|
الباب الثالث |
|
العلوم الإنسانية والاجتماعية في فكر الإمام الشيرازي |
|
الإمام الشيرازي ونظرية البناء الاجتماعي رؤية في فقه الاقتصاد عند الإمام الشيرازي نظرية اللاعنف (المسالمة) عند الإمام الشيرازي المرأة في فكر الإمام الشيرازي
الإمام الشيرازي ونظرية البناء الاجتماعي يطرح علماءُ الاجتماع وعلماءُ النفس الإجتماعي والمهتمون بدراسة التاريخ الإجتماعي آراءً وأفكاراً، وربما صاغوا نظريات محكمة في البناء الإجتماعي، لذا فإنهم يطرحون هذه الأفكار حول الطبيعة الإنسانية ومدى تآلفها لا سيما أنها تتسم بالمرونة، ويؤكد أحد علماء الإجتماع بقوله: يمكن صبها في أشكال مختلفة، ولكن في نفس الوقت هناك بعض الحدود، فتكونت إزاء ذلك مدرستان أو بالأحرى اتجاهان، الأول سموا أنفسهم بالواقعيين (كما يحبون أن يدعوا أنفسهم) والثاني النسبيين (كما لقبوا)، ويطرح الإمام محمد الحسيني الشيرازي رؤيته في البناء الاجتماعي بقوله: المؤسسات الإجتماعية عبارة، عن جماعة من الناس يبنون العمل المنظم، لأجل هدف خاص، سواء كان الهدف الهدم أو البناء، لكن كل هدف هدمي لا بد وأن يتطلع إلى هدف بنائي وراء ذلك الهدم، وعلم الإجتماع قد ينظر إلى المؤسسات بصورة عامة، وهذا هو الأهم، وقد ينظر إلى بعض المؤسسات أو إلى عمل عام من نوع واحد لكل المؤسسات، مثل أن ينظر في ارتباط الدولة مع المؤسسات وهذا هدف خاص، وليست له من الأهمية ما للقسم الأول(1). ويطرح الإمام الشيرازي رأيه حول توسع المجتمعات الذي يحتم زيادة الحاجة إلى المؤسسات بقوله: إن الإحتياج إلى المؤسسات يزداد، كلما توسع الإجتماع، أو تقدم، وذلك لأن العلاقات في الإجتماع الموسع، ولو كان بدائياً، تزداد ومع ازديادها وتتشابك، فإن علاقة إنسانين (اثنين) بينما علاقة ثلاثة وستة وهكذا، كلما زادت العلاقة كلما زادت المعضلات، مما يحتاج إلى حلول كثيرة(2)، ويتناول علماء الاجتماع والعاملون في المجال الإجتماعي - النفسي إزاء ذلك فكرة التسهيل الإجتماعي Social Facilitation والتي تعني تدعيم سلوك الأفراد باستخدام الإندماج والمشاركة في عملية التفاعل الإجتماعي، وذلك كنتيجة لمجموعة من المثيرات الإجتماعية العارضة غير المقصودة، أي التي تنتج من مجرد وجود الفرد داخل الجماعة، فالوجود داخل الجماعة يسهل في حد ذاته عملية التعلم، غير أن هناك آراء أخرى تحبذ وجود تعزيز قسري كالتشجيع والتحفيز الاجتماعي، بل والتهديد الإجتماعي أحياناً، والمناقشة باعتبارها عملية اجتماعية تساعد على حركة التفاعل الإجتماعي وتيسره، وكذلك يعتمد التسهيل الإجتماعي على نوع القيم السائدة وتوافر الواقعية الإجتماعية (3). ويناقش الإمام الشيرازي العلاقة بين المؤسسات، من جانب، والعلاقة بين الأفراد من جانب آخر، وكذلك العلاقة بين المؤسسات والأفراد، بقوله: أن الحياة مرتبطة بعضها ببعض، كذلك يكون حال المؤسسات أما ارتباط الحياة، فَلِما نشاهد من أن رعي الحيوان مرتبط بالنبات، والنبات بالمطر والمطر بالريح، وهكذا، وأما إرتباط المؤسسات، فاللازم أنه يقال أنه على قسمين: 1- إرتباط المؤسسات بعضها ببعض. 2- إرتباط الإجتماع بالمؤسسات. واللازم على عالم الإجتماع، أن يكشف نوعية هذين الإرتباطين وعلّل قوة وضعف الإرتباط، وفائدة الإرتباط قوياً أو ضعيفاً، وضرر الإنفصام في الإرتباط. فإذا لوحظت المؤسستان: 1- فإما تكون بينهما صداقة مع تعاون. 2- أو صداقة مع حياد. 3- أو عداوة. ثم إما أن تؤثر أحدهما في الأُخرى: 1- تأثيراً متقابلاً. 2- أو بالإختلاف. 3- أو لا تؤثر. وقد تكون احداهما متوقفة على الأخرى، لا العكس.. وقد لا ترتبط مؤسسة بأخرى. وفي الإجتماع كلما كانت المؤسسات أكثر، كان أنفع للإجتماع لكن بشرط أن لا تسبب الكثرة ضياع الإنتاج، ولا أن تسبب إمكانية الإلتواء(4). ويطرح علماء الإجتماع آراؤهم التي تتفق في بعض جوانبها مع رؤية الإمام الشيرازي بقولهم: مازلنا نرى أن العلاقات الإجتماعية (بمعنى طرق الإرتباط بالغير) والتصورات حول الطبيعة البشرية، حسب قانون التوافق لا يمكن أن تخلط ثم تتوافق، فرؤى الطبيعة البشرية ترتبط بالعلاقات الإجتماعية بشكل لا انفصام فيه، وقولهم أيضاً: يمكن أن نتوقع أن أي تغير في طريقة إدراك المرء للطبيعة البشرية سيكون مصحوباً بتغير في نمط العلاقات الإجتماعية الذي يبرره المرء لنفسه وللآخرين، وبنفس القول، فأي تغير في العلاقات الاجتماعية للفرد أو المؤسسة سوف يغير تصوره لماهية الطبيعة البشرية(5). ويناقش الإمام الشيرازي المجتمعات بقوله: ينقسم الإجتماع إلى أربعة أقسام: 1- المجتمع الجامد. 2- المتحرك نحو النقص والانحراف. 3- المتحرك نحو الكمال بإقدام ثابتة. 4- المتحرك نحو الكمال بدون أسس ثابتة. فالمجتمع الجامد هو الذي يقف في مكانه بدون تجديد في فكر أو صنعة، وهذا إنما يمكن إذا كان المجتمع في محيط طبيعي وجغرافي خاص بعيداً عن المجتمعات البشرية والغزاة، وكان مجتمعاً قليل الأفراد لأنه إذا توفر فيه أحد الشرطين: أ) إذا كان قريباً إلى المجتمعات البشرية، فلم يكن محاطاً بالجبال ونحوها مما يقطعه عن الناس، أو كان في السهل، ولكن كان بعيداً عن المجتمعات البشرية لكونه في جزيرة، أو في القطب، أو نحو ذلك..كان لا بد من احتكاكه بسائر أفراد البشر مما يوجب خروجه عن الجمود. ب) إذا كان مجتمعاً كثير الأفراد، فإن مثل هذا المجتمع لا بد وأن يظهر فيه المفكرون والنوابغ، ولسعة المجتمع يكون ضبط الجامدين له صعباً، فتظهر فيه الأفكار الجديدة، وتبعاً لذلك تظهر فيه الصنائع الجديدة ولا يبقى مجتمعاً جامداً. عليه فإن المجتمع الصغير المنقطع هو الذي يبقى جامداً لأنه لا تظهر فيه الأفكار الجديدة لقلة أفراده وانقطاعه، ولو ظهرت خنقت قوة المسيطرين عليه. ويعرف الإمام الشيرازي سمات المجتمع المتسافل بقوله: هو المجتمع المتحرك نحو النقص، المراد به المتحرك في الصنعة ونحوها، إلا أن الفلسفة التي ينطلق منها المجتمع فلسفة التردي، كما إذا كان منطلقاً عن فلسفة قومية أو وطنية أو اقتصادية أو جنسية أو وجودية أو دكتاتورية، أو ما أشبه. ويستطرد الإمام في عرض سمات المجتمع المتصاعد ذي الأُسس، ويقصد به المجتمع المتحرك نحو الكمال بأقدام ثابتة هو الذي ينطلق من فلسفة صحيحة، كالتعاون، والعلم، والفضيلة، والتقوى، وحب الناس، والإنسانية، وابتغاء الخير، والحرية، ونحوها... وأخذ يعمل بتؤَدة واتزان ومثابرة، ومثل هذا المجتمع سيبقى ينمو ويزدهر ويتوسع إلى ما شاء الله. أما المجتمع المتصاعد بلا أسس له فيطرح الإمام الشيرازي رؤيته عنه بقوله: المجتمع المتحرك نحو الكمال بدون أسس ثابتة، هو الذي ينطلق من فلسفة صحيحة بالنسبة إلى السمو والإنسانية، ولكن لا يرعى سلسلة المراتب، والعمل بتؤدة ومثابرة، ومثل هذا المجتمع خليق بالسقوط أيضاً لأن العمل إذا لم يكن عن إتقان لم يبق راسخاً، بل ينهار بعد مدة من الزمن(6). ويطرح (سعد الدين إبراهيم) من مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في كتابه الشهير (الملل والنمل والأعراق) حول موضوع التباين الإجتماعي بقوله: كل مجتمع بشري ينطوي على أنواع ودرجات متفاوتة من التباين الإجتماعي.. أبسط أنواع هذا التباين هو انقسام أفراد المجتمع إلى ذكور وإناث والى أطفال وشباب وكهول ومسنين، وأصل هذا النوع البسيط من التباين هو العامل البيولوجي، ولكن المجتمع يضفي على هذا التنوع البيولوجي -جنسياً وعمرياً- معاني رمزية، ويرتب عليه حقوقاً وواجبات اجتماعية، ومن ثم يحوله من تنوع بيولوجي في الأصل إلى تباين اجتماعي في النهاية، ويتجسم هذا في شكل أدوار اجتماعية و من تقسيم للعمل. ومع تطور المجتمع يزداد التباين الإجتماعي تعقيداً فتتبلور أدوار اجتماعية جديدة، ويتفرّعُ تقسيم العمل ويظهر التخصص، وتتفاوت الإنجازات وحظوظ الأفراد من القوة والثروة والمكانة، وبعد أن يكون التضامن والتماسك الإجتماعي قائماً على التشابه أساساً في المجتمعات البسيطة، نجد أن مثل هذا التماسك يقوم على زيادة التباين والتشابك في المجتمعات الأكثر تطوراً، أي أن الإجتماع البشري يمضي في التجانس شبه الكامل إلى فريد من التنوع العضوي الذي تتخلق فيه مؤسسات وقيم ومعايير وتكوينات اجتماعية إضافية، وبزيادة التنوع العضوي تزداد العلاقات كثافة وتعقيداً، ليس فقط بين الأفراد، بل أيضاً بين الفئات والتكوينات الإجتماعية المختلفة، وقد يحكم هذه التكوينات الإجتماعية في علاقاتها ببعضها البعض تفاوتاً في القوة والثروة والمكانة، بحيث تتبلور هذه التكوينات إلى ما يمكن أن نسميه بالطبقات الإجتماعية(7). ويطرح الإمام الشيرازي فكرة التآلف والتباعد بين أفراد المجتمع الواحد بقوله: من الناس من فطر على الألفة فتراه يألف الحيوان والجماد، فكيف بالإنسان! ومنهم من جُبل على الهجرة، فهو كالصخرة الصماء لا تلصق بشيء، وإن ألصقت فسرعان ما هاجرت وابتعدت، وإذا نظرنا إلى مجتمع الإنسان رأيناه أحوج ما يكون إلى الألفة. إن الجماد يتمكن أن يحافظ على كيانه وحده فالحصاة لا تحتاج إلى حصاة أخرى، والنبات يتمكن أن ينبت وحده في الصحراء ويبقى على ربّه؟؟ وبهجته إلى ان يصير هشيماً، والحيوان إذا سرح في واحة، أخذ ما يكفيه من النبات ولو ترك في صحراء تحرى جهده، حتى يصل إلى ماء وكلأ فيعيش حتى يخترمه الموت. أما الإنسان فهل يمكن أن يعيش بلا لباس؟ أو هل يمكن أن يبقى بلا قوت؟ أو هل يمكن أن يظل بغير مسكن؟ وهكذا قل: في دواءه إذا مرض، وسفره براً وبحراً إذا احتاج، فالإنسان محتاج إلى الألفة من قرنه إلى قدمه ومن مهده إلى لحده (8). وبنفس الأفكار يناقش (كاريذرس) عالم النفس الإجتماعي الروح الإجتماعية بقوله: إن الحديث عن الروح الإجتماعية، أشبه بحالة الذاتية المشتركة بمعنى النزوع الفطري لدى البشر للتعاهد المتبادل والنزوع للإستجابة المتبادلة، وإن بعض هذا النزوع الفطري عرفاني أو فكري، وبعضه وجداني، ولكن الطبيعة البشرية والشخصية البشرية لا توجدان على أي حال، إلا داخل ومن خلال العلاقات بين الناس، وبعضهم البعض. وهكذا فإن البشر منذ طفولتهم الأولى لديهم توجه إزاء البشر الآخرين باعتبارهم القسمة الأهم المميزة للبيئة، ويدل هذا بالضرورة، من منظور تطوري، على تحول وجداني ومعرفي ونزوعي، وعلى اعتمادية متزايدة من الطفل على أبناء نوعه والإنفتاح تجاههم والضعف إزاءهم. إن البشر بعضهم لبعض عون وفائدة، وقدراتهم لا تنمو وتتحول إلا بفضل الآخرين وفي إطار وضع اجتماعي، حقاً إن قدرات الروح الإجتماعية قد تكون متوافرة لدى الأفراد، بيد أنها لا تكتمل إلا فيما بينهم (9). ويناقش السيد الشيرازي فكرة التجديد في المؤسسات الإجتماعية بأنواعها، وكذلك تجديد البنية الإجتماعية للإجتماع ويعيب على المجتمع الراكد بقوله: إنه في المجتمع الراكد يركد كل شيء، ويسير الزمان بتؤدة وبطئ وتخلو الحياة عن التجدد، ويكون كل فكر جديد وحركة جديدة موضع الأعراض والازدراء والإستهزاء، وإن لم ينفع الأعراض في ردع من أتى بتلك الفكرة، وتلك الصنعة، حكم المجتمع عليه بالسجن والقتل ونحوها، وبينما المجتمع المتحرك المتصاعد يجعل للتقدم جوائز، سواء من اكتشف فكراً جديداً أو صنعة جديدة، يقف المجتمع الساكن ضد أولئك بالتكفير والتشهير والعقوبات الجسدية وما إلى ذلك(10). المجتمع بين التحطم والبناء: لقد أكد الإمام الشيرازي فكرة وجود تحطم المجتمع وارجع أسبابها إلى: 1- المشكلات التي تنبع من خارج الإجتماع، مثل غزو الأعداء، والسيل والبركان، والزلزلة، والجفاف، بسبب قلة الأمطار، أو إن يصبح المحل مستنقعاً أو ما أشبه ذلك، فإن الإجتماع مهما كان رصيناً ومتعاوناً لا يتمكن أن يقاوم مع وجود هذه العوامل. 2- المشكلات التي تنبع من داخل الإجتماع، كما إذا وقعت بين المجتمع فرقة كبيرة سببت التنازع والمشكلات الدائمة له، فإن الإنسان إنما يفتش عن الأمن والراحة والإحترام والحرية. أما إذا بُني الإجتماع بدون مقومات، لأمر طارئ، لم يمضي زمان إلا ويتحطم ذلك الإجتماع، بخلاف إذا ما بني الإجتماع -ولو لأمر طارئ- لكن كانت له مقومات البقاء، ومقومات البقاء، أما أمر معنوي، أو أمر مادي (11). عليه فإن الإمام الشيرازي يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن العلم والدين الصحيح كفيلان بإسعاد المجتمع، أحدهما من الناحية الروحية، والآخر من الناحية المادية (12)، ويورد علماء الإجتماع مسّلمة أساسية عن المجتمع مفادها: أنه لكي يستمر نمط الحياة يجب أن يغرس قيماً ومعتقدات بين أنصاره، والقابلية للنماء تتطلب من كل نموذج اجتماعي أن يعلّم أنصاره، من بين أشياء أخرى، أن يغلقوا مدركاتهم أمام بعض الأخطار وينتبهوا لأخرى. ان يلقوا باللوم على البعض لأعمالهم ويغفروا لآخرين، إن يقبلوا مفاهيم معينة حول الطبيعة المادية والبشرية ويرفضوا أخرى، ولكن إذا كانت التفضيلات والمدركات تبنى إجتماعياً بطريقة معينة لتبرير أنماط معينة من العلاقات الإجتماعية، فكيف يحدث التغيّر إن حدث؟ ولو كانت أنماط الحياة تحمي نفسها بنفسها، من خلال إرشاد الناس لما يقيّمون ولما يتجاهلون ويلاحظون وما يجتنبونه ويعتقدون به، فكيف يتأتى بحال أن تفقد أنماط الحياة (أو تكسب) الأنصار؟ (13). ويطرح الإمام الشيرازي إزاء ذلك موضوعة الانضمام إلى المجتمع بقوله: إن الإنسان الذي ينضم إلى الإجتماع يوفر لنفسه ثلاثة أمور: الأول: خروجه عن الوحدة التي يحس بها في باطنه، فإن الإنسان يحس في باطنه بالوحدة والإنفراد في هذا الكون الرحب، فإذا انضم إلى غيره خفت حدة هذا الإحساس. الثاني: تكون أعماله حينئذ موجهة في وجهة خاصة، وضمن الإطار الإجتماعي الذي قبله الجميع قانوناً، وتخرج أعمالهُ حينئذ عن كونها فرطاً وفي هذا أيضاً رغبة إنسانية إذ يميل الإنسان بفطرته إلى النظام في قبال الإنفراط والإنفصام. الثالث: يحصل على التعاون المحتاج إليه في تعليمه وتعلمه وصحته ومرضه وزواجه ومسكنه ومأكله ومشربه ومركبه، وغير ذلك من حاجات الإنسان الكثيرة. ويورد الإمام الشيرازي آثاراً لإنضمام إلى المجتمع بقوله: ثم إنه إذا تم الإنضمام إلى الجماعة حصل أمران: أولهما: تقوية الإنسان باطناً حيث يرى الإنسان أنه في داخل كل إنسان كما يجد كل أفراد الإنسان في داخله، وهذا ما يسمى بـ (المشاركة الوجدانية) فكأنهما انسانان في جسد واحد أو كأن الإجتماع بكله إنسان واحد وهذا غير (الوحدة الإعتبارية) التي تحصل خارجاً من الإنضمام وإنما هي (وحدة باطنية)، بهذه الحقيقة فالإنسان وحدةٌ واحدة فمن أحياها أحيا هذه الوحدة، ومن قتلها قتل هذه الوحدة، ولا يحتاج الأمر إلى قتل الجميع أو إحياء الجميع، وعلى أي حال، ففي هذا الإنضمام تقوية الإنسان حيث يجد كل إنسان أن الكل في باطنه وأنه في باطن الكل. ثانيهما: يسبب هذا الإنضمام تضعيف الإنسان حيث أن فرديته واستقلاله تقل وتضعف فليس الفرد المنفرط كالفرد المنضم إلى غيره في الإستقلال، فإن الفرد المنفرط كامل الإستقلال في ما يعمل ويأكل، ويتصرف، أما الفرد المنضم فإن كل شيء منه مفيد(14). ويضيف الإمام الشيرازي مؤكداً على الفطرة الخلاقة بين الهدم والبناء بقوله: إن الإنسان إذا لم يصرف فطرته الخلاقة في البناء، لا بد وأن يصرف فطرته في الهدم، سواء في هدم نفسه أو هدم مجتمعه، فإن أفراد الإنسان والحيوان والنبات كلها خلاقة، النبات يخلق الأوراق والأزهار والأثمار والأغصان وما أشبه، فخلاقية الإنسان خلاقية واعية، بينما خلاقية الحيوان والنبات غريزية(15). وهكذا تستمر جدلية البناء الإجتماعي للإجتماع وللأفراد وللجماعة في سياق الفطرة الخلاقة للإنسان والبيئة المهيأة لتكوين أنماط العلاقات الناجمة، خاصة إذا توفرت إرادة التأصيل في البناء الإجتماعي. تكوين الجماعات: يطرح الإمام الشيرازي عوامل أساسية لتكوين الجماعات وتشكيلها ويحددها في ثلاثة أمور وهي: 1- لأجل الإحتياج الذاتي، إما حاجة دينية أو حاجة دنيوية، مادية، أو غير مادية. 2-لأجل قضاء حاجة الإجتماع، مثل الجماعات الخيرية الإجتماعية. 3- لأجل الضغط الإجتماعي، مما ليس سببه القريب الإحتياج الذاتي أو الغيري -وإن كان ينتهي بالآخرة إلى أحد الأمرين السابقين- (16). ويطرح بعض علماء الإجتماع رأياً حول تكوين الجماعات مفاده: أن البشر ينتظمون على هيئة سرب طيور إلى حد كبير، هذا الفهم للحياة البشرية يوحي إلى أن تكوين الجماعات وتشكّلها يعتمد على أساس: 1- كلي الحدوث وداخلي 2- ضروري للاستقرار 3- ليس أحادي الخط ولا الإتجاه (17). أما (برونونيبرنير) فقد قدم نظرية للعوامل المؤثرة على سلوك الفرد في شكل مستويات ودورها في تشكيل بنائه القيمي، وقد صور ذلك في شكل مجموعة من الدوائر أو الحلقات تحتوي الكبرى منها الدائرة الصغرى، وكان أصغر تلك الدوائر دائرة مكونات شخصية الفرد التي تحتويها دائرة الأُسرة، ثم تأتي دائرة أكبر وهي دائرة الحي والمدرسة والأصدقاء، ثم دائرة المجتمع، وأخيراً دائرة الثقافة والتقاليد والقيم (18). ثم يستطرد الإمام الشيرازي عن سمات الجماعات وأهمية النضج الفكري في استمرارها بقوله: إن الجماعة كلما قربت إلى الفهم مالت إلى المعايشة بسلام مع كل الجماعات، سواء جمعهم الإطار العام أم لا، ولذا كان الوعي من أولويات العيش بسلام، للجماعة مع الجماعات الأخرى، والذي يقوم على ملاحظة ثلاثة أمور كما يطرحها الإمام الشيرازي: 1- حالة الجماعة مع جماعة أخرى 2- حالة أعضاء الجماعة مع نفس الجماعة 3- حالة بعض أعضاء الجماعة مع بعض الأعضاء الآخر. ويناقش الحالة الأولى بقوله: هي على ثلاثة أقسام: أ) الحيادية بينهما: وتلك توجب عدم التأثير والتأثر بينهما ب) النزاع: وذلك يوجب تماسك كل جماعة حول نفسها، والتنافس بينهما لأجل السبق ج) الصداقة: وهي إن كانت في سبيل الهدف أوجبت التعاون و التقدم. وأما الثانية، فإن الجماعة إذا خالف بعض أعضائها لها، كانت بقدر تلك المخالفة راكدة، وبالعكس إذا كان الانسجام التام، ومعنى هذا القسم أن تكون الأكثرية الكاسحة إلى جانب، بينما الأقلية إلى جانب آخر، والغالب أن يكون الخلاف والوفاق تابعين لحسن الإدارة في الإجتماع وسوئها. أما الثالثة: أ) قد يكون الأعضاء مع الأعضاء في حالة رقابة، ومثل هذه الحالة توجب التقدم. ب) العداوة، وفي هذه الحالة تهدد الجماعة بالإنفصام، وتكوين كل جماعة منها جماعة جديدة. ج) الصداقة، وحالها كما تقدم في الحالة الأولى (19). ويناقش السيد الشيرازي العلاقة بين الفرد، باعتباره عضواً في المجتمع، وبين الجماعة باعتبارها أحد أركان تكوين المجتمع بقوله: الجماعة سواء كانت كبيرة كالإجتماع، أو صغيرة كجمعية اقتصادية أو ثقافية وان تبدلت أجزائها، فالأجزاء تتجدد: 1- من حيث الكم 2- من حيث الكيف ويطرح الدور الأهم للثقافة في حركة المجتمع بقوله: إن الثقافة الإجتماعية لا حالة التأثير، والإنسان له حالة التأثر، والتأثير والتأثر قد يكون عميقاً، وقد يكون سطحياً، والعميق قد يكون سريعاً، وقد يكون بطيئاً(20). فالثقافة تعرف على أنها الإنتظام الملاحظ في سلوك الأفراد، ومن تعدد النواحي التي يمكن ملاحظتها في سلوكهم كطرق الحياة المختلفة وطرق الإتصال بين الناس، وهي أيضاً أنماط السلوك غير الملموسة والتي تتمثل في المعايير والمعتقدات والقيم والحاجات، وهناك تعريف متكامل للثقافة وأثرها على المجتمع والتفاعل الإجتماعي، بأنها وحدة متكاملة من المعلومات والأفكار والمعتقدات وطرق التفكير والتعبير والترويح وطرق كسب الرزق وتربية الأطفال والصنائع اليدوية وغيرها من الظواهر السائدة بين أفراد المجتمع والتي تنتقل من جيل إلى جيل ويكتسبها الأفراد عن طريق الإتصال والتفاعل الإجتماعي. ويناقش الإمام الشيرازي أثر الثقافة في الجماعة المنسجمة لأجل هدف ما، بقوله لها جانبان: 1- الوجوه المشتركة بين أعضاء الجماعة 2- الوجوه الخاصة بكل فرد فرد أو بكل تجمع صغير في داخل الجماعة. وما دامت الوجوه المشتركة أقوى من الوجوه المختلفة، فالجماعة بخير، وكلما كثرت وازدادت الوجوه المشتركة كان الإنسجام أكثر والتقدم أسرع، وإذا انعكس الأمر، آلت الجماعة إلى الشتات والبعثرة (21). ويشير علماء الإجتماع في ذلك إلى وجود المسافة الإجتماعية التي يقصد بها مدى درجة الألفة والتقارب التي تصف علاقات الأفراد مع بعضهم البعض، ويعرف (بوجاردوس Bogardous ) المسافة الإجتماعية بأنها: مقياس للصراع أو النزاع الحالي، والمتوقع بين أفراد جماعة وجماعة أخرى، كما أنه ينبئ بالمشاكل الإجتماعية الحالية أو المتوقعة بين الجماعات، ولذا اعتبر التفسير الإجتماعي للمسافة الإجتماعية أن الفرد الذي ينتمي إلى جماعة معينة يشترك معها في كثير من الإهتمامات، والمصالح والمعايير، والقيم، وإن هذه الأمور المشتركة تجعله يشعر بالإنتماء لجماعته، وبالإستعداد للدفاع عنها، وهذا ما يعبر عنه بالهوية الإجتماعية. وإذا ما صادف الفرد جماعة أو جماعات أخرى فإنه ينظر إليها من منطلق تأثيرها المحتمل على الجماعة التي ينتمي إليها، فهو يتقرب من أفراد جماعة أخرى، بقدر ما يرى، وما يتوقع من دعم هذه الجماعة لجماعته، كما أنه يبتعد عن أفراد جماعة أخرى، بقدر ما فيها من تهديد لجماعته (22). ويطرح الإمام الشيرازي تأثير الجماعة في الفرد بقوله: إن الجماعة تسبب تغييراً في أفرادها، والغالب أن يكون ذلك التغيير في الأبعاد الخمسة الآتية وهي: 1-تحطم الفردية. 2- الإنصهار في الجماعة. 3- إحساس الفرد بالأمن الذي لم يكن يحس بمثله. 4- إحساس الفرد المنضم إلى الجماعة بالقيمة. 5- شعور الفرد المنضم إلى الجماعة بالسعة في وجوده. ثم يناقش الإمام الشيرازي عوامل قوة الجماعة بقوله: إن قوة الجماعة، وشدة أواصرها إنما تكون تبعاً للأمور التالية: أ) قوة الفلسفة التي بنت الجماعة نفسها عليها، فإن قوة الفلسفة المذكورة تعمق جذور الجماعة في نفوس أعضائها. ب) الهدف الذي تتوخاه الجماعة، فإنه كلما كان أسمى كانت الجماعة أشد تماسكاً وأبقى زماناً. ج) ثم يأتي دور القيمومة، فكلما كانت القيمومة على الجماعة من كبارها أشد وأقوى كانت الجماعة أمتن وأدوم، والعكس بالعكس. د) وأعضاء الجماعة كلما كانوا أكثر طاعة للقيادة، سارت الجماعة سيراً حسناً. هـ) ثم كلما توسعت الجماعة في أعضائها ومناصريها والمدافعين عنها كانت أقوى، إذ السعة تلازم كثرة الكفاءات والإستمرارية، ولذا تحاول الجماعات -دائماً- توسعة عدد أفرادها. و) كلما كانت نظم الجماعة أدق وأصح، كانت الجماعة أقوى وأدوم. ز) ثم كلما قويت حالة الإستشارية في الجماعة، كانت الجماعة أمتن (23). إن البنى الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات هي بنى فردية وجمعية معاً، بنى قائمة على أساس أن الحياة تكون مع الناس، فأكثر ما يهم الناس هو كيف يودون أن يرتبطوا بالغير، وكيف يودون الغير إن يرتبطوا بهم، وبينما تخبرنا وتؤيد رؤيتنا معظم النظريات في العلوم الإجتماعية، إن الأفراد أو الجماعات تحكمها محددات معينة تتفق معها مثل القيم، الثقافة، المحددات البيئية الإجتماعية، المحددات السيكولوجية (النفسية) فضلاً عن المحددات البيولوجية. الثقافة في الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي: إن الإفتراض الأساس في نظرية الثقافة هو، إن الحياة تكون مع الناس: فأكثر ما يهم الناس هو كيف يودون أن يرتبطوا بالغير وكيف يودون الغير أن يرتبطوا بهم، وبينما تخبرنا معظم النظريات في العلوم الإجتماعية كيف يشرع الأفراد أو الجماعات في الحصول على ما يريدونه، فإن نظرية الثقافة تسعى لشرح لماذا يريدون ما يريدونه وكذلك كيف يشرعون في الحصول عليه، وهكذا، فإن تركيزها على صياغة التفضيلات، وليس فقط درجات تحقيق التفضيلات. إن نظرية الثقافة، بعبارة أخرى، ترى كل نمط حياة في حالة دينامية من التميز بالتضاد مع الغير، فاستيعاب بعض الناس يتضمن لا محالة استبعاد أناس آخرين، والأفراد الناجحون في بناء شبكات تحمل شخصية فعالة، على سبيل المثال، سوف يمنعون، لا محالة، أولئك الذين يجدون أنفسهم باتجاه هوامش هذه الشبكات من أن يفعلوا الشيء نفسه (يقصد النجاح). تزعم نظرية الثقافة إن هناك ثلاثة نماذج معيشة للعلاقات الإجتماعية، وهي: الشبكات المركزة على الذات، والجماعات المساواتية المترابطة، والجماعات المبنية على نحو تدريجي، وكل من تلك النماذج يشكل نفسه، وهو بصدد تعظيم معاملات أعضائه، في نوع من التوازن الديناميكي. ويطرح الإمام محمد الحسيني الشيرازي رأيه في الثقافة بكل أشكالها بقوله: في الإجتماع نوعان من الثقافة أحدهما من ضمن الآخر، أما الثقافة العامة فهي التي تعطي الإجتماع لوناً خاصاً وتميزها عن سائر الإجتماعات، المجتمعات، سواء عمودياً أو أفقياً، حتى وإن كانا من دين واحد، كما أن كل مجتمع عام في داخله جماعات إما طبيعية كالقبائل أو اصطناعية كالأحزاب، والجمعيات لكل جماعة ثقافية خاصة، لكن ليس بينهما وبين ثقافات المجتمعات فجوة، ومن مجموع تلك الثقافات المضمونة تتولد الثقافة العامة للإجتماع، بعد أن يضاف على تلك الثقافات لون الإجتماع بما هو اجتماع. أما الثقافة الإجتماعية فهي عبارة عن الدين والعلم والأخلاق والرسوم والعادات ونحوها. ويطرح الإمام الشيرازي مدى تأثير الإسلام على الثقافة العامة والإجتماعية بقوله: إن من فضائل الإسلام أمرين: أحدهما مرتبط بالمقام -وهو إن الإسلام يصلح للإنسجام مع مختلف الشعوب في مختلف الأزمان والأماكن، لأنه دين يسر، بالإضافة إلى ملائمة قوانينه للعمل- ولذا يتمكن كل جماعة أن يتخذه ديناً وعقيدة ونظاماً مع بقاء عاداته وتقاليده وما أشبه مما لا تتصادم مع الإسلام. والأمر الثاني: مرتبط بنبي الإسلام، وكان سبباً لسرعة تقدم الإسلام، مما يرتبط بالتالي بالإسلام نفسه، وهو أن كل إنسان وإن كان من ألدّ أعداء الإسلام، عرف أنه يتمكن أن يعيش في كنف الإسلام في أمن وسلام، سواء أسلم أم لا. فالثقافة الإجتماعية، عبارة عن العقائد والأعمال الفردية، منظمة إلى الأمور الإجتماعية من الروابط التي يتأتى بها الفرد مع الآخر، والجماعات مع الجماعات(25). ويستمر الإمام الشيرازي في طرحه لآليات الثقافة من عناصر تكامل الثقافة، إلى تعقد الثقافة والميكانزمات المكونة لتشابه المجتمعات مع إدراك قوة التأثيرات الإنتروبولوجية في تاريخ الإنسان، حيث يشرحها بقوله: والإنسان لا يعلم تاريخه ومتى كان آدم (ع)، وكل ما في بعض التواريخ ليس مستنداً إلى علم قطعي، أو قول معصوم يعلم الغيب بإذن الله تعالى، ويناقش أيضاً فكرة الماديين في تفسير التاريخ ومراحل تطور الإنسان. إن للإمام الشيرازي أبعاداً في رؤيته الحضارية والتاريخية، تمتد بعيداً لتصل إلى التنقيب عن الآثار التاريخية بقوله، يلزم معرفة ثقافة أي مجتمع اندثر في التاريخ، كعاد وثمود وفرعون وقوم لوط، وكذلك من قبلهم، ومن بعدهم، ومعرفة الثقافة تحصل من آثارهم. ثم يستدرج في التطور الفكري ليصل في رأيه إلى أن ثقافة الإجتماع على كثرة وحداتها، تنتظم في ثقافة موحدة، هي بمنزلة الهيكل العظمى للثقافة العامة للإجتماع، وكما أنّ الهيكل العظمى موحد وأنه تركيب من أجزاء، ثم يأتي بعد ذلك دور ما يحيط الهيكل من اللحم والأنسجة والعروق والأوردة وما أشبه، كذلك حال الثقافة، فثقافة العقيدة، وثقافة الآداب والرسوم، وثقافة المعاملات، وثقافة العبادات، وثقافة الأحوال الشخصية و...، أجزاء يركب منها الهيكل الثقافي العام للإجتماع. عناوين ضرورية لأفكار عميقة: - التعديل الإجتماعي: يرى السيد الشيرازي أن المجتمع يجعل تدريجياً لنفسه قوانين يراها ملائمة لحياته النفسية والجسمية، سواء كان الجعل اقتباساً، كالذين يتدينون بدين السماء، أو اختراعياً كالذين يخترعون القانون، وحيث أن المجتمع يرى ملائمة تلك القوانين، كان لا بد له من مراعاتها، لكي لا تنهدم وينهدم بسببه المجتمع الآمن، إذ القانون الملائم إذا انهدم، فإما أن ينهدم أصل المجتمع بالتفرق والتشتت، وإما أن ينهدم أمن المجتمع، بابتلائه بالفوضى وعدم الملائمات النفسية أو الجسمية مثل القلق والفقر والمرض. ويطرح أيضاً عناصر تؤيد سلامة القوانين من أهمها: أ) قانون الجذب. ب) قانون الدفع. ويوضح أيضاً أشكال التعديل الإجتماعي بصورتين: أ) الإقناع، حيث المجتمع يمدح المستقيم (على قوانينه) ويذم المنحرف، سواء كان مدحاً وذماً عملياً أو لفظياً. ب) الإجبار، يمثل الضرب والشتم والسجن وما أشبه، سواء تحقق ذلك بواسطة الدولة أو بواسطة من له القدرة على ذلك. أما عناصر الضغط الإجتماعي لأجل التعديل فيطرحها الإمام بما يلي: أ) إما بدني، كالضرب والإجاعة ونحوهما. ب) وإما روحي، بالشتم والإهانة وفرض الحصار الاجتماعي بعدم التكلم معه وعدم احترامه في المجالس، وعدم إعطائه الصلاحية لمقام سياسي أو إداري، أو ما أشبه ذلك. ويناقش السيد الشيرازي مصادر التعديل الإجتماعي بقوله: إن المسلمين لا يختلفون في أن مصدر التعديل الإجتماعي، هو ما يستفاد من الأدلة الشرعية: (الكتاب، السنة، الإجماع، العقل) أما غير المسلمين فحيث أنهم يحكمون الآراء في القوانين، كان لا بد وأن ترى كل جماعة منهم قانوناً غير ما تراه الأخرى، وحسب ذلك القانون المصوّب عندهم يضغطون على المخالف، فليس القانون الوضعي عندهم كالقانون الطبيعي حيث أن الثاني مستند إلى الطبيعة، لا يتغير ولا يتبدل، بخلاف المسلمين، حيث أن القانون الوضعي عندهم كالقانون الطبيعي، لأن كليهما مستند إلى الإله الدائم الأبدي.. وعدم استناد القانون الوضعي إلى شيء دائم ثابت، مصدر مأساة لغير المسلمين، إذ هم يفكرون ماذا هو الميزان؟. فهم يرون تساقط القوانين الواحد تلو الآخر بتبدل رأي الاكثرية، وباختلاف الأكثرية هنا عن الأكثرية هناك (26). - الجمع والجماعة: من بين المفاهيم السياسية التي أصبحت تستعمل بوفرة في الكتابات المعاصرة، مفهوم (المجتمع المدني)، ولا شك أن اتساع دائرة استعماله في حقل هذه الكتابة، يندرج ضمن دائرة العناية المستجدة في الفكر السياسي بالمنظومة السياسية الليبرالية، فقد انتعشت في العقدين الأخيرين، إلا أن الملاحظ أن هذه الظاهرة لم تعن بالحد في الأصول النظرية للمفاهيم المستعملة، وفي الإستعمالات الرائجة لمفهوم المجتمع المدني ما يدل على عشوائية استعماله، صحيح إنّ أغلب الذين يستعملونه يوظفونه في سياق الإستعمال الأيديولوجي (27). ويطرح الإمام الشيرازي رأيه في تكوين المجتمع بقوله: إن الإنسان يجتمع مع الآخرين في مجتمعات صغيرة، ثم كبيرة، والمجتمع الذي يعيش الإنسان تحت ظله لا يكفيه غالباً، في ملْ رغباته، فيعمل لأجل ان يجتمع في وحدات، وهذه تسمى (بالجماعة) وهي غير (الجمع) فإن الأول له الإنسجام والدوام النسبي، بخلاف الثاني، فإن الجمع يطلق على: 1- الجمع الذي يجتمع تلقائياً، وبدون سابق تخطيط. 2- الجمع سريع الزوال، فكما يجتمع فجأة ينفض فجأة. 3- الجمع الذي ليس بين أعضائه تجانس. 4- الجمع يمكن بدون تجمع أفراده. 5- الجمع -غالباً- تحدوه العاطفة الشديدة للتجمع والعمل. 6- الجمع -غالباً- لا تركيب ثابت له بينما الجماعة بالعكس، فالجماعة لها أعضاء يغلب بقائهم، وتبدلهم قليل، أما الجمع -كالذين يجتمعون لمشاهدة زلزال أو مظاهرة فجائية أو ما أشبه- وأما الجماعة، فقد عرفت أنها تتشكل من أفراد لهم هدف خاص، ولها دوام، وفكرة وأسلوب عمل، والإنسجام بين الجماعة يقوي كثرة التبادل والمشورة، كما أن السير نحو الهدف يزيد من الإرتباط والإنسجام، وإذا كان أمام الجماعة جماعة منافسة، إشتد التجانس، وكثر العمل، حيث أن التنافس من أقوى أسباب تقدم الإنسان، لذا فالجماعة بحاجة إلى أمرين: 1- الفلسفة التي تجمعهم وتكون منهجاً لحياتهم الإجتماعية. 2- العاطفة المشبوبة التي تسيرهم وتحثهم على التقدم. - الأدوار الاجتماعية: يعرض الإمام الشيرازي نظريته الإجتماعية ويمضي إلى التكوينات والأدوار فيقسمها إلى: 1- المجتمع يتجزء إلى رتب إجتماعية، كل فرد في درجة خاصة منها. 2- والإنسان في درجته الإجتماعية، له مكانة خاصة به، وتسمى بالمكانة الإجتماعية، والفرق بينهما بالعموم المطلق فكل مكانة إجتماعية لا بد وأن تكون تحت درجة إجتماعية خاصة، وليس كل درجة تلازم المكانة. 3- ثم الفرد يقوم بدور إجتماعي، حسب مكانته -غالباً- وذلك الدور ينقسم إلى: أ) دور محوّل إليه. ب) ودور هو يقوم به خارج ما حوّل إليه. 4- ثم للإنسان تحرك إجتماعي في رتبته ومكانته: أ) أحياناً أفقياً. ب) وأحياناً عمودياً. 5- وأخيراً يأتي دور تأثير الأمور السابقة في حياة الإنسان الفردية والإجتماعية. ويطرح الإمام الشيرازي مظاهر اختلاف الرتب الإجتماعية ويرجعها إلى الثقافة كأحد العوامل في الإختلاف فضلاً عن تأثير الثقافة الخاصة على المساواة الإجتماعية، ويورد الإمام الشيرازي مزايا الرتبة الإجتماعية ويقسمها إلى: أ) السعة ب) الدوام ج) التعارض ويطرح عوامل تكون الرتب: 1- الثقافة 2- الملكية 3- الحكام يشكلون رتبة في قبال سائر الناس. أما السعة فهي عبارة عن أن الرتبة لا تحد بالحدود القومية، واللغوية والجغرافية والمذهبية -إلا في أطر أخرى. وأما الدوام، فلأن الرتبة إنما تتولد تحت موازين خاصة، نفسية، واجتماعية، ونحوهما، وحيث أن تلك الموازين ليست سريعة النمو، كما هي ليست سريعة الزوال، فالرتبة تبقى مستمرة. وأما التعارض، فلأن الرتبة حيث تحتوي على أفراد تتزاحم مصالحهم لا بد وأن يقع بينهم التعارض، إذ النفسيات مختلفة، والمصالح قليلة، لا تكفي الكل. ويناقش الإمام الشيرازي أهمية الجماعات والأدوار وتأثير الرتبة في الإنسان ويقسمها إلى: أ) الرتبة عن استحقاق النابعة، عن المؤهلات الحقيقية كالعلم والمال المستحق والحاكمية الانتخابية وما أشبه. ب) الرتبة لا عن استحقاق، كالتي موجودة في النظام الرأسمالي، أو الأنظمة الأيديولوجية الأخرى، وهذه الرتبة توجب إسراق رتبة وحرمان رتبة. إن الإمام الشيرازي في طرحه لأسس البناء الاجتماعي يعتمد في ذلك التنوع الثقافي لوحدة إنسانية قائمة على أساس المعرفة والمعرفة العلمية الفلسفية فضلاً عن دراسة الطريق المؤدي إلى المعرفة، ووسائل المعرفة مع الإشارة إلى أقسام الإجتماع وتقسيم الجمهور والأُمة، مع مكونات المجتمع المتخلف الذي يعد بؤرة الرذائل الخلقية. إن الإمام الشيرازي أهتم بالموضوعات كالثقافة العامة والثقافة الإجتماعية وأسس تحركها الأفقي والعمودي للمجتمع، وتناولها بشكلها الموسع، في كتابه الموسوعي (فقه الإجتماع) الذي عرضنا بعض أفكاره ونستمر بإضافة ما يمكن الإلمام بالجزء الممكن لا سيما أن الثروة الفكرية، المعرفية المعروضة تجعلنا نلخص الأفكار الأساسية وربما فقط العناوين ومنها: العوامل المؤثرة في الفرد والتأثير المتقابل بين المحيط الإجتماعي والطبيعي وعوامل تكوين الشخصية، وكيفية تكوين الشخصية فضلاً عن الشخصية الفردية والإجتماعية، مع الإشارة الواضحة إلى أقسام الشخصية المعنوية. لقد تناول السيد الشيرازي انحراف الشخصية في كتابه فقه الإجتماع في جزءه الأول وبين عوامل الإنحراف وشروط عقاب المنحرف، وكيف يعالج المنحرف، وامكانية دعائم إصلاح المجتمع. يطرح السيد الشيرازي في مسألة (26) في كتاب (فقه الإجتماع) بين المدينة والقرية عنواناً مهماً يناقش فيه أهمية الإجتماع العام والإجتماع المحلي مع تفعيل عن بدء الحياة الإنسانية، وأيهما أفضل القرية.. أم المدينة مع الإشارة إلى المدن المغلقة والمدن المفتوحة، والفوارق بينهما، وكيفية بناء المدن، في إشارة إلى أقسام المدن ومشاكل المدن الكبيرة ووضع الحلول لها، ولم يفت المؤلف أهمية الأرض والسكان وكيفية تراكم السكان وأسبابه، مع دور الثقافة في ازدياد الأفراد. إن الإمام الشيرازي يطرح في كتابه الموسوعي (فقه الإجتماع) بجزءه الأول أهمية دراسة الانفجار السكاني وضرورة التخطيط الدقيق له مع مقارنة علمية يتساءل: هل الأرض تكفي، مع الإشارة إلى عوامل ارتفاع مستوى المعيشة.. لقد ناقش العديد من الموضوعات الأساسية التي تهم الإنسان المعاصر في حياته الإجتماعية مثل بحوث في الاقتصاد الاجتماعي مشيراً إلى تطرق علمي للعديد من المآخذ على الأنظمة الحالية في عالم اليوم.. ويطرح فكرة الإٍقتصاد الإسلامي، ودور الحكومة في مسألة (32)، مع الإشارة إلى الحلول المقترحة تحت عنوان (كيفية إنقاذ المسلمين) والتنظيم الإسلامي وعوامل الاستقطاب، مع دور الحكومة الإسلامية الواحدة والمؤامرات الإستعمارية، مؤشراً على أهمية البناء الحركي. أما في الجزء الثاني من كتاب (فقه الاجتماع)، فيناقش تكوين العائلة، ودور المرأة والعمل ومشاكل العائلة الحديثة، وأسباب الطلاق، مع اقتراحات في كيفية المحافظة على نقاء المحيط العائلي، وامكانية تأهيل الطفل للمستقبل، مشيراً إلى أهمية التقدم العلمي في خدمة العائلة. ويناقش في مسألة (40) أهمية الجديد والقديم، مع موقف الحكومات تجاه الحركات الإصلاحية، وشروط نجاح التخطيط، معبراً في رأيه القاطع برفض الإنقلابات العسكرية، وملامح النظام الدكتاتوري.. مع الإشارة إلى حركة التاريخ. المصادر (1) فقه الإجتماع: ج1 محمد الحسيني الشيرازي، دار العلوم، بيروت 1992 ص66. (2) نفس المصدر ص67. (3) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي: فرج عبد القادر طه وآخرون، دار سعاد الصباح، الكويت 1993 ص199 (4) فقه الإجتماع ج1، مصدر سابق ص67. (5) نظرية الثقافة، مجموعة من الكتاب: ترجمة علي سيد الصاوي، عالم المعرفة، العدد 223، الكويت، تموز 1997 ص78. (6) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص100. (7) الملل والنحل والأعراق: سعد الدين إبراهيم، مطابع سجل العرب، القاهرة 1994 ص30. (8) الفضيلة الإسلامية: السيد محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة الوفاء، بيروت 1982 ص265. (9) لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة: مايكل كاريذرس، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، العدد 229 الكويت 1998 ص92. (10) فقه الإجتماع، ج2 مصدر سابق ص104. (11) نفس المصدر ص118. (12) مقالات: الإمام محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت 2000 ص46. (13) نظرية الثقافة: مصدر سابق ص133. (14) الصياغة الجديدة: الإمام محمد الحسيني الشيرازي، مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت 1992 ص38. (15) نفس المصدر ص43. (16) فقه الإجتماع، ج2 مصدر سابق ص113. (17) نظرية الثقافة، مصدر سابق، ص155. (18) Bonferbrenner -U- Ecological system theory In R - Vasta (ed) Annala of Child Derelopment 6 , (1989) , 187 , 251. (19) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص120. (20) المصدر السابق، ص125. (21) المصدر السابق، ص128. (22) المسافة الإجتماعية بين بعض الطلاب السعوديين والجنسيات العربية، عبد الله عبد الرحمن الفيصل، مجلة العلوم الإجتماعية، المجلد الثالث والعشرون، العدد الثاني، صيف 1990. (23) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص152. (24) نظرية الثقافة، مصدر سابق ص178. (25) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص104. (26) فقه الإجتماع، مصدر سابق ص140. (27) المجتمع المدني، ملاحظات حول تشكل المفهوم وتطوره، كمال عبد اللطيف، المجلة العربية للعلوم الإنسانية العدد 65 ربيع 1996.
رؤية في فقه الاقتصاد عند الإمام الشيرازي يبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي في كتابه المتخصص (فقه الاقتصاد) بجزءيه الأول والثاني موضوعات متخصصة ومتنوعة، ابتداءً من مفهوم الإقتصاد في اللغة والإصطلاح، إلى الإقتصاد موضوعاً، وحكماً وفلسفة، ثم يستعرض في رؤيته في المسألة (5) بتساؤل مهم قوله: (هل يمكن تطبيق الإقتصاد الإسلامي؟) وفي المسألة التالية (6)، يناقش الإشكال على تطبيق الاقتصاد الإسلامي وجوابه، ثم يشير إلى اهتمام الإسلام بالإقتصاد. يناقش الإمام الشيرازي موضوعة الإقتصاد بمعناه اللغوي والتعريفات المتعددة بقوله: يشمل كل توسط في المسير لا يرتبط أحياناً بالعيش كالشرط في العبادة، وإن كان ربما يقال ان بينهما عموماً مطلقاً لأعمية العيش من الاقتصاد بمعناه الاصطلاحي. ويطرح الإمام الشيرازي أيضاً تعريفات منقولة عن القدماء وعن علماء الغرب والشرق، فبعضهم عرف الإقتصاد: بأنه المبادلات والمعاملات المربوطة بالمال، وبعضهم عرّفه بأنه كيفية التحصيل والتوزيع للثروة، وبعضهم عرفه بأنه ما يحتاجه الإنسان في حياته من ما يقيم جسده من محصولات الطبيعة أو العمل، وبعضهم عرفه بأنه علم الثروة، إلى غير ذلك. ثم يستطرد في عرض ما أمكن من نشأة تاريخ الإقتصاد قديماً، والى يومنا الحاضر، ويطرح التوسع الحاصل في الإقتصاد بما لم يكن له مثيل في الأزمنة السابقة، ثم يطرح أسس كل بحث إقتصادي بأمور أربعة هي: (الملكية)، و(العمل)، و(رأس المال) و(الإدارة)، وعلى هذا فاللازم التحقق منه في أمثال هذه المسائل وما يتبعها من الأمور(1). ثم يناقش في المسألة (8) اهتمام الإسلام بالاقتصاد أيما اهتمام، وقد ألف فقهاء الإسلام مستنبطين من الكتاب والسنة والإجماع والعقل كتباً متعددة أمثال كتاب التجارة والإجارة والرهن والمضاربة والمزارعة والمساقات والقرض والهبة والإرث والشفعة والصلح والجعالة والوديعة والشركة والحجر والضمان والحوالة والوكالة والكفالة والصداق والوقف والوصية والكفارات والأطعمة والصيد والعتق والديّات، كما انه يربط الإقتصاد أيضاً بفروع أخرى ومؤلفات أخرى بقوله: كما أن الإقتصاد يتفرع على بعض الكتب الأخرى أمثال النذر والعهد واليمين والخلع والنكاح (حيث المهور) إلى غير ذلك. وقول أيضاً أن أمثال هذه الكتب المذكورة المدونة تستأثر بأكثر من ربح فقه الإسلام، والمسائل المدونة المرتبطة بهذه الكتب أكثر من مئة ألف مسألة. إن رأي الإمام الشيرازي في قوة دعائم الإسلام وقدرته الفائقة على معرفة النفس الإنسانية جعله لأن يحرض ويشوق الناس إلى العمل والإجتهاد في الكسب بما لا مثيل له في دين أو قانون ويورد قول الله سبحانه وتعالى: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105)، ويورد أيضاً طائفة كبيرة من روايات آل البيت تناولت مختلف الشؤون الاقتصادية. تعد الموضوعات التي طرحها السيد الشيرازي في كتابه المتنوع (فقه الإقتصاد) مخرجات للبنية الإجتماعية -الإقتصادية من جانب، والفكر الإسلامي من جانب آخر، بعد أن كانت المدخلات مجموعة الأفكار النظرية العامة التي طرحها السابقون، وربما استطاع إعادة صياغتها في نمط مختلف تماماً عما سبقه، ففي مسألة (9) يناقش لزوم تساوي الناس في الفرص بقوله: اللازم الاهتمام التساوي الناس في الأمور الإقتصادية، فإن الناس من أب واحد وأم واحدة، وأكرمهم اتقاهم، واللازم ان يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه، ويطرح نظرته في تقسيم المال في ثلاثة أمور: الأول: إعطاء موظفي الدولة حقوقهم العادلة حسب الكفاءة ونحوها. الثاني: إعطاء المحتاجين بقدر حاجتهم -وفي هذين الأمرين لا تساوي-. الثالث: إعطاء الناس من العطاء مجاناً بالقدر المتساوي(2). ويطرح في مسألة (10) فكرة التساوي في الإقتصاد الإسلامي بقوله: يعرف الإنسان الناحية الإقتصادية وأنه كيف يمكن رفع المستوى الإقتصادي في مجتمع متأخر؟ وكيف يمكن للمجتمع الإستفادة من كل القدرات والطاقات المعطلة في المجتمع، سواءً القدرات الإنسانية أو الطاقات الكامنة في الأرض والماء والغابات وغير ذلك. ويناقش فكرة ارتفاع المستوى المعاشي والإقتصادي في مجتمع ما، وما هو الهدف من الارتفاع؟ ومدى التأثير لهذا الإرتفاع في الأوضاع الإجتماعية والأخلاقية والدينية؟ وأي أضرار تنجم عن هذا الإرتفاع من حيث الإقتصاد؟ وستكون حتماً رفاهية كطبقة كبيرة من المجتمع، وربما يصاحبها انحطاط الأخلاق وتردي وضع الديانة، لأن (الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) (سورة العلق: 6)، ولأن المترفين من طبيعتهم الكفر والجحود والانغماس في الملذات. إذن الإمام الشيرازي يناقش انعكاس النمو الإقتصادي والتضخم على سلوكيات الأفراد وعلى القيم والمعتقدات الدينية، مستنداً في ذلك إلى كتاب الله، فالثروة والمال والغنى الزائد عن الوضع الطبيعي من المحتمل أن يغير صاحبه، ويعقب بقوله: (ولذا ذم الله سبحانه وتعالى أن يكون المال دولة بين الأغنياء، حيث يستشهد بقول رسول الله(ص): (الفقر فخري) (3) وذم الله المترفين، حيث قال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(سبأ: 34). ويمضي الإمام الشيرازي في مناقشته إلى اعتماد فكرة نقيض الغنى من وجهة نظر إسلامية بقوله: ولذا يذم الإسلام الفقر في حال أنه يذم الغنى أيضاً، فقد ورد: الفقر سواد الوجه في الدارين (4). ثم يورد أفكاراً تشمل الجانب المادي (الغنى)، والجانب المعنوي (العلم) والجانب الوظيفي (الرئاسة)، ويقترح أن تكون بدون آفة، ويقترح أيضاً على الغني والعالم والرئيس أن يواظبوا، أن لا ينهاروا ويسقطوا في حمأة آفة هذه الأمور، حيث يسبب ذلك ذهاب دنياهم وآخرتهم(5). ويستمر الإمام الشيرازي في مناقشة إشكاليات الاقتصاد المعاصر ووضع البرامج العلاجية لها من خلال عدة مسائل طرحها، ففي المسألة (11) يطرح فكرة التنافيان في عالم الاقتصاد مما أدت إلى بؤس البشر، وفي المسألة التي تليها يطرح الإمام العلاج المنحرف للاقتصاد المنهار بقوله: لقد حدثت مشكلة اقتصادية كبرى في العالم المعاصر، وهي: أن ثروات العالم انحصرت في أيدي قليلة، بينما أكثرية البشر تعاني من آلام الفقر وعدم القدرة حتى على الحاجات الأولية. ويتوصل سماحته إلى نتيجة مفادها: أن المال صار دولة بين الأغنياء من أهل العالم، وقد تبع ذلك مفاسد جمة من السرقة وبيع النفس للذة في الرجال والنساء وليسدوا جوعهم والاتجار والعصابات والحروب والإضطرابات والمظاهرات وغيرها، مما جعلت العالم ساحة كبيرة للإنحراف، بالإضافة إلى كثرة الأمراض النفسية والعصبية وتفشي القلق والأمراض الجسدية التابعة لسوء التغذية، وغير ذلك. ويستطرد السيد الشيرازي في عرض الإشكاليات بقوله: لقد بين علماء الغرب والشرق غالباً في علة حدوث هذه المشاكل كلاً أو بعضاً أموراً بعيدة عن الواقع، فقال بعضهم: إن العلة في الفقر وما نجم عنه من الأعراض والأمراض هي قلة موارد الأرض مع كثرة البشر، وقال آخرون: إن المشكلة نشأت من زيادة البشر، فاللازم تقليله بأمرين: الأول: الحروب المبيدة لكميات كبيرة حتى يبقى القدر الملائم لمقدار الثروة. الثاني: تحديد النسل بما لا يكون معدل الولادات الجديد أكثر من معدل الأموات. بينما يطرح قوم آخر: ليس لنا أن نهتم لمعاناة كثير من البشر من الجوع والحرمان، وأي وجه لهذا الإهتمام. ثم قال الملحدون من هؤلاء القوم: إن ذلك من غلط الطبيعة التي لا تفهم وجوب الكفاءة بين أفراد البشر وبين موارد الطبيعة، وهل للإنسان أن يهتم بغلط الآخرين؟. وتطرح فئة أخرى الأسباب بقولها: إن هذا الاختلاف نتيجة طبيعة العالم الصناعية، حيث سرعة الحركة والانتاج، والسرعة توجب أن تكون هناك قلة رفيعة بيدها وسائل الإنتاج والثروة لتتمكن من الإنتاج السريع والتقدم العلمي والفني، ومن المعلوم أن التقدم بحاجة إلى المليارات، ولو لم تكن المليارات، كيف تتمكن البشرية من غزو الفضاء. ويبدي الإمام الشيرازي رأيه بإعادة جديدة لصياغة السؤال بقوله: من اللازم أن يوجه السؤال هكذا: هل أن الموارد الموجودة في عالم اليوم كافية للبشر الموجود اليوم؟، فإذا كان الجواب (الكفاءة) يأتي سؤال آخر، هو فمن أين حدثت هذه المشكلة؟ وما هو علاجها؟ ثم نقول: إذا اخترنا الشق الأول: وهو أن الموارد كافية لعدد البشر الموجودين الآن، يأتي سؤال ثان، وهو هل أن الموارد تكفي لبشر المستقبل مهما كثروا أم لا تكفي إطلاقاً إلا (للبشر الحالي) أم أنها تكفي لعدد خاص أكثر من البشر الحالي. فالجواب يصيغه بقوله: من غير المشكوك فيه أن الموارد الموجودة داخل الأرض تكفي للبشر الحالي كما يدل على ذلك إحصاء الثروة وإحصاء الأفراد، والمشكلة إنما حدثت من الإفراط في جانب والتفريط في جانب الثروة. والطاقات التي يجب أن توزع وتستخرج صارت على أقسام: الأول: عدم الاستخراج في جانب. الثاني: سوء التوزيع في جانب ثان. الثالث: التخريب في جانب ثالث. وعلى هذا، فسوء التوزيع زاد في المشكلة بعد المشكلة الأولى (وهي عدم الاستخراج لبعض الثروة) والمشكلة الثالثة، فهي التخريب، فإن قسماً كبيراً من الثروة تصرف في التخريب مثل صنع الأسلحة والإسراف والتبذير والتجمل الفارغ والمباهات وما إلى ذلك. لذا: 1- أكد الإسلام على العمل واستخراج ما سخره الله للإنسان من كنوز الكون. 2- أكد على عدم كون المال دولة بين الأغنياء. 3- أكد على أنه لا ضرر ولا ضرار (6). أما في ما يتعلق بالسؤال الثاني: وهو أنه أي قدر من البشر في المستقبل تكفيه موارد الأرض؟ وإذا زاد عدد البشر عن ذلك، فماذا يصنع بالزائد؟. فيجيب بقوله: أنه لا ينبغي الإشكال في أن الموارد الممكنة في الأرض محدودة، وأن البشر قابل للنمو بما يزيد عن هذه الموارد، ولنفرض أن الموارد قابلة لكفاية مئة ضعف من البشر الحالي، وواضح أن البشر يتصاعد بالولادة تصاعداً هندسياً لا حسابياً، وعليه فإذا وصل البشر إلى ما لا يكفي للموارد لأكثر من ذلك العدد، كان اللازم التوقف في الإنتاج البشري، إذا لم يوجد مورد جديد يستخرجه العلم ولم يتمكن البشر من الوصول إلى سائر الموارد الكونية الموجودة. ويطرح الإمام الشيرازي علاجاً بقوله: أما حساب موارد الأرض وطرق كيفية استخراجها، وكيفية تقسيم الموارد بالعدل، بأنها تكفي لأي قدر من البشر فلها مدارس خاصة لا يهم التعرض لتفاصيلها في البحث الإقتصادي الذي نحن بصدده. ويستمر الإمام الشيرازي طرحه لأهم معضلات الإنسان في التملك والكسب والعمل والثروة فيطرح في المسألة (13) مالكية الإنسان بقوله: إن مالكية الإنسان في طول مالكية الله تعالى، ومن الممكن أن يكون هناك مالك آخر، لأن الملك أمر إضافي، ولا بأس بتعدد الإضافات كالعبد المالك لمال نفسه ثم يملكه السيد في طوله ثم يملكه الله سبحانه. وفي المسألة التالية (14) قول السيد الشيرازي: إن الله فوض الملكية المحدودة للإنسان لكل شيء، في حدوده الإسلامية المقررة، وقد يزعم بعض الناس أن الإسلام لم يقرر الرق أو قرره مرحلياً لمدة محدودة حتى يلغى تلقائياً، وذلك لأستماله أن يقرر الإسلام الشيء المخالف للعقل، أو لأن الإسلام دين التحرير والتحرر (7). ويناقش الإمام الشيرازي في المسألة (22) الملكية بين الإفراط والتفريط، بقوله: أن الملكية غريزية، وإنكار ذلك في الإنسان الأول يساومه إنكار سائر غرائزه، والمنع إذا وصل إلى البديهي لم يمكن له الإستدلال، فهو إذا منع أحد كون الإنسان الأول كان ذا حب وبغض وشهوة وحب ذات، إلى غير ذلك. وقوله: (إن المال الزائد مثله، مثل السلاح، والحاكم والعلم والحرية إنْ أُطلقت أوجبت الفساد، وإلا فلا تلازم عقلي بين الأمرين، فاللازم المنع عن الفساد لا عن أصل الأمور المذكورة، ولذا فالقول الوسط هو القول بالملكية، حيث يلزم القول بملكية الإنسان بقدر فكره وعمله بالشروط المقررة (8). ويطرح الإمام الشيرازي رأياً اقتصادياً في توزيع المال بقوله: المال يكون في قبالة خمسة أشياء: العمل الجسدي، العمل الفكري، المواد، العلاقات الإجتماعية، وشروط الزمان والمكان وما أشبه، ويفصل ذلك بقوله: أما الأول: وهو العمل الجسدي، ويناقش منه وجه استحقاق العامل للأجر وقدر استحقاقه لذلك الاجر، وحجم إنتاجه، وهل كل إنتاجه له أو بعضه، وما قدر ذلك البعض؟. وأما الثاني: وهو العمل الفكري، ويتعلق بما يلي: أ) قيمة الفكر. ب) أفضلية الفكر عن العمل. ج) قيمة الفكر بعضه إلى بعض. الثالث: وهو المواد الأولية، فيقول: الإنسان المستحوذ على المواد الأولية له تلك المواد وله أن يأخذ المال في قبالها. الرابع: وهو كون المال في مقابل العلاقات الإجتماعية، والعلاقات الإجتماعية على قسمين: القسم الأول: ما كانت العلاقة صداقة ونحوها، وهذا يوجب الضيافة والهدية والهبة والصلة والوقف والنذر المالي، والصدقة، والوصية، وما أشبه ولكن يشترط في صحة ذلك ستة أمور: الأول: أن لا يكون لإحقاق الحق. الثاني: أن لا يكون لإبطال الباطل. الثالث: أن لا يكون لإبطال الحق. الرابع: أن لا يكون لإحقاق الباطل. الخامس: أن لا يكون سرقاً من المعطي. السادس: أن لا يكون فوق شأن الآخذ. أما القسم الثاني: فهو فيما إذا كانت من جهة القرابة كالإرث، فإن الإنسان إنما يرث نتيجة عمل غيره لأمور: الأول: في الغالب أن الوارث سعى أيضاً في تحصيل الإرث، لأن العائلة يسعى بعضهم لبعض بحكم اتصالهم ووحدة دارهم ودكانهم وبستانهم. الثاني: لأن المُورّث يريد ذلك فهو كالقسم الأول، فإن المورث يريد أن يعطي سعيه لغيره، فالمقتضى أن له سعيه، وأنه يحق له أن يعطي سعيه للوارث. الثالث: غلبة فقر الوارث مما يوجب أنه إذا أخذت الدولة الإرث، كان اللازم عليها إدارة الورثة. الرابع: أنه إذا قرر أخذ الدولة للإرث، لم يكن للعامل الشوق (الدافع) الكافي في عمله. الخامس: إن معنى أن تأخذ الدولة الإرث أخذها الضرائب بغير عدالة. وأخيراً خامساً: شروط الزمان والمكان، الذي وصفه سماحته بقوله كون المال في قبالة شروط الأمان والمكان وما أشبه. ويناقش الإمام الشيرازي في المسألة (31) الملكية الفردية في الإسلام بقوله: لا إشكال في أن الإسلام أقر الملكية الفردية، كما أقر إلى جانب ذلك الملكية الجماهيرية، والظاهران مالكية الإمام أيضاً صورة أخرى من صور المالكية الجماهيرية. وبهذا فإن الإسلام يفرق بين منهجي الرأسمالية والإشتراكية الوضعية، فالأول: الرأسمالي يجعل الأصل، الملكية الفردية والملكية الإجتماعية استثناء لما تقدم من أن الأصل عندهم: (دعه يعمل دعه يمر). والثاني: الاشتراكية والشيوعية، يجعل الأصل الملكية الإجتماعية، والملكية الفردية استثناء، لكن الإسلام يجعل الأصل كلا الأمرين الملكية الفردية في مكان، والملكية الاجتماعية في مكان آخر، ويعرض آراء (الإشتراكية) حول الملكية الفردية بقوله أما (الإشتراكية) فأنه تخصص الملكية الفردية بغير المنابع العامة والملكية الاجتماعية بالمنابع العامة، وليس هذا كالإسلام، إذ التخصيص غلط، كما تقدم في نقد المنهج الاشتراكي. ويبحث الإمام الشيرازي مسألة مهمة في حق التملك قوله: (كل شيء خلقه الله في الكون قابل لأن يملك، بالشروط المقررة للملك كالحيازة في المباحاة، إلا ما استثنى وهو أمران: 1- ما استثنى الشريعة قابلية للملك. 2- بعض أقسام الأرض، وهي ما كان ملكاً للإمام أو لعامة المسلمين فهما وإن كان ملكاً في الجملة، إلا أنهما ليستا قابلتين للملكية الفردية بالحيازة ونحوها. ويناقش الإمام الشيرازي شروط تملك الأرض بشرطين هما: الأول: أن يكون الإنسان محيياً لها بنفسه، فالإحياء بالإستيجار ونحوه لا يسبب ملكية المستأجر، بل يملكها المحيي. الثاني: أن لا يكون القدر المحيى من الأرض زائداً على حاجته، وفي كليهما نظر(9). ويبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي في كتاب (فقه الاقتصاد) بجزئه الثاني مسائل متعددة ومتنوعة تتراوح من حال الأراضي في الوقت الحاضر إلى مسألة (40) التي تبحث في أقسام المال الذي بتحصله الإنسان وقوله: المال الذي يتحصله الإنسان قد يكون بدون عمل، وقد يكون بعمل، والذي يحصله بدون عمل قد يكون من باب التكامل كالخمس والزكاة التي يحصل عليهما الفقير، وقد يكون من باب أن صاحب المال أراد ذلك، كالإرث والوصية والنذر والصدقة والوقف والهبة، أما الذي يحصله بعمل، قد يكون بعمل فردي، وقد يكون بعمل غير فردي، والعمل الفردي قد يكون عملاً سيئاً أوجب المال للصرف كالديات والضمانات، وقد يكون عملاً حسناً عمله لربح نفسه وربح من وراءه، كإحياء الموات والصيد وحيازة المباحات. ويطرح بعض أسس الأوضاع المالية على وفق التشريعات الإسلامية بقوله: (ومن التشريعات الإسلامية، التشريعات المالية، ولذا جعل الخمس والزكاة، وجعل الخمس ثابتاً، والزكاة مختلفة، وجعل مصرف الخمس شيء، ومصرف الزكاة شيء آخر (10). ويشير الإمام الشيرازي إلى مبحث خاص يتعلق بشؤون بيت المال بقوله: ثم إنه يمكن أن يشكل الآن بيت المال، لا كونه وزارة الإقتصاد والمالية لأنها لشؤون الموظفين ونحوهم، بل مؤسسة مستقلة تابعة لولي الأمر، ويكون له فروع في البلاد لجمع المال وتوزيعه حسب المقررات الشرعية في الجمع والتوزيع، فإذا زاد عن حاجات المنطقة أرسل إلى بيت المال المركزي، وإذا نقص عن حاجات المنطقة أخذ من المركزي، ويقوم هذا البيت بالإضافة إلى ذلك بأمرين آخرين: الأول: قبول الودائع المالية بدون إعطاء ربا، بل بصورة القرض إلى البيت ليصرفه هو في إقراض المحتاجين بدون ربا أو بصورة المضاربة ليصرفه هو في إعطاء الطالبين بصورة المضاربة أو ليقوم هو بالمضاربة، وإذا ربح من وراء المضاربتين كان الربح لبيت المال، وإذا خسر من ورائهما كانت الخسارة على بيت المال. الثاني: قبول الودائع الوقتية بعنوان الوديعة والعارية ليعطي المال في وقت طلب صاحبه فيكون كالجاري في البنوك الحاضرة. ويبحث الإمام الشيرازي مقومات الإقتصاد السليم في فقه الإقتصاد، الجزء الثاني تحت عنوان مسألة (4): الإنسان في حالة الخوف لا ينتج حيث أن فكره مشغول فينصرف بدنه عن الإنتاج، والمعنويات إذا كانت منهارة لأجل اليأس ونحوه لم يتمكن الإنسان من الإنتاج، ولذا نرى أن الشعوب الواقعة تحت الإستعمار المباشر، كشعب فلسطين لا ينتجون شيئاً. ويقول الإمام الشيرازي: أن من الأمور المهمة في أصل الإقتصاد وفي الرشد الاقتصادي توزيع الأعمال كماً، وملاحظة الكيف في إسناد الأعمال الموزعة إلى الأفراد(11). ويناقش في مسألة (13) البنك التجاري والبنك وماهية عمله، وسياق تعامله بقوله: البنك مؤسسة لها أنشطة خاصة في الأمور النقدية عيناً أو اعتباراً والفرق بين هذه المؤسسة والمؤسسات المالية الأخرى أن البنك له شخصية قانونية، ولذا فهي مضطرة إلى اتباع قوانين وضوابط خاصة تضعها الدولة له، وليس كذلك المؤسسات المالية الأخرى، وعلى هذا فالبنك يحتوي على ثلاثة أمور: 1- الضوابط القانونية، الدولة الإسلامية لها الحق في جعل هذه الضوابط لأجل مصلحة المسلمين. 2- الربا الذي تتعاطاه البنوك، وهذا حرام أخذاً وعطاءاً، وإن كان بعنوان أنه أجرة المحل والكتاب وما أشبه. 3- سائر الأعمال من حوالات وكفالات وغيرها والكل جائز، إذا لم يكن خلاف ميزان إسلامي مثلاً لا يحق للبنك المعاملة المجهولة. ويستمر الإمام الشيرازي في عرض مباحث فقه الإقتصاد تحت عناوين متخصصة في مجال الصيرفة والبنوك وتقسيماتها مثل البنك المركزي، والبنك التجاري، ودور البنك المركزي في المحافظة على توازن النقد وقوته، مع المقارنة بين دور البنوك في القانون الرأسمالي، وكيف يتحكم في الإقتصاد، وكيف يكون البنك شرعياً، مع عرض لأوراق النقد وأخطبوط البنك، مستعرضاً أيضاً في مسائل أخرى الرقابة الحرة، ودور الدعم في ارتفاع وانخفاض الأسعار، مع عرض نظرية الإسلام في فروع التضخم، وتحليل لأسباب التضخم، كذلك يناقش في مسألة (22) الأزمة الإقتصادية، ومدى ارتباطها بالدكتاتورية، وكيفية معالجتها.
ليسمح لنا القارئ الكريم بأن نوجز ما ذهب إليه الإمام الشيرازي في كتاب الإدارة بجزأيه الأول والثاني، فقد بدأ ببيان الإدارة وتعريفها وعرض صفات المدير، ومواصفات الإدارة، مناهج الإدارة، فضلاً عن وظائف الإدارة ومبادئها، وبالدقة ما هي إدارة الأعمال، ويستمر في طرح المسائل تلو الأخرى من الخرائط والهيكلية العملية إلى أشكال المنشآت الاقتصادية مع بحث في الحرية الفردية الإجتماعية مروراً بمهمات الإدارة (جمع المعلومات) إلى اتخاذ القرار، وإزاء ذلك فإن النظريات العلمية في الإدارة تؤكد على قابلية البشر للتغير بفعالية ونشاط، ولهذا فإن القدرات العقلية كالقدرة على الذكاء الإداري، والقدرة القيادية، والقدرة على استيعاب المواقف المتعددة في خضم العمل، تحتاج إلى عقل مدبر، فالإمام الشيرازي يرى في ذلك أنْ تتوفر في المدير صفات لها أهميتها في التمكن من إيصال سفينة الإدارة إلى المقصد بسلام، فإن المدير أمرٌ ذو شعب طرف منها المدير، وطرف منها العمال، وعلى أي حال فاللازم في المدير أن يتصف بالصفات التالية، وكلما ضعفت هذه الصفات فيه كماً أو كيفاً ضعفت الإدارة، والعكس بالعكس، وهي: 1- أن تكون له القدرة التامة على التعبير عن نفسه تكلماً أو كتابةً، حتى يفضي إلى الطرف بما يريد، فإن الإدارة بحاجة إلى بحر من الإقناع، وكلما كانت الإدارة أهم، كان الإقناع محتاجاً إليه أكثر، وبدون ذلك لا يتمكن المدير لا من إقناع رؤسائه، ولا من إقناع مرؤوسيه. 2- أن تكون له رغبةٌ في البحث عن الحقائق، واستعداد للعمل بجد واخلاص وتفاني في تأدية الواجب في مختلف أبعاد الإدارة. 3- أن يهتم بالوقت اهتماماً بالغاً. 4- أن يكون لطيفاً ودوداً محباً للآخرين مدارياً لهم. 5- أن يكون تفكيره منظماً وعقله بارعاً في تحليل الأشياء وتصنيفها. 6- أن يكون له ميل طبيعي للإستفسار عن كل ما يحيط به، والتعمق في الإجابات المطروحة في الساحة، فلا يكتفي بالإجابات السريعة التي يأتي بها بادئ الرأي. 7- تكون لديه قدرة على الاستفادة مما يجمعه من المعلومات بأن يتمكن من تحليلها وغربلتها واستخراج الصالح منها. 8- أن يكون بعيد النظر من الدراسة سواء على الأشياء أو الأفراد، قادراً على المقايسات الزمنية والعملية. 9- أن يكون حكمه على نفسه وعلى الآخرين حكماً متصفاً بالعدل والأنصاف. 10- وأخيراً أن يكون مؤمناً بالله واليوم الآخر (12). ويعرف قانون الإدارة، بأنها (أي الإدارة) التنبؤ والتخطيط والتنظيم وإصدار الأوامر، والتنسيق والرقابة. أما (فريدرك تايلور) فيعرفها: إن فن الإدارة هو المعرفة الصحيحة لما تريد من الرجال أن يقدموا بعمله ثم رؤيتك (أي ملاحظتك ومباشرتك) إياهم وهم يعملون بأفضل الطرق وأرخصها ثمناً. أما (فيفر) فيرى بأنها تنسيق الجهود الفردية والجماعية لتنفيذ السياسة العامة. ويعرفها (محمود حسان سعد)، تعني بكلمات بسيطة، بأنها مجموعة من الوظائف التي يقوم بها فرد أو أفراد لتحقيق هدف محدد (13). ويضيف الإمام الشيرازي قوله: الإدارة يجب أن تكون مرنة، فإن الإنسان لم يخلق من الحجر والشجر حتى يتمكن الشخص من المعاشرة مع البشر، لذا فالواجب على الإدارة أن تكون مرنة، والمدير الناجح هو المدير الذي يكون مرناً وعليه أن يلاحظ هذه البنود: الأول: التعاون، فإن التعاون بين المدير ومرؤوسيه، كالتعاون بين المدير وعامليه، وبين العمال من أي قسم من أقسام الإدارة. الثاني: المساواة، فإن اللازم على المدير أن يجعل المساواة الكاملة نصب عينيه بالنسبة إلى العمال المتساوين، لا أن يرجح بعضهم على بعض في أية من الإمتيازات. فإن الترجيح يوجب التفكك وابتعاد القلوب مما يسبب ضعف الإنتاج، فاللازم على المدير الناجح الحصول على ولاء مرؤوسيه من هذه الناحية حتى يتفانوا في العمل وذلك مزيداً من العطف والعدل والإحسان عند التعامل معهم. الثالث: استقرار العمالة، بمعنى أن لا يخرج المدير هذا تارة ويدخل ذاك أخرى، حتى يسقط الإستقرار، فإن غير المستقر من العمال لا يخدم العمل بمثل المستقر من غير فرق بين أن يكون ذلك في المعمل، أو المصنع أو المدرسة أو الوزارة، وغيرها. الرابع: المبادرات، بأن يفسح المدير أمام المرؤوسين المجال ليتمكنوا من تطبيق أفكارهم، ومبادئهم، وابتكاراتهم، فإن كثيراً من المرؤوسين عندهم ابتكارات ونفسيات صالحة للانتفاع. الخامس: تقسيم العمل، بأن يكون المدير قادراً على جعل الإنسان المناسب في المكان المناسب، وهذا هو المعبر عنه بالتخصص. السادس: السلطة والمسؤولية، فعلى المدير أن يعرف أن السلطة بقدر المسؤولية، والمسؤولية بقدر السلطة، وهذا ما يعبر عنه بالحق والواجب، فإن السلطة والمسؤولية مرتبطتان ارتباطاً عضوياً. السابع: مراعاة النظام، ومعنى ذلك احترام الاتفاقات والنظم والأوامر، وعدم الإخلال بشيء من القواعد الموضوعة للإدارة، وهذا المبدأ يستلزم وجود رؤساء قديرين في كل المستويات الإدارية. الثامن: الترتيب، وهذا تابع تلقائياً للنظام، والترتيب ينقسم إلى الترتيب المادي والترتيب الاجتماعي، بمعنى أن يكون هناك مكان معين لكل شيء ولكل شخص، ويكون كل شيء وكل شخص في مكانه الخاص به. التاسع: تدرج السلطة، بأن تكون سلسلة الرؤساء من أعلى الرتب إلى أدناها تسلسلاً صحيحاً. العاشر: وحدة التوجيه، بأن يكون لكل مجموعة من الأنشطة التي لها نفس الهدف خطة واحدة ورئيس واحد، وهذا المبدأ يتعلق بالمنشأة. الحادي عشر: وحدة السلطة الآمرة، وهذا مربوط بالعاملين، وهو غير العاشر، ومعنى هذا أنه يجب أن يحصل الموظف على الأوامر من رئيس أو مشرف واحد فقط. الثاني عشر: خضوع المصلحة الشخصية للمصلحة العامة. الثالث عشر: ملاحظة المركزية أو اللامركزية في السلطة. الرابع عشر: مكافأة الأفراد وتعويضهم لا مادياً فحسب، بل معنوياً أيضاً. الخامس عشر: على المدير أن يكون قادراً على التخفيف من ثقل الروتين واليأس الذي يكون كابوساً على قلوب العاملين. ويطرح فلاسفة الإدارة رأيهم بقولهم: تستند الإدارة في أهميتها إلى عوامل سياسية تبرز وجودها وتحتّمهُ، وهذه العوامل تعمل الإدارة إلى تحقيقها، وتشكل في مجملها الفلسفة الأساسية من وراء وجودها، وضروراتها في أي جهد جماعي ذي أهداف محددة: - تحقيق الأهداف الموضوعة للمؤسسة بفعالية. - تنظيم جهود العاملين في المؤسسة. - حفز طاقات العاملين وتنسيقها، وتعزيزها. - التخطيط لاستثمار طاقات العاملين. - تحقيق رضا العاملين لتحقيق أفضل النتائج بكفاية (السرعة، الدقة، الإتقان، وبأقل كلفة ممكنة). - تحقيق الانسجام المهني بين العاملين في المؤسسة. - توحد أهداف العاملين لتحقيق هدف المؤسسة. - تحقيق تطور الأهداف لمجاراة الركب الحضاري. - توفير المناخ العاطفي والاجتماعي بين أفراد المؤسسة. - توفير الخبرات الفنية اللازمة. - تتابع عمل وإنجازات الأفراد. - التقويم المستمر (14). ويطرح الإمام الشيرازي رأيه بضرورة وجود مناهج محددة للإدارة لاسيما أنّ الإدارة تقوم بدور العنصر المعاون الذي يتغلغل في جميع أوجه النشاط الإنساني، وعليه فلا بد أن تكون لها مناهج خاصة، ويذكر جملة من هذه المدارس التي تصب كلها في مصب واحد. الأولى: المدرسة العلمية للإدارة. وهذه المدرسة تبني تحققها على تجزئة الإدارة عن طريق تحرير وظائف المدير، وعلى الخبرة الطويلة مع الإدارة ومرافقها المتنوعة مما يستخلص منها حقائق ومبادئ تساعد على فهم وتحسين عملية الإدارة. الثانية: المدرسة التجريبية. وهذه المدرسة تهتم بدراسة تجارب المديرين الناجحين والمديرين الفاشلين التي تحدث في الإدارات الناجحة والإدارات الفاشلة، فهي تحلل الإدارة عن طريق التجارب لغرض الوصول إلى عموميات لنقل هذه الخبرة والتجارب للدراسيين والممارسين. الثالث: مدرسة السلوك الإنساني. وتقوم هذه المدرسة بتحليل الإدارة على فكرة أساسية مفادها أن الإدارة تنطوي على تنفيذ الأشياء مع الأشخاص، ومن خلالهم فإن دراستها يجب أن تتركز على العلاقات الشخصية، وهذا ما يطلق عليه مدخل العلاقات الإنسانية، أو مدخل القيادة أو العلوم السلوكية. الرابع: مدرسة النظام الإجتماعي. وتنظر هذه المدرسة إلى الإدارة كنظام اجتماعي وكنظام للعلاقات الثقافية المتداخلة بين أفراد المجتمع، وهذه المدرسة تستمد رؤيتها من علم النفس الإجتماعي، وتتعامل مع تحديد الجماعات الإجتماعية المختلفة، وعلاقاتها الثقافية. الخامس: المدرسة الرياضية. وهي تتضمن النظر إلى الإدارة كعملية يمكن التعبير عنها في شكل رموز وعلاقات رياضية، لأنه بواسطة النماذج يمكن التعبير عن المشكلة على أساس علاقاتها الأساسية، وعلى أساس الأهداف المختارة. ويطرح الإمام الشيرازي في إحدى المسائل مؤهلات الإدارة والقائد الناجح بقوله: المدير بحاجة إلى مؤهلات سابقة على الإدارة ومتزامنة مع الإدارة، حتى يكون مديراً ناجحاً يتمكن أن يسير بالمنشأة إلى الأمام(15) وتطرح النظريات الإدارية بعض المواصفات للقيادة الإدارية الناجحة، وهي خليط بين أسس الإدارة العلمية والعلاقات الإنسانية مع الوثوق من أن أهداف التنظيم وأغراضه تستهدف الصالح المشترك لكل من يعمل فيه، وهي في نفس الوقت إدارة متحركة تتصف بالمرونة وتتكيف مع الظروف المتغيرة الناتجة عن النمو الإقتصادي والتغير الإجتماعي اللذين يمر بهما المجتمع، والإدارة العلمية وحدها لا تحقق النجاح الكامل، وإن كان أتباع تعاليمها يحقق دورات مبسطة للعمل واقتصاداً في الحركة والجهد واقتصاداً في التدريب، كما قد تتحقق الزيادة في الكفاءة الإنتاجية نتيجة تحديد الأهداف وإيجاد أساليب واضحة للاتصالات واتخاذ القرارات والرقابة إلى غير ذلك من أساليب الإدارة العلمية، فالقيادة الإدارية الناجحة هي القيادة الديمقراطية المتكاملة التي تتركز حول الجماعة وعملها كفريق واحد، وفي نفس الوقت تحقق للفرد مجالاً واسعاً للإبتكار والتعبير عن نفسه حتى لا تهبط قيمة الفرد في الجماعة (16). ويعرض الإمام الشيرازي شروط ومؤهلات المدير الناجح وهي: الأول: يحتاج المدير إلى مؤهل جامعي في إحدى التخصصات المرتبطة بالإدارة، كالإدارة العامة، أو إدارة الأعمال، أو العلوم السياسية، أو العلوم الاقتصادية، أو المحاسبة أو ما أشبه ذلك. الثاني: في البلاد الإسلامية حيث الصبغة العامة في البلاد هي الإسلام، فالمدير بحاجة إلى إلمام بالعلوم الإسلامية المحتاج إليها في كيفية الإدارة وفقاً للأخلاق الإسلامية في باب المعاشرة والمداراة. وعلم الإجتماع العام بالسلوكيات الإسلامية وعلم الفقه في الجملة، وعلم النفس الإسلامي بات يعرف نفسيات المسلمين وما إلى ذلك. الثالث: الخبرة العلمية، حيث يلزم توفر الخبرة العلمية للمدير في مجال عمله، وذلك لا يكون إلا بالتصاعد التدريجي في سُلّم تلك الإدارة، ولهذا ترى في البلاد الإستشارية (الديمقراطية) يصعد الموظف الحكومي من مدير الناحية إلى القائم مقامية إلى المحافظة الصغيرة ثم إلى المحافظة الكبيرة ثم إلى محافظة العاصمة، وهكذا بالنسبة إلى سائر الشؤون. الرابع: التدريب في مجال التنظيم والأساليب المحتاج إليها المدير، فإنه شرط أساسي بالنسبة إلى العاملين في هذه الأنشطة، فمن المستحسن بالنسبة إلى المدير تنظيم دورات تدريبية لعدة أسابيع أو لعدة أشهر، حسب صعوبة الإدارة أو سهولتها لاطلاع المدراء الجدد بالنسبة إلى أعمالهم الجديدة على كافة أعمال ونشاطات التنظيم والأساليب الهيكلية، وعلى كيفية القيام بإجراءات الدراسات التنظيمية، وكيفية التعامل مع الرؤساء الإداريين، ومع الموظفين في الإدارات والأقسام التي سيقومون بإجراء دراسات فيها، أو مع سائر الناس إذا كانوا مرتبطين بإداراتهم بسائر الناس، فإن الدورات التدريبية لها مدخلية كاملة في إعداد المديرين لتسليم المناصب الجديدة. الخامس: يلزم مراعاة التخصص بالنسبة إلى لإدارة والعلوم العامة، ولا تنفع بالنسبة إلى الأمور المحتاجة إلى الإختصاص بالنسبة إلى المديرين الذين يتسلمون قسماً يحتاج إلى الإختصاصات. السادس: اللازم أن يكون المدير ملماً بلغة أجنبية أخرى غير لغته. السابع: أن يكون دائم التفاوض والإستطلاع والمطالعة في الكتب المعنية بشأن إدارته (17). ويطرح الإمام الشيرازي أهم وظائف المدير، بقوله: المدير مكلف بعملين أساسيين: الأول: بالنسبة إلى البيئة الداخلية، إنها ستتأثر البيئة الداخلية بالمدير بالنسبة إلى مسؤوليه، فإن المدير في منشأته يكون مسؤولاً عن البيئة التي سيعمل فيها بضمن مرؤوسيه أو مع الناس. الثاني: بالنسبة إلى البيئة الخارجية فإنه وإن لم يملك الخارج ملكاً كما يملك الداخل، فإن المدير لا يملك القوة التي تمكنه من التأثير على سياسية الحكومة، أو الظروف الاقتصادية، أو العلاقات الدولية، والعلاقات مع سائر المؤسسات المشابهة، أو غير المشابهة، مما تؤثر كل واحد منها في الآخر تأثيراً ما. ويعرض الوظائف التي يقوم بها المدير، وهي وظائف عامة، وهناك وظائف خاصة بالنسبة إلى البيئة الداخلية، أو البيئة الخارجية ويوجزها في خمس: الأول: التخطيط. الثاني: التنظيم. الثالث: التشكيل. الرابع: التوجيه. الخامس: الرقابة (18). أما علم الإدارة العام فيعرض أعمال المدير بما يلي: - التخطيط. - تحقيق أهداف المؤسسة. - التنسيق في العمل. - الدافعية والتحفيز. - التوجيه. - الإلتزام بالعمل. - المتابعة. - التقويم. - إتخاذ القرار (19). ويطرح العلماءُ المتخصّصون في علوم الإدارة المزاوجة بين الإدارة الناجحة والقيادة الناجحة، ويعرض (ملاك جرجس) خصائص القائد الناجح والذي يجب أن تتوفر في المديرين ليصبحوا قادة بالإضافة إلى كونهم مديرين، وقوله: ليس من السهل أن ترسم صورة واضحة لسمات القائد الناجح، ذلك لأن القيادة تعتمد كثيراً على الظروف التي تنشأ فيها، ولكن يمكن أن تركز على عامل هام هو أسلوب القائد وقدرته على إشباع الحاجات النفسية الأساسية للأفراد الذين يقودهم، وعلى هذا الأساس فالقائد بين طلبة فصل من الفصول في المدرسة هو أقدر الطلبة على مساعدة زملائه، والقائد في وسط مجموعة من العاملين هو أقدر العاملين على مساعدة زملائه والدفاع عنهم بالحق. ويرى البعض أن أي قائد خصوصاً في المجالات الإدارية والفنية يجب أن يتصف بصفات خاصة منها: أن يكون ذكياً -مرناً- على درجة معقولة من الثقة بالنفس- له القدرة على الإنطلاق -القدرة على التحدث بطلاقة وحماس- له القدرة على المشاركة الوجدانية مع أفراد الجماعة التي يقودها -القدرة على الإبتكار (20). يبحث الإمام الشيرازي في مهام الإدارة الأساسية، وواجبات المدير الناجح، وكيفية اتخاذ القرار، بقوله: من الأعمال الأساسية للإدارة، اتخاذ القرار، وهو عمل مستمر للمدير، سواء كان مديراً عاماً، أو مديراً متوسطاً أو مديراً في القاعدة، سواء كان في مؤسسة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غيرها. ومعنى اتخاذ القرار، اختيار ما ينبغي عمله، ومن الذي يقوم بهذا العمل، ومتى يكون وأين وكيف؟. وبالأخير فإن عملية اتخاذ القرارات هي بطبيعتها عملية مستمرة ومتغلغلة في كل الوظائف الأساسية للإدارة، بل في الوظائف الفرعية، فإن الوظائف بحاجة إلى التخطيط والتشكيل والتوجيه والرقابة الخ. وقول الإمام الشيرازي: في التخطيط تحدد القرارات العمل الذي يجب تأديته والسبل التي يتعين اتباعها لإنجاز هذا العمل، وفي التنظيم تحدد القرارات نوع العمل الذي يوزع على أعضاء معينين من الجماعة، وتفويض القدر المعين من السلطة التي يمكنه القيام بالعمل، وجعل قدر كاف من الحقوق لهم من باب مقابلة الواجب بالحق وفي التشكيل تلزم القرارات التي تؤدي إلى تنمية الهيئة الإدارية واختيارها وتدبيرها، وفي التوجيه تقوّم القرارات بإقناع أعضاء الجماعة إن العمل المحدد الموضوع هو العمل المناسب لتحقيق الأهداف ثم الرقابة، وهي عبارة عن مقارنة الأداء الفعلي بما هو مخطط، فإن ذلك لا يكون إلا بواسطة قرارات تظهر وجودها أو عدمها. ويستطرد الإمام الشيرازي بقوله: عرف البعض القرار بأنه الإختيار القائم على أساس بعض المعايير لبديل واحد من بديلين محتملين، أو لأحد البدلاء في الموضوع، سواء كان البديلان أو الأكثر بين السلب والإيجاب، أو بين الإيجابيين أو بين السلبيين، فيجب أن يتخذ القرار بين هذا المعيار أو هذا المعيار، ويتأثر باختيار البديل الأفضل بواسطة المعايير المتمركزة في الذهن. ويمضي الإمام الشيرازي بصدد توضيح القرار وعملية اتخاذ القرار بقوله: القرار عبارة عن حسم بعض وجهات النظر والآراء المتعارضة، فإذا كانت هنالك آراء، فكثيراً ما توجد اختلافات في الآراء أو وجهات النظر أو الأحكام أو الحقائق المتصلة بمشكلة ما، وهنا يجب على المدير أن يتخذ قراراً حتى يمكن المحافظة على فاعلية الجماعة، والّلازم أن يكون اتخاذ القرار غير مضر بالجماعة المخالفة لهذا الرأي الذي اتخذوه، فالمنازعات التي يمكن حسمها بواسطة القرارات الناجحة عديدة(21). ويعرض علماء الإدارة كيفية اتخاذ القرار، وخاصة عند الجماعة حيث يقول (ملاك جرجس) المناقشة وحدها لا تكفي.. إلا إذا انتهت باتفاق أو قرار أو فعل، ثم إن القرارات لا تؤدي إلى عمل فعّال إلا إذا كان المرؤوسون منتبهين للأهداف المقصودة، كذلك تتوقف كفاءة القيادة وفعالية القرار على مدى اشتراك جميع من يتأثرون بالقرار ومن يتطلب الأمر فهمهم ومساعدتهم (22). الإمام الشيرازي والإدارة العالمية للمسلمين: يرى الإمام الشيرازي إن من الضروري للمسلمين إدارة مؤسسة إسلامية عالمية، فإن هناك نشاطات إسلامية كثيرة في كافة بلاد الإسلام وغيرها حتى بلاد الستار الحديدي التي تحارب الدين ورجاله بكل شدة، لكن هناك ثلاثة أشياء يحتاج إليها العالم الإسلامي ككل: الأول: تنظيم المسلمين الذين يتواجدون في البلاد شبه الحرة كأوروبا وأمريكا ونحوهما. الثاني: إعلام غير المسلمين بالإسلام، فإن غير المسلمين إذا عرفوا حقيقة الإسلام أقبل كثير منهم على الإسلام بمحض إرادتهم ورغبتهم في انتخاب الأحسن أو انتخاب الحسن. الثالث: جمع النشاطات الإسلامية في وحدة واحدة، بأن يكون الكل تياراً واحداً. ويناقش الإمام الشيرازي أن مثل هذه المؤسسة بحاجة إلى أموال كثيرة، لكن من الواضح أيضاً أن الأثرياء لو وجدوا مثل هذه المؤسسة لإنخرطوا في مؤتمرات تعقدها المؤسسة بحضورهم وحضور سائر المثقفين. ويناقش الإمام الشيرازي في إحدى المسائل كيفية قياس الأداء -بقياس الأعمال- التي تتم أو تمت قبل ذلك، ويتم القياس بواسطة المعايير الرقابية التي تقررت، وبدون قياس الأداء لا يمكن القيام بعملية الرقابة قياماً كاملاً وإن أمكن القيام قياماً ضحلاً أو مشوشاً، ويتم قياس الأداء إما بالملاحظة المباشرة أو بالتقارير. ويطرح علماءُ النفس المتخصصون في مجال الصناعة والإدارة، الإختبارات النفسية كوسيلة للإختبار المهني أو التوجيه المهني فضلاً عن المقابلة Interview، وهي من الطرق الشائعة في مجالات متعددة في علوم الإدارة والتنظيم الإداري والصناعي. ويتطرق سماحة الإمام الشيرازي إلى تفصيل لأسلوب التقارير، الذي يعد ثاني أعمدة قياس الاداء، بقوله: (أنها تحتل مكاناً مهماً بين وسائل قياس الأداء، والتقارير قد تكون شفاهية وقد تكون كتابة). ثم يستطرد بقوله أن للتقارير أشكال مختلفة: أولاً: بالبيانات الرقمية. ثانياً: بالخرائط والأشكال البيانية. ثالثاً: بالاستعراضات الإنشائية. وتؤدي التقارير وظائف عدة منها مجرد الإعلام، وقد يراد به، بالإضافة إلى ذلك إقناع المدير أو إقناع الجهة العليا من المحلل أو المفتش أو من أشبه بوجهة نظر خاصة. أنواع القيادة الإدارية: تقسم العلوم المتخصصة في الإدارة، الإدارة إلى عدة أنواع: القيادة الأوتوقراطية والقيادة الديمقراطية، ويقسم الإمام الشيرازي القيادة إلى أنواع ثمانية: القيادة الشخصية. القيادة غير الشخصية. القيادة المتسلطة. القيادة الإستشارية. القيادة الأبوية. القيادة الجافة. القيادة الرسمية. القيادة غير الرسمية. ويرى المتخصصون في علم الإدارة والتنظيم الإداري والصناعي بأن القيادة الأوتوقراطية تتسم بالسيطرة والتحكم، وقد يلجأ إليها البعض لما لهم من قيم اجتماعية خاصة تجعل أنماط سلوكهم واتجاهاتهم نحو الآخرين شبه استبدادية تعتمد على إعطاء الأوامر وتوقع إطاعتها دون مراعاة العوامل الإنسانية، وقد يلجأ إليها البعض لانحرافات في شخصياتهم تتسم بالشعور بالعظمة والشك في سلوك الغير، وتوقع المؤامرات منهم، فيلجئون كمديرين إلى أساليب استبدادية في الإدارة، ويركزون السلطة في أيديهم، ويصدرون من التعليمات ما يؤمن جانبهم من المؤامرات المزعومة، أو احتياطاً لما يسمونه عدم أمانة الموظفين. أما القيادة الديمقراطية فتعتمد على توزيع السلطة والمسؤولية على جميع أعضاء الجماعة مع إيجاد الدافع إلى التعاون في العمل عن طريق زيادة إشباع رغبات وحاجات الأفراد النفسية وفي ضوء هذه القيم الاجتماعية يكون سلوك المدير، وهو هنا جدير بأن يسمى (بالقائد) لأنه لا يصدر الأوامر لتنفيذها إنما يصدرها بعد مشاورات مع أعضاء الإدارة العليا ثم تفسيرها لباقي أفراد المؤسسة. ولا يمكن لمدير من المديرين أن يلجأ إلى الإدارة الديمقراطية إلا إذا كان على درجة كبيرة من الذكاء وكان يتمتع بدرجة كبيرة من تكيّف الشخصية ومرونتها، ومع دراية كبيرة بالنواحي الفنية الخاصة بالنشاط الصناعي أو التجاري الذي يعمل فيه، ومن هنا كانت الضرورة القصوى في انتقاء المديرين انتقاءاً سيكولوجياً مهنياً أو اختيار من يصلحون للتدريب على القيام بهذه المهمة. أما الإمام الشيرازي فيرى ان العوامل التي تساهم في القيادة الناجحة تنطوي على تقديم أهداف محددة وواضحة مع خطة سليمة كاملة ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. ويرى أن القيادة الشخصية هي التي تزاول القيادة عن طريق الإتصال الشخصي بالآخرين والتوجيه لهم وتحفيزهم بالكلام وما أشبه ذلك، وهي من الأنواع الشائعة والتي تمتاز بالفاعلية الكثيرة بالإضافة إلى بساطتها. أما القيادة غير الشخصية، فهي اصطلاح يستخدم للإشارة إلى القيادة التي تزاول خلال مرؤوس القائد وعن طريق الوسائل غير الشخصية مثل الخطط والأوامر وما أشبه ذلك. أما القيادة المتسلطة المستبدة، والتي يعبر عنها بالدكتاتورية، وهي تقوم بكل الأعمال بنفسها، وتزعم أنها تعرف كل شيء، وأن رأيها هو الأصوب، فتوزع الأوامر وتعطي التوجيهات دون التشاور مع الشخص الذي يقوم بتنفيذ العمل، بالإضافة إلى أنه دكتاتور بالنسبة إلى أقرانه أيضاً، وغالباً ما يعتقد القائد المتسلط أنه بسبب مركزه وما يتمتع به، من سلطة يمكنه أن يقرر أفضل من غيره ماذا ينبغي عمله؟. أما القسم الرابع من القيادة فهي القيادة الإستشارية (الديمقراطية) وهذه القيادة تستفيد من المرؤوسين ومن الزملاء وتتشاور معهم وتأخذ بآرائهم وتشجع المبادرة من جانب التابعين، والقائد يقترح الأعمال المحتملة مع توصياته، ولكنه ينتظر موافقة الجماعة قبل أن يضع هذه الأعمال موضع التنفيذ، وتهتم هذه القيادة بمصالح الجماعة وتعمل على إشباعها بخلاف القيادة الدكتاتورية التي لا ترى إلا نفسها، فالإستشارية ضد الدكتاتورية. والقيادة الخامسة هي القيادة الأبوية والتي تكون بمنزلة الأب بالنسبة إلى العائلة، فتهتم بالنفوذ الأبوي في العلاقات بين القائد والجماعة والذي ينعكس على اهتمام القائد براحة ورفاهية التابعين، وجعلهم بمنزلة أبنائه، وهم يشعرون بهذا الشعور فيجعلونه أباً. وفي قبال هذه القيادة في القسم السادس، والتي نعبر عنها بالقيادة الجافة، وهي القيادة التي لا نصيب لها من العطف، ومثل هذه القيادة تكون دائماً مفروضة، فإن الناس إلى جانب العقل يريدون العطف، لأنهم خلقوا من عقل وعاطفة. أما النمط السابع من القيادة، فهي القيادة التي تكون حسب نوع العمل المفوض إليه اجتماعياً، كرؤساء القوى الثلاث في الحكومات، وهي التنفيذية والتأطيرية والقضائية أو ما أشبه ذلك، وهذه القيادة لا تكون إلا حسب الإقتضاء الإجتماعي، وحتى قيادة مرجع التقليد تسمى في هذا الإصطلاح بالقيادة الرسمية. أما القيادة غير الرسمية، وهو القسم الثامن، ويقصد بها ذلك النوع الذي يظهر أصلاً بواسطة جماعات التنظيم ويعبر عنهم في بعض الأحيان بجماعات الضغط ثم يناقش الإمام الشيرازي مؤهلات القائد والمدير ومنها: الأول: الطاقة الجسمية. الثاني: الطاقة العقلية. الثالث: الدافع الشخصي. الرابع: المهارة في الإتصال. الخامس: المهارة الإجتماعية. السادس: الاستقامة. السابع: يجب على القائد الديني أن يكون متوكلاً على الله مستعيناً به مرتبطاً معه وتابعاً لهُ. الثامن: قوة علاقاته الإنسانية. التاسع: الموضوعية. العاشر: أن يكون قادراً على أن يصبح معلماً. الحادي عشر: المقدرة الفنية في إدارته. الثاني عشر: القيام بحل المشكلات بنفسه. الثالث عشر: تحمل المسؤولية. الرابع عشر: السرعة في الرجوع إلى الحق إذا تبيّن له خطأه. الخامس عشر: البقاء على وتيرة واحدة. السادس عشر: يجب على القائد أن يهيئ نفسه للقيادة أي يجعل الجو الملائم في أطرافه سواء في داخل المؤسسة أو خارجها ليتمكن من مزاولة القيادة مزاولة صحيحة. حقوق الإنسان في فكر الإمام الشيرازي: يبحث الإمام محمد الحسيني الشيرازي مدخلاً خاصاً موضوع حقوق الإنسان في العالم المتحضر، ويناقش تاريخ البشرية وامتدادات تلك الحقوق بقوله: يبتدئ تاريخ حقوق الإنسان مع تاريخ البشرية! وقد كان المجتمع -في جميع أداوره- يعالج صراعاً دائباً بين الشعب والبلاط، فطوراً كانت الملوك تنتصر على الشعوب، وآونة كانت الطبقات الكادحة تنتفض، فتتغلب على جهاز الحكم، وربما يحلو للبعض أن يقول: إن في جميع الثورات التحريرية للبشر تجد نهضتين بارعتين، أدتا إلى العالم الإنساني رسالتهما كاملة، الدعوة الإسلامية الكبرى التي يتزعّهما النبي الأعظم رسول البشرية، والثورة الفرنسية الكبرى بقادتها الفرنسيين. ولكن الثورة الفرنسية نضبت بانهيار كيان (اللويسببين) وتأسيس البرلمانات والدعوة الإسلامية امتدت جذورها إلى أعماق الحياة وانتشرت في شعابها، وظلت الثورة الإسلامية خالدة (34). ويورد الإمام الشيرازي بعض المواد التي شكل منها حقوق الإنسان منها: المادة الخامسة: لا يجوز أن يعيش إنسان في الرق والإستعباد، والرق والنخاسة -في كافة صورها- محظوران. المادة السادسة: لا يجوز أن يعذب إنسان أو توقع عليه عقوبات قاسية غير إنسانية أو مزرية بالكرامة. المادة السابعة: لكل إنسان الحق في أن يعترف له في كل مكان بشخصيته القانونية. المادة الرابعة عشرة: 1- لكل فرد الحق في التنقل -بحرية- وفي اختيار مسكنه داخل الدولة. 2- لكل إنسان الحق في أن يغادر أي بلد -بما في ذلك بلده- وأن يعود إليه. المادة الخامسة عشرة: لكل إنسان الحق إزاء الاضطهاد في أن يبحث عن ملجأ، وأن يستفيد من وجود هذا الملجأ في بلاد أخرى. المادة الثامنة عشرة: 1- لكل فرد الحق في الملكية! سواء بصفة فردية أو جماعية. 2- لا يجوز حرمان أحد من ممتلكاته بإجراء تحكمي. المادة التاسعة عشرة: لكل إنسان الحق في حرية التفكير والإعتقاد والديانة. المادة التاسعة والعشرون: لكل إنسان الحق في أن يسود -في الم |