شبح أسلحة الدمار الشامل

مقدمة 

في المرحلة التحضيرية لهذه الدراسة، تقدّم مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات باستفتاء إلى الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي " قدس سره " قبل وفاته بمدة وجيزة حول جواز تصنيع واقتناء وتطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل، و كذلك لإبداء رؤيته حول الحروب غير التقليدية التي باتت تهدد الحضارة والكيان الإنساني.

وفي العاشر من شهر رمضان المبارك عام 1422 هـ وردنا جوابه " رحمه الله " بالشكل التالي: 

صورة عن النسخة الخطية لنص جواب آية الله العظمى

الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)

حول أسلحة الدمار الشامل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 إني أتصور أن اللازم أن يهتم جماعة من العقلاء لإفناء الأسلحة النارية حتى البندقية، وإرجاع الأمر إلى وسائل الحروب البدائية كالرمح والسيف والخنجر والسهم، إنها توجب العدالة في المحاربات، كما ورد في الحديث ان الإمام المهدي يقوم بالسيف  وقد كتبت ذلك قبل أربعين سنة  و لا غرابة فقد قام جماعة من العقلاء إلى تحريم القنبلة الذرية ونحوها، و لا فرق بين الأمرين وإلا فلا حد يقف لتطوير الأسلحة والشيء الضار فيه، وعلى العقلاء أن يقفوا دون وجوده واستعماله، وما كان الحل إذا لم يقف العقلاء أمام استعمال الذرية بعد إن استعملت في اليابان ؟

وإنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، أنقذ الله البشرية من الشرور ببركة العقل والدين، وهو المستعان.

محمد الشيرازي

وهذه دعوة صريحة إلى كل العقلاء في العالم، لبذل ما بوسعهم من أجل التأثير على الرأي العام العالمي بكل الوسائل الفكرية والعلمية والتوعوية، للحد على الأقل من تصنيع وتطوير كافة أنواع الأسلحة فضلاً عن التفكير الجدي في إفنائها، خصوصاً بعد أن سرت النزعة العسكرية، والميولات الاستبدادية التي اعتمدها الحكم المطلق في شموليته المعنونة بالعولمة، وفرض النظام العالمي الجديد. بينما بقي الرأي العام بحاجة إلى فرص أكثر ودوافع أعمق، لإدراك الواقع الذي يبلور مفاهيمه في طريقة اتخاذه للقرار.

 وتأتي دعوته بالرجوع إلى وسائل الحرب البدائية لقوله(قدس سره)؛ إنها (توجب العدالة في الحروب)، فقد باتت الحروب في العصر الراهن من أشد المآسي التي تتعرض لها البشرية، بعد أن كانت الحروب التقليدية لا تتجاوز على الأغلب ساحات القتال، وإن تجاوزتها؛  فمن الممكن إيجاد وسائل وقائية تقلل من أضرارها وتأثيراتها على المستويات المختلفة الممتدة من ميادين الحرب وحتى المدن التي قد تطالها.

فبعد أن كان المقاتل في ساحات القتال يتشبث بكل الأدوات والوسائل التي تؤمّن له الستر والحماية، سواء في الخنادق أو المواضع، أو بتستره في الآليات المدرعة كناقلات الأشخاص؛ لم يعد يجد له ملجأً في ظل التدمير الهائل الذي تسببه أسلحة الدمار الشامل، والتي أصبحت تهديداتها من أدوات القمع البشري في أجواء التحديات، واهداف العمل السياسي المخطط والممزوج بالممارسات القتالية وفق المصالح الاقتصادية. أضف إلى ذلك الجوانب النفسية المتولدة من الخطط الجزئية والتعبوية والقيادية التي تهيمن على عقلية ساسة وقياديي العالم، وتأثير هذه الضغوط على أسلوب مجابهتها المتمثل بين الردع وبين التسابق العلني أو المخفي من أجل الحصول على أسلحة الدمار الشامل بأي ثمن كان، حتى أن بعض الدول التي تعاني من أزمات مادية على المستوى الاقتصادي، صبت جل اهتمامها من أجل الحصول على هذه الأسلحة، وربما تركت شعوبها في مستويات اجتماعية متدنية، إذ آثرت على الشعوب شغفها بالرياسة والجاه والسلطة. وكلّ من حب الجاه والسيطرة والاستعلاء والظلم والبغي، محرم في الشريعة الإسلامية، خصوصا ً على الأسلوب المتبع في هذا العصر كما يؤكده الإمام الشيرازي ويعتبره من أسباب الحروب.

والأخطر من كل ذلك، عندما تمتلك قيادات غير حكيمة مثل هذه الأسلحة، وتصبح حاجتها إليها لأجل ضمان بقائها وتأثيرها في معادلة الصراع القائم على المصالح، البعيد عن القيم والمبادئ الرادعة عن أعمال العنف بما فيها استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ً، وحتى الفتاكة منها . وكنتيجة فعلية لاختيار هذا النمط من الصراع لأجل البقاء وتحقيق المصالح، خيم شبح الحروب غير التقليدية على أرجاء العالم وأصبح من الأولويات التي لا ينفك عنها الفكر الإنساني بحديه السلبي والإيجابي في طريقة النظرة إليها.

فالحرب عموماً أسوأ شيء عرفه الإنسان في تاريخه الطويل، وهي في ذاتها قبيحة لما فيها من قتل النفوس والتخريب والتدمير، وقد قال سبحانه مؤيدا ً ذلك:

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة /216) والظاهر من هذه الآية أن القتال لو كان أمرا ً طبيعيا ً لما قال سبحانه: وهو كره لكم.

فالحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة وليست أمرا ً طبيعيا ً في البشر كما قيل من أنها ظاهرة قديمة، أو أنها مظهر من مظاهر (تنازع البقاء)  الذي هو وصف طبيعي ولازم لجميع الكائنات الحية وأنه سنة من سنن الاجتماع البشري كالمرض وسائر العوامل الطبيعية التي تؤذي الإنسان. الا أن هذا لا يجعل من الحرب أمراً لابد منه، فليست الحرب حقيقة أولية، وإنما هي ظاهرة ثانوية تقع بسبب عنف بعض الأفراد. لذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقدم على حرب واحدة، وانما كانت حروبه دفاعاً عن النفس، بل لم يكن يلجأ إلى الحرب الدفاعية أيضاًَ الا بعد فقدان كل الخيارات كالحياد أولاً، كما حدث بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الحبشة، والعهد ثانياً، كما عاهد(صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود والمشركين في المدينة المنورة، وكفار مكة في صلح الحديبيّة، ودور الدعوة إلى الإسلام ثالثاً، فإذا أسلم الطرف المحارب فقد حقن ماله ودمه و لا عدوان الا على الظالمين، فالإسلام ليس قسريا ً وإنما هو عبارة عن الأدلة القاطعة التي توجب إقناع العقل بصحة المبدأ والمعاد والرسول والشريعة. وغيرها من الخيارات الأخرى كالجزية .

ومع انقطاع كل هذه الاساليب يأتي دور الحرب الدفاعية التي اتصفت كل حروب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بها ( ).

فان كانت استراتيجية عصر صدر الإسلام تنطلق من أسس أخلاقية قائمة على وثاقة الاعتقاد والإيمان بالمبدأ الذي يحدد طبيعة العلاقات بأنواعها، والتي لا تختلف عنها الأديان الصحيحة الأخرى كما نزلت على الرسل (عليهم السلام) في رفضها للحروب وتبنيها السلام، فإننا نجد أن الابتعاد عن هذه الاستراتيجية أوجد أساليب مختلفة من اعتداءات وتجاوزات، وخرق لكل الشرائع والأعراف والمنطق الإنساني. فأصبحت اللغة السائدة في هذا العصر هي لغة العنف وسيطرة القوي على الضعيف البائس، وبآليات علمية دقيقة تفتك بكل مظاهر الحضارة والمدنية، وبتبريرات تدعي الدفاع والتحرر وحماية حقوق الإنسان، من غير اكتراث إلى نوع العمليات العسكرية التي قد تمارس، وحجم الضحايا الذي يلحق بالشعوب المغلوبة على أمرها من جرائها، وما تخلق من أنواع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي ستتفاقم بسببها الفوضى والتمرد في أنحاء العالم.

وعن هذا يقول الإمام الشيرازي: إن الله سبحانه قدّر الخير للإنسان بكل أنواع الخير، وقد قال سبحانه: ]مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت[ (الملك /2)، وقال عن ليلة القدر التي ]فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[ (الدخان/4)، ]سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر[ (القدر/ 5) فالسلام والأمن، والسلامة والخير هي التي يقدرها الله سبحانه للإنسان، ويكتبها له طيلة سنته ويبشره بها في مطلع عامه، ولا عجب فإنه سبحانه هو الرحمن الرحيم بعباده، العطوف الرؤوف المنان الحنان، المستعان السلام، المؤمن الغفار إلى غيرها من صفات الرأفة والرحمة.

نعم لا شك في أن الله سبحانه وتعالى قدر شيئاً قليلاً مما ينفر الإنسان منه، من تعب ومرض وموت، لكنها بالنسبة إلى بقية مشاكل الإنسان كواحد من ألف، والباقي هي وليدة نفس الإنسان، حتى أن تضرره بالسيول والزلازل واضطراب البحر وهياجه، والعواصف والقواصف والحر والبرد وغيرها من الكوارث الطبيعية، هي من الإنسان نفسه، فإنه لو احترز عن الأخطار الطبيعية، بإعداد المقدمات والتهيؤ لصدها، فبنى السدود مثلاً أمام سيول الأمطار، وعواصف البحار، وفيضان الأنهار، وجهّز الدور والأبنية والمؤسسات بمواصفات تقاوم الزلازل والهزات الأرضية، وهيّأ الواقيات التي تحفظ الناس من الحر والبرد وسائر الأخطار، لقلت الأضرار من الألف إلى الواحد أو أقل منه، والدليل على ذلك البلاد الصناعية في العصر الراهن، التي تعيش بمأمن من كل ذلك.

فالضحايا وخسائر الكوارث الطبيعية هي من الإنسان نفسه، كما أن تفشّي الفقر والأمراض والجهل والاندفاع نحو الحروب وتطوير وسائل القتل واستخدام التقنيات العلمية في الأغراض الحربية، وإثارة النعرات الطائفية، وخلق الأزمات وتفعيل دائرة الصراعات وما أشبه، هي من الإنسان نفسه، وكذا تسلّط الدكتاتوريين على بلاد الإسلام ورقاب المسلمين،هي أيضاً من نفس الإنسان، حيث احتكر القدرة لنفسه ولم يوزعها حتى تتوازن القدرات ولا تطغى إحداها على حساب الآخرين، وقد قال تعالى: ]إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[ (العلق/ 6-7).

وفي الحديث أن للقدرة سكراً كسكر الشراب، والذي يحد منه هو توزيعها وعدم الاستئثار بها لفرد واحد أو جماعة خاصة، ومن الطبيعي أن الإنسان لو قام بإعداد المقدمات وتهيئة الأسباب في كل مجال بما يخصه ويرتبط به، لم يحدث شيء من تلك المشاكل والخسائر والضحايا التي تهدد الإنسان في كل لحظة وكل زمان، بل يبقى مأموناً ومصوناً منها ( ).

ومع هذه الرؤية الإسلامية إلى الإنسان وعلاقته بالكون والحياة في إطاره السليم الذي حدّده الله تعالى له، ينساق التوجه في أغلب الأحيان إلى الدين الإسلامي، بادعاء موهوم على أنه دين قائم على أساس استخدام  مظاهر العنف في طريقة عرضه وتحليله ومعالجته للقضايا. ولا يستبعد من هذا التوجه، بعض المسلمين أنفسهم، الذين قرأوا صفحات دموية من تاريخ الحكام المسلمين الذين اعتلوا سدة الحكم الإسلامي، وسيّسوا الناس وفق رغباتهم الشخصية ودوافعهم الذاتية، حتى انتقل هذا التصور إلى غير المسلمين الجاهلين بالإسلام وبرؤيته الكونية وقوانينه في عموم الحياة، علاوة على بعض المسلمين ممن فسر مفاهيم إسلامية مقدسة كالجهاد، أو الدفاع المشروع، وأسلوب التفاعل والتعامل مع الأديان والأقليات الأخرى بناء على تصور قاصر عن فهم الحقائق التي يستند إليها  الدين الإسلامي بطبيعته الكونية المنسجمة مع الفطرة الإنسانية السليمة أولاً، وعن حجم المآسي التي قد تلحق بالبشرية جراء النفور عن الإسلام وتشويه سمعته ثانيا ً. ولا يخفى ما لتصوير المواقف، وتهييج المشاعر، وتحريك الكوامن، وربما اختلاق الأحداث والإشارة بيد الاتهام إلى المسلمين لتحقيق مصلحة ما، من أثر سيئ يهدد الأمن سواء للمسلمين أو لغيرهم. وقد يخلق أيضاً المبررات إلى استخدام شتى الوسائل بدافع الانتقام، أو الادعاء بالدفاع المشروع أو الحرب من أجل تحقيق السلام والعدالة المزعومة. فخطاب الإدارة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ركز على أمرين في غاية الخطورة:

الأول: إما أن يكون العالم معهم أو أنه مع الإرهاب.

والثاني:التأكيد على عدم تورع الإدارة الأمريكية عن استخدام أي سلاح كان.

وبذلك لم تستثن الإدارة الأمريكية أي بلد من العالم، بل لا ينجو أي بلد من الاتهام بالإرهاب أو التهديد بالحرب، وباستخدام أي سلاح ضده كالكيمياوي والبيولوجي والنووي، ومن دون أي رادع قانوني أو خلقي.

لذا نجد الإمام الشيرازي في تعاطيه مع ملف الحروب غير التقليدية يركز على محاور تشكل فيما بينها نظرة الإسلام إلى السلام أولاً، ثم رؤيته الشرعية التي ترتكز على المصلحة العليا للإنسانية، وهذه المحاور هي:

1- العدالة، فانه ليس من المعقول البحث عن تحقيق الموازنة في إطار التسلح، وصناعة الأسلحة غير التقليدية، أو الحد من انتشارها على أقل تقدير، بين كفتين متفاوتتين بدرجة عالية من حيث التقدم والكفاءة العلمية والخبرة الفنية. فدعوة الإمام الشيرازي إلى الرجوع إلى الأسلحة البدائية، وان كانت تبدو ضربا ً من المستحيل في رؤية عالم يتسابق من اجل تحقيق فعلية التفاوت لفرض هيمنته، الا أنها دعوة تنطلق من الواقع الإنساني المحب للسلام والهادف إلى إحقاق الحق البشري في المعايشة السلمية بين أبناء الجنس الواحد. فشتان بين هذه الدعوة التي لا يمكن قياس منفعتها، بالدعوة إلى حالة الدمار الذي يلحق الضرر على الحضارة الإنسانية جراء التسابق على دمارها. لذلك يقول الإمام الشيرازي: إن العدالة التي يؤمن بها الإسلام تنبع من رؤيته إلى العدل في كل حركة وسكون، وائتلاف وافتراق، وقصد وعمل..وعلى ضوء هذا المعنى العام من العدل، يضع الإسلام خطوط المساواة بين الأفراد والمجتمعات.. فليست المساواة في نظر الإسلام بالمعنى الذي يحلو لبعض الناس التشدق به، من توزيع الثروات.. واستواء الأفراد - مهما افترقوا في العمل والعلم وسائر الميزات - أمام القانون. إنه الجور الواضح، فكيف يساوى بين العالِم القدير الذي تشع من أنوار علمه المدن والأرياف، وبين الجاهل الذي لا يساهم في ترقية الحياة بشيء، وهكذا.. قل: بين الطبيب والمهندس والفقيه و.. و.. وبين غيرهم ممن لا طائل في وجودهم؟ إذاً: فالمساواة في نظر الإسلام مساواة عادلة، لا مساواة عمياء.. مساواة تراعي الحقوق المايزة.. فهي مساواة في التساوي، وتمايز في  الاختلاف، فلا تمايز بلا مبرر، ولا تساوي من غير استواء، وعلى هذه القاعدة قسم الإسلام الحقوق والواجبات.. على الرجل والمرأة.. والغني والفقير.. والكبير والصغير.. والشريف والوضيع.. والأفراد والجماعات..( )

2- إن الحرب ظاهرة ثانوية، وليست أمراً طبيعيا ً في حل الخصومات وتحقيق الأهداف، أما إذا كانت الأهداف والغايات غير مشروعة، فان الحرب حينئذ ستفقد مشروعيتها بهذا العنوان أيضاً، فلا رادع عندئذ عن استخدام أي نوع من الأسلحة حتى غير التقليدية فتعم الفوضى والدمار.

3- إن الإسلام يعتبر السلام هو الأصل، والإقدام على الحرب آخر الوسائل في حل  المنازعات، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم وسيرة النبي وسيرة أهل البيت. أما الاضطرار إلى الحرب، والمقصود به اللجوء إليها اضطراراً، فإنما يتحقق بعد استنفاذ جميع الوسائل المشروعة. بل ان الممارسات المشروعة في الدين الإسلامي مقدرة  بقدر هذا الاضطرار، فلا يجوّز الإسلام الممارسات العدائية الخارجة عن إطار الاضطرار، بل يعتبرها بغياً وظلماً وعدواناً.

لكن الملاحَظ على الحروب السائدة في هذا العصر كثرة التجاوزات، والاعتماد على جميع الأساليب المحرمة شرعاً وقانوناً، و لاغرو أن يعزو الإمام الشيرازي في كتابه (طريق النجاة) السبب الأول والرئيس في إثارة الحروب بأنواعها إلى عدم الإيمان بالله واليوم الآخر( )، فحيث أن الاستخفاف بقيم البشرية من شأنه أن يدفعها  إلى التنازع بكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة، على خلاف رؤية الإسلام وتشديده على حرمة القتل وسفك الدماء كما في قوله تعالى ¬مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً (المائدة / 32). فعن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير الآية قال: له في النار مقعد لو قتل الناس جميعا ً لم يرد الا ذلك المقعد( ). وعنه (عليه السلام)  قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أول ما يحكم الله في يوم القيامة الدماء، فيوقف ابني آدم فيقضي بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء، حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك، حتى المقتول بقاتله فيستشخب في دمه وجهه، فيقول: أنت قتلته؟ فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته؟.. فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً( ).

فالإسلام يرى أن المحور في ديمومة الحضارة الإنسانية وتطورها  إنما يتموضع في الإنسان، فكل ما يسعده هو القانون اللازم الاتباع، على عكس التفكير في المنطق الغربي الذي يؤمن بمحورية المادة وتأثيرها على الغايات والسلوكيات، وعلى اتباع شتى الوسائل وإن كانت تجاوزاً أو اعتداء ً. فانهيار البنى العقيدية، يؤدي لا محالة إلى انهيار الأسلوب الاجتماعي( )، وبروز أنماط اجتماعية تصوغ الذهنية البشرية وفق متبنيات جديدة وإن كانت غريبة عن القوانين الطبيعية للبشرية والقيم الأخلاقية. وبذلك تسود القوانين الدكتاتورية المنافية لحريات الإنسان وأحقيته في اختيار نمط المعايشة السلمية، والعمل والتفكير في ظل العدالة والسلام العالميين.

وفي هذا الصدد ينقل الإمام الشيرازي رأي أحد الساسة في قوله: إن الحقيقة التي يجب أن يتذكرها الإنسان دائماً هي أن الجهاز الذي يستغله الخارجون عن القانون في السيطرة مكون على هيئة نمطهم الأخلاقي، وهو يتيح قوة للآلاف ممن لا عهد لهم بالمسؤولية، وهو يبرر لهم استعمال الإرهاب، والعنف بوصفهما أسلوباً للسيطرة على حياة المواطنين العاديين، ويضفي استعمال القوة بدون أي قانون على أولئك الذين عهد إليهم بها إحساساً بآفاق لا حدود لها في متناول أيديهم، فهو يرضي خيلاءه بأنواع التبرير العقلي والمصلحة الشخصية على أنها الواجب ويحررهم من الاعتماد على القيم، وذلك عن طريق مقارنة هذه القيم بما لاقاه الشعب في الماضي من فشل وعن طريق إثبات أنها قيم غير مجزية، والناس يتعودون على الجو الذي يعملون فيه، فهنالك آلاف مؤلفة من الأعضاء الشبان في الحركات الانقلابية لا يعرفون شيئاً مطلقاً عن أساليب الإقناع العقلي بوصفها وسيلة للحكم وإنما وسيلتهم الوحيدة السلاح، وقد علّموهم بأن لهم الحق فيما يستطيعون الحصول عليه، والشهادة الوحيدة التي يعرفونها بشرعية عملهم هي أن يكون العمل ناجحاً، والنجاح في ميزانهم غير النجاح في ميزان العقلاء، وهم يدربون على اعتبار العنف رجولة، والازدراء بالناس كرامة، ومن ثم يفترض أن الشك والمناقشة في أي شيء صادر من القمة - الزعيم الأوحد - هي من علامات الضعف والانحراف، وكذلك يعلمهم من فوقهم أن الدنيا أمامهم ليأخذوها وأن لا حدود لحقهم إلا مقدار قوتهم، وكلما زاد تكريسهم أنفسهم لهذا المذهب الشاذ الذي يلقى إليهم من فوق زاد أملهم في تحقيق طموحهم، ولما كانوا يعيشون في سيل لا ينقطع من غرس الأفكار التي تصر على أن أي نقد يوجه إلى الزعيم أو طريقته هو عداء للدولة؛ يكونون هم أيضاً أسوداً على الناس، والمبرر الوحيد الذي يبرر كل ذلك في نظرهم أن الزعيم الأوحد هو الذي انتصر وأنه وصل إلى الحكم إما بانقلاب عسكري أو بانقلاب شعبي انتهزه الزعيم الأوحد حتى سيطر على الحكم وحرف الثورة عن مجراها الواقعي إلى عبادته الشخصية ( ). 

4- إن الحروب الحديثة هي من أبرز مظاهر العنف،  وانطلاقاً من تبني الإمام الشيرازي لمبدأ اللاعنف، فإنه يرى لزوم نبذ العنف سواء القولي منه، أو العملي بكل أشكاله كوسيلة ناجعة في وضع اللبنات الأساسية للمنطلق الفكري والعملي نحو تحقيق السلام على الأرض.

5- الحيلولة بكل صلابة وقوة دون وقوع الحروب، ودون وقوع مقدماتها، ومن مقدماتها التجهّز بالمعدات والأسلحة  الحربية التي تتطور باستمرار تبعا ً للبحوث  والاستكشافات العلمية التي زادت من خطورتها.

 إن الدعوة إلى السلام لايمكن تحقيقها اعلامياً على الرغم مما للوسائل الإعلامية من دور فعال في طرح الحقائق وتصوير الواقع الذي يصاحب الحروب من أنواع الرعب والمخاوف، لكن الإعلام صياغة فنية تنقل المتابع إلى عالم يرسم أبعاده الإعلامية على وفق مبادئه ومغزاه الذي يحاول  تغذية العقول به.  فالحاجة الفعلية إنما تكمن في قلع جذور الحروب والحد من المنازعات، بإشاعة الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

6- إن المجتمع البشري اليوم يتصف بالخواص التالية:

أ) تمركز رأس المال بيد النخبة الحاكمة في البلاد الشرقية، والرأسماليين في البلاد الغربية، إلى جانب فقر مدقع ومسكنة لا نظير لهما في التاريخ، شملا الملايين من الناس.

ب) سباق التسلح وحيازة أسلحة الدمار الشامل، والخوف المطلق الناجم منهما، والحروب واستيلاء روح الانتقام والتوحش.

ج) ضعف الإيمان والأخلاق، والتحاسد والتباغض والفوضى والاضطراب وغيرها.

د) استيلاء الروح النفعية والمصلحية والانتهازية على السياسة والاقتصاد والاجتماع ( ).

7- إذا كان العالم اليوم عالم العقلاء فلماذا قتل الملايين خلال نصف قرن في حربين عالميتين، تركت العالم شظايا ورماداً ودماءً ودموعاً وأشلاءً ومعوقين ؟ ولماذا نرى الأمم المتحدة مكانا ً لهدر الحقوق ؟ وإذا كان العالم "عالم العقلاء" فلماذا نبني المستشفيات للعناية بالصحة، ونربي الأطباء الحاذقين، ونكدح ليل نهار لعلاج عين أو قلب أو شفاء حمى أو... ثم في قبال كل ذلك نهيئ وسائل التدمير الجماعي التي تخلف ملايين الجرحى والمصابين والمعوقين ؟ هل هذا عمل العقلاء؟ أليست هذه الأمور وأمثالها دليلاً على أن العالم الذي نعيش فيه قد فقد الموازين؟

إن الحضارة ليست من الخيالات التي يثبت ادعاؤها بمجرد التشدّق بها، ولا شعراً يكفي نظمها في أحسن القوافي بل هي حقيقة واقعية، يعكسها الواقع الخارجي لمن يدعيها، وتحقّقها الآثار العملية لمن ينتسب إليها. ونريد أن نشير هنا إلى أنه لا يتمكن الغرب من ادّعاء الحضارة بل ولا الشرق وذلك لما نجده من الوحشية والبربرية وسوء معاملة الغرب للمسلمين في أبان ما يدعونه بالحضارة، بينما عاملهم المسلمون في أبان حكمهم خير معاملة. إن الغربيين بأنفسهم كالدكتور (غوستاف لوبون) وغيره وصفوا المسلمين خير وصف وأثنوا عليهم خير ثناء، وأطروا عليهم - لحسن معاملتهم غير المسلمين في كتبهم - أفضل إطراء( ).

الحرب والسلم، رؤية معرفية:

يستند الإمام الشيرازي في طريقة استنتاجاته وعرضه لنظمه الفكرية، إلى الأسس الإسلامية المستفاد منها في نصوص القرآن الكريم، وما ورد على لسان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأكدته سيرته وسيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

فهو يرى أن الحرب حالة استثنائية في الإنسان ( ) اضطرارية، وأن الأصل الذي يتبناه الإسلام بما تفيده جملة من الآيات القرآنية والروايات هو السلم، كقوله تعالى ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[ (البقرة / 208) وقوله عز و جل  ]وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[ (الأنفال /61)  وقوله تعالى: ]وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا[ (البقرة /217) وقوله سبحانه  ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الممتحنة / 6-9) وهذه الآيات التي ذكرها الإمام الشيرازي لو جمعت مع آيات الجهاد، كانت النتيجة ان السلم هو الحكم الاولي الذي يعتقد به الإسلام, وان الجهاد والحرب حكم ثانوي اضطراري يضطر لهما الإنسان لرد الاعتداءات ليس إلاّ. 

إن الأحكام والرؤى الإسلامية التي تستوجب مشكلات العصر إبرازها، ومنها الحرب غير التقليدية عموماً وصناعة أسلحة الدمار الشامل بأنواعها , إنما تؤكد على وجوب الحد منها بأقسامها. ويركز الإمام الشيرازي في سياق عرضه على أمرين هامين منتزعين من روح الإسلام ومبادئه هما:

1. إيمان الإسلام بالسلام ومخالفته للعنف والحرب والدمار وهدر حقوق الإنسان.

2. أن السلام مقدر بعدم تجري المعتدي أوالمتجاوز.

 لذا نرى أن رؤيته حول الحرب غير التقليدية وأسلحة الدمار الشاملة تؤكد أساساً على حرمة مثل هذه الحروب كما في رده على شرعية امتلاك وصناعة وتطوير أسلحة الدمار الشامل، إذ يقول: إنها خلاف نزاهة سمعة الدولة الإسلامية ( )، فالحروب غير التقليدية حروب تجارية سياسية , يُبتغى منها السيطرة وهذا ما لا يجوز في الإسلام إطلاقاً( ), فالحروب في التاريخ الإسلامي حروب منزهة عن الأساليب غير الإنسانية التي تهدد كيان الإنسان وتتجاوز على حقوقه , بل ان الإمام الشيرازي عند اشتغاله بالقواعد الفقهية كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) يذهب إلى أن المصانع التي تفرز غازات سامة تسبب الضرر بالناس , فإن عملها هذا يسوّغ للدولة إخراجها من المدن وإبعادها عن الناس , حتى ولو قيل بدليل القاعدة الفقهية القائلة بأن (الناس مسلطون على أموالهم) فان دليل (لا ضرر ولا ضرار) حاكم عليه، بمعنى تغلّبه في ميزان التأثير المسبب في جريان الحكم. وعلى هذا فان الأضرار والمخاطر الناجمة عن الحروب غير التقليدية لايمكن قياسها بالغازات السامة التي تفرزها المصانع , إذ قد يكون تأثير الأخيرة محدوداً و ضئيلاً يظهر بشكله الجلي على البيئة، و يمكن تجاوزه أو معالجته بينما تسبب الأولى هلاك البشرية ودمار الحضارة بكل معانيها. لذا نرى ان التشديد والتحذير الوارد في قول الإمام الشيرازي من أن الحروب الحديثة هي من أبرز مظاهر العنف، هو لجريان هذا العنف في مفاصل الحياة برمتها , لأسباب وأبعاد سياسية واقتصادية محضة، بعيدة كل البعد في مقاصدها عن القيم الإنسانية، ومخالفة لأهدافها السامية، والتي توجب ازدياد أخطار الحروب. فالأسلحة الفتاكة التي اكتشفها العلم الحديث، والمتمثلة بأسلحة الدمار الشامل، توجب نسف الحضارة، إذ تلتهم الاقتصاد، وتوجب الفقر الاقتصادي، والتخلف الحضاري بكل أبعاده الصناعية والتربوية وغيرها( ).

فالحروب غير التقليدية هي أخطر أنواع الحروب التي عرفها التاريخ الإنساني، والعلم العسكري يؤكد من خلال ممارساته الميدانية وأساليبه التعبوية على أن التأثير الناري الذي تحدثه قنبلة هيدروجينية، يعادل التأثير الناري الصادر من فوهة مليوني مدفع من العيار الميداني. وأن التأثير الإشعاعي النيوتروني بإمكانه اختراق ترسانة من الاسمنت قد تبلغ الأمتار، ناهيك عن التأثير الحراري الذي يسبب غليان الماء على بعد المئات من الكيلومترات في التجارب النووية التي تجرى في المحيطات والبحار. وأن القنبلة الذرية التي ألقتها أمريكا على اليابان قتلت ربع مليون إنسان في ظرف سويعات وأبادت كل شيء.

ومن هنا يصف الإمام الشيرازي هذا المنطق بأنه منطق لا يقبله عقل ولا شرع، بل هو منطق الانحراف فحسب ( )، فإن كان عالم اليوم يدين المجازر والتعذيب الذي قاسته البشرية على مر التاريخ، فإن الجرائم التي ترتكب اليوم على مشهد الأحداث في عالم ينادي بالسلام وإحقاق العدالة تفوقها، وقد لا تقاس بها.

وعلى أي حال فإن أسلحة الدمار الشامل حقيقة قائمة في حدودها العلمية والعملية، وذلك لتوفر أساسيات العمل اللازمة لها وهي؛ المال والكفاءة العلمية والمجال اللازم لإجراء التجارب الاختبارية. وعندما يتناول الإمام الشيرازي هذه التجارب العلمية بحد ذاتها، يجيب على التساؤلات المثارة حولها بحسب الفرض الموجه إليه فيقول: تجارب الأسلحة والرؤوس النووية والهيدروجينية وسائر الوسائل الحربية جائزة، بشرط أن لا توجب ضرر إنسان محترم أو حيوان محترم، ولم يكن هناك وجه آخر للتحريم، وقد يجوز مع فقد الشرط فيما إذا دار الأمر بين الأهم والمهم.

أما الوجه الآخر للتحريم: فهو مثل أن يكون ذلك خلاف نزاهة سمعة الدولة الإسلامية، حيث اللازم الإبقاء على سمعة الإسلام ونزاهة الدولة الإسلامية حتى لا ينفر الناس منهما، وأما الأهم والمهم فهو مثل: ما إذا تعارض بين النزاهة وبين القضاء على بيضة الإسلام، حيث أن الإبقاء على الإسلام أهم، والأحكام المذكورة في المسألة حسب القواعد والأدلة العامة( ).

ومن هنا يبدو جلياً أن كل أنواع التجارب المذكورة جائز بشرط عدم الإضرار بالإنسان بالدرجة الأولى، إذ أن الإسلام يعير اهتماما ً متزايدا ً لحرمة الإنسان، فقتل النفس المحترمة دون استحقاق ودليل هو من أشد الكبائر التي توعّد الله تعالى عليها وشدد العقاب بحق مرتكبها، وهذا ما يستفاد من الآية الآنفة الذكر بقوله تعالى ]كَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [. ويستقطب الحكم جانبا ً مغايرا ً يتصف بالحرمة عند دوران الأمر بين الحفاظ على سمعة الإسلام والمسلمين وبين الانخراط في هذه التجارب، عندها لا يُقدّم شيء على سمعة الإسلام والمسلمين، إلاّ الحفاظ على بيضة الإسلام في حال الاعتداء والتهديد المباشر الذي يهدد كيان الأمة الإسلامية وواقع الإسلام الفعلي، وهو ما أشار الإمام الشيرازي اليه بقوله: أن السلام الذي يتبناه الإسلام يقدر بعدم تجري المعتدي أو المتجاوز.

ولهذا فقوله في كتاب الجهاد، تجوز محاربة أعداء الإسلام بأنواع المحاربة الحديثة من الحروب النفسية والحروب الجراثيمية وما أشبههما. إنما لأجل قاعدتين:

الأولى: رد الاعتداء بقاعدة الآية ]فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ[ (البقرة / 194).

الثانية: الوصول إلى الأصلح.

إضافة إلى قاعدة ثالثة هي: الأهم والمهم، لكنه يشترط، مراعاة سمعة الإسلام والمسلمين أيضاً بأن لا يُفعَل شيء يكون ضره أقرب من نفعه ( ). ومن هذا منطلق قوله الآنف الذكر: أن الإسلام يوجب الحد من الأسلحة بمختلف أقسامها، الاستراتيجية والكيمياوية والجرثومية والذرية والهيدروجينية وغيرها، خصوصاً تلك التي تستخدم في الحروب العدوانية والحروب التجارية وحروب السيطرة، التي لا تجوز في الإسلام إطلاقا ً.

فمن هذا العرض يمكن القول بأن الجواز الذي يقول به الإمام الشيرازي؛ إنما ينشأ من أمور:

الأول: الأغراض العلمية البحتة.

الثاني: الردع لا الاستخدام.

الثالث: الدفاع في حالة استخدام العدو لها، فاستخدامها هنا هو رد فعل مشروع وليس فعلاً ابتدائياً شُرع به، لأنه عندئذٍ لا ينفك عن كونه فعلاً حراماً هو ما عبّر الإمام الشيرازي عنه بقوله: إنه خلاف نزاهة سمعة الدولة الإسلامية، وقوله: بأن لا يُفعل شيء يكون ضره أقرب من نفعه.

وكما يمكن القول أن أقواله (قدس سره) إنما هي في الجواز وليست في الوجوب، وللجواز فرص أوسع من الوجوب كما هو واضح في شمول الجواز للوسائل البديلة الأخرى.

 إننا لا نجد في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ما يخالف هذا المنطق في التعامل مع الحروب. لذا كان التركيز النظري والعملي للإمام الشيرازي في أدبياته على مبدأ السلام والمسالمة بقوله: إن السلام يصل بصاحبه إلى النتيجة الحسنة، والمسالمون يبقون سالمين مهما كان لهم من الأعداء، ولذا أن الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام كانوا يجنحون دائما ً إلى السلام، وكان أثر ذلك أن تقدم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)  ولازال عدد المسلمين يزداد اليوم بالرغم مما واجهته الدولة الإسلامية منذ قيامها إلى اليوم من الكيد والمكر( ). ولا يكون السلام، ولا يتحقق في الواقع الخارجي الا إذا كان تفكير الإنسان تفكيراً متزناً وعمله متزناً بعيداً عن المراهنات وعن الاعتباطات وعن الافراطات والتفريطات ( ).

وفي كتابه (الاجتماع)، يقدم عرضاً لواقع الحروب من حيث أقسامها والأسباب التي تؤدي إلى اندلاعها، والمزاعم التي يتبناها مثيرو الحروب، ومحاولتهم في طرح النظريات والأفكار التي تخدم مصالحهم، وأسلوب التمييز بين الحروب العدائية والحروب التي تفرض على المجتمعات، وأخطار الحروب. ثم يؤكد على جانب تحكيم الحوار القائم على أسس علمية حيادية، مسؤولة عن مصير الحضارة الإنسانية وبعيدة عن نمطية السلوك العدواني المترشح عن استبدادية الرأي واحتكار الفكرة.

  فالحرب على قسمين؛ حرب باطلين، وحرب حق وباطل، والحق لا يقدم على الحرب الا دفاعاً أو لأجل إحقاق الحق وإنقاذ المستضعفين. ولذا قال سبحانه:] وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ[ (النساء / 75) فهي أيضاً حرب دفاعية.

وحيث أن الحرب خلاف طبيعة الإنسان، بما تسببه من مآس وهتك وتدمير، فالأمم تنبذها بطبيعتها التي فطرها الله تعالى عليها، إلا أن المصالح التي تدفع البعض إلى إشعال نار الحروب بين الأمم، غالباً ما تحاول تأطير سياستها بأسباب وهمية يحاول الإمام الشيرازي معالجتها، والخروج بكونها خلافا ً للطبيعة البشرية. فهو يرى أن سبب الحرب:

إما لجلب النفع.

أو لتوهم جلبه.

أو لدفع الضرر.

أو لتوهم دفعه.

نعم قلة من الحروب، هي حروب تحريرية، تندفع الأمم إليها لدفع المعتدي أو المتجاوز، ودوافع الحروب لم تختلف في العصر الحالي عن دوافعها عند الإنسان غير المتحضر...

فتوهّم أن الحرب من طبيعة الإنسان، مثل الجوع والعطش توهّم غير مدعوم بالدليل، ولو كان كذلك لزم تحققها في فواصل زمنية خاصة مثل سائر الغرائز الإنسانية، مع أن الأمر بالعكس ( ).

ثم يردّ الإمام الشيرازي على مزاعم القائلين بأن الحرب لها منافع بقدر ما لها من أضرار أو أكثر، بصياغة مبلورة لعوامل تفيض على المجتمعات التقدم والتطور والرقي، وذلك:

أولاً: من خلال تأكيده على الثقافة المشتركة والعدالة التي وحدت الأقوام المختلفة تحت مظلة الإسلام، التي أَمِنَ فيها اليهودي وغيره والمسلم على حد سواء، من غير لجوء إلى حرب أو تقتيل،لا كما يحدث الآن بين المسلمين واليهود في الصراع الدموي العنيف القائم بينهما، فإننا لا نجد ما يشير إلى إمكانية ضمهم تحت مظلة واحدة، كما نجح الإسلام بذلك من خلال ما يؤكده التاريخ.

 ثانيا ً: من خلال تلاقح الأفكار وعدم نفي الآخر، وفتح باب الحوار، وأخذ الحسن من الأفكار دون التّزمت بالأفكار المسبقة، وتقويض الآخر عن حقه في ممارسة الحياة، فالحرية والعدالة والمساواة، ينبغي أن تكفل للجميع من غير تمييز في اللون أو الجنس أو الدين.

ثالثا ً: من خلال تهيئة الأجواء العلمية المناسبة أمام العلم والعلماء، وفتح آفاق النمو والازدهار للمجتمعات في ظل المتع الوجدانية والعقلية.

رابعا ً: من خلال الحفاظ على الثروات العظيمة للأمم،التي وهبها الله تعالى لها، وعدم هدرها نزولاً عند رغبات وملذات طائشة، وأحلام فرعونية زائلة.

ومن أسباب الحروب التي يذكرها في كتابه  الاجتماع  والتي هي في الحقيقة تستهدف تمرير المصالح السياسية والاقتصادية، افتعال الأزمات بين مختلف دول العالم، من قبل الدول الكبرى، خصوصا ً في عصر الذرة الذي تتحاشى فيه هذه الدول دخول الحروب بشكل مباشر، وهذا النوع من الحروب يطلق عليه الإمام الشيرازي (الحرب بالوكالة)  التي تتعهد الدول العميلة بخوضها لصالح أسيادها، في مقابل الحصول على عوائد تعود بالنفع على الحكام المستبدين الذين يدفعون بالشعوب في أتون الحروب.

وهذه من النتائج الطبيعية التي يفرزها انعدام الحريات، كما (هي الحال في نظم الطغيان فإذا اختفت الحرية اختفى العقل معها... والواقع ان الحرية والعقل وجهان لشيء واحد، ولهذا فإن الله تعالى القادر على كل شيء عندما خلق الإنسان العاقل خلقه حراً، في اللحظة نفسها، وللسبب نفسه. ولهذا فإنه يسهل عليك جداً أن تفهم سر العالم اللامعقول الذي نعيش فيه، والسبب في وجود التيارات اللاعقلية في حياتنا، وألوان الخرافة المتنوعة التي تحكم ثقافتنا وتراثنا... ( ). ولا شيء اخطر على العقول من الجهل الذي يستحوذ عليها في طريقة التفكير والتفاعل مع كل مفردات الكون واتخاذ القرار المناسب. لذا فإنه لا فرق في الحروب الخارجية، والمنازعات الداخلية، فكلها تنشأ من عدم تحكيم (الكلمة) وعدم التحاكم إلى (المنطق)، ومنشأ عدم التحكيم إما الجهل أو الطمع. فالجاهل إما أن يرفض منطق الآخرين، أو لا يرفضه، لكنه غير قادر على التمييز. والطامع عالم  بالحقائق لكنه يحرفها عن مواضعها. وقد أشار القرآن الحكيم إلى ذلك فقال بصدد الاول ]وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيَّ[ (البقرة / 78)، وقال بصدد الثاني ]يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا[ (النحل / 83)، وقال ]وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ[ (النمل / 14).

إن على العقلاء والمصلحين:

1- العمل على توعية الناس.

2- وضع الطامعين في قفص الاتهام. فإذا وعت الشعوب، بأن الباعث على الحرب أطماع قلة من المستكبرين في تحسين أوضاعهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فلن تستطع هذه القلة إغراءها باسم مصالح الشعوب ( ).

3- العمل على قلع جذور الحرب، والتي من أهم أسبابها: الاستعمار، والاستغلال، والاستبداد. فان هذه الثلاثة توجب عدم نيل الإنسان حقه من: الحكم، والمال، والعلم.

وهذه الثلاثة هي الأسباب الواقعية للحرب، أما أسباب الحرب المضادة، فهي أيضا ً هذه الثلاثة نفسها، لكن من الجانب الآخر، فالذين يريدون احتكار الحكم لانفسهم في قبال (الاستشارية) والذين يريدون المال لانفسهم  من الرأسماليين سواء في صورة الرأسماليين الغربيين أو الشرقيين  في قبال التوزيع العادل للمال لكل بحسب حقه، والذين يحتكرون العلم لانفسهم، تبعا ً لاحتكارهم السلطة والمال  في قبال تمكن الجميع من العلم  هؤلاء الثلاثة يتفننون في إشعال نار الحروب، لاجل أخذ الزمام من الشعوب ( ).

و يعرض الإمام الشيرازي جانباً من التاريخ الحديث المليء بالأساليب العنيفة الخارجة عن المبادئ والقيم والأخلاق، التي مارستها دول تمتلك القرارات السياسية في العصر الراهن،والتي لعبت دوراً بارزاً في رسم الخارطة السياسية للعالم، من خلال تدخلها المباشر أو غير المباشر في فرض السيطرة على الشعوب، أو إخضاعها إلى تبعيتها السياسية أو الاقتصادية، تحت عناوين ومسميات مختلفة لها قاسمها المشترك في تحقيق التبعية على وفق الاطروحات التي أعدتها بما يناسب طبيعتها الاجتماعية وخصائصها الجغرافية، فيقول:

لما جاء البريطانيون إلى العراق عاملوا الناس أسوأ معاملة، وكانوا يقتلون الجرحى، و لا يرحمون الأسير.

وفي ليبيا قتل الإيطاليون نصف الشعب الليبي الذي كان يبلغ المليون في ذلك اليوم، فقتلوا منهم نصف مليون بأبشع قتلة، وكانوا يمثلون بالجثث ويعذبون الأحياء تعذيباً بشعاً.

وكذلك فعل الفرنسيون بالجزائر فقتلوا من تسعة ملايين، مليونا ً ونصف المليون، وبعض الإحصاءات تذكر انهم قتلوا منهم مليونين وكانوا يمثلون بالجثث، ويعذبون الأحياء تعذيباً قاسياً قل نظيره.

وفي الحرب بين الهند وباكستان الشرقية ( بنغلادش) قتل من الناس أكثر من ثلاثة ملايين جوعاً وتعذيباً وقتلاً كما مات بعضهم لأجل انتشار الأوبئة.

والروس قتلوا من المسلمين في طاجكستان وتركمنستان وغيرهما من البلاد الإسلامية التي استولوا عليها خمسة ملايين من المسلمين بمختلف أنواع القتل من الإحراق والغرق والتعذيب إلى حد الموت والرمي بالرصاص وغير ذلك.

كما أن الروس قتلوا أكثر من مليون إنسان في أفغانستان، وقد امتلأت سجونهم بالأبرياء وعذبوا الناس بأبشع أنواع التعذيب.

كما قتل الأمريكيون في فيتنام وفي غيرها عدداً يعد بالملايين وكانوا يعذبون الأحياء ويحرقون المحاصيل.

وهكذا يرى اليوم في العصر الحديث أبشع أنواع القتل والتعذيب والحرق والإهانة لكرامة الإنسان ( ). كل ذلك يمثل استمراراً للسياسة العالمية التي تهدف إلى إخضاع جميع الدول إلى النظام العالمي الجديد، وبأسلوب تفويضي هو، في الحقيقة، الوجه الثاني لسياسة التسلط على المقدرات العالمية. لقد تفاقم هذا الأسلوب الجديد خطورة باعتماد هذه الدول على تحصين واقعها السياسي والجغرافي بنظام عسكري متطور ومتزود بأحدث التقنيات العلمية، التي تعتمد على مبدأ الاستباق في توجيه ضربات قاصمة للعدو، على خلاف ما يشاع و يروّج لنظرية الردع التي تخوّل عقلاً وقانونا ًً شرعية امتلاك الأسلحة والآليات الحربية بأنواعها، لأجل الدفاع المشروع.

ويؤكد الإمام الشيرازي على هذه الحقيقة بقوله: إن السبب في ازدياد أخطار الحرب زيادة كبيرة غير متصورة يعود إلى أسباب، أهمها؛ الأسلحة الفتاكة التي اكتشفها العلم، ومنها أسلحة الدمار الشامل التي قد تستخدم في الحروب غير التقليدية الحديثة. لذا تراه يحذّر العالم من مغبّة الانخراط في مسالك المخاطر بقوله: إن استعمال هذه الأسلحة في الحروب يوجب نسف الحضارة من غير فرق بين الحروب المحدودة والحروب العالمية. فإن صادف وقوع حرب عالمية، فإن الحضارة ربما تنتهي.وقد ورد في تقرير أن أمريكا كانت قد خططت لحرب نووية خاطفة ضد روسيا، تدمر خلالها خمساً وثمانين في المائة من منشأتها الصناعية. وقد كدس كل منهما في مخازنه من الأسلحة الفتاكة ما يكفي لابادة البشرية سبع مرات.

وفي تقرير آخر يذكره الإمام الشيرازي، أن الاتحاد السوفييتي  آنذاك  كان يمتلك قنابل، إذا ألقيت واحدة متوسطة منها على مدينة كنيويورك، أفنت كل ما كان فيها في شعاع مائتين وخمسين ميلاً مربعاً. إلى غير ذلك من الأسلحة الفتاكة الرهيبة والتي لا تشكل أسلحة الحرب العالمية الثانية في قبالها إلا مثل الأسلحة القديمة اليدوية  كالسيف والرمح  بالنسبة إلى المدفع والدبابة ( ).

والحرب بالإضافة إلى الهلاك والتدمير الذي تسببه، تخلّف مشوهين جسدياً، لان الأسلحة الفتاكة توجب الأمراض والتشويهات في الإنسان والحيوان والنبات، وكذلك تلتهم الاقتصاد؛ فالدول أبان الحرب تحوّل إمكانياتها إلى وسائل ومعدات حربية قد تؤدي بها إلى الفقر الاقتصادي لسنوات عديدة، والى تراكم ديون قد تجعلها ذليلة صاغرة، ورهينة بيد المستغل الذي يملي شروطه عليها ويمرر أساليبه من خلالها.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الدول المتحاربة، تؤثر على اقتصاد سائر الدول المرتبطة بها اقتصادياً، حيث أن الاقتصاد في العصر الحاضر لا يختص برقعة محددة من الأرض، بل تشابكت الدول تشابكاً كبيراً يستدعي التأثر بأي إخلال في حجم الصادرات أو الواردات.

كما أن الحرب توجب التخلف الحضاري للدول المتحاربة، وللدول المرتبطة بها، لان الحرب تعني سبات الخدمات الثقافية والصناعية والزراعية والتربوية إن لم تأخرها، فالحرب قد تفني كثيراً من العلماء الذين هم محور التقدم الحضاري، وكثيراً من الكوادر والإختصاصيين وأصحاب الخبرات المختلفة الذين يشكلون العمود الفقري في التكامل الحضاري( ).

وينتقل الإمام الشيرازي بأذهاننا إلى الدعوة الإسلامية التي دعا إليها النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)  والتي هي كانت في مقدمة التوحيد والمصلحين الاجتماعيين. فانه (صلى الله عليه وآله وسلم)  لم يستقل بقدرته ولم يجرد سيفه ليستفيد به في تحقيق دعوته، بل إن ما صرح به القرآن الكريم بقوله : ]وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ[ (الأعراف/157) لخير دليل على أن همه الوحيد كان تحرير العقل البشري ورفض الأساليب الشريرة والعدوانية التي تنم عن سوء استخدام المنطق العقلائي في السلوكيات الاجتماعية وفي إقامة العلاقات الخارجة عن الانتماء الجغرافي. وعكس هذه الأساليب الشريرة هو ما مثله الإسلام تماماً في دعوته العالمية التي سبقت الاطروحات العالمية في العصر الراهن بأكثر من خمسة عشر قرناً، اما التاريخ المعاصر فيشهد على نمط سلوكي مفرّغ من المحتوى الإنساني والقيم الأخلاقية في الدعوة القسرية إلى تحقيق العالمية وإن استدعى الأمر إلى سياسة الأرض المحروقة وإبادة الملايين من البشر. ولقد كان المسلمون  كرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ابتداء الدعوة الإسلامية، فانهم لم يجردوا سيوفهم بل كانوا يتحملون مختلف أساليب التعذيب والاعتداءات عليهم، ولم يكن باستطاعتهم الا الصبر، فمنهم من هاجر إلى الحبشة ومنهم من تحمل أذى قريش، حتى أذن الله تعالى لهم بالجهاد بقوله تعالى : ]أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا[ (الحج / 39). والتاريخ يشهد بأن حروبهم كانت دفاعية سواء مع قريش أو مع اليهود أو الروم، إذ كانت لرد اعتدائهم، حتى في غزوة تبوك بعد أن تيقن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  من رجوع الروم، أمر المسلمين بالرجوع إلى المدينة على الرغم من تحملهم المشاق. فالدولة الإسلامية الفتية التي أسسها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كان عليها الدفاع المشروع عقلاً وقانوناً، وهو ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله تعالى : ]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ[ (البقرة/ 193). فحمل السلاح واللجوء إلى الحرب إنما يحمل الشرعية في حالة استنفاذ الأساليب الأخرى لإنهاء الظلم والتعدي.

فالإسلام دين سياسي يدعو كافة الأمم إلى ندائه الرباني، بخلاف اليهودية المنحصرة في التعصب القومي في قيام الدولة الإسرائيلية، وكذلك المسيحية فهي ديانة أخلاقية فقط كما هو ثابت عند المسيحيين، من دون توغل في القضايا الاجتماعية والسياسية. والإسلام ظهر إلى الوجود على بقعة جغرافية بحيث استاءت الدول المجاورة منه، مع أن دعوته كانت لإصلاح الحياة وإقامة الروابط والعلاقات على أساس العدل والمساواة واحترام أمن واستقرار الدول المجاورة له. ولعلّ ذلك كان السبب الذي من خلاله استطاع الإسلام النفوذ إلى تلك الدول بكل اطمئنان واقتدار، في قبال الترحيب الذي أبدته شعوبها به. فهكذا كانت سياسة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)  في صدر الإسلام، وهكذا كانت سياسة الإسلام خلال انتشاره في العالم أيضاً، فكان نفوذه في جنوب شرق آسيا والهند نفوذاً طبيعياً، لا بحد السيوف كما يدّعى ولا بأي سلاح آخر. وقد ذكر ذلك نهرو بقوله: لم تحصل أي مخالفة لهذا الدين، ولم يكن ثمة تصادم ونزاع بين الهند والإسلام في ذلك الزمان.

وجاء في تاريخ اندونيسيا: أنه قدم تجار المسلمين إلى اندونيسيا في القرن الثالث عشر الميلادي من كجرات وفارس، وعقدوا روابط تجارية بين الهند وفارس واندونيسيا، ومن طريق الروابط التجارية بدأ دين الإسلام ينفذ وينتشر بين المجتمع الاندونيسي خصوصا ً في سواحل جاوة، مثل دماك.

وفي المراحل التي بعدها، توسّع نفوذ المسلمين حتى رغب ملوك الهند واندونيسيا وغيرها في قبول دين الإسلام، وأول من اعتنق الإسلام سلطان دماك، فدعا إلى الإسلام في شرق وغرب اندونيسيا وجزائر جاوة، ونفذ الإسلام في شرق اندونيسيا حتى الساحل الشمالي لجاوة، بل شمل حدود كري سيك، وتقدم الإسلام في غرب منطقة تامركز كايربن وبنتن، وبعدها سائر الجزائر الاندونيسية حتى أصبحت اندونيسيا اليوم كبرى الدول الإسلامية في تعداد نفوسها ( ).

ويصل الكاتب المسيحي جرجي زيدان في كتابه "تاريخ التمدن الإسلامي" بعد بحث مفصل عن أسباب انتصار المسلمين.. يصل إلى النتيجة التالية:

بأنه لم يتسلط أو يستولِ المسلمون على الآخرين من أتباع الأديان الأخرى بالسيف، وحتى أن الناس في المناطق التي فتحها المسلمون كانوا يفضلون الحاكم المسلم على حاكمهم ويرجحونه عليه، والجزية التي كانت تدفع للمسلمين لا تساوي شيئاً إذا قيست بمجموع الضرائب التي كان يستوفيها منهم حكام الروم وفارس، ويشهد لذلك الرسالة التي بعثها المسيحيون الذين يسكنون باب الدروازة في الأردن عند فتح المسلمين لها:

(أيها المسلمون! نحن نرحب بكم ونرجحكم على من هم من جنسنا، فأنتم تركتمونا لوحدنا، وأبديتم لنا المحبة والرحمة لنباشر طقوسنا بكل حرية وانطلاق، ولم يبدُ منكم ظلم وأذى لنا، فحكومتكم لنا أفضل بمراتب من حكومة الآخرين الذين أغاروا على أموالنا، واستولوا على دورنا).

هكذا كانت سيرة المسلمين في إتباعهم لرسول البشرية (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ نرى في سيرته(صلى الله عليه وآله وسلم)  وسيرة الإمام علي (عليه السلام)  محاولاتهما الحثيثة لتجنب وقوع القتل وإزهاق الأرواح، فقد عفا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  عن كفار مكة، وعن الذين تآمروا على قتله في ليلة العقبة، كما أن علياً (عليه السلام)  قال بعد التآمر عليه لقتله: لا ألفينكم يا بني عبد المطلب تخوضون دماء المسلمين، تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتل بي غير قاتلي. وأنه(عليه السلام)    أيضاً عفا عن أهل الجمل والنهروان بعد أن ظفر بهم. ومن هذا يقول الإمام الشيرازي: لقد تبوأ هذان القائدان الإلهيان، أعظم مكانة في نفوس المسلمين وفي نفوس سائر الناس، وكان هذا سبباً في تقدم الإسلام تقدماً عظيماً ( ).

وهكذا يتضح أثر المبدأ والقيم الأخلاقية التي تترشح منهما النظريات السياسية والاجتماعية وأنماط السلوك الفردي والاجتماعي وكما يتضح أثرهما في التعامل مع الآخر. فالانسلاخ عن هذه الالتزامات هو أبرز ما يتميز به عالم اليوم في مجمل رؤيته إلى مشكلات الإنسان المعاصر، والى نمط التفكير وتقييم الحلول التي يسيطر فيهما الجانب المادي المصلحي على صناعة القرارات السياسية التي قد تؤدي إلى صراعات ومنازعات تستخدم فيها كل الوسائل الحربية دون رادع يذكر.

 وفي الحقيقة، أن في الإسلام اختلافاً جوهرياً عن غيره في نظرته إلى الحروب، فهو عندما يجوّز محاربة العدو فإنما ينطلق من أساسيات عمله الشرعي ولا يتجاوزها، لان غاية الإسلام هي صلاح الإنسان والمجتمع وضمان حقوقهما وفق الموازين والقوانين التي وضعها، بعيداً عن ارتجالية المواقف واستبدادية الرأي ونفي الآخر. لذا ترى الإمام الشيرازي يوضح هذا المفهوم الذي يختلط على مسامع الكثيرين ممن يتهمون الدين الإسلامي بالعنف والاعتداء، على أن هذا الإيضاح لا يشمل اؤلئك الذين يسيؤون إلى الإسلام بتصرفاتهم اللامسؤولة والتي لا صلة لها بالمرتكزات والمبادىء التي يستند إليها التشريع الإسلامي ويحدد من خلالها المسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيره، والذي يراد من تلك التصرفات إلقاء التبعات التي يرفضها العقل والعرف على الإسلام والمسلمين. فهو يرى أن: الإسلام يزن الحرب بميزان الصلاح للدنيا والآخرة، فأول فارق بين الحروب الإسلامية والحروب غير الإسلامية أن طابع الأولى الصلاح والإصلاح، بخلاف طابع الثانية فهو الفساد والإفساد.

فإن الإسلام لا يحارب لاجل السلطة والغلبة، ولا لأجل الاستعمار والاستثمار، وإذا حارب يكتفي بالقدر الأقل الممكن من الخراب الملازم للحرب، لا أنه يحارب حقداً واعتباطاً وانتقاماً كما هو شأن سائر الحروب( ).

ويحاول الإمام الشيرازي مقارنة سيرة الإسلام في الحروب مع ما ذكره من أحداث حروب التاريخ المعاصر، ليظهر الحقيقة الناصعة التي يتسم بها الإسلام، فينقل رواية: عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)  كان إذا بعث أميراً على سرية، أمره بتقوى الله عز وجل في خاصة نفسه ثم في أصحابه عامة ثم يقول: اُغز باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ً ولا متبتلاً في شاهق ولا تحرقوا النخل ولا تغرقوه بالماء ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تحرقوا زرعاً لأنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون اليه، ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه الا لابد لكم من أكله، وإذا لقيتم عدوا ً للمسلمين فادعوه إلى إحدى ثلاث فان هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم... ( )

وكما ينقل رواية أخرى عن السكوني عن الصادق  (عليه السلام)  قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام): نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   أن يلقى السم في بلاد المشركين ( ). فهاتان الروايتان وردتا في النهي عن التخريب المصاحب للحروب كما في غيرهما من الروايات. والى مثل هذه الروايات الواردة في سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) يستند الإمام الشيرازي في طريقة استنباط الأحكام الشرعية وبيان رؤية الإسلام وتعاطيه مع المسائل المطروحة على الواقع العملي، ويقرر على جواز رد الاعتداء في حالة وقوعه مع مراعاة قاعدة ( الأهم والمهم) ولكنه مع كل ذلك يلتزم بقوله: اللازم مراعاة الإسلام والمسلمين أيضاً بأن لا يفعل شيء يكون ضره أقرب من نفعه ( ).

ومن خلال هذه النظرة يدعو الإمام الشيرازي العالم، للتخلي عن أسلوب الحرب في معالجة القضايا، ويضع أمامه رؤية مستقبلية، تتمخض عنها استراتيجية عملية لتوقي الحروب أولا ً ولتعميم السلام العالمي ثانياً، فيقول: إن العصر الحاضر يحتاج إلى: رؤية مستقبلية، وإعداد حسب تلك الرؤية، للتجنب من الحرب، وهما لا يحتاجان الا بالاستشارية الكاملة للدولة، بأن تكون مقادير الناس في أيديهم، وإلا فإن كانت المقادير بيد المستبدين، لم تكن الرؤية ولا الإعداد متكاملين.

فالرؤية المستقبلية والإعداد الصحيح يبعدان الحرب، لذا ترى البون الشاسع بين البلاد الأوروبية في الحال الحاضر، حيث لم تقع فيها حرب منذ نصف قرن تقريباً  بعد الحرب العالمية الثانية  وبين نفس البلاد، قبل اتصافها بهاتين الصفتين، فقد أحصى بعض المحققين أن 40% من تاريخ البلجيك استغرقتها الحرب، وهذا العدد في تاريخ ألمانيا ينقلب إلى 28 وفي ايطاليا إلى 36 وفي هولندا إلى 44 وفي روسيا إلى 46 وفي فرنسا إلى 50 وفي إنكلترا إلى 56 وفي بولندا إلى 58 وكذا في ليتوانيا وفي اسبانيا إلى 67.

وبينما نرى انعدام الحرب في الحال الحاضر في البلاد الغربية ونحوها، نرى الحروب المستمرة في البلاد الإسلامية، بسبب الاستبداد الذي يحطم الكفاءات وبالتالي عدم امتلاك رؤية مستقبلية واعداد كاف لتجنب الحرب. فهذه الحرب العراقية الإيرانية أودت بمئات الألوف من القتلى علاوة على خسارة أربعمائة مليار من الدولارات. وفي الحرب الهندية الباكستانية زهق ما يقارب مليون إنسان. وخلفت حرب أفغانستان مع روسيا أكثر من مليون قتيل وجريح بالإضافة إلى أربعة ملايين مشرد( ).

السلام العالمي، مقتضيات وآفاق:

أما دعوته إلى السلام العالمي، فتأتي بشروط ومرتكزات أساسية تتناسب مع القيمة الموضوعية للقضية المطروحة، وهي قصة الإنسان وتاريخه المأساوي مع الحروب. فهو يرى أن الحروب بما أنها ليست أمرا ً سطحياً فأن الدعوة إلى السلام ليست أمراً سطحياً بمجرد الإعلام وتشكيل منظمات السلام العالمي، بل هي دعوة مستوحاة من الواقع العملي ودوافع المسبب الأساس في إثارة الحروب مهما اختلفت أبعادها ومسمياتها وعناوينها، والتي تتلخص بأسباب حرمان الإنسان من حقوقه في الحكم والمال والعلم كما أُشير إليه سابقاً.

فالذي يريد قطع جذور الحرب، عليه أن يحول بين مثيري الحروب وبين مآربهم، وذلك بإشاعة الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأن:

1- الوعي السياسي يوجب عدم استسلام الشعوب للدكتاتوريين، سواء للدكتاتورية الصريحة، أو المخفية.

2- الوعي الاقتصادي يمنع من احتكار المال بيد جماعة معينة، حتى وإن كانت هذه الجماعة متمثلة بحكومات الدول الكبرى.

3- الوعي الاجتماعي يوجب معرفة الإنسان بتساوي الفرص والحقوق لأبناء المجتمع، في العلم والحكم والمال. وان ]كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[ و ]أَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاّ مَا سَعَى[ فلا طبقة مختارة، فإذا رأى أن العلم خاص بجماعة تحتكر المال، علم بانحراف الاجتماع ولزوم تعديله، حتى يعم العلم للجميع. و قد أخذ العالم الحالي بالتوجه إلى مثل هذا الوعي، حيث يدرك جيداً أي توجه عسكري وسياسي يتحكم بمصائره، ويحاول فرض خططه عليه. والوعي كما يعطي الثلاثة  العلم والحكم والمال  بيد الكل، كذلك يقرب الناس بعضهم إلى بعض مما يوجد بينهم علاقة أكثر، فلا يتمكن المغتصبون من استغلال البشر في مآربهم الشخصية، ولذا نرى أنه كلما زاد الوعي انكمشت القوميات واندثرت الطائفيات المنحرفة وقبرت العرقيات واللونيات والجغرافيات.

كما ينبغي قبل الوصول إلى النتيجة النهائية، وهي السلام الشامل، فضح (الحروب بالوكالة) والحيلولة دون وقوعها، وذلك من خلال فضح القواعد العسكرية التي يستهدف منها القيام بأعمال عدوانية تجاوزية، وفضح التحالفات العسكرية التي تصب في المجرى ذاته، وتقوية الروابط بين الدول المجاورة لقطع دابر التدخل الخارجي في شؤونها، والاهم من كل ذلك إيجاد الوعي للشعوب الصغيرة، بعدم الاستدامة في تنفيذ أوامر الأسياد ( ).

ثم يؤكد الإمام الشيرازي على المساعي التي تنور سبل تعميم السلام وتشد أواصر التطلع نحو إقامة عالم السلام والحرية والعدالة، من خلال المبادرة الجدية لإنهاء الآلة الحربية وأنواع الأسلحة وبالأخص أسلحة الدمار الشامل، وتحويل المصانع العسكرية إلى مصانع للأغراض السلمية، وإيجاد الأعمال السلمية للعاملين في هذه المصانع. وأما من الناحية الكيفية للسلاح، فيقول: اللازم أن تخفف الأسلحة المتطورة إلى أسلحة خفيفة  كالبندقية، ثم تبديل الأخيرة إلى أسلحة بدائية  كالسيف والرمح  فانه من الخطأ والعبث أن يصنع الإنسان سلاحاً يبيد صانعه وعدوه.

ثم يقول: وهذا شيء ممكن إذا تمكنا من التعبئة العامة لأجل السلام، وعندها ستبطل مصانع الأسلحة ويستخدم عمالها في سائر الشؤون الحياتية الأخرى، وتحل الجيوش الكبيرة، وتدمر الأسلحة المعقدة لترجع إلى أسلحة خفيفة ( ).

فهو عندما يتبنى ضرورة انتزاع الأسلحة عموماً وأسلحة الدمار الشامل على وجه الخصوص، فإنه ينطلق من إيمانه المطلق بأن أسلوب اللاعنف هو أفضل وسيلة لقلع جذور النزاعات أو التخفيف من المشاكل التي يعانيها العالم. ومما يؤكده في رؤيته إلى عملية الإنقاذ التي تنبع من صميم الدين الإسلامي، هو: وجوب تطبيق العصر على الإسلام، فاليوم نحن بحاجة إلى تطبيقات جديدة وصغريات جديدة - لتحديد مدى دخولها في كبريات الكليات  - والمعلوم أن تطبيق العصر على الإسلام في كل الأمور بحاجة إلى شيوع اللاعنف، لأن صدور أدنى عنف في جميع الأمور التي هي بحاجة إلى العلم والخبروية والتجربة وجمع العقلاء والمفكرين الإسلاميين والزمنيين،ينافي العمل الهادف إلى التدرج والرقي، فإن الصغير من العنف أو كبيره يولد الفساد في النتيجة، علاوة على وجود من تنافي مصالحهم أو اختلاف أفكارهم الذين قد يقاومون النتائج المرجوة.

 فإذا دخل عقلاء العالم في الميدان، تمنكوا من حل المشكلة - وليس معنى ذلك عدم سعي الإنسان بقدر قدرته، وإن لم يدخل العقلاء الميدان - فعلى التيار الإسلامي إن يدخل العقلاء في هذا الميدان بكل ما أوتى من قوة مناسبة، فان جمعيات العفو الدولية البالغ عددها أكثر من ألفي جماعة وجمعية ومنظمة، وجماعات أنصار السلام وجماعات الرفق بالإنسان والحيوان والخيّرين من البشر الذين لهم مراكز في الجامعات والصحف والإذاعات والتلفزيونات والمطابع والأفلام والنوادي ومن إليهم، وهم كثرة كبيرة جداً، إذا دخلوا الميدان انحسم الأمر  بإذن الله سبحانه تعالى  لصالح عدم الحرب إطلاقاً، و بذلك تتوقف آلات الدمار من الأسلحة الخفيفة إلى الذرة، ووسائط النقل والحمل من السيارة إلى الطائرات الحربية، والمعامل التي تصنع الدمار من قنابل يدوية إلى معامل كبيرة  تدار بواسطة الملايين من البشر لأجل القتل وسفك الدماء والتخريب والهدم، وهذا ليس بمستغرب، فإنه كما يكدح البشر الآن لتوقيف التسليح الذري والكيمياوي والبايولوجي، وما أشبه، كذلك باستطاعته أن يكدح لذلك اليوم الآتي بإذن الله سبحانه وتعالى لتوقيف الحداثة في السلاح، بل الحروب إطلاقاً.  فعلى التيار الإسلامي السعي إلى تأليف جماعة كفوءة لتكوين الجمعيات السلمية والدعوة إلى السلم كما قال سبحانه ] ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً[ (البقرة/208)، ولتحريض كافة الجمعيات والجماعات  على تبني هذا الأمر على أرفع مستوياتها، وبذلك يتحرر البشر من الخوف، ويُصرف النظر عن الوسائل التدميرية إلى وسائل إصلاحية، فمعامل السلاح تتحول إلى معامل صناعية، وتصرف الأموال في الإعمار، ويستفاد من المعادن والوسائل التدميرية في الإسكان وإزالة الفقر وفي بناء المدارس وترفيع مستوى العلم.

وكما أن من الضروري على التيار الإسلامي أن يحرّض على إطفاء الحروب، فإذا وقعت حرب، مثلاً بين الهند وباكستان أو بين العراق وإيران، أو بين روسيا وأفغانستان، وسواء كان الاعتداء من أحدهما أو من كليهما، لزم التحرك من كل ناحية لإطفاء الحرب، والعمل بنشاط من أجل الضغط على الرأي العام العالمي في سبيل إطفائها. لأن من أهم بنود التيار الإسلامي، هو تحرير البشرية من شرور الحرب المدمرة والوسائل المنتهية إليها( ).

ومن خلال الوصف لطبيعة تناولاته في كتبه المختلفة، يمكن فرز حقيقة مهمة تميز المرتكزات والمنطلقات الإسلامية عن غيرها من التنظيرات والتفسيرات المتعلقة بالحالة الطبيعية والحالة التي يضطر إليها الإنسان في مجابهته للقضايا بكل أبعادها، ومنها قضية الحروب بكل ما تكتنفها من مقدمات ووسائل وعوامل تساهم في رسم التصورات وحياكة النسيج الفكري بالنظر إلى المتبنيات الأساسية التي تختلف من سلم وتعاون وعون، إلى عنف وعداء وكراهية وتدمير.

ويمكن استخلاص المجمل العام لرؤيته حول السلم والسلام ؛ من خلال التسلسل المنطقي الذي يتبعه في بحثه للأساس الرابع لشؤون الحركة الإسلامية، في كتابه (السبيل إلى إنهاض المسلمين) ( )، إذ يتناول:

1- فلسفة السلام في الإسلام، من حيث المستند القرآني وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   وأهل البيت(عليهم السلام).

2- صلاحية وضمان السلام ومبدأ اللاعنف، ومساوقتهما للمسيرة التغييرية للمجتمع، وأثرهما في حالة الاتزان الفكري والعملي على الواقع الخارجي.

3- مقومات السلام التي تسهم في إنجاح عمل الحركة التغييرية.

وتتصف رؤيته وتوجيهاته بالشكل التالي:    

1- ارتكازية المنطلقات الفكرية  في تحديد رؤيته  على أن الإسلام دين السلام لقوله تعالى ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً (البقرة / 208).

2- إن الحرب والمقاطعة وأساليب العنف، ما هي الا وسائل اضطرارية شاذة على خلاف الأصول الأولية للإسلام، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه، وإنما الأصل السلام، فهو القاعدة العامة بينما العنف ضرورة، والضرورات تقدر بقدرها.

3- إن الحرب والتهمة والسب والهمز واللمز والعداء والبغضاء والأنانية والكبرياء والغرور وما أشبه، تسبب سقوط الدول وسقوط الأفراد، وبالعكس فالإنسان عبد الإحسان، والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (عجبت لمن يشتري العبيد بماله فيعتقهم، كيف لا يشتري الأحرار بإحسانه فيسترقهم)( ).

4- في توجيهاته إلى الحركة التغييرية الشاملة يؤكد على دور التوعية والتنظيم وسلوك الطرق الدبلوماسية، والابتعاد التام كلما أمكن عن كل الأساليب التي تتبنى ازهاق الأرواح أو التي تؤول أفعالها إلى ذلك. ويصور رؤيته من خلال إثارته مجموعة من الأسئلة  ثم يدع الاستدراج المنطقي يقود إلى حقائق ومفاهيم واقعية تتصف بها مرجعيته الفكرية.

 يقول في توجيهه: ربما يتوهم أن الحرب حاسمة فلا بد للدولة من الحرب، سواء لأجل الوصول إلى الدولة أو لأجل توسعتها، أو لأجل إبقائها. إنه لا شك في أن الحرب حاسمة، لكن الكلام في أربعة أمور:

الاول: هل السلاح يأتي إلى يد الحركة الإسلامية بالحرب أو بالتنظيم والتوعية؟

الثاني: هل إذا تمكنت الحركة الإسلامية من قيادة الجماهير، تتمكن من إسقاط النظام السابق بالحرب، أو بشل قوى النظام بدون حرب؟

الثالث: هل إذا اضطرت الحركة  ولو بعد الوصول إلى الحكم  إلى الحرب، مع من يريد اجتثاث جذوره، الأفضل الا تبدأ بالحرب لما يتصف به الإسلام من كونه دين السلام، أو تكون هي المبادرة فتظهر الحركة بمظهر المعتدي؟

الرابع: إذا كان لا بد من الحرب، فهي اضطرار يقدر بقدره، فإن ثلاثة أرباع الانتصارات تعتمد على الأعمال الدبلوماسية، فهل انتزاع الانتصار بجعل الربع الأخير حربياً وثلاثة أرباعها الدبلوماسية أفضل، أو جعل الجميع حربيا ً؟

وإذا كانت الأجوبة على هذه الأسئلة واضحة، فالحركة الإسلامية تبدأ بجمع الأنصار والتنظيم والتوعية، ثم تسقط الأنظمة الاستعمارية مباشرة، والأنظمة العميلة بالإضرابات والمظاهرات والتمردات، وإذا اضطرت إلى الحرب، لا تبادر بها هي لكي لا تكون للمعتدي حجة عليها أمام العالم، وإن أمكن أن تدفع الحرب بالطرق السلمية فذلك خير، وإذا لم تنفع الطرق السلمية، تخصص للعمل الحربي الربع، وثلاثة أرباع للحلول السلمية( ).

5- إن على التيار الإسلامي قبل الوصول إلى الدولة الإسلامية، ان يتجنب القتل  بكل قوة  فإن القتل يثير الناس إثارة بالغة... وإذا لم يظهر أثرها عاجلاً أبان قدرة التيار أو قدرة الدولة، فإنه يؤثر آجلاً، وذلك:

أولاّ: إن القتل يوجب رد الفعل في سائر الشعوب وربما يسم الإسلام بأنه دين عنف وقتل على خلاف الحقيقة، لأنه يُنظر إلى حكام وقادة كل مبدأ على أنهم بحد ذاتهم تجربة عملية لذلك المبدأ، ولذلك ينظر إلى النازية والفاشية والشيوعية بمنظار قتلى هتلر وموسوليني وستالين، وحصول هكذا رد فعل عند الشعوب لابد من أن يثير لديهم الكيد لإسقاط مثل هذا النظام. ثم ما الداعي لأن يعمل الإنسان ما يوجب سقوطه وسقوط مبدئه؟

ثانيا ً: إن القتل يوجب تأليب الأمة ضد الحكم القائم، فانهم وان كانوا ضعفاء حين قدرة التيار، أو قدرة الدولة، إلاّ أن الميزان سينقلب إلى قوة الأمة وضعف التيار والدولة، وحين ذلك يكون السقوط، بل الإبادة الكاملة، كما رأينا كيف أبادت الأمة بني أمية وغيرهم من الذين امتهنوا القتل( ).    

6- إن السلام أحمد عاقبة وأسرع للوصول إلى الهدف، والسلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف دائماً يظل متأخراً، فالعنيف عنيف مع الأصدقاء ومع الغرباء ومع البعداء والأعداء، والحقد لا يولد الا الحقد، والبغضاء لا تولد الا البغضاء، وهكذا بالنسبة إلى السلام، وما يقابل السلام فكل واحد منهما يولد مثله. فيجب على كل حركة تغييرية صادقة أن تتصف بالسلام وأن تجعل شعارها السلام كي تكون مورد ثقة الناس، ولأن السلام يوجب التفاف الناس، كما يوجب كبح جماح الأعداء، اما اللجوء إلى أي عمل عنيف فما يزيدها الا افتراقاً عن الناس.

7- إن السلم في أوله أمره مرّ وصعب، ويحتاج إلى ضبط للأعصاب  والى سعة الصدر بكل الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية والفكرية والنضالية، والى عفو وإغماض والى قدرة نفسية توجب أن يعمل الإنسان بحزم وفق قوله تعالى ]ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ (فصلت /34).  فيجب أن ينظر الإنسان إلى الهدف، وأن يعلم أن الانتقام يسبب تأخر الوصول إلى الهدف، ولذا نرى أن الأنبياء والأئمة والمصلحين كانوا يجنحون للسلام لا قبل قدرتهم بل حتى بعد قدرتهم. وعلى ممارسي التغيير أيضاً أن يعفوا بل و يقابلوا السيئة بالحسنة فقد قال سبحانه: ]وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[ (الرعد/ 22 - 24). لذا نرى أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   اختصر المسافة بين المقدمات والهدف، فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينتقم من أهل مكة بعد فتحها ولم يسترد ما اغتُصِب من أموال المسلمين، بل أعلن أمام الملأ: ألا من دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وذلك تجنباً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحاشياً من الدخول في حرب قد لا تحمد عقباها.

ثم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل المسجد الحرام حيث اجتمع إليه المشركون الجناة وانتظروا كلمته فيهم بأن يقتلهم أو يأسرهم أو يسترقهم أو يسجنهم أو ينفيهم، لكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعل شيئاً من ذلك وإنما خاطبهم بحنان ورأفة قائلاً: ماذا تقولون وماذا تظنون؟

قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم.

فقال: لا أقول لكم إلا كما قال أخي يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)، (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

وهكذا عفا عنهم وأطلق سراحهم وأعتق رقابهم، ولم يسترد منهم شيئاً من أمواله وأموال المسلمين المغتصبة حتى ولم يسترجع بيته الذي صادروه منه في مكة، بل نزل في خيمة له خارج مكة، فما قتل منهم حتى إنساناً واحداً، ولا أراق منهم قطرة دم، ولا أزالهم عن مناصبهم ومراتبهم التي كانوا يشغلونها في مكة من سدنة البيت، وعمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، وغيرها، ولا أهانهم، وإنما أكرمهم وأعزّ شأنهم، وعظّم قدرهم. فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أيام قليلة لمّا توجه إلى غزوة حنين جعل من نفس أولئك الطلقاء الذين حاربوه طيلة عشرين سنة قادة وضبّاطاً لجيشه فجعل من أبي سفيان قائداً ومن خالد بن الوليد قائداً، كذلك فعل بغيرهما، ولما غنموا غنائم حنين خصّ كل واحد من أولئك الرؤوس بحصة متميزة تأليفاً لقلوبهم، فمنحهم مائة من الإبل، ترى أيّ إكرام هذا وأي تقدير له؟.

وهكذا استطاع (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه السيرة الكريمة أن يأمن جانب المكيّين المشهورين في شبه الجزيرة بأنهم إذا سكنوا وهدءوا سكنت الجزيرة وهدأت، وإذا انتفضوا وتحركوا انتفضت الجزيرة وتحركت، ولم يضطر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نتيجة تعامله الجميل إلى أن يجعل في مكة المكرمة حامية من الجيش ولا أن يتخذ فيها قاعدة عسكرية تكون على أهبة القتال،أو لإخماد أي حركة، أو لإطفاء أي ثائرة في مكة المكرمة وإنما فوّض حكومتها إلى شاب يسمى بعتاب بن أسيد في قصة مشهورة، وانقاد المكيون لهذا الشاب الحدث السن على من فيهم من الشيوخ والكبار والشخصيات وفلول الحكومة وسلّموا له ولم يثوروا عليه، ولم يضطربوا ضده، ولم يشنّوا حركة ولا ثورة، ولم يحيكوا مؤامرة ولا انقلاباً بل بقوا مطيعين له لأن الرسول  عرف كيف يستخدم المقدمة لأجل تحقيق الهدف وتوطيد دعائم السلم والسلام. والدخول في الإسلام، والبقاء بلا زيغ ولا انحراف إلى يوم القيام وهكذا كان.

فإن من الضروري أن نأخذ من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) درساً وعبرة إذا أردنا التقدم، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجمع الأمة ويعفو عن الذنب ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، مما سبب تجمع المسلمين وبقاءهم بقاءً متماسكاً حتى مع اختلافهم بعض الاختلافات الداخلية. إن الرسول جعل لأسرى بدر أن يعلّم كل منهم عشرة من المسلمين فدية له عوض أن يأخذ المال منه، وكان يحسن حتى إلى المسيئين، وقد قال في مكة المكرمة (اذهبوا فأنتم الطلقاء) مما أثر أحسن التأثير في دخولهم في دين الله أفواجاً.

وقد روي عن الباقر(عليه السلام) أنه قال: سار علي (عليه السلام)  بالمن والعفو لأنه كان يعلم أنه سيظهر عليهم عدوهم من بعده فأحب أن يقتدي من جاء من بعده به فيسير في شيعته بسيرته ولا يجاوز فعله فيرى الناس أنه تعدى وظلم.

وهكذا سار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  واقتدى به في عفوه عن أهل الجمل وكان ذلك منه مقدمة لهدف أسمى وهو نشر الوئام والمحبة والتعاطف والتسامح بين المسلمين، وقلع جذور الشحناء والبغضاء والنزاع والحرب من بينهم، ولأجل أنه لو غلبت إحدى الطائفتين الأخرى فيجب أن لا تتجاوز الحدود الإسلامية فتقتل أسرى الحرب، وتسبي نساء وذراري الطائفة المغلوبة، وتنهب أموالها، فتعود الجاهلية وشحناؤها من جديد وتذهب أتعاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  وتعاليم الإسلام و أخلاقياته أدراج الرياح.

وإن التاريخ يشهد على الإجراءات والممارسات السلمية والأخلاق الفاضلة التي بها تقدم المسلمون وبها خلدت أفعالهم، بينما نجد في التاريخ القريب أن ستالين وهتلر وموسوليني وغيرهم ممن جنح إلى العنف أي مصير آلوا اليه. لقد ذهب هؤلاء وذهبت مبادئهم ولم يحفظهم التاريخ الا عبرة، كما حفظ فرعون ونمرود، ولكي يتبصر من يأتي من بعدهم ولا يجنح إلى الدكتاتورية والعنف، بل إلى العقل والحزم والسلام ومنح الناس حرياتهم والنظر إليهم بعين الاخوة والمودة وإن كانوا كافرين، حيث يقول الإمام علي (عليه السلام): الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ( ). فالجانحون إلى السلام بقوا أعلاماً في بلادهم وفي غيرها، بينما الجانحون إلى العنف والشدة والغلظة ذهبوا ولم يبقَ لهم أثر إلاّ آثار النفرة والابتعاد. فعن ستالين مثلاً ذكر أحد الكتاب قائلاً: أنه بعد أن انتزع ستالين الزعامة من منافسيه تغير جو الحزب كله، فأصبح مجرد الاختلاف مع ستالين في وجهة النظر في ذاته، تعبيراً عن اتجاه مناهض للثورة، وحدثت عمليات تطهير بالجملة ونفي بالجملة وإعدام بالجملة، ورغم التعهدات التي جاء بها دستور سنة ألف وتسعمائة وست وثلاثين لا توجد حرية قول إلا لأتباع ستالين ولا حرية صحافة أو اجتماع، والعالم كله يعرف أن الانتخابات هناك مهزلة، فلا يمكن لمن يخالف سياسة الحزب أن يرشح، بل وحتى أوراق الانتخاب بدت وكأنها قصائد مديح في ستالين، وحرية الانتقال مقيدة بشكل خطير، والاتصال بالأجانب ينظر إليه بريبة، ويلقى القبض على الناس تحكماً ويقضون مدداً طويلة في السجون، بل ويعدمون دون محاكمة، ويصعب الحصول على مطبوعات أجنبية وخاصة الصحف بدون إذن رسمي، ويخضع الصحفيون الأجانب في الاتحاد السوفيتي لرقابة شديدة... وتعرض أطفال صغار نسبياً للتشجيع والإغراء من طريق الإطراء ليشوا بآبائهم، ومن الواضح أن أي نظام يدمر كل القيم باستثناء القوة وعلى استعداد للالتجاء للحرب دون أي وازع بوصفها أداة طبيعية من أدوات السياسة إما أن يقضى عليه، أو يستعبد الجنس البشري وليس هناك حل وسط بين هذين الأمرين.

إن للأبعاد الأخلاقية في المسيرة الرسالية دوراً بارزاً في الإعداد والتخطيط للمقدمات الكفيلة بالوصول إلى الهدف بكل أمان وسلام. وهو ما أشار إليه الإمام الشيرازي بقوله إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)  اختصر المسافة بين المقدمات والهدف، فهو  لم ينتقم من أهل مكة بعد فتحها.. وهذه الحقيقة هي التي يصوّرها القرآن الكريم في شخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بأنها رحمة الله تعالى التي تجسدت بأفعاله (صلى الله عليه وآله وسلم)  وتعامله واحتوائه للطبيعة البشرية بشتى طبائعها، حيث قال تعالى لنبيه:]فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك[ (آل عمران / 159).

8- إن السلام لا يتحقق في الواقع الخارجي الا إذا كان تفكير الإنسان تفكيراً متزناً، وعمله متزناً يؤول به إلى الصواب والحكمة في اتخاذ المواقف الشريفة، فالانطواء على الخير لا ينبعث منه الا خير. وأما الاستبداد والدكتاتورية والإفراط في التفكير وفي العمل وفي القول، فلا ينتهي الا إلى نتائج سيئة.

9- إن للتلقين أثراً كبيراً في داخل النفس، والإنسان بطبيعته يغضب ويثور ويدخل في صراع ونزاع مع الآخرين، فينبغي اجتثاث جذور هذه الأمور من نفسه ومن ثم من جوارحه، وذلك بتلقين نفسه بأنه إنسان مسالم، حازم عاقل، مفكر مدبر مدير، فإنه سيتطبع بطابع السلم ويتمكن من تقديم الحركة التغييرية إلى الأمام في ظل أجواء صاخبة بالمناوآت والحروب. فيجب عليه أن يكون حافظاً ليده، لقلمه، لحركته، لسكونه، لكل شيء، حتى يتمكن من أن يقدم الأمة إلى الأمام. وهكذا كان يتصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  وأصحابه الأبرار وآله الأطهار بأكبر قدر من السلم والسلام، وضبط النفس واللسان واليد والحركة.

وحركة اللاعنف وإن كانت صعبةً جداً على النفس لكنها مثمرة جداً في الوصول إلى الأهداف، والعاقل يقدّم الصعوبة على الفشل.

واللاعنف ليس في بعد السلاح فقط، بل يشمل حتى الكلمة والنظرة والإهانة وغيرها، كما يشمل وسائل الإعلام كالصحف والمجلات وما أشبه، فيجب أن نكون غير عنيفين وإن تعامل الطرف الآخر بأشد العنف، قال تعالى: ]ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  [(فصلت / 34-35).

فعليه: أن تلتزم الحركة بالسلم واللاعنف الكامل، فإن اللاعنف وان كان صعباً في مقابل من يستعمل العنف، إلاّ أنه محمود العاقبة. فإننا نريد بذلك سلاما ً في ظل الله سبحانه وتعالى، في ظل السلام الذي هو أحد أسمائه كما في قوله سبحانه ]هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ[( الحشر/23)، لا السلام المدعى في ظل أتون الحروب والقتل والتشريد والضياع.

الفهرس

مقدمة مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات............

الحرب والسلم، رؤية معرفية ...............................

السلام العالمي، مقتضيات وآفاق............................

تمهيد ....................................................

المقدمة...................................................

الباب الأول: الأسلحة الكيمياوية...........................

الأسلحة الكيمياوية........................................

التطور التاريخي للأسلحة الكيمياوية.........................

سموم وغازات الحرب الكيمياوية (العوامل الكيمياوية)........

1- الغازات الخانقة........................................

الفوسجين................................................

الداي فوسجين (ثنائي الفوسجين)..........................

كلوروبكرين .............................................

السمية ...................................................

المعالجة...................................................

الوقاية والتعقيم............................................

2- غازات الأعصاب ....................................

التابون...................................................

السارين..................................................

السومان..................................................

في. إكس.................................................

التأثير والسمية ............................................

المعالجة....................................................

كيفية الكشف عن هذه العوامل ............................

الوقاية والتعقيم.............................................

3- غازات الدم............................................

الأرسين...................................................

المركبات الفلوروكاربونية ...................................

   أ) الكحولات المفلورة ....................................

ب) الحوامض المفلورة........................................

ج) الأسترات المفلورة........................................

مركبات السيانيد.............................................

حامض سيانيد الهيدروجين وكلوريد السيانوجين................

4- الغازات المنفطة (الكاوية).................................

مركبات الزرنيخ.............................................

الخردل (المستارد)...........................................

أ) لوست الكبريت (الخردل الحاوي على الكبريت).............

ب) لوست النتروجين (الخردل الحاوي على النتروجين)........

فوسجين أوكسيم ............................................

5- الغازات المقيئة............................................

أ) كلارك ..................................................

ب) كلارك..................................................

ج) الأدميست ...............................................

 6- الغازات المسيلة للدموع...................................

1- كيتونات مهلجنة..........................................

ا) برومو أسيتون...............................................

ب) برومثيل أثيل كيتون........................................

ج) كلورو اسيتوفينون.........................................

2- المواد الأروماتية التي تحتوي على النتروجين...................

أ) سيانيد برومو بنزايل..........................................

ب) مالونو ثنائي السيانيد كلوروبنزالدين .........................

آلية التأثي......................................................

السمية.........................................................

طرق الوقاية....................................................

7- الغازات الدخانية ...........................................

خواص الغازات الدخانية .......................................

أنواع الغازات الدخانية ..........................................

أ) رابع كلوريد التيتانيوم..........................................

ب) خليط ثالث أوكسيد الكبريت وحامض الكلورسلفونيك ........

ج) خليط بركر..................................................

د) الغازات الدخانية التي تنتج من الزيوت...........................

هـ) الفوسفور الأبيض ...........................................

دخان الإشارة...................................................

الهجوم الكيمياوي على المدن......................................

الآثار النفسية والاجتماعية للحرب الكيمياوية .......................

الوقاية والدفاع ضد الأسلحة الكيمياوية .............................

الاكتشاف ........................................................

الوقاية.............................................................

أجهزة الوقاية......................................................

التطهير .............................................................

تأثير الأحوال الجوية على الحرب الكيمياوية ............................

الأسلحة الكيمياوية بين البقاء والمنع (المعاهدات والاتفاقيات الدولية)......

رصد برامج الأسلحة الكيمياوية .......................................

الباب الثاني: الأسلحة البايولوجية.......................................

الأسلحة البايولوجية...................................................

مميزات العامل البايولوجي...............................................

عيوب العامل البايولوجي...............................................

التطور التاريخي للأسلحة البايولوجية.....................................

عوامل الأسلحة البايولوجية.............................................

1- الجراثيم (البكتريا)..................................................

الأمراض الجرثومية.....................................................

الطاعون..............................................................

1- الطاعون الرئوي...................................................

2- الطاعون الدبلي (اللمفاوي)........................................

3- الطاعون الدموي (تجرثم الدم)......................................

الجمرة الخبيثة (الأنثراكس)............................................

1- الجمرة الجلدية الخبيثة .............................................

2- الجمرة المعوية الخبيثة ...............................................

3- الجمرة الرئوية الخبيثة...............................................

سلالات الجمرة الخبيثة................................................

العلاج...............................................................

تطوير العلاج.........................................................

هل يمكن هزيمة الجمرة الخبيثة؟.........................................

التشخيص السريع للأنثراكس..........................................

الكوليرا..............................................................

الحمى القلاعية........................................................

1- التولارميا (حمى الأرانب)..........................................

2- التهاب الدماغ والنخاع الشوكي والتهاب الدماغ والنخاع السنجابي...

3- البروسيلا (حمى مالطه).............................................

4- حمى الببغاء.......................................................

5- حمى كوين لاند....................................................

2- الفيروسات........................................................

الأمراض الفيروسية....................................................

الجدري..............................................................

الحمى الصفراء.......................................................

الإيبولا..............................................................

3- التوكسينات......................................................

1- توكسين البوتيولين.................................................

2- توكسين التسمم المعوي............................................

3- الأفلاتوكسينات ...................................................

4- الريسين..........................................................

5- توكسينات الطحالب السامة........................................

6- قلويدات الأرجوت ...............................................

4- الكائنات الحيوانية .................................................

من العامل البايولوجي إلى السلاح البايولوجي............................

كيفية مواجهة أمراض الأسلحة البايولوجية...............................

كيفية الوقاية من الإرهاب البايولوجي....................................

رصد برامج الأسلحة البايولوجية .......................................

معوقات الحماية من الإرهاب البايولوجي................................

الباب الثالث: الأسلحة النووية..........................................

الأسلحة النووية.......................................................

تأثيرات الحرب النووية..................................................

القوى النووية..........................................................

التفاعلات النووية......................................................

1- الانشطار النووي (القنابل الذرية)....................................

2- الاندماج النووي (القنابل الهيدروجينية)...............................

3- الانشطار والاندماج النووي (القنابل النيترونية)........................

حيازة نظم التصويب....................................................

أ) الطائرات المقاتلة.....................................................

ب) الصواريخ الباليستية.................................................

ج) الصواريخ التكتيكية.................................................

د) القطع البحرية الحاملة للصواريخ......................................

هـ) القذائف الطوافة ..................................................

أنواع الانفجارات النووية................................................

1- الانفجار النووي الجوي..............................................

2- الانفجار النووي السطحي..........................................

3- الانفجار النووي تحت السطح........................................

نواتج الانفجار النووي..................................................

1- تأثير موجات الضغط (الانفجار).....................................

2- تأثيرات موجة الإشعاع الحراري......................................

3- تأثيرات الإشعاعات اللحظية الخارقة..................................

النبضة الكهرومغناطيسية................................................

4- تأثيرات التلوث الإشعاعي...........................................

التأثيرات الفسيولوجية للانفجارات النووية على الصحة العامة..............

1- تأثير موجة الضغط (الانفجار)......................................

2- تأثير موجة الإشعاع الحراري........................................

3- تأثير موجة الإشعاعات.............................................

ميكانيكية عمل وتأثير موجة الإشعاعات.................................

تأثير موجة الإشعاعات في الأنسجة.....................................

الإجراءات الوقائية من الأسلحة النووية..................................

أسس الوقاية..........................................................

أ) الوقاية الفردية.......................................................

كيف تتصرف فردياً كإجراءات وقاية في حالة هجوم نووي غير متوقع؟.....

كيف تتصرف فردياً كإجراءات وقاية في حالة هجوم نووي متوقع؟.........

ب) الوقاية الجماعية....................................................

الإجراءات الوقائية داخل التجمعات السكانية والمدن......................

الوقاية والتطهير من الإشعاعات المتبقية (المتخلفة).........................

الوقاية.................................................................

التطهير................................................................

رصد برنامج الأسلحة النووية............................................

جهود منع الانتشار النووي والأمن العالمي.................................

نزع الأسلحة النووية....................................................

1- الخطوة الأولى.......................................................

2- الخطوة الثانية.......................................................

3- الخطوة الثالثة.......................................................

الأمن العالمي...........................................................

الخاتمة.................................................................

المصادر...............................................................

فهرس المواضيع.........................................................

الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م

info@shrsc.com