شبح أسلحة الدمار الشامل

مقدمة 

في المرحلة التحضيرية لهذه الدراسة، تقدّم مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات باستفتاء إلى الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي " قدس سره " قبل وفاته بمدة وجيزة حول جواز تصنيع واقتناء وتطوير واستخدام أسلحة الدمار الشامل، و كذلك لإبداء رؤيته حول الحروب غير التقليدية التي باتت تهدد الحضارة والكيان الإنساني.

وفي العاشر من شهر رمضان المبارك عام 1422 هـ وردنا جوابه " رحمه الله " بالشكل التالي: 

صورة عن النسخة الخطية لنص جواب آية الله العظمى

الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)

حول أسلحة الدمار الشامل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 إني أتصور أن اللازم أن يهتم جماعة من العقلاء لإفناء الأسلحة النارية حتى البندقية، وإرجاع الأمر إلى وسائل الحروب البدائية كالرمح والسيف والخنجر والسهم، إنها توجب العدالة في المحاربات، كما ورد في الحديث ان الإمام المهدي يقوم بالسيف  وقد كتبت ذلك قبل أربعين سنة  و لا غرابة فقد قام جماعة من العقلاء إلى تحريم القنبلة الذرية ونحوها، و لا فرق بين الأمرين وإلا فلا حد يقف لتطوير الأسلحة والشيء الضار فيه، وعلى العقلاء أن يقفوا دون وجوده واستعماله، وما كان الحل إذا لم يقف العقلاء أمام استعمال الذرية بعد إن استعملت في اليابان ؟

وإنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، أنقذ الله البشرية من الشرور ببركة العقل والدين، وهو المستعان.

محمد الشيرازي

وهذه دعوة صريحة إلى كل العقلاء في العالم، لبذل ما بوسعهم من أجل التأثير على الرأي العام العالمي بكل الوسائل الفكرية والعلمية والتوعوية، للحد على الأقل من تصنيع وتطوير كافة أنواع الأسلحة فضلاً عن التفكير الجدي في إفنائها، خصوصاً بعد أن سرت النزعة العسكرية، والميولات الاستبدادية التي اعتمدها الحكم المطلق في شموليته المعنونة بالعولمة، وفرض النظام العالمي الجديد. بينما بقي الرأي العام بحاجة إلى فرص أكثر ودوافع أعمق، لإدراك الواقع الذي يبلور مفاهيمه في طريقة اتخاذه للقرار.

 وتأتي دعوته بالرجوع إلى وسائل الحرب البدائية لقوله(قدس سره)؛ إنها (توجب العدالة في الحروب)، فقد باتت الحروب في العصر الراهن من أشد المآسي التي تتعرض لها البشرية، بعد أن كانت الحروب التقليدية لا تتجاوز على الأغلب ساحات القتال، وإن تجاوزتها؛  فمن الممكن إيجاد وسائل وقائية تقلل من أضرارها وتأثيراتها على المستويات المختلفة الممتدة من ميادين الحرب وحتى المدن التي قد تطالها.

فبعد أن كان المقاتل في ساحات القتال يتشبث بكل الأدوات والوسائل التي تؤمّن له الستر والحماية، سواء في الخنادق أو المواضع، أو بتستره في الآليات المدرعة كناقلات الأشخاص؛ لم يعد يجد له ملجأً في ظل التدمير الهائل الذي تسببه أسلحة الدمار الشامل، والتي أصبحت تهديداتها من أدوات القمع البشري في أجواء التحديات، واهداف العمل السياسي المخطط والممزوج بالممارسات القتالية وفق المصالح الاقتصادية. أضف إلى ذلك الجوانب النفسية المتولدة من الخطط الجزئية والتعبوية والقيادية التي تهيمن على عقلية ساسة وقياديي العالم، وتأثير هذه الضغوط على أسلوب مجابهتها المتمثل بين الردع وبين التسابق العلني أو المخفي من أجل الحصول على أسلحة الدمار الشامل بأي ثمن كان، حتى أن بعض الدول التي تعاني من أزمات مادية على المستوى الاقتصادي، صبت جل اهتمامها من أجل الحصول على هذه الأسلحة، وربما تركت شعوبها في مستويات اجتماعية متدنية، إذ آثرت على الشعوب شغفها بالرياسة والجاه والسلطة. وكلّ من حب الجاه والسيطرة والاستعلاء والظلم والبغي، محرم في الشريعة الإسلامية، خصوصا ً على الأسلوب المتبع في هذا العصر كما يؤكده الإمام الشيرازي ويعتبره من أسباب الحروب.

والأخطر من كل ذلك، عندما تمتلك قيادات غير حكيمة مثل هذه الأسلحة، وتصبح حاجتها إليها لأجل ضمان بقائها وتأثيرها في معادلة الصراع القائم على المصالح، البعيد عن القيم والمبادئ الرادعة عن أعمال العنف بما فيها استخدام الأسلحة المحرمة دوليا ً، وحتى الفتاكة منها . وكنتيجة فعلية لاختيار هذا النمط من الصراع لأجل البقاء وتحقيق المصالح، خيم شبح الحروب غير التقليدية على أرجاء العالم وأصبح من الأولويات التي لا ينفك عنها الفكر الإنساني بحديه السلبي والإيجابي في طريقة النظرة إليها.

فالحرب عموماً أسوأ شيء عرفه الإنسان في تاريخه الطويل، وهي في ذاتها قبيحة لما فيها من قتل النفوس والتخريب والتدمير، وقد قال سبحانه مؤيدا ً ذلك:

(كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة /216) والظاهر من هذه الآية أن القتال لو كان أمرا ً طبيعيا ً لما قال سبحانه: وهو كره لكم.

فالحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة وليست أمرا ً طبيعيا ً في البشر كما قيل من أنها ظاهرة قديمة، أو أنها مظهر من مظاهر (تنازع البقاء)  الذي هو وصف طبيعي ولازم لجميع الكائنات الحية وأنه سنة من سنن الاجتماع البشري كالمرض وسائر العوامل الطبيعية التي تؤذي الإنسان. الا أن هذا لا يجعل من الحرب أمراً لابد منه، فليست الحرب حقيقة أولية، وإنما هي ظاهرة ثانوية تقع بسبب عنف بعض الأفراد. لذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقدم على حرب واحدة، وانما كانت حروبه دفاعاً عن النفس، بل لم يكن يلجأ إلى الحرب الدفاعية أيضاًَ الا بعد فقدان كل الخيارات كالحياد أولاً، كما حدث بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الحبشة، والعهد ثانياً، كما عاهد(صلى الله عليه وآله وسلم) اليهود والمشركين في المدينة المنورة، وكفار مكة في صلح الحديبيّة، ودور الدعوة إلى الإسلام ثالثاً، فإذا أسلم الطرف المحارب فقد حقن ماله ودمه و لا عدوان الا على الظالمين، فالإسلام ليس قسريا ً وإنما هو عبارة عن الأدلة القاطعة التي توجب إقناع العقل بصحة المبدأ والمعاد والرسول والشريعة. وغيرها من الخيارات الأخرى كالجزية .

ومع انقطاع كل هذه الاساليب يأتي دور الحرب الدفاعية التي اتصفت كل حروب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بها ( ).

فان كانت استراتيجية عصر صدر الإسلام تنطلق من أسس أخلاقية قائمة على وثاقة الاعتقاد والإيمان بالمبدأ الذي يحدد طبيعة العلاقات بأنواعها، والتي لا تختلف عنها الأديان الصحيحة الأخرى كما نزلت على الرسل (عليهم السلام) في رفضها للحروب وتبنيها السلام، فإننا نجد أن الابتعاد عن هذه الاستراتيجية أوجد أساليب مختلفة من اعتداءات وتجاوزات، وخرق لكل الشرائع والأعراف والمنطق الإنساني. فأصبحت اللغة السائدة في هذا العصر هي لغة العنف وسيطرة القوي على الضعيف البائس، وبآليات علمية دقيقة تفتك بكل مظاهر الحضارة والمدنية، وبتبريرات تدعي الدفاع والتحرر وحماية حقوق الإنسان، من غير اكتراث إلى نوع العمليات العسكرية التي قد تمارس، وحجم الضحايا الذي يلحق بالشعوب المغلوبة على أمرها من جرائها، وما تخلق من أنواع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي ستتفاقم بسببها الفوضى والتمرد في أنحاء العالم.

وعن هذا يقول الإمام الشيرازي: إن الله سبحانه قدّر الخير للإنسان بكل أنواع الخير، وقد قال سبحانه: ]مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُت[ (الملك /2)، وقال عن ليلة القدر التي ]فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ[ (الدخان/4)، ]سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر[ (القدر/ 5) فالسلام والأمن، والسلامة والخير هي التي يقدرها الله سبحانه للإنسان، ويكتبها له طيلة سنته ويبشره بها في مطلع عامه، ولا عجب فإنه سبحانه هو الرحمن الرحيم بعباده، العطوف الرؤوف المنان الحنان، المستعان السلام، المؤمن الغفار إلى غيرها من صفات الرأفة والرحمة.

نعم لا شك في أن الله سبحانه وتعالى قدر شيئاً قليلاً مما ينفر الإنسان منه، من تعب ومرض وموت، لكنها بالنسبة إلى بقية مشاكل الإنسان كواحد من ألف، والباقي هي وليدة نفس الإنسان، حتى أن تضرره بالسيول والزلازل واضطراب البحر وهياجه، والعواصف والقواصف والحر والبرد وغيرها من الكوارث الطبيعية، هي من الإنسان نفسه، فإنه لو احترز عن الأخطار الطبيعية، بإعداد المقدمات والتهيؤ لصدها، فبنى السدود مثلاً أمام سيول الأمطار، وعواصف البحار، وفيضان الأنهار، وجهّز الدور والأبنية والمؤسسات بمواصفات تقاوم الزلازل والهزات الأرضية، وهيّأ الواقيات التي تحفظ الناس من الحر والبرد وسائر الأخطار، لقلت الأضرار من الألف إلى الواحد أو أقل منه، والدليل على ذلك البلاد الصناعية في العصر الراهن، التي تعيش بمأمن من كل ذلك.

فالضحايا وخسائر الكوارث الطبيعية هي من الإنسان نفسه، كما أن تفشّي الفقر والأمراض والجهل والاندفاع نحو الحروب وتطوير وسائل القتل واستخدام التقنيات العلمية في الأغراض الحربية، وإثارة النعرات الطائفية، وخلق الأزمات وتفعيل دائرة الصراعات وما أشبه، هي من الإنسان نفسه، وكذا تسلّط الدكتاتوريين على بلاد الإسلام ورقاب المسلمين،هي أيضاً من نفس الإنسان، حيث احتكر القدرة لنفسه ولم يوزعها حتى تتوازن القدرات ولا تطغى إحداها على حساب الآخرين، وقد قال تعالى: ]إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى[ (العلق/ 6-7).

وفي الحديث أن للقدرة سكراً كسكر الشراب، والذي يحد منه هو توزيعها وعدم الاستئثار بها لفرد واحد أو جماعة خاصة، ومن الطبيعي أن الإنسان لو قام بإعداد المقدمات وتهيئة الأسباب في كل مجال بما يخصه ويرتبط به، لم يحدث شيء من تلك المشاكل والخسائر والضحايا التي تهدد الإنسان في كل لحظة وكل زمان، بل يبقى مأموناً ومصوناً منها ( ).

ومع هذه الرؤية الإسلامية إلى الإنسان وعلاقته بالكون والحياة في إطاره السليم الذي حدّده الله تعالى له، ينساق التوجه في أغلب الأحيان إلى الدين الإسلامي، بادعاء موهوم على أنه دين قائم على أساس استخدام  مظاهر العنف في طريقة عرضه وتحليله ومعالجته للقضايا. ولا يستبعد من هذا التوجه، بعض المسلمين أنفسهم، الذين قرأوا صفحات دموية من تاريخ الحكام المسلمين الذين اعتلوا سدة الحكم الإسلامي، وسيّسوا الناس وفق رغباتهم الشخصية ودوافعهم الذاتية، حتى انتقل هذا التصور إلى غير المسلمين الجاهلين بالإسلام وبرؤيته الكونية وقوانينه في عموم الحياة، علاوة على بعض المسلمين ممن فسر مفاهيم إسلامية مقدسة كالجهاد، أو الدفاع المشروع، وأسلوب التفاعل والتعامل مع الأديان والأقليات الأخرى بناء على تصور قاصر عن فهم الحقائق التي يستند إليها  الدين الإسلامي بطبيعته الكونية المنسجمة مع الفطرة الإنسانية السليمة أولاً، وعن حجم المآسي التي قد تلحق بالبشرية جراء النفور عن الإسلام وتشويه سمعته ثانيا ً. ولا يخفى ما لتصوير المواقف، وتهييج المشاعر، وتحريك الكوامن، وربما اختلاق الأحداث والإشارة بيد الاتهام إلى المسلمين لتحقيق مصلحة ما، من أثر سيئ يهدد الأمن سواء للمسلمين أو لغيرهم. وقد يخلق أيضاً المبررات إلى استخدام شتى الوسائل بدافع الانتقام، أو الادعاء بالدفاع المشروع أو الحرب من أجل تحقيق السلام والعدالة المزعومة. فخطاب الإدارة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ركز على أمرين في غاية الخطورة:

الأول: إما أن يكون العالم معهم أو أنه مع الإرهاب.

والثاني:التأكيد على عدم تورع الإدارة الأمريكية عن استخدام أي سلاح كان.

وبذلك لم تستثن الإدارة الأمريكية أي بلد من العالم، بل لا ينجو أي بلد من الاتهام بالإرهاب أو التهديد بالحرب، وباستخدام أي سلاح ضده كالكيمياوي والبيولوجي والنووي، ومن دون أي رادع قانوني أو خلقي.

لذا نجد الإمام الشيرازي في تعاطيه مع ملف الحروب غير التقليدية يركز على محاور تشكل فيما بينها نظرة الإسلام إلى السلام أولاً، ثم رؤيته الشرعية التي ترتكز على المصلحة العليا للإنسانية، وهذه المحاور هي:

1- العدالة، فانه ليس من المعقول البحث عن تحقيق الموازنة في إطار التسلح، وصناعة الأسلحة غير التقليدية، أو الحد من انتشارها على أقل تقدير، بين كفتين متفاوتتين بدرجة عالية من حيث التقدم والكفاءة العلمية والخبرة الفنية. فدعوة الإمام الشيرازي إلى الرجوع إلى الأسلحة البدائية، وان كانت تبدو ضربا ً من المستحيل في رؤية عالم يتسابق من اجل تحقيق فعلية التفاوت لفرض هيمنته، الا أنها دعوة تنطلق من الواقع الإنساني المحب للسلام والهادف إلى إحقاق الحق البشري في المعايشة السلمية بين أبناء الجنس الواحد. فشتان بين هذه الدعوة التي لا يمكن قياس منفعتها، بالدعوة إلى حالة الدمار الذي يلحق الضرر على الحضارة الإنسانية جراء التسابق على دمارها. لذلك يقول الإمام الشيرازي: إن العدالة التي يؤمن بها الإسلام تنبع من رؤيته إلى العدل في كل حركة وسكون، وائتلاف وافتراق، وقصد وعمل..وعلى ضوء هذا المعنى العام من العدل، يضع الإسلام خطوط المساواة بين الأفراد والمجتمعات.. فليست المساواة في نظر الإسلام بالمعنى الذي يحلو لبعض الناس التشدق به، من توزيع الثروات.. واستواء الأفراد - مهما افترقوا في العمل والعلم وسائر الميزات - أمام القانون. إنه الجور الواضح، فكيف يساوى بين العالِم القدير الذي تشع من أنوار علمه المدن والأرياف، وبين الجاهل الذي لا يساهم في ترقية الحياة بشيء، وهكذا.. قل: بين الطبيب والمهندس والفقيه و.. و.. وبين غيرهم ممن لا طائل في وجودهم؟ إذاً: فالمساواة في نظر الإسلام مساواة عادلة، لا مساواة عمياء.. مساواة تراعي الحقوق المايزة.. فهي مساواة في التساوي، وتمايز في  الاختلاف، فلا تمايز بلا مبرر، ولا تساوي من غير استواء، وعلى هذه القاعدة قسم الإسلام الحقوق والواجبات.. على الرجل والمرأة.. والغني والفقير.. والكبير والصغير.. والشريف والوضيع.. والأفراد والجماعات..( )

2- إن الحرب ظاهرة ثانوية، وليست أمراً طبيعيا ً في حل الخصومات وتحقيق الأهداف، أما إذا كانت الأهداف والغايات غير مشروعة، فان الحرب حينئذ ستفقد مشروعيتها بهذا العنوان أيضاً، فلا رادع عندئذ عن استخدام أي نوع من الأسلحة حتى غير التقليدية فتعم الفوضى والدمار.

3- إن الإسلام يعتبر السلام هو الأصل، والإقدام على الحرب آخر الوسائل في حل  المنازعات، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم وسيرة النبي وسيرة أهل البيت. أما الاضطرار إلى الحرب، والمقصود به اللجوء إليها اضطراراً، فإنما يتحقق بعد استنفاذ جميع الوسائل المشروعة. بل ان الممارسات المشروعة في الدين الإسلامي مقدرة  بقدر هذا الاضطرار، فلا يجوّز الإسلام الممارسات العدائية الخارجة عن إطار الاضطرار، بل يعتبرها بغياً وظلماً وعدواناً.

لكن الملاحَظ على الحروب السائدة في هذا العصر كثرة التجاوزات، والاعتماد على جميع الأساليب المحرمة شرعاً وقانوناً، و لاغرو أن يعزو الإمام الشيرازي في كتابه (طريق النجاة) السبب الأول والرئيس في إثارة الحروب بأنواعها إلى عدم الإيمان بالله واليوم الآخر( )، فحيث أن الاستخفاف بقيم البشرية من شأنه أن يدفعها  إلى التنازع بكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة، على خلاف رؤية الإسلام وتشديده على حرمة القتل وسفك الدماء كما في قوله تعالى ¬مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً (المائدة / 32). فعن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير الآية قال: له في النار مقعد لو قتل الناس جميعا ً لم يرد الا ذلك المقعد( ). وعنه (عليه السلام)  قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أول ما يحكم الله في يوم القيامة الدماء، فيوقف ابني آدم فيقضي بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء، حتى لا يبقى منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك، حتى المقتول بقاتله فيستشخب في دمه وجهه، فيقول: أنت قتلته؟ فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته؟.. فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً( ).

فالإسلام يرى أن المحور في ديمومة الحضارة الإنسانية وتطورها  إنما يتموضع في الإنسان، فكل ما يسعده هو القانون اللازم الاتباع، على عكس التفكير في المنطق الغربي الذي يؤمن بمحورية المادة وتأثيرها على الغايات والسلوكيات، وعلى اتباع شتى الوسائل وإن كانت تجاوزاً أو اعتداء ً. فانهيار البنى العقيدية، يؤدي لا محالة إلى انهيار الأسلوب الاجتماعي( )، وبروز أنماط اجتماعية تصوغ الذهنية البشرية وفق متبنيات جديدة وإن كانت غريبة عن القوانين الطبيعية للبشرية والقيم الأخلاقية. وبذلك تسود القوانين الدكتاتورية المنافية لحريات الإنسان وأحقيته في اختيار نمط المعايشة السلمية، والعمل والتفكير في ظل العدالة والسلام العالميين.

وفي هذا الصدد ينقل الإمام الشيرازي رأي أحد الساسة في قوله: إن الحقيقة التي يجب أن يتذكرها الإنسان دائماً هي أن الجهاز الذي يستغله الخارجون عن القانون في السيطرة مكون على هيئة نمطهم الأخلاقي، وهو يتيح قوة للآلاف ممن لا عهد لهم بالمسؤولية، وهو يبرر لهم استعمال الإرهاب، والعنف بوصفهما أسلوباً للسيطرة على حياة المواطنين العاديين، ويضفي استعمال القوة بدون أي قانون على أولئك الذين عهد إليهم بها إحساساً بآفاق لا حدود لها في متناول أيديهم، فهو يرضي خيلاءه بأنواع التبرير العقلي والمصلحة الشخصية على أنها الواجب ويحررهم من الاعتماد على القيم، وذلك عن طريق مقارنة هذه القيم بما لاقاه الشعب في الماضي من فشل وعن طريق إثبات أنها قيم غير مجزية، والناس يتعودون على الجو الذي يعملون فيه، فهنالك آلاف مؤلفة من الأعضاء الشبان في الحركات الانقلابية لا يعرفون شيئاً مطلقاً عن أساليب الإقناع العقلي بوصفها وسيلة للحكم وإنما وسيلتهم الوحيدة السلاح، وقد علّموهم بأن لهم الحق فيما يستطيعون الحصول عليه، والشهادة الوحيدة التي يعرفونها بشرعية عملهم هي أن يكون العمل ناجحاً، والنجاح في ميزانهم غير النجاح في ميزان العقلاء، وهم يدربون على اعتبار العنف رجولة، والازدراء بالناس كرامة، ومن ثم يفترض أن الشك والمناقشة في أي شيء صادر من القمة - الزعيم الأوحد - هي من علامات الضعف والانحراف، وكذلك يعلمهم من فوقهم أن الدنيا أمامهم ليأخذوها وأن لا حدود لحقهم إلا مقدار قوتهم، وكلما زاد تكريسهم أنفسهم لهذا المذهب الشاذ الذي يلقى إليهم من فوق زاد أملهم في تحقيق طموحهم، ولما كانوا يعيشون في سيل لا ينقطع من غرس الأفكار التي تصر على أن أي نقد يوجه إلى الزعيم أو طريقته هو عداء للدولة؛ يكونون هم أيضاً أسوداً على الناس، والمبرر الوحيد الذي يبرر كل ذلك في نظرهم أن الزعيم الأوحد هو الذي انتصر وأنه وصل إلى الحكم إما بانقلاب عسكري أو بانقلاب شعبي انتهزه الزعيم الأوحد حتى سيطر على الحكم وحرف الثورة عن مجراها الواقعي إلى عبادته الشخصية ( ). 

4- إن الحروب الحديثة هي من أبرز مظاهر العنف،  وانطلاقاً من تبني الإمام الشيرا&