنا بكلمة (لا)، وهل بالمقابل هو مجتمعٌ آمن ولا يحتاج إلى قيم أخلاقية تضبطه حتى يعيش بالمستوى اللائق لكلمة (حضارة)؟. إنَّها مجموعة أسئلة تناولناها في هذا الفصل من بحثنا بشكل موجز ومفيد. الفصل الرابع: موقع الإنسان في الإسلام والغرب: ربما يختلف موقع الإنسان باختلاف درجة الوعي الحضاري عند كل شعب أو مجتمع، ولهذا السبب أردنا أن نبيّن في هذا الفصل موقع الإنسان بشكل عام، والمرأة بشكل خاص في المجتمعين الإسلامي والغربي. وتناولنا بعض المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية السائدة في كلتا الحضارتين من منطلق تصويرهما عند كل طرف منهما. الفصل الخامس: ماذا يريد الغرب من (الآخرين)؟: لا أحد يستطيع أن ينكر أن للغرب مطامع ومصالح في كل بقعة من بقاع الأرض. ولكن ما هي المطامع أو المصالح التي تربط الغرب بنا كمسلمين؟. هل يريد الغرب منّا أن نقتلع جذورنا بأيدينا؟!. وهل يريد منّا أن نكون نسخة (فوتوكوبي) عنه مع مراعاة البعد الجغرافي والفارق الاجتماعي، أو بتعبير آخر هل يريدنا أن نعيش على أرضنا الأمّ مع إسقاط هويتنا الثقافية وحمل هويات ثقافية جديدة صنعها الغرب خصيصاً لنا؟. وكيف يحصل الغرب منا على ما يريد؟. عندما نكون واقعيين ومنطقيين، نستطيع أن نحصل على الإجابات الشافية لهذه الأسئلة الملحّة التي يمكن أن تخطر على بال أيّ إنسان مسلم، أو حتى غير مسلم، يعيش معنا على أرضنا. الفصل السادس والأخير: صراع الحضارات أم حوار الحضارات؟. يدور هذا الفصل الختامي على ضرورة استبعاد النزعات الصدامية التي يحرّض البعض على حدوثها والاستعداد لها في هذا القرن الجديد. فالأصل في الإنسان المسالمة وليس العنف، (والفطرة السليمة بدورها تأنف الصراع وسفك الدماء)، بل يميل إلى الأخذ بالكلمة الطيبة والحوار البناء الذي يدعونا القرآن الكريم إلى اعتماده أساساً ومنطلقاً في حوارنا مع الآخرين. والسؤال الجوهري المطروح في هذا الفصل الختامي هو: هل الغرب قابل للحوار ومستعد للتغيير؟. وبالطبع فإنَّ الجواب موجود في هذا الأخير الذي جعلناه خاتمة مطولة لبحثنا عن علاقتنا بالغرب وعلاقة الغرب بالإسلام. ولا داعي للتنويه مطوّلاً لأننا أتحفنا بحثنا بالأقوال والأحاديث الواردة عن سماحة الإمام المجدّد الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، حيث استخدمنا الكثير من مؤلفاته القيّمة في الخوض بين لجج هذا البحث الحساس والدقيق. ونسأل الله لسماحته الرحمة، ولشقيقه الإمام آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دوام الصحة والعافية؛ ليحمل اللواء ويتابع مسيرة أخيه الفكرية والروحية على طول الساحة الإسلامية. ونسأل الله أولاً وآخراً الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين وأن يتقبل منّا هذا العمل المتواضع: إنّه سميع مجيب غفور رحيم.
|
|
الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا
أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م info@shrsc.com |
