آليات التحول السياسية في العراق

►► فهرس الكتاب

الدساتير العراقية

 مر العراق خلال تطوره الدستوري بثلاث مراحل: هي فترة الحكم العثماني, حين بدأت بعض التطبيقات الدستورية الغربية المحدودة، خاصة بعد عام 1909، ثم فترة العهد الملكي التي شهدت صدور القانون الأساسي للمملكة العراقية في عام 1925، وأخيرا حقبة العهد الجمهوري التي بدأت بثورة 14 تموز / يوليو 1958 وشهدت صدور الدستور المؤقت في 27 تموز / يوليو 1958 وإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية.

 وقد شهدت المرحلة الجمهورية حالة من عدم الاستقرار الدستوري فقد صدر خلالها خمسة دساتير عراقية في الأعوام 1958 وشباط / فبراير 1963 وتشرين الثاني / نوفمبر 1963 و1968 وأخيرا عام 1970. ومع أن الدستور الأخير من دساتير العهد الجمهوري قد بقي فترة طويلة بالقياس مع الدساتير الجمهورية السابقة له، إلا أن التعديلات العديدة التي تم إدخالها عليه، تؤكد سمة عدم الاستقرار الدستوري التي ميزت العراق منذ سقوط النظام الملكي(1).

قانون إدارة الدولة المؤقت

 أما قانون إدارة الدولة المؤقت، فرغم ما يحمل من فقرات دستورية ضرورية على المستوى النظري من الانفتاح والشفافية، ومنح الحريات، وفرص الديمقراطية، والمساواة، والحركة والسفر، والتملك والتجنس، والعمل والمال، والتجمعات المتنوعة، وعدم إلزام المواطن ما لا رغبة له به، وإطلاق المواطنة ليتمتع بها جميع المواطنين؛ إلا أن الكثير من القوى الدينية والسياسية، لاسيما الإسلامية والوطنية، أبدت تحفظات جديرة بالعناية. ففي تعليقه على قانون إدارة الدولة، قال المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي: إن القانون يجب أن يكون قانون الإسلام، وقد نص القرآن الحكيم على رفض أي قانون سواه، وأن الحكم بغيره كفر وظلم وفسق. قال الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلّهِ)(2)، وقال عز اسمه: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وقال سبحانه: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال جل وعلا: (وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).(3).

وبما أن أكثرية الشعب العراقي الكريم مسلمون معتقدون بالقرآن الحكيم دستوراً، وبالإسلام نظاماً، فيجب أن لا يشذّ القانون الذي يُسنّ، عن الإسلام في أي صغيرة وكبيرة فيكون الإسلام هو المصدر الرئيسي للقانون.

وحيث إن القانون سوف يطبق على كل فرد من أفراد هذه الأمة، فيلزم أن تتم القناعة الكافية لكل شخص عراقي، وذلك بمصادقة الجميع عليه عبر انتخابات عاجلة وصادقة تجعل الأكثرية ملاكاً لها، وتضمن حقوق الأقليات كاملة وعادلة.

 كما أن مراجع الدين كلهم أبدوا تحفظهم على الدستور المؤقت، وذكروا أن فيه إشكالات قانونية وشرعية تسلب الأكثرية حقوقهم، وتكرس الديكتاتورية، منها أشكالهم حول ما جاء في المادة (61) من الدستور التي أعطت حق الاعتراض لثلثي نفوس ثلاث محافظات على جميع القوانين والأنظمة، وهي من الفقرات الواجب نقاشها نقاشا مستفيضا في المجلس الوطني المنتخب في كانون الثاني 2005.

المرحلة الانتقالية في قانون إدارة الدولة

 قسّم قانون إدارة الدولة المؤقت، المرحلة الانتقالية إلى فترتين زمنيتين: تمتد الأولى من حزيران / يونيو 2004 وحتى انتخاب جمعية تشريعية تتولى وضع الدستور. وفي هذه المرحلة تتولى إدارة البلاد حكومة مؤقتة يختارها مجلس الحكم الانتقالي، وسلطة الائتلاف المؤقتة، بالتشاور مع الأمم المتحدة. وتمتد الفترة الثانية بين إجراء انتخابات الجمعية التشريعية، وحتى نهاية كانون الأول / ديسمبر 2005 وتتولى فيها الحكومة الانتقالية إدارة شؤون البلاد، بحيث تنتهي هذه المرحلة عند تأليف حكومة عراقية وفقا لدستور دائم.

وقد أشار القانون المؤقت إلى عدة أمور منها:

1-شكل نظام الحكم.. حيث حدد القانون الحكم باعتباره جمهوريا، اتحاديا "فيدراليا" تعدديا.

2-الإسلام والعروبة.. جاء ذكر الإسلام في القانون على انه دين الدولة الرسمي، ولا يجوز سن قانون خلال المرحلة الانتقالية يتعارض مع ثوابت الإسلام المجمع عليها... أما عن العروبة، فقد أكد الدستور على التعددية السياسية والفكرية والثقافية والقومية والدينية، وعلى التوصل إلى صياغات قانونية متوازنة تحدد المعاني والألفاظ والمباني والمدلولات, بحيث تتأكد مؤسسات الدستور ومعانيه على نحو واضح، وتعكس طبيعة تنوع وتعدد وتركيب المجتمع العرقي والسياسي والفكري والقومي والديني(4).

3-الحكومة العراقية الانتقالية.. حاول القانون الجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني. فوفقا للمادة (24) الفقرة (أ) تتألف الحكومة الانتقالية، أي الحكومة الاتحادية من الجمعية الوطنية، ومجلس الرئاسة، ومجلس الوزراء من ضمنه رئيس الوزراء والسلطة القضائية. وحدد القانون في المادة (25) اختصاصات الحكومة العراقية الانتقالية في رسم السياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي , والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية , والتوقيع عليها وإبرامها وتنظيم أمور المقاييس والأوزان وسياسة الأجور، وإدارة الثروات الطبيعية.

4-القوات المسلحة.. نصت المادة الخامسة على أمر شديد الايجابية، وهو أن تخضع القوات المسلحة العراقية للسيطرة المدنية للحكومة العراقية الانتقالية. كما أكدت المادة (27) أن غرض القوات المسلحة، هو الدفاع عن العراق، وعدم جواز تشكيل قوات مسلحة ومليشيات ليست خاضعة مباشرة لإمرة القوات المسلحة العراقية الرسمية إلا بموجب قانون اتحادي. كما نص قانون إدارة الدولة على عدد من الاعتبارات الإنسانية التي تنسجم مع مكونات المجتمع العراقي. ومن أبرز تلك الاعتبارات:

1-اعتبار المواطنين كافة من مختلف الأديان والأعراق متساوين أمام القانون، كما هو الحال في معظم دول الغرب الديمقراطية، فلا يحرم أي مواطن من حق سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي، نتيجة اللون أو الدين أو العرق أو الطائفة. وهو ما أكده الدستور العراقي المؤقت حيث نص على أن نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي ديمقراطي تعددي يعترف بالعربية والكردية لغتين رسميتين، ويضمن الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية للتركمان والكلدواشورين.

2-إن المرأة كانت وما زالت مظلومة ومضطهدة في القوانين الدستورية وغير الدستورية. لذا نص الدستور العراقي المؤقت صراحة على تمثيل المرأة بنسبة ثابتة، وهي (25٪) كحد أدنى في الجمعية العمومية الوطنية، بالإضافة إلى تطبيق ذلك في جميع مراكز صنع القرار. وهذا اكبر نصر تحققه المرأة في العراق.

3-تأكيد مبدأ فصل السلطات، بما يضمن تعدد وتوازن هذه السلطات والرقابة فيما بينها.

4-تأكيد مبدأ الدستورية العامة وتثبيتها على نحو واضح في الدستور الدائم بحيث تشكل النواة لإصلاح النظام القانوني، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، ومحاكم الطوارئ ومحاكم الضرائب والمحاكم الخاصة والمحاكم العرفية.

5-تأكيد الالتزام بالمواطنة العراقية , وجعلها معيارا أساسيا، بل شرطا لا غنى عنه، وتحديد ذلك دستوريا.

6-تأكيد حق الشعب الكردي في العراق في تقرير مصيره، واختيار الصيغة المناسبة للعلاقة مع شقيقه الشعب العربي.

7-تأكيد نبذ العنف في الحياة السياسية.

8-تأكيد احترام الرأي والرأي الآخر، وتحديد حقوق الأقلية والأكثرية.

9-ضمان الحريات الأساسية الأربع، وهي حريات التعبير والرأي، والاعتقاد، والتنظيم الحزبي والمهني والنقابي، وتأسيس الجمعيات وحرية المشاركة السياسية في إدارة شئون الحكم.

10-إن جوهر العملية الديمقراطية هو تمكين الشعب من اختيار ممثليه عن طريق الانتخابات الحرة.

النظام السياسي في قانون إدارة الدولة

 ومما أشار إليه قانون إدارة الدولة المؤقت، لتنظيم الواقع السياسي العراقي، وإجراء الانتخابات ما يلي:

1-المادة السادسة والعشرون: يلتئم المجلس التشريعي الانتقالي من الممثلين الذين تم اختيارهم، ويعقد جلسته الأولى في موعد أقصاه 21 أيار/ مايو 2004.

2-المادة الثامنة والعشرون: ينتقي المجلس التشريعي الانتقالي هيئة رئاسة الدولة التي تتألف من خمسة أعضاء، وتتولى الهيئة شؤون البلاد العليا، وتشرف على أعمال الحكومة، ويصدق المجلس التشريعي على مشاريع القوانين، بما في ذلك قانون الميزانية.

3-المادة التاسعة والعشرون: تعيين هيئة رئاسة الدولة، رئيسا للوزراء من بين أعضاء المجلس التشريعي، وتعيين هيئة رئاسة الدولة الوزراء أيضا على اقتراح رئيس الوزراء، وعلى الوزراء مجتمعة أن تحظى بثقة المجلس التشريعي الانتقالي قبل مباشرة أعمالها.

4-المادة الثلاثون: تتولى هذه الهيئة الوزراء بصفتها السلطة التنفيذية أعمالها في موعد أقصاه 30 حزيران/ يونيو 2004 ويتم بها وبالمجلس التشريعي الانتقالي قيام حكومة انتقالية مؤهلة للاعتراف بها دوليا.

5-المادة الحادية والثلاثون: تتولى هذه الحكومة الانتقالية السيادة الكاملة لحكم العراق، ويتم بذلك حل سلطة الائتلاف المؤقتة، وإنهاء عمل مجلس الحكم الانتقالي.

6-المادة التاسعة والثلاثون: تجري الانتخابات وفق قانون الانتخاب الذي سيصدره المجلس التشريعي الانتقالي، وذلك لغرض تشكيل المؤتمر الدستوري الذي سيكتب مسودة الدستور الدائم، على أن تتم هذه الانتخابات في موعد أقصاه 15 آذار / مارس 2005.

7-المادة الأربعون: تنشر مسودة الدستور الدائم بغرض إجراء حوار عام بشأنه من قبل الناس ويطرح نصه النهائي على استفتاء شعبي للتصديق عليه.

8-المادة الحادية والأربعون: تعقد بعد إصدار الدستور الدائم انتخابات عامة مباشرة للمجلس التشريعي، وفقا لما سينص عليه هذا الدستور، وذلك في موعد أقصاه 31/كانون أول / ديسمبر 2005(5).


(1) د. عبد الحسين شعبان، إشكاليات الدستور العراقي المؤقت، الحقوق الفردية والهياكل السياسية، كراسات إستراتيجية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، السنة الرابعة عشرة، العدد 140، يونيو 2004، بلا.

(2) الأنعام/57.

(3) سورة المائدة/44,45,47.

(4) د. شاكر النابلسي، الدستور العراقي المؤقت – أولى الخطوات لتحقيق الحداثة السياسية الموعودة.

(5) الياس عاقلة، الدستور العراقي المؤقت، ص28.

►► فهرس الكتاب

الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م

info@shrsc.com