الانتخابات مصدر الشرعية

►► فهرس الكتاب

 بيد أن السلطة لا تكون شرعية وقوية ومؤثرة في سير الأحداث التي تطرأ على المجتمع، ولا يمكن أن تعبر عن أماني وطموحات الشعب الذي تحكمه، ولا يمكن أن تنال تأييد واحترام الشعب، دون اعتمادها على وسيلة فعالة يعبر بها الشعب عن إرادته في إضفاء الشرعية على السلطة. وهذه الوسيلة هي الانتخابات الحرة النزيهة، حيث يدلي كل مواطن برأيه حسب قناعته واختياره. وقد أكد هذا المعنى الإمام الشيرازي بقوله: يجب أن يكون الحاكم – بالنسبة إلى غير المعصوم المعين من قبل الله تعالى – منتخبا بانتخابات حرة، كما قال أمير المؤمنين "ع" (أن يختاروا) وهذا هو المتعارف عليه الآن في البلاد الديمقراطية، ولذا نرى لزوم إجراء الانتخابات في إدارة كل شيء حتى في معمل أو شركة صغيرة أو ما شابه ذلك، فانه يشمله قوله سبحانه (وأمرهم شورى بينهم)(1) لان الشورى إنما هي نتيجة الانتخابات، أو أن الانتخابات هي نتيجتها(2).

الانتخابات وسيلة إلى الديمقراطية

ما العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية؟ هل تتحقق الانتخابات بدون ديمقراطية؟ أو تتحقق الديمقراطية بغير الانتخابات؟ يبدو أن العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية، علاقة حميمة متلازمة، وبالتالي فهناك من يربط بين المبدأ الديمقراطي والانتخابات كوسيلة لإسناد السلطة الشرعية، ويقول إنه لا قيام للديمقراطية ما لم يكن الانتخاب هو وسيلة اختيار الحكام، فبقدر التوسع في حق الانتخاب، وتعميم تطبيقه في تشكيل السلطات المختلفة في الدولة، بقدر ما يكون النظام ديمقراطيا، ولا يكون النظام ديمقراطيا حتى يثبت حق الانتخاب لكل فرد له صفة مواطن،

وذلك تطبيقا لمبدأ المساواة بين المواطنين، لان الانتخاب في الحقيقة حق طبيعي لكل فرد بالغ راشد، ولا يمكن لأي احد أن ينتزعه منه(3).

 ولكي تنتشر العدالة بين عامة الناس بمعناها الواقعي، ويكون لكل إنسان،الصغير والكبير، العاقل والمجنون، الرجل والمرأة، حق إبداء رأيه في أعظم الأمور وأتفهها، أجاز القانون الإسلامي بخلاف القانون الوضعي حق الانتخاب لجميع المواطنين، دون تقييد بعمر معين، غاية الأمر أن غير البالغين والمجانين ينوب عنهم أولياؤهم.

 وبالتالي يذهب الإمام الشيرازي إلى أن الديمقراطية لا تتحقق في أي مجتمع إسلامي أو غير إسلامي، ما لم يشترك جميع المواطنين في انتخاب الهيئة الحاكمة، فهو لا يقصر الانتخاب على الرجل دون المرأة، كما في بعض القوانين الوضعية في الدول العربية وغير العربية، ولا للمواطنين البالغين دون غير البالغين، بل يعطي حق الانتخاب لغير البالغين، ويعطي هذا الحق إلى ولي غير البالغ، كما أن الإمام الشيرازي لا يقر بحق الانتخاب للراشد والعاقل فقط، وإنما يثبته للمجنون ينوب عنه وليه. حيث يقول: في كثير من بلدان العالم إلى اليوم، نص يحرم على المرأة المشاركة في الانتخابات العامة، بينما قد تقدم أن الإسلام جعل الحق لهن في البيعة في الآية المتقدمة، (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله)(4). بل نجد أنه يحق لأولياء الأطفال المشاركة في البيعة نيابة عن أولادهم لان الحاكم يتصرف في شؤونهم أيضا. فمثلا الأب الذي له أولاد أربعة، له خمسة أصوات صوت لنفسه وأربعة أصوات للمولى عليهم، فإذا شاء الأولياء كان لهم الحق في ذلك، بينما لا يوجد حق كهذا للآباء في القوانين الحاضرة، فلذا قرر الإسلام عدم جواز الاقتراب من أموال الأطفال إلا بالتي هي أحسن، كما قال سبحانه"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده"(5). إلى غيره من نصوص متعددة. فبشكل أولى لا يصح انتخاب حاكم الدولة (الذي يتصرف في شؤون الأطفال أيضا وفي كل المجالات المتعلقة بالطفل) إلا مع مراعاة مصلحة الطفل بالنحو الأحسن، وذلك لا يتم إلا بان يكون للأطفال أيضا حق التصويت، ويعطي هذا الحق للأب باعتباره وليا عليهم(6).

التحضير للانتخابات

 هناك مجموعة من الإجراءات تتبعها الدول استعدادا لإجراء الانتخابات على الصورة الصحيحة، ومن هذه الاستعدادات:

1-إعداد سجل الناخبين: حيث لم يكن لكل فرد في القوانين الوضعية حق الانتخاب, إلا بعد توافر شروط العمر والعقل، وربما الذكورة، فان اللجان الانتخابية المتخصصة تقوم بإعداد قوائم أو جداول انتخابية تدرج فيها أسماء جميع المواطنين الذين لهم حق الانتخاب. وهذه الآلية تكون مشروطة بوجوب نشر هذه القوائم بعد تحريرها، وعرضها في أماكن معينة قبل فترة كافية تسبق تأريخ عملية الانتخاب، حتى يتسنى لكل مواطن أن يتأكد من قيد اسمه إن كان من حقه ذلك, ولكل من أهمل قيد اسمه بدون وجه حق أن يطلب تقيده فيها(7).

2- تقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية: بحيث تنتخب كل دائرة نائبا أو أكثر، وفقا للنظام المطبق في الانتخابات(8). وقد لجأت معظم الشرائع إلى تقسيم البلد إلى دوائر انتخابية، لصعوبة الحصول على نتيجة جدية، إذا ما تم دعوة أبناء البلد كلهم – كدائرة واحدة- لاختيار كل النواب، وهو عمل لا يستطيع القيام به عامة الناخبين، لعدم معرفتهم بكل المرشحين(9).

 والقاعدة في أن يكون تقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية بقانون حتى لا يترك أمره إلى السلطة التنفيذية التي يخشى أن تتخذه وسيلة لتمكين أنصارها من النجاح، وتشتيت الدوائر الموالية لخصومها في دوائر متفرقة، فينعدم أثرهم، خصوصا إذا ما كانت الانتخابات بقصد اختيار أعضاء البرلمان, والتي تطلب حتما تقسيم الدوائر الانتخابية، لذلك ينبغي جعل تحديد الدوائر الانتخابية بقانون صادر من البرلمان، والأفضل أن يكون تقسيم الدوائر ثابتا لا يتغير بتغيير الحكومات. وان يكون بقدر الإمكان متطابقا أو متجاوبا مع التقسيم الإداري للدولة(10).


(1) الشورى 38

(2) الإمام محمد الحسيني الشيرازي، التيار الإصلاحي، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت، 2003، ص16.

(3) د. ثروت بدري، النظم السياسية، المصدر السابق، ص232.

(4) الممتحنة 12.

(5) الإسراء 34

(6) الإمام محمد الحسيني الشيرازي الصياغة الجديدة، ص324.

(7) د. طعيمة الجرف، المصدر السابق، ص428.

(8) د.يحيى الجمل، المصدر السابق، ص134.

(9) غراير ستيفنسون جونيور، مبادئ الانتخابات الديمقراطية، مجلة الإسلام والديمقراطية، العدد الخامس، دار المستقبل للنشر والتوزيع، بغداد، حزيران، 2004، ص40.

(10) د. ثروت بدوي، المصدر السابق، ص234.

►► فهرس الكتاب

الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م

info@shrsc.com