الباب الثاني

رؤى في المرجعية القيادية

 

  مدخل

  الواقعية

  المنهج.. السلوك..

 

 

مدخل

لقد جسد الإمام الشيرازي رؤيته للمرجعية القيادية بمعايشته لواقع الأمة في أزماتها، وبتفاعله مع مشاكلها، مستلهماً من ماضيها وعراقة مبادئها أصالة الفكر، ومستشرفاً من غدها فكراً معطاءً يغني النفوس علماً ومنهاجاً ويبث فيها روح الجهاد والمثابرة والصبر، فبحكم تناوله الأزمة وإبداعه في تهيئة الأدوات اللازمة واستخدامه الواقعي لأساليب التوجيه بما ينسجم ومقتضى التفاعل مع الأمة في حركته التغيرية، كان حقاً مفكراً في بعده المرجعي والثوري والإجتماعي.

يرى الإمام الشيرازي أن الإنسان يعيش على مفترق ثلاثة طرق:

الأولى: أنا.

الثانية: نحن القوم أو العشيرة أو الوطن.

الثالثة: نحن البشر.

ومن المعلوم أن الإنسان ـ بحكم العقل والمنطق ـ يجب عليه اتباع الطريق الثالث، فأن، (أنا) ما يشتق منه (الأنانية) أفق ضيق إلى أبعد حد و(نحن الوطن أو القوم أو ما أشبه) أيضاً أفق ضيق، وإن كان أوسع من الأفق السابق، أما (نحن البشر) فإنه يعبّر عن آفاق إنسانية واسعة(1).

والحالة التي تعيشها الدنيا في الوقت الحاضر هي حالة مرضيّة ـ بكل خصائص المرض ـ وما لم ترفع هذه الحالة إلى حالة صحية فستظل تتخبط في دياجير وظلمات ومشاكل أسوأ من المشاكل التي كانت الدنيا فيها قبل ظهور الإسلام.. إن الدنيا الحاضرة دنيا مغلقة بالأنانية والأثرة والتفاوت الطبقي، والموازين التي تحكمها هي  موازين (القومية) و(الوطنية) و(المادة) و(اللغة) وما أشبه لا الموازين الإنسانية(2).

وبذلك يكون الإمام الشيرازي باختياره للطريق الثالث وتحليله للواقع المريض للإنسانية ذا منظار واسع الأفق، عميق المغزى، وذا تشخيص عال يتناسب وحجم الأزمة الإنسانية.

لقد تمسك الإمام في فكره بالأصالة واستدل على الفكرة، فلم يتركها مجردة من دون دليل أو شاهد لأنه يؤمن بأن الصحة في الفرد وفي الاجتماع إنما تكون بسلامة (الفرضية الذهنية) من ناحية وسلامة (النظام المسيطر على المؤسسة الاجتماعية) من ناحية أخرى(3).

اعتمد الإمام الشيرازي في فرضيته منهج الأنبياء(ع) الذين أعطوا النظام الصحيح للجسم والروح، أما للروح فلأنهم يحكمون العقل والإستدلال والبحث الحر، لا التقليد والعادات الباطلة كما كان يقول المشركون أو المنحرفون (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) (الزخرف: 23)، ولذا كان القانون في الإسلام الحكيم قانون العقل والبحث الحر والتفكير والتدبر(4).

فبثبوت الفرضية أو النظرية التي يتبناها الإمام الشيرازي فإن المؤسسة الإجتماعية (والمقصود بها: الإجتماع بالمعنى العام الشامل للاقتصاد والسياسة والتربية والثقافة وغير ذلك من الأمور التي تحكم الإجتماع)(5) ستكون محوره المتغير في مشروعه، لأن المؤسسة الاجتماعية بفروعها المتعددة ما هي إلا وسائل تطبيقية متغيرة تبعاً لأساليب النظام وأدواته.

لقد غاصت بحوث الإمام الشيرازي في التاريخ وتوقفت عند المحنة وتطلعت إلى أفق مشرق يتطلب منا:

1ـ الوحدة.

2ـ التعاون.

3ـ التنسيق بين طاقاتنا الفكرية وقدراتنا المادية وتسخيرها في خدمة القضية الأساسية.

4ـ أن يكون ولاؤنا للقيادة الإسلامية المرجعية التي تتصدى لقيادة الحركة ضد الأنظمة ولاءً إيمانياً نابعاً من الشعور بالمسؤولية الإلهية(6).

والإمام الشيرازي بالرغم من تمتعه بقوة الأصالة والتمسك بها في عرضه للفكرة والإستدلال عليها من القرآن الكريم والسنة المطهرة، لم يترك الحداثة والتطور العلمي وآثارهما في الإنسان، المجتمع، لأنه يرى: أن الحياة اليوم تعتمد أساسياً على التقنية في جميع المجالات، وهذه التقنية ليست فقط في الأدوات التي يقدمها الإنسان في حياته، بل في التعاون والتنسيق بين طاقات الإنسان نفسه أيضاً. وحضارة اليوم مبتنية على التعاون في كافة الحقول والمجالات، (لأنها) تعتمد اعتماداً كلياً على التقنية، وعليه فنحن كأمة تطمح إلى بلوغ أهدافها وإقامة حكومتها التي ستكون القاعدة لتغيير العالم حضارياً يجب أن نتبع الأسلوب العلمي والتقني فيما بين طاقاتنا(7).

وبهذه الحيوية الفكرية يحاول صياغة الذهنية البشرية وتوجيهها نحو ضرورة معرفة العلل والعوامل المؤثرة في تكوين الثقافات الفاسدة ومعرفة الحلول المناسبة لبنائها بناءً صحيحاً مستقيماً، فيقول:

علينا أن نعرف السياسة الإسلامية، كيف هي وكيف تطبق في الظروف الحاضرة؟ الإقتصاد الإسلامي والإجتماع الإسلامي، والزراعة والتجارة والصناعة والجيش والحرب والسلم والعلاقات الدولية والأحلاف والمعاهدات وتحقيق الحرية وتوزيع القدرات في مراكزها الطبيعية.

ذلك أن لكل واحد منها أسلوباً وطريقة خاصة في الإسلام يجب معرفتها ثم معرفة تطبيقها في الزمن المعاصر(8).

فالإمام الشيرازي مفكر لما يمتلك من قدرة على التشخيص والتحليل وإجمال الرؤية الواقعية المؤصّلة أولاً، ولمعرفته بالأدوات والأساليب في نقله للفكرة إلى حيز التطبيق ثانياً.

 

الواقعية

لاشك أن بين التصور والواقع تأثيراً يتناسب وحجم الواقع، ولعل الـ 44عاماً التي عاشها الإمام الشيرازي في العراق وهو يمر بمراحل عصيبة في تاريخه المعاصر، حيث الإبتعاد عن المرجعية القيادية التي أثبتت جدارتها في تعبئة الأمة وتوجيه قدراتها نحو مواجهة المستعمر وطرده، الأمر الذي فرض واقعاً عاشته الأمة وهي ترزح تحت وطأة الإضطهاد الفكري والسياسي كإفراز لمحاولة المستعمر في ترك فراغ فكري أيدلوجي تهافت الشباب على ملئه بأفكار استهوت عقولهم وطريقة تفكيرهم، حتى تردد الشك بين قدرة الإسلام وصلاحيته القيادية وبين كونه ديناً على الطريقة الكنيسية يعيش الإنتظار ويتأمل الفرج الموعود، لعلها سنوات خطيرة أضافت إلى معرفة الإمام الشيرازي الفكرية والسياسة والإجتماعية ما يتناسب وحجم المحنة وشدة تعامله معها.

ويشير الإمام الشيرازي في كتابه (تلك الأيام) إلى محنة الشعب العراقي المسلم في حقبة الأربعينات والخمسينات حيث عصفت به رياح الاستغلال وتقاذفته أمواج التبعية، وخنقت الأحزاب وزيفت الانتخابات وقيدت الصحافة، وتردت الأوضاع المعيشية للناس، وحُظر النشاط السياسي وعلى الخصوص في فترة الإحتلال الإنجليزي الثاني عام 1360هـ.

وفي العهد الجمهوري.. دخل العراق مرحلة جديدة من الكبت الفكري والإضطهاد السياسي والحرمان من التمتع بالحقوق، وأضحت الطائفية والإستبداد والديكتاتورية والإبتعاد عن الدين والقيم السماوية أساسيات العمل السياسي.

وفي هذه الفترة بدأ الحكم العسكري للبلاد، ومنعت الأحزاب الإسلامية من ممارسة نشاطاتها، وانعدمت الحياة النيابية، واتسعت عمليات الاعتقال العشوائي والتهجير المبرمج، والتصفية الجسدية، وأضحى الشعب يعيش الجوع والحرمان والكبت والديكتاتورية والأمراض النفسية والعقد الإجتماعية، والخلاصة أصبح العراق يعيش الذل والتبعية وفقدان الكرامة نتيجة ظلم حكامه وابتعاده عن سنن الله وموازينه(9).

وقد كان واقع المرجعية الدينية خلال هذه الفترة العصيبة متردداً بين الرضوخ إلى رد الفعل الإنكساري والهروب من الواقع الذي ألمّ بالأمة وتقييد مرجعيتها بالتقليدية وبين النهوض بها واثبات قدرة الإسلام على قيادتها، ولعل المستشف من قول الإمام الشيرازي: أن عند الفقهاء رأيين، رأي يقول بولاية الفقيه في شؤون الحكم، ورأي يقول بعدم ولاية الفقيه كذلك، والتابعون للرأي الأول يميلون إلى النهضة وأخذ الفقهاء بأزمة الأمور، والتابعون للرأي الثاني يقولون بعدمها، ومن الطبيعي أنه مع انقسام الأمة لا يمكن الوصول إلى نتيجة مطلوبة(10). في حين يؤكد الإسلام على مسألة القيادة باعتبارها الرائدة في ترجمة النظام الإسلامي إلى واقع الحياة، فهي المسؤولة قبل غيرها مُراقبة من مختلف الجهات، ولأهمية القيادة في الإسلام حددت المهام بدقة ووضعتُ الشروط والمواصفات لكل قائد(11). والمرجعية منصب ديني إلهي.. فينبغي أن يصمد المرجع أمام الحوادث والكوارث والمشاكل والمصاعب، وذلك اقتداءً بالرسول (ص)  والأئمة الطاهرين(ع)، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء كما جاء في الروايات والأخبار(12) ولأن تكليفه إدارة المسلمين دينياً ودنيوياً معناها (بث الإسلام) و(القيام بتطبيقه)(13).

ولكي تتضح لنا كيفية تعامل الإمام الشيرازي مع طبيعة النظام المسيطر على المؤسسة الإجتماعية في تنظيره، يجدر بنا من خلال عرضه للعناصر الداخلة في الأزمة معرفة كيفية تناوله لها وكيف يحللها بحيث تتشكل لديه رؤية إجمالية تستند على مخزونه الفكري في صياغته للمشروع النهضوي والحضاري.

إن إقامة الحكومة الإسلامية الواحدة الحلم الذي كان يرفرف على أذهان جماهير الأمة الإسلامية على مدى التاريخ، وهو الهدف السامي العظيم الذي أريق على مذبحة دماء ملايين الشهداء في البلاد الإسلامية وغيرها، وإقامة الحكومة الواحدة هو الشبح الذي ارّق ليل الجبابرة، وجعلهم يجندون كل طاقاتهم للحؤول بين المسلمين وبين الهدف(14).

إن الإبتعاد عن الدين والقيم السماوية هو ما سعى إليه المستعمر لتفريق الأمة للحيلولة دون إقامتها للحكومة الإسلامية الواحدة كما شخصه الإمام الشيرازي بين القلة البارزة التي استوعبت خطورة الواقع فبدا اهتماماً متزايداً في تناوله للأزمة الفكرية الإجتماعية (الإبتعاد عن الدين) أولاً، ثم الإسراع في وضع الحلول المناسبة ثانياً بغية صيانة الأمة وتوجيه الخطاب المناسب المؤطر فكرياً والمؤصل بعقيدتها الإسلامية.

فالمعضلة التي يتناولها الإمام الشيرازي هي الابتعاد عن الدين والقيم السماوية في معالجته الفكرية بكل أبعادها.

ويستند المشروع إلى:

1) التوعية الإسلامية الواسعة النطاق: على صعيد الأمة كلها حتى يعي المسلم وظيفته.

2) التنظيم: بأن ننظم ما لا يقل عن عشرين مليون مسلم(15) لأن التنظيم واجب شرعي وسنة كونية وضرورة حيوية ملحة بالنسبة إلى الأمة الإسلامية.

فالتنظيم أولاً، واجب شرعي فقد قال أمير المؤمنين (ع):(ونظم أمركم).

والتنظيم ثانياً، سنة كونية، فقد خلق الله سبحانه الكون كله منظماً، وقال تعالى في ذلك:( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ).

فقطرات الأمطار منظمة وموزونة، وكذلك الأشجار، الحيوانات، الرمال، الأنجم وسائر الكائنات الأخرى..

وأما بالنسبة إلى الإنسان، فقد جعل الله سبحانه الجانب الجسدي منه خاضعاً للتنظيم الكوني العام. فالقلب والرئة والكبد والكلية وسائر الأجهزة كلها تعمل بانتظام واتساق.. وإن طروء أي اختلال على إحدى هذه الأجهزة، يعني المرض أو الموت، ولكن الله سبحانه جعل تنظيم الجوانب العملية والإجتماعية والسلوكية للإنسان بيد الإنسان نفسه، وعلى الإنسان ألاّ يشذ عن القوانين التي تحكم الكون، لأنه عندئذ سيصاب بالانهيار والدمار.

والتنظيم ثالثاً، هو ضرورة حيوية.. وقوة، وقد قال الله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)(16).

فبعد أن تناول التنظيم معرفياً يطرح أبعاد الواقع بدونه:

أما إذا لم ننظم أنفسنا ـ في تنظيم واسع كبير ـ فسيعترينا الضعف، ويتغلب علينا الأعداء، وأن واقعنا المعاصر خير دليل على ذلك.. فان المسلمين يبلغ عددهم ـ حالياً ـ ألف مليون مسلم، ولكن بلادهم واقعة تحت السيطرة الإستعمارية.

وإننا بدون التنظيم لن نستطيع مواجهة التحديات المعاصرة، ولن نتمكن من الوقوف أمام الشرق والغرب وعملائهما.

والعالم المعاصر يعتمد على (التنظيم).. فهل يمكن العيش في مثل هذا الجو المشحون بالتنظيمات بلا تنظيم؟ أم أن النتيجة لن تكون إلا التبعثر والتمزق والإنهيار..

وبهذا التنظيم ـ مضافاً إلى الإيمان ـ استطاع المسلمون أن ينتصروا على الكفار الذين لم يكونوا يمتلكون التنظيم(17).

فبهذه الكيفية التنظيرية ينقل التنظيم إلى الحيز التطبيقي بالآلية التالية:

فإن كل فرد يستطيع ذلك، إما بالإنتماء إلى إحدى المنظمات الإسلامية المستقيمة، وأما أن يبدأ تنظيماً جديداً بنفسه.. وذلك بأن يلتقي بأربعة من الأفراد الصالحين، يغذيهم بالفكر السليم وينظمهم.. ثم ينظم كل واحد من هؤلاء ـ بعد استيعابهم للفكر والتنظيم ـ أربعة آخرين فيصبح المجموع عشرين، وبهذه الطريقة يتصاعد التنظيم ـ على نحو التصاعد الهندسي لا على نحو التصاعد العددي ـ حتى يبلغ الألوف والملايين وإذا سرنا في هذا الطريق فان الله معنا (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(18).

إن التنظيم كمقدمة لإقامة حكومة ألف مليون مسلم مادة أولية حيوية ينطلق منها الإمام الشيرازي في بناء فكرة تنظيم غير المسلمين وذلك بأمرين:

أ) تنظيم المسلمين القاطنين في تلك البلاد.

ب) تنظيم أهالي تلك البلاد الذين ليسوا بمسلمين، ولكنهم يستعدون للمساهمة في إقامة حكومة الإسلام، حيث يجدون أنفسهم تحت الضغط والكبت والإرهاب، وحيث يجدون في الإسلام المعاني السامية، والحريات الواسعة. وقلة الضرائب، وغير ذلك، وقد رأينا التاريخ وكيف كان الكفار يستقبلون المسلمين ويحتضنونهم، لأنهم كانوا يجدون في الإسلام المخلص الوحيد الذي ينقذهم من حكوماتهم الجائرة(19).

فبعد أن يؤصل الفكرة تاريخياً يعززها برؤية فقهية تطبيقية لقانون (المؤلفة قلوبهم) فأنه (القانون) سيكون عاملاً مساعداً على نجاح هذا العمل.. فقد قال جمع من الفقهاء أن قانون (المؤلفة قلوبهم) يشمل صنفين:

الأول: ضعاف الإيمان (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) كما جاء في الآية الكريمة، وهؤلاء يعطون شيئاً من المال من أجل أن يشتدّ دينهم، وتثبت أركان الإيمان في قلوبهم.

الثاني: الكفار الذين يراد استمالتهم إلى الإسلام، فيعطون شيئاً من الزكاة أو غيرها من بيت المال، ليكونوا عوناً في إقامة الإسلام.

وباجتماع هذه العوامل: الكبت الذي يعيشه الكفار، الحريات والمعاني السامية المتوفرة في الإسلام، قانون (المؤلفة قلوبهم) يمكن لهذا العمل النجاح.

والواقع أن هذا العمل ـ تنظيم غير المسلمين ـ هو: واجب شرعي أولاً، ووسيلة لمواجهة التحديات الحضارية التي تعيشها أمتنا ثانياً(20).

وبتقديمنا (التنظيم) نموذجاً يمكننا أن نتعرف على كيفية تحليله للمعضلة، وصياغته للفكرة، ونقلها إلى حيّز التطبيق بعد تأصيلها.

3) التعاون: وهذا الأصل يجب أن يكون قبل الحركة، ومع الحركة، وبعد الوصول إلى دولة ألف مليون مسلم، ويعني نبذ كل التفرقات، والتنسيق بين كافة المنظمات والأحزاب والجمعيات والمكتبات ودور النشر والمؤلفين ووسائل الأعلام وما أشبه.

4) السلام: فليست الحرب والمقاطعة وأساليب العنف إلاّ وسائل اضطرارية شاذة.. فالأصل هو السلام.

5) الإكتفاء الذاتي: ويعني أن يهتم المسلمون بان تكون حوائجهم من عند أنفسهم.

6) منهج الحكم في أبعاده المختلفة: (أي) منهجاً استيعابياً، وأن يكون جذاباً إلى أبعد حد حتى يفكر كل فرد في أنه يستطيع أن يعيش في ظل هذا الحكم في رفاه وسعة وحرية وكرامة واطمئنان(21).

 

المنهج.. السلوك..

يتجلى سلوك الإمام الشيرازي الميداني التوعوي من خلال:

1: مناقشته للنظريات الإلحادية بأنواعها والرأسمالية وغيرها التي دونت في كتبه (ماركس ينهزم)، (نقد المادية الديالكتيكية)، (نقد نظريات فرويد)، (وقفة مع الوجوديين)، (مباحثات مع الشيوعيين)، (بين الإسلام ودارون) وغيرها.

ففي كيفية تناوله للحقيقة.. والآراء، وتأثيرها على الثقافات يرى أن الحقيقة واحدة جارية في جميع الحقائق (الإلهية) و(الطبيعية) و(الإقتصادية) و(السياسية) و(الإجتماعية) و(التربوية) وغيرها(22) وعلى الإنسان أن يتحرى الحقيقة في مختلف شؤون الحياة.. وذلك لا يكون إلا بتمحص الآراء ومقايستها بالفطرة والأدلة(23)، فأن نقص الثقافة والمقصود بها ثقافة الحياة بمجموعها(24) يتطلب منا:

أولاً: أن نعرف طبيعة الإنسان.

وثانياً: أن نعرف ماذا يلائم طبيعته، وماذا ينافرها.

وثالثاً: أن ننظر هل الإجتماع مكوّن من الملائم أو المنافر، فليس من الصحيح أن نقول:

يجب اتباع الأكثرية، كما أنّهُ ليس من الصحيح أن نقول: يجب الحياد بعدم الإتباع أو المخالفة، كما أنه ليس من الصحيح أن نقول: يجب المخالفة، فإن كل شيء في موضعه حسن، فإذا كانت الأكثرية مستقيمة يجب اتباعها، وإن كانت منحرفة يجب مخالفتها، وان لم تكن مستقيمة ولا منحرفة، وإنما بين ذلك سبيلاً، فالواجب اتباع الصحيح ومخالفة المنحرف.. فكما أن لكل شيء في الحياة فطرة وخاصية حسب ما قرره الله سبحانه وتعالى، كذلك نرى في الإنسان فطرة خاصة، وهذه الفطرة هي التي تملي على الإنسان ما يلائمها وما ينافرها، وقد قال سبحانه: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (الإسراء:84) بينما نرى الآن في العالم جماعة من المفكرين الساسيين وهم يظنون أن الإنسان صفحة بيضاء يمكن أن ينقش فيها أي نقش.. مما سبب الإنفصام في الشخصية العالمية، فصار الإنسان أجنبياً عن نفسه، وقد نبه على هذا القرآن الحكيم بعبارة دقيقة حيث قال سبحانه: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف: 28)(25).

إن التحليل هذا بحاجة إلى تنظير بمستوى المسؤولية، فليس من السهل التعامل مع النفس وإرضائها وتهيئة الفكرة والأطروحة البديلة لطرد الدخيل من الأفكار الغريبة، انه هم شغل الأنبياء والأئمة والمصلحين،وأما الكتب التي ألفها الإمام الشيرازي مثل (كتاب الإجتماع)، (الإدارة)، (الأزمات وحلولها)، (الإقتصاد الإسلامي المقارن)، (الإقتصاد الإسلامي في سطور)، (الإقتصاد)، (الإقتصاد عصب الحياة)، (الإقتصاد بين المشاكل والحلول)، (الرجوع إلى سنن الله)، (العقائد الإسلامية)، (كيف عرفت الله)، (من مأساة بلاد المسلمين) وغيرها الكثير ليست بدائل إحلالية بقدر ما هي تأصيل لقدرة الإسلام على قيادة الإنسان والمجتمع في أبعاده.

2: استحضاره لماضي الأمة كنموذج حضاري، فقد تقدم المسلمون الأوائل لأنهم كانوا أصحاب إيمان وعقيدة، وقد ترجموا القرآن في سلوكهم، وهذا يكفي لصنع الانتصار.. لقد نفخ القرآن في نفوسهم فجعلهم يرمون لثواب الله وحده.. أما اليوم فلدى المسلمين كل شيء، لديهم الجامعات والصحف والمطابع والإذاعات والتلفزيونات، لكنهم لا يملكون ذلك الإيمان الذي كان يملكه المسلمون الأوائل. لديهم كل شيء ما عدا القرآن الكريم.

القرآن الذي يتحوّل إلى منهج للحياة، وإلى مسيرة نحو بناء الحضارة، وإلى قوة لمواجهة عوامل الضعف.. لقد طبقت قوانين الإسلام في عهد رسول الله(ص).. فلم نكن نجد هناك من يعاني الفقر والمرض والجهل والحرمان، ولم نكن نجد الأوضاع المتردية التي بلغتها البشرية اليوم، وبالأخص ما حلّ بالمسلمين من دمار وانهيار وتحطم.. والمشكلة أن البعض يعتقد أن الإسلام كدين هو سبب هذا الإنهيار مع أن الأمر بالعكس تماماً، إن سبب الإنهيار يكمن في ابتعاد الناس عن الدين الإسلامي، وابتلائهم بحكام جهلة لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، بل الذي يعرفونه هو التبعية للأجنبي والتقليد الأعمى له.

لقد قضي على الإسلام ولم يبق منه سوى بعض الآثار القليلة، وهي التي أبقت على الأمة بالرغم من ضآلة تأثيرها، وهي بالرغم من ذلك قادرة على أن تكون قاعدة لإعادة الإسلام إلى الحياة مجدداً(26).

وقد كتب الإمام الشيرازي في هذا المضمار (إلى حكم الإسلام)، (إلى نهضة ثقافية إسلامية)، (أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة)، (الأمة الواحدة)، (بقايا حضارة الإسلام كما رأيت)، (تحويل المعنويات الإسلامية)، (حوار حول تطبيق الإسلام) وغيرها من الكتب التي نقل الأذهان فيها إلى ماضي الأمة الإسلامية العريق واطلعها على أسسها في تقدمها آنذاك.

3: مطالبته من بعض أركان الحكم المعتدلين في تحقيق مطالب جماهيرية هامة أولاً، ولتسليط الأضواء على خفايا الأنظمة المنحرفة ثانياً، فمطالبته تنوير سياسي وفرز للأوراق التي يراد بها تضليل الجماهير. وثالثاً هي مقارعة صريحة للحكومات الجائرة ابتداءً من الحكومة الملكية وانتهاء بحكومة صدام، والتي دفع ثمنها بتهجيره وعائلته خارج العراق واغتيال أحد اخوته، فمن جملة مطالبه:

1ـ إعادة النظر في المناهج الدراسية على ضوء الإسلام.

2ـ المطالبة بمنح الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

3ـ المطالبة بتطبيق الإقتصاد الإسلامي وإضافته إلى المناهج الدراسية.

4ـ مطالبته بإيقاف العمل بقانون (الأحوال الشخصية) الذي شرّع في عهد عبد الكريم قاسم.

5ـ مطالبته بتطبيق قوانين الإسلام والحد من الفساد والأمور اللاأخلاقية.

6ـ مطالبته بالكف عن التعرض على حرمة الدين والمرجعية والحوزات العلمية.

7ـ مطالبته بإعطاء حقوق القوميات.

8ـ مطالبته بإلغاء قانون (الإصلاح الزراعي) وبإبداله بالقانون الإسلامي (الأرض لله ولمن يعمرها) وغيرها من المطالب التي قدمها شخصياً إلى المسؤولين في ظل الحكومات التي واكبها، كما أنه مارس توجيهه وتوعيته للجماهير من خلال حملات فكرية وسياسية إعلامية واسعة ضد الأنظمة، ولعل كتابه (تلك الأيام) خير معبّر عن تفاعله مع أزمات الأمة.

4: رؤيته للمرجعية القيادية.

المرجعية منصب ديني إلهي(27) تحضى بأهمية بالغة في العالم الإسلامي والشيعي على الخصوص وذلك لعمقها العقائدي أولاً، وللإقتضاء الإجتماعي ثانياً.

وهي كمصطلح متأخر تعني الرجوع إلى المجتهد العالم بالحكم الشرعي في مجالات الحياة المختلفة في عصر غيبة الإمام المعصوم (ع).