| ►► فهرس الكتاب |
|
لقيام الدولة يلزم وجود سلطة عليا، يخضع لها جميع الأفراد المكونين للجماعة(1). وقد اجمع الفكر السياسي على أن المجتمع المنظم لا يستقيم من غير سلطة تحكمه وتوجه النشاط الفردي فيه(2). فهي أهم العناصر في تكوين الدولة، وحجر الزاوية في كل تنظيم سياسي، حتى أن بعضهم يُعرف الدولة بالسلطة، ويقول: إنها تنظيم لسلطة القهر(3). وقد استقر تعريف السلطة على أنها" قدرة التصرف الحر التي تباشر بحكم سموها, مهمة حكم الناس عن طريق خلق النظام والقانون بصفة مستمرة". وهي على هذا، ظاهرة إيقاعية لا مكان لها خارج النظام الجماعي, كما لا يستقيم النظام الجماعي ولا يستقر بدونها، حتى قيل بان مجتمعا كله من القادة يمكن تصوره أكثر من تصور مجتمع ليس فيه من يحكم, فالمجتمع لا يمكن أن يتصور من غير نظام(4). والسلطة بنظر الإمام الشيرازي هي "القدرة التي توجب خضوع الضعفاء أمام الأقوياء، والخضوع إنما يكون لرغبة أو لرهبة، ثم الرغبة والرهبة قد تكون بالحق، وقد تكون بالباطل، فالديكتاتور يكون مرهوب الجانب مرغوبا فيما عنده، وتكون سلطته بالباطل، بينما الحاكم العادل يرهبه الفساق والمجرمون، ويرجوه الضعفاء والمحرومون، وسلطته بالحق. والسلطة قد تأتي بواسطة المال، وقد تأتي بواسطة السلاح، وقد تأتي بواسطة السياسة والحكم، وإلى غير ذلك. ثم قد تكون السلطة حاصلة بالتدريج، كمن يجمع السياسة قطرة قطرة، وقد تأتي فجأة، كمن ينصبه السلطان أميرا، يختاره الناس رئيسا. والقدرة لها مصادر ولها مراكز ولها موارد، فان كانت الثلاثة بالحق، كانت القدرة في مجراها الصحيح، وإلا كانت باطلة(5). السلطة الشرعية هل كل سلطة تحكم الناس هي سلطة شرعية؟ وهل يمكن لكل سلطة أن تدعي الشرعية، أم للشرعية أصولها؟ الجواب كلا، لان السلطة قبل كل شيء، تعتمد في وجودها، وفي شرعية تصرفاتها، على رضا الجماهير بها وقبولهم لها، فالسلطة ما لم تستند إلى إرادة الشعب الذي تحكمه, تكون سلطة قهرية لا تسمح بقيام الدولة بالمعنى الحديث, لان قيام الدولة أو تأسيسها يرتبط برضا الشعب أو الجماهير, التي هي وحدها القادرة على إضفاء الشرعية على هذه السلطة، وعلى تصرفاتها. فالشرعية هي التي تخول الدولة استعمال القوة ضد المخالفين والجانحين والعصاة. ولولا هذه الشرعية لكانت قوة الدولة تعسفية، ولكان استعمالها غير عادل وغير منصف، وإذا كانت قوانين الدولة غير شرعية، فإن الأفراد لا يطيعونها، ولا يمتثلون لأوامرها وشروطها. لذا فشرعية القوانين وشرعية السلطة هي التي تجعل من الأفراد يخضعون لتعاليم وأوامر الدولة، وهي التي تمكن الدولة من حكم المجتمع، وتمنحها السياسة المطلقة لاتخاذ القرارات المناسبة التي تكفل تقدم المجتمع وسيره إلى الإمام(6). من هذا المنطلق يرى الإمام الشيرازي، أن شرعية السلطة دائما مرتبطة بقبول الأمة لها، لان السلطة شأن من شؤون الأمة، وبالتالي فان كل شيء يرتبط بشؤون الأمة، لابد فيه من الاستشارة، سواء في أصل الجعل، أو في توابعه، مثل: المدارس والجامعات، والمستشفيات، والمطارات، والمعامل الكبرى، وما أشبه، فإنها تفتح وتعمل بمال الأمة ومقدراتها، وكذلك حال الوظائف من الرئاسة إلى الوزارة إلى المجلسين، إلى المحافظين، إلى مدراء النواحي، وهكذا، وذلك لجهتين: الأولى: أنها تكون بمال الأمة، سواء أموال الخمس والزكاة، أو المعادن، أو ما شبه، ولا يحق لأحد أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه. الثانية: إنها تصرف في الأمة ولا يحق أن يتصرف في غيره إلا بإذنه، ومن الواضح أن رضى الأمة وإجازتها في طول رضى الله وإجازته، فاللازم أن يكون التصرف حسب الرضائين(7). (1) د. علي الدين هلال، د. نيفين مسعد، النظم السياسية العربية – قضايا الاستمرار والتغير، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2000، ص47. (2) د. طعيمة الجرف، نظرية الدولة والأسس العامة للتنظيم السياسي، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة 1964، ص28. (2) د. ثروت بدوي، النظم السياسية، دار النهضة العربية للنشر، القاهرة، 1975،ص33. (4) د. يحيى الجمل، الأنظمة السياسية المعاصرة، النهضة العربية للنشر، بلا سنة نشر، ص93. (5) الإمام الشيرازي، السياسية، الجزء الأول، ص226. (6) د. صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي، المصدر السابق، ص402. (7) الإمام محمد الحسيني الشيرازي، الشورى في الإسلام، ص23. |
| ►► فهرس الكتاب |
|
الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا
أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م info@shrsc.com |
