| ►► فهرس الكتاب |
|
مما لاشك فيه أن الحكومة في المجتمع الإنساني ضرورة من ضرورات الحياة، وعمود أساسي من أعمدة استقرار البلاد وحفظ أمنها، فالدولة التي تفقد حكومتها سواء ديمقراطية كانت هذه الحكومة أو استبدادية، بثورة عارمة أو انقلاب مفاجئ؛ تفقد قدرتها على إدارة شؤون حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتُصبح مشلولة عن ممارسة دورها في رعاية مواطنيها ومصالحهم، وبالتالي لابد من وجود حاكم يحكم البلاد، كما جاء في نهج البلاغة عن الإمام علي "ع" "لابد للناس من أمير بر أو فاجر"(1). والحكومة في حقيقتها مؤسسة سياسية، بل هي من اكبر المؤسسات السياسية التي تعمل داخل البلاد أمثال الأحزاب والمنظمات السياسية، وما إلى ذلك، وهي المؤسسة السياسية التي تعمل داخل البلاد وخارجها بكل حرية، بينما سائر المؤسسات لا مسرح لها خارج البلاد، إلا بقدر جزئي وتحت أغطية أخرى، ومسرح سائر المؤسسات في الداخل هو القدر الذي تسمح المؤسسة الكبرى(الحكومة) بمزاولته أعمالها. ولابد لكل حكومة من هدف منشود، تسعى إلى تحقيقه، وهدف الحكومة الصالحة هو تحقيق مصالح ومنافع الفرد في المجتمع، من خلال: 1-تأمين المأكل والمشرب والمسكن والملبس والمركب والدواء والزواج، وسائر حاجاته، وحفظه من الخوف والقلق. 2-حفظ حقوقه بعد تعدي الآخرين عليه، سواء كان المعتدي في الخارج، كالدولة الأجنبية، أو في الداخل.. 3-تهيئة وسائل الإنماء والتقدم بما يكفل للفرد والمجتمع النهوض والصعود الدائم(2). ويرى الإمام الشيرازي أن الحكومة الاستشارية هي أفضل الحكومات؛ لأنها تهيئ الجو الكامل للحرية، وفي الحرية تظهر الكرامة الإنسانية من جانب، والكفاءة الإنسانية من جانب آخر، والديمقراطية الاستشارية ليست بالألفاظ ولا بتسطير دستور يتضمن نصه الحريات والعدالة، وما أشبه ذلك، بل علامة الاستشارية الصادقة انتخاب الأمة لنوابها بكل حرية، وجعل النواب (أو الأمة مباشرة) وأن يعطى كل فرد وجماعة حريته في نطاق الدستور الإسلامي.. وبذلك يتوفر لكل إنسان العيش الكريم، وتكون الدولة ساهرة على مصلحة الأمة، وفي مثل هذا الجو، تتقدم الأمة إلى الأمام، ويكون السائد رأيها في كل شيء، فالاستشارية حقيقة في باطن الحكم حالها حال الروح السائدة في الجسد، لا في الألفاظ والإعلام والدستور- فحسب - ويعرف وجودها وعدمها من آثارها، فان ظهرت تلك الآثار فالاستشارية موجودة، وإلا فهي مفقودة(3). ويطرح الإمام الشيرازي طرق اختيار السلطات الحكومية، وهي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فيقول: أما مجلس الأمة، فيكون بانتخاب الشعب، وأما شورى الفقهاء، فتكون بسبب تقليد الناس لهم، بعد أن كانوا مؤهلين للتقلد. أما اجتماعهم فهو يكون بينهم، حيث يلزم أن ينفذوا أوامر الشرع والعقل بالا جماع المسبب للقوة، وقد قال سبحانه (وأمرهم شورى)، وأما مجلس الوزراء فيكون بانتخاب مجلس الأمة، وذلك بالتعاون مع شورى الفقهاء، فيكون مجلس الوزراء منتخبا للأمة انتخابا غير مباشر بطريقين، وهذا في الإتقان أقوى من الديمقراطية. وأما أعضاء المحكمة العليا فينتخبهم (شورى الفقهاء) و(مجلس الأمة) و(وزارة العدل، أو مجلس الوزراء)(4). ومن الشروط الموضوعية التي يشترطها الإمام الشيرازي في الحاكم ليكون حاكما شرعيا هي: 1- كونه مرضيا لله سبحانه تعالى: فان الولاية لله تعالى سبحانه عقلا وشرعا، فلا يحق لأحد تولي الأمر بدون رضاه سبحانه. أما عقلا فلأن الله سبحانه خالق الخلق، ومالك الملك، وكما لا يجوز – عقلا – أن يتصرف احد في ملك احد إلا برضاه، كذلك لا يجوز التصرف في ملك الله إلا برضاه. وأما شرعا فلورود الآيات والروايات بلزوم أن يكون من يلي الأمور مرضيا له سبحانه مثل آية "إنما وليكم" وآية "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم". 2- أن يأتي بالشورى: وان لم يأت بها لا يصح الحكم؛ فأساس الحكم الشورى. فرئاسة الحكومة تكون عبر انتخابات حرة ينتخب فيها الحاكم تبعا لأكثرية الآراء شرط أن تتوفر فيه المواصفات التي اشترطها الله سبحانه كالعدالة والاجتهاد في الأمور الدينية والاطلاع على شؤون الدنيا إلى آخر ما هو مذكور في كتب الفقه المفصلة. وكذلك في كل إقليم وناحية من نواحي البلاد الإسلامية يجب أن ينتخب الناس مرجعا يكون حاكما لهم فأقاليم العراق أو إيران أو اندونيسيا أو باكستان... الخ كل ينتخب حاكما، ومن الضروري أن تجري انتخابات عامة بين فترة وأخرى كل أربع أو خمس سنوات لانتخاب حاكم جديد.إذ الحكم في الإسلام ليس وراثيا دكتاتوريا كما أن الحاكم الذي يأتي إلى الحكم عبر انقلاب عسكري مرفوض من قبل الإسلام حتى لو كان الحاكم مسلما إذ يشترط الإسلام آراء الأكثرية, كما هو حديث (سليم بن قيس الهلالي) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث أوجب على المسلمين عندما يموت إمامهم أو يقتل أن لا يعملوا عملا ولا يقدموا يدا ولا رجلا قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا ورعا عارفا بالقضاء، وبالسنة يحيي فيئهم، ويقيم حجهم، ويجمع صدقاتهم إلى آخر الخبر.(5) وليس للحاكم حق الديكتاتورية إطلاقا، وكل حاكم يستبد يعزل عن منصبه في نظر الإسلام تلقائيا لان شرط الحاكم العدالة والاستبداد الذي معناه التصرف خارج النطاق الإسلامي، وخارج نطاق رضا الأمة في تصرف الحاكم في شؤونها الشخصية ظلم مسقط للعدالة(6). وفي بلادنا يرى الإمام الشيرازي أن الواجب على كل فرد من أبناء الشعب العراقي أن يساهم في تشكيل حكومة العراق المستقبلية عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة التي تجري على مستوى كل الشعب واختيار آراء الأكثرية مع مراعاة النسب، فليس من الحق والإنصاف يحكم أكثرية العراق أشخاص من الأقلية كما ليس صحيحا أن تقع الحكومة بيد فريق معين من الأشخاص بلا انتخابات أو تصويت أو شورى.. وهذا الكلام لا يعبر عن طائفية بل إن هؤلاء الأقلية هم أخوة لنا ولكن لا ينبغي لهذه الأخوة أن تضيع حق الشيعة الأكثرية في العراق. بل الأجدر بهذه الأخوة أن تصلح ما قطعته من جسور وروابط اجتماعية إسلامية بين الأخوة المسلمين وان يكونوا مع أخوتهم الشيعة يدا واحدة لقطع أيدي المستعمرين الطامعين بخيرات العراق وبلاد المسلمين، ولو اعترض احد على كون الحكومة المستقبلية في العراق شيعية فالاعتراض الذي هو عند الشيعة اقوى وهو لماذا تحكم الأقلية الأكثرية وتتسلط عليهم؟ ولماذا يدعون الوحدة ويحرمون الأكثرية من حقوقهم؟ إن هذا الآمر ليس مقبولا لا في قوانين عالم اليوم ولا في قوانين الشرع الإسلامي بل يرفضه حتى القانون الغربي وذلك بان تأتي أقلية تشكل (20٪) من مجموع السكان وتتحكم بأمور (80٪) الباقية تحت حجج وذرائع واهية ولا يكون لهذه الأكثرية حول ولا قوة. وقد حدد الإمام الشيرازي ثلاث نقاط يجب أن تهتم بها الحكومة العراقية في المستقبل لتكون حكومة صالحة ومقبولة، وهي: أولا: المنهج الصحيح الذي تحكم وفقه. ثانيا: الكادر والإدارة الفعالة. ثالثا: يجب أن تكون الأكثرية هي الحاكمة كما يجب إعطاء الأقليات حقوقها. فالأكثرية الشيعية في العراق كان لها الدور الأكبر في إنقاذ العراق مرارا عديدة في القرن الماضي, مرة في ثورة العشرين ومرة أخرى في الحرب العالمية الثانية، حيث أفتى العلماء بوجوب إخراج المستعمر من قاعدة الحبانية، فتحرك الشعب بأسره حتى اخرجه، ومرة ثالثة إبان المد الأحمر.. وقد سجلت الكتب التاريخية تلك الحوادث بتفصيلاتها. وأخيرا يؤكد الإمام الشيرازي على الاطلاع والمعرفة بفوائد التعددية والانتخابات، والأضرار الناجمة عن الرأي الواحد الذي عادة ما يؤدي إلى ظهور الدكتاتورية , بينما التعددية والانتخابات تعطي فرصة للشعب والأفراد، للجوء إلى أي حزب أرادوا، وإعطاء أصواتهم لأي حزب، يرون انه يخدم الشعب ويحافظ على وحدته , ففي ظل الحرية والتعددية يرتفع ستار الجبر والضغط على الشعب وتتوفر الحريات ضمن إطار الشرع المقدس، وبموجبها يعلن الفرد ويصرح عن رأيه. كما قال أمير المؤمنين (ع) (أضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب)(7). لذا فان همنا بتغيير الوضع المأساوي لشعبنا المسلم في العراق يقترن بسعينا نحو تغيير أنفسنا ومجتمعنا أولا، وهذا يتم بالعمل الجاد والمتواصل والتوكل على الله تعالى عند ذلك يستجيب سبحانه دعاءنا، ويمدنا بنصره. إما أن ندعو بلا عمل ولا همة، ونتوقع أن يأتي بالأكثرية، وهم الشيعة إلى الحكم، ليقودوا البلاد فليس صحيحا. وظيفتنا نحن بعد التوسل إلى الله تعالى، والتوكل عليه، السعي لإيجاد حكومة في العراق تلبي مطالب الغالبية العظمى من الشعب مع الحفاظ على حقوق باقي الأقليات(8). وعلى هذا الأساس يؤكد الإمام (قدس) على وجوب أن يكون الحكم في العراق قائما على أساس إعطاء الناس حقوقهم في إبداء الرأي بحرية، وان يعمل بالشورى والمشاورة، وان تعطى الأحزاب الإسلامية حرية العمل والتنافس، وان يكون لها الحق في نقد الحكومة. وحينذاك سوف لا تكون الحكومة قادرة على قتل خمسة أشخاص بالباطل. أما إذا انفردت بالسلطة حكومة دكتاتورية فسيؤول وضع العراق من سيئ إلى أسوء(9). (1) أنظر نهج البلاغة، الخطبة41. (2) الإمام الشيرازي، السياسة، ج2، ص270. (3) الإمام الشيرازي، السياسة، ج2، ص85. (4) الإمام الشيرازي، القانون، ص277. (5) عن كتاب سليم بن قيس/182. (6) الإمام الشيرازي، السياسية، ص34. (7) الإمام محمد الحسيني الشيرازي، دعاة التغيير ومستقبل العراق، المصدر السابق، بلا. (8) الإمام محمد الحسيني الشيرازي، مستقبل العراق بين الادعاء والعمل، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت، 2001، بلا. (9) الإمام محمد الحسيني الشيرازي، دعاة التغيير ومستقبل العراق، المصدر السابق، بلا. |
| ►► فهرس الكتاب |
|
الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا
أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م info@shrsc.com |
