| ►► فهرس الكتاب |
|
لكي تعبر الانتخابات عن مشروعية التمثيل والتفويض لابد أن تشتمل على مجموعة عناصر: 1-أن تكون الانتخابات حقيقية وليست شكلية، وأهم علائم كونها حقيقية الشفافية التي تلازمها في مراحل تكوينها وإعدادها، حيث تكون مؤسسات المجتمع المدني مطلعة على سير العملية ومشاركة في إعداد مقدماتها. 2-أن يكون المواطن مستوعبا وعارفا بالعملية الانتخابية مضمونا وشكلا كما أن الوكيل يكون عارفا بقوانين الوكالة ومضمونها. إذ أن وعي المواطن بالعملية الانتخابية وكيفية مشاركته وتعبيره عن الرأي يجعله قادرا على فهم الآلية التي تمكنه من حماية حقوقه ومصالحه وسلطاته الشخصية. فمع عدم وجود توعية فعالة للمواطنين أو وجود غموض في النظام الانتخابي يجعل المواطن عاجزا عن استيعابه يصبح هنا التدليس مؤشرا على فقدان الشرعية التي يعطيها المواطن للسلطة المنتخبة. وفـي مثل هذه الحالة كما يرى الإمام الشيرازي تتجه أنظار الجماهير إلى الأحزاب السياسية فيسعى غالب الأفراد إلى المشاركة في بحث ودراسة القضايا السياسية التي تطرح للنقاش من جانب الأحزاب المختلفة ثم يختار في خضّم تضارب الآراء والأفكار المختلفة، الرأي الذي يقبله ويصوّت لصالح أولئك الأشخاص الذين يليقون بمهمة تطبيق ذلك الرأي في يوم الانتخابات البرلمانية. وبهذه الطريقة يمكن أن يظهر ويتجسد الوعي والتثقيف السياسيان لشعبٍ من الشعوب في العالم. كما يرى سماحته انه من الضروري تنظيم وتعليم وتدريب الشباب على الانتخابات الحرة والمؤسسات الدستورية والتنافس الإيجابي ومختلف الحريات المشروعة، فان الإنسان إذا لم تتوفر له مناخات الحرية.. لن يبدع ولن يتقدم فلا تظهر ولا تنمو كفاءاته. فاللازم إيجاد البديل المناسب لنمو الشباب فتؤسس هناك منظمات ومؤسسات اجتماعية وما أشبه ويكون فيها نظام الانتخاب للفرد الأجدر في إدارة الأمور أو شورى الإدارة في أجواء استشارية، سواء الأمور المرتبطة بالتنظيم الشبابي أو بالعمل أو بسائر الشؤون... وقد جرّبنا نحن هذا الأمر في بعض مؤسساتنا الطلابية فأتى بنتائج رائعة. لذلك فإن العملية الديمقراطية تصبح حقيقية ومشروعة عندما تتحول إلى حالة عامة تشمل الفئات والمؤسسات الحكومية والشعبية والمؤسسات التعليمية والنقابية كافة، أي أن الانتخابات تبدأ بالفعل من القاعدة الشعبية التي تتناولها بالممارسة الفعلية وتطبقها عمليا في أدنى المستويات، بحيث يصبح المواطن مدركا وواعيا للعملية الانتخابية عندما يمارسها في أعلى مستوياتها وهي انتخاب السلطات التنفيذية والتمثيلية. فالانتخابات التي تبدأ من فوق دون أن يمارسها المواطن مسبقا تصبح في الأغلب فاشلة في تحقيق أهدافها على المستوى القريب. لأن الديمقراطية ليست لباسا جاهزا يستطيع الكل أن يتخذه دون وجود ممارسة وتعليم وتجربة مسبقة. 3-أن يكون النظام الانتخابي معبرا عن المصالح الحقيقية للأمة وليس مجرد آلية شكلية تعطي مساحة خاصة للنخبة الحزبية فقط. فالنظام الانتخابي قد لا يعطي المواطن القدرة على أن يختار الممثلين الحقيقيين أو يكون مجبرا على انتخاب من لا يرغب أن ينتخبهم، كما أن المواطن قد لا يكون معنيا بوجود ممثلين من مناطق أخرى في لائحة منطقته كما هو حاصل في نظام اللوائح والدائرة الواحدة. لذا فإن اختيار النظام لابد أن يكون معبرا عن إرادة المواطن ورأيه. 4-أن يكون للفرد الحق في تمثيل مصالحه حتى بعد نجاح المرشحين في الانتخابات، لأن المرشح الفائز في الانتخابات يعتبر ممثلا ووكيلا للشخص الذي انتخب، لذا لابد له أن يتواصل معه حتى تصبح شرعيته مستمرة، لذلك فأن الذين يستغلون الناس للوصول الى السلطة يفقدون شرعيتهم عندما يتخلون عن تمثيلهم للمواطن الذي انتخبهم. ويرى الإمام الشيرازي بان الذين يلغون دور الناس عن المجال المرتبط بهم بعد انتخابهم لا يعبأون بآراء المنتخبين بعد ذلك، في كثير من القضايا المصيرية. ويقترح الإمام الشيرازي آلية عمل تجعل الشخص المنتخب متواصلا مع منتخبيه بحيث يكون تمثيله شرعيا، بأن يجتمع الناس كل شهر مرة - مثلاً- في حلقات كخمسمائة مثلاً: ليدلوا بآرائهم في القضايا المهمة، فيكون المجلس مقيداً بأخذ أكثرية هذه الآراء لا كيفما شاء المجلس بنفسه. 5-وجود مؤسسات مستقلة مدنية ترعى حماية الفرد من نقض حقوقه الانتخابية ابتداء واستمرارا. وتقوم بمراقبة عملية إجراء الانتخابات بحيث يكون لها دور فعال في نزاهتها وخلوها من الاختراقات، أما تغييب هذه المؤسسات وعدم فعاليتها عند عملية إجراء الانتخابات فانه يعني وجود خروقات قد تشكك بنزاهة الانتخابات. وهذه المؤسسات المدنية تنبثق من مختلف فئات الشعب وأصنافه. 6-الرقابة على الحكام: حيث نستفيد من النصوص الإسلامية (حق محاسبة الحكام والمسؤولين عن تصرفاتهم) فللناس الحق في إعلان الرأي المعارض بالكلام أو الكتابة أو ما أشبه. وفي الإسلام نجد أفضل من هذا، فللشعب حق محاسبة الحاكم وهي قربة ولها أجر وتسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)(1). وقال تعالى: (وأتمروا بينكم بمعروُفٍ)(2). وفي الحديث: (إن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين). والنصيحة معناها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعطاء المشورة والتقويم وغير ذلك. ومن الواضح، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة أوسع وأكثر عمقاً، فليس الأمر مجرد محاسبة عابرة، بل محاسبة يسأل عنها إنسان أمام الله وأمام الشعب وأمام الأجيال. قال سبحانه: (وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم لعلّهم يتقون)(3). وقال في آية أخرى: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون). بل فوق ذلك نجد أن الإسلام يرى أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يلزم أن يكون هو عاملاً بالمعروف وتاركاً للمنكر، وإلا كان مستحقاً للوم والعقاب، ففي الآية الكريمة: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(4). وقال علي (عليه السلام): (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، الناهين عن المنكر العاملين به). والوجه واضح، فإن الآمر إذا لم يأتمر، والناهي إذا لم ينزجر سبّب ذلك السخرية بالدين، بالإضافة إلى عدم الائتمار والانتهاء. 7-حق عزل الحاكم: ومن عناصر شرعية الانتخابات حق الشعب في إسقاط الحاكم أو الحكومة، وقد سبق الإسلام القوانين في ذلك بل جعله واجباً شرعياً، فإذا لم يعمل الحاكم بالقوانين الإسلامية أو سقط من الصلاحية وجب إسقاطه وعزله. وقد ورد الحديث الشهير الذي ذكره المحقق الحلي - قدس سره - في المعتبر: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). ومن كتاب رسول الله إلى أهل البحرين عندما ولى عليهم (العلاء بن الحضرمي) ـ على ما ذكر في بعض التواريخ ـ أنه (صلّى الله عليه وآله) كتب: (وأنا أشهد الله تعالى على من وليته شيئاً قليلاً أو كثيراً من أمور المسلمين فلم يعدل فيهم أنه لا طاعة له وهو خليع مما وليته، وقد برئت ذمم المسلمين معه من المسلمين).(5) وتبقى الانتخابات هي أهم مظاهر التحول والتغيير نحو المجتمع المدني السلمي، لذلك فإن إجراءها يمثل خطوة مهمة نحو التغيير الايجابي. ولكن التحول المؤسساتي نحو الشرعية والقانونية التي تعبر عن رأي الأمة ورضاها يبقى منوط بالخيارات والوسائل السليمة والفعالة التي تحقق هذه الشرعية، إذ مع وجود آليات عمل وأساليب تتجاوز رأي الأمة أو لا تعبر عنها بشكل مناسب تبقى الشرعية عائق أساسي أمام التحول السليم نحو المجتمع السلمي المدني. (1) آل عمران: 110. (2) الطلاق: 6. (3) الأعراف 164. (4) الصف: 2 ـ 3. (5) لمزيد من المعلومات، مراجعة كتاب الصياغة الجديدة للإمام السيد محمد الشيرازي. |
| ►► فهرس الكتاب |
|
الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا
أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م info@shrsc.com |
