|
الباب الخامس |
|
رؤى علمية في فكر الإمام الشيرازي |
|
المقدمة البيئة التعليم الشباب الطب
هناك حقيقة علمية مهمة لابد من تشخيصها الآن وهي أن الإمام قدم فكراً علمياً نيراً تأثر به بعض علماء الغرب، وبنوا نظرياتهم على افتراضاته واستنتاجاته مع تدعيمها برؤيتهم المادية فظهرت كأنها نقيض لذلك، وتبرز قوة المتناقضات بين النظريات الغربية وفكر السيد الشيرازي في أحيان عديدة في اختلاف التوجهات والأهداف والأساليب بين النمطين من التفكير والأداء، والذي يعتبره الإسلام واجباً لا تراجع عنه لأنّ هدف الإسلام سعادة المجتمع في الدنيا والفوز في الآخرة. لقد عودنا الإمام الشيرازي ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ في كتبه أن يتناول أعقد وأخطر المسائل بأبسط العبارات، وهي في مجموعها تثير دهشة الباحث بسعة علم الإمام ودقة وصفه، فالقارئ لكتبه يجد نفسه تارة أمام عالم في الكيمياء، وكأنه خارج لتوه من مختبره يحدث مستمعيه بحصيلة تجاربه واختباراته، وهو تارة أمام عالم في الفلك كأنه تقدم بالسبق والريادة على علماء الفلك في الوقت الحاضر في رصد حركات الفلك والمنظومات الشمسية، وهو تارة أمام طبيب حاذق يقوم بتشريح جسم الإنسان وتبيين الأمراض والأسقام وعللها وكيفية علاجها، وتارة أمام عالم فقيه ذو ثقافة متشعبة بيَّن دقة نظرياته وأهميتها، وتارة أمام اقتصادي عظيم مُنظِّر لنظريات علم الاقتصاد، وتارة أمام سياسي محنك تعددت طروحاته وأفكاره وتنبآته السياسية وتارة أمام عالم للاجتماع ومفسّرٍ وأديبٍ ذي أسلوب متميز وافتنان عجيب وابتكار غريب في تدوين وتأليف هذه العلوم، ويشهد له السبق في المعرفة بالعلوم الإسلامية. وإذا انتقلنا من الجانب العلمي النظري إلى الجانب الروحي رأينا فيه ذلك العالم الفقيه والوجه الملائكي والإمام القدوة لكل عالم وتقي، كنت إذا نظرت إليه وجدت نور سيدنا محمد (ص) يسطع على وجنتيه وعلمت أنه من سلالة النبيين والصديقين. هكذا كان الإمام محمد الحسيني الشيرازي ـ رحمه الله برحمته الواسعة ـ عالماً بكل شيء ومجتهداً وموسوعتي في كل العلوم فهو (قدس سره) لسان ولغة، استقى من منهله العذب كل متعطش للمعرفة، يأخذ عنه.. ويعترف بعلمه وفضله وزهده فكيف لا.. وهو إمام الزاهدين وقدوة المتقين وهداية المتعظين. وها نحن مقبلون على دراسة حياة الإمام الفقيد السيد الشيرازي الحافلة، والوقوف على جوانب علومه وثقافته المتشعبة، ولو بإيجاز، وبأسلوب حضاري فريد بغية التعرف والإستنارة بالجوانب غير المعروفة من ثقافة الإمام وعلومه النيرة، لنثير شوق الباحث إلى مزيد من البحث والدراسة والتنقيب اغترافاً من منهل هذا البحر الزاخر. وإننا على ثقة ويقين بأن روح الإمام الفقيد الطاهرة ستسر بهذه البادرة الطيبة إذ فيها إحياء الجانب الروحي من التراث الإسلامي وتجديد لذكر أهل البيت النبوي وعزاؤنا في كل الأحوال هو قول الرسول (ص): (العلماء باقون ما بقي الدهر). وقول أمير المؤمنين علي (ع): (العالم حي ولو كان ميت).
من المسائل التي تناولها الفقيد في العديد من أبحاثه مشكلة التلوث البيئي من مختلف الأبعاد وسلط الأضواء حول أسباب هذه المشكلة وكيفية التوقي منها. ويسعى بذلك سماحته حثيثاً بطرح مبادئ الإسلام في مواجهة التحديات الحضارية التي يواجهها الإنسان في الحاضر والمستقبل. فتلوث البيئة يعتبره الإمام نوع من الإعتداء على حرمة الإسلام، ونهى عنه القرآن الكريم عندما قال: (وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 62). وقال أيضاً: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2). فالعدوان حرام سواء كان على البيئة أو الدماء أو الأعراض أو الأموال، لأن الإعتداء على البيئة عدوان على الطبيعة، والعدوان على الطبيعة يسبب أضراراً جمة حيث يجعل من الهواء ملوثاً ساماً، ويجعل من الماء مادة سامة قاتلة، ويجعل المحاصيل الزراعية مواداً ملوثة سامة، وكما تتلوث النباتات تتلوث الأسماك التي تتغذى في البحار والأنهار الملوثة، واليوم أصبح الإنسان يعيش في وسط مملوء بالتلوث، هواءه ملوّث، ماؤه ملوّث، طعامه ملوّث، شرابه ملوّث، وحتى سماؤه أصبحت ملوثة نتيجة تطاير الغازات وتفاعلاتها في المنطقة الأيونية مسببة ثقباً خطيراً في طبقة الأوزون، فماذا يجب أن تفعله البشرية في مواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهاجم بلا إنذار ويفتك بلا رحمة؟. وقد عالج الإمام (قدس سره) هذا الوحش الكاسر الذي نطلق عليه اسم التلوث في كتابه (الفقه البيئة)، حيث ذكر فيه مجموعة من المسائل والعلاجات حول موضوع (البيئة) في المنظار الشرعي والعلمي، موضحاً أن الإسلام بيّن أحكام البيئة سلباً وإيجاباً، وجوباً وحرمة، ندباً وكراهة، تكليفاً ووضعاً(1). ألم يكن الإمام (قدس سره) بصيراً بالعواقب عندما نصح الإنسان بعدم تلويث البيئة دفعاً للأضرار والمشكلات التي يتعرض لها؟ لقد كان سماحته يتمتع بنظرة خارقة ومفهوم واسع للتلوث، حيث طالب البشر أن يتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها حتى تستمر الحياة (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف: 85) فالإفساد هنا برأي الإمام مطلقاً حرام، أما الإفساد بعد الإصلاح فهو أكثر حرمة. ولم تقتصر نظرة الإمام الشيرازي للبيئة على البعد المكاني بل شملت البعد الزماني (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (العنكبوت: 20). وقد طالب (رحمه الله) المسلم أن يستثمر عمره (باعتباره بعداً زمنياً هاماً)، في تعامله مع الأنظمة البيئية من منطلق أنها نعمة كبرى على الإنسان ودعا إلى النظر في مكونات البيئة والتأمل في مخلوقات الأرض، ولم يبق إلا الالتجاء إلى أحضان الإسلام الذي يجعل لكل شيء قدراً، ولكل شيء مخرجاً ولا علاج (حسب قول الإمام) إلا بالعودة إلى مناهج الله سبحانه وتعالى التي وضعها للإنسان، لبدنه، لنفسه، لروحه، لأسرته ومجتمعه والإيمان بالله الذي يدخل إلى أعماق الإنسان وأخلاقه الطيبة وصفاته النفسية الرفيعة. وعليه يمكن اعتبار دراسات الإمام الشيرازي في مفهوم التوازن البيئي أفضل ما يمثل هذه الحقيقة الكبرى، فقد وضع نظريات وتفسيرات معتمداً على الآيات الكريمة كقوله سبحانه وتعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) (الحجر: 19) فمفهوم التوازن البيئي من مصاديق هذه الآية المباركة، ويفسرها سماحته، هو بقاء عناصر أو مكونات البيئة الطبيعية على حالها كما خلقها الله سبحانه وتعالى دون تغير جوهري يذكر، فإذا حدث نقص في جانب أو زيادة في جانب اضطرب التوازن، وهكذا يأخذ سبحانه وتعالى بالتوازن البيئي في مقابل اللاتوازن، الذي من مصاديقه التلوث، وإنما التلوث يكون بسبب الإنسان ممّا يوجد إخلالاً بالتوازن ويضر كل شيء الإنسان والحيوان والنبات. إذن فالتلوث حسب مفهوم الإمام قد يكون مادياً ومعنوياً، أي تدخل الإنسان في قوانين البيئة التي سنها الخالق عز وجل، وإخلاله بتوازن عناصرها ومكوناتها بحيث تكون ضارة للإنسان والحيوان والنبات. ويرى الفكر البيئي الشيرازي لمسألة تلوث الهواء، دعوة الحكومات والجمعيات الإقليمية والدولية لحماية الهواء من الملوثات،فيقول (رحمه الله): (اللازم على الحكومات والجمعيات والمؤسسات والأفراد حماية الهواء من الملوثات وإيصال نسبة التلوث إلى القدر الطبيعي الذي لا يضر بصحة الإنسان وذلك بضبط مصادر التلوث، والعمل على تطوير مصادر الطاقة النظيفة، واستخدام مصادر جديدة للطاقة.. التي تحفظ مكونات الهواء النظيفة، وفقاً للمقادير التي ذكرها علماء البيئة). ففي القرآن الحكيم والروايات الواردة عن المعصومين إشارات كثيرة إلى كل هذه الأمور، مثل قوله عز وجل (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: 211) وقوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) (إبراهيم: 28) وعن جعفر بن محمد (ع) عن آبائه عن علي (ع) قال: (نهى رسول الله (ص) أن يلقى السم في بلاد المشركين). وفي جانب آخر تناول سماحته مشكلة تلوث المياه برؤية علمية ثاقبة وبموضوعية فريدة حين يقول (يجب الحفاظ على المياه من التلوث، فإن الماء هو من أهم عناصر الحياة، فهو المكون الأساسي لتركيب مادة الخلية، حيث يكوّن القسم الأعظم من جميع الخلايا الحية في مختلف صورها وأشكالها وأحجامها وأنواعها من النباتات والحيوانات والإنسان. أما المفهوم الإسلامي لتلوث المياه، وكما سيتوضح في استجلاء، فكر سماحة الفقيد فهو مفهوم واسع ودقيق (تلوث الماء هو إحداث تلف أو إفساد بنوعية المياه مما يؤدي إلى حدوث خلل في نظامها بصورة أو بأخرى بما يقلل من قدرتها على أداء دورها الطبيعي، بل تصبح ضارة مؤذية عند استعمالها أو تفقد الكثير من قيمتها الاقتصادية). إضافة إلى ذلك يحدد الإمام الشيرازي (قدس سره) رؤيته للتلوث النفطي كأحد ملوثات الماء، حيث يتناول سماحته معالجة هذا الموضوع واصفاً إيّاهُ بأنه كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، باعتباره إفساد بطبيعة المياه، وله عاقبة سيئة حيث أنه لا يواكب الحياة وكل ما لا يواكب الحياة يكون مصيره الدمار فيقول (قدس سره): يحرم تلويث البحار والأنهار بالنفط وغيره سواءً كان عمداً في أصله كما في حرب الخليج، أو غير عمد إذا كانت المقدمة عمدية، فإن مقدمة الحرام حرام أيضاً، كما إذا كانت الناقلة محتملة الإنفجار وسط البحر، ثم إن الذي يسبب الضرر يكون ضامناً أيضاً فرداً كان أو شركة أو دولة، فالحكم في هذا المورد تكليفي ووضعي وذاك يعد كفراً بنعمة الله سبحانه وتعالى ، مصداقاً لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) (إبراهيم: 28-29). ومما أشار إليه سماحة الإمام الفقيد مشكلة تلوث التربة حينما يقول: (الأرض أيضاً قد تتعرض للتلوث، والمراد بالأرض التراب المفروش على سطح الكرة الأرضية) والله سبحانه وتعالى خلق الأرض طاهرة مطهّرة، قال الرسول (ص): (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)(2)، إذن الأرض بمفهوم الإمام الشيرازي طاهرة وتطهّر من يمشي عليها إذا كانت قدمه نجسة بشروط مذكورة في الفقه وقد ورد في الحديث: (إن الأرض تطهر بعضها بعضاً)(3). وتتلوث الأرض بشكل عام نتيجة لتراكم المواد والمخلفات الصلبة التي تنتج من المصانع والمزارع والمنازل، فالتلوث يفقد الأرض خصوبتها، ويؤثر تأثيراً سيئاً، حيث يسبب التلوث برأي الإمام قتل البكتريا النافعة التي تعمل على تحليل المواد العضوية وعلى تثبيت عنصر النتروجين، ولذا تتجدد نظافتها بهذا السبب بالإضافة إلى الشمس والماء والهواء. فإن العناصر الأربعة كلها منظفه. ويرى الإمام (قدس سره) أن ملوثات البيئة إذا تمكنت من القضاء على البكتيريا النافعة فإن الحياة على كوكب الأرض تكون مهددة بالفناء وكذلك ارتفاع نسبة الأملاح في التربة عن المعدل الطبيعي يوجب تلوث التربة، وهنا تكون مسؤولية الإنسان كبيرة نحو الطبيعة والبيئة، وقد قال الإمام علي (ع): (فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم)(4). ومن مصادر تلوث التربة، إستخدام المبيدات التي قد تقضي على الأعشاب والحشرات والآفات الضارة، لكنها تتراكم في التربة ملوثة إياها لتُغسل فيما بعد إما بالأمطار أو بالري محمولة إلى جداول الأنهار والماء، فهي ذات مخاطر كبيرة في تلويث التربة والماء، إذ بجانب دورها الهام في القضاء على الآفات فإنها تلوث التربة، والماء والمحاصيل، لا تلبث أن تسبب مشاكل خطيرة للبيئة، ويرى الإمام الفقيد بأن المبيدات من أهم ملوثات التربة، حيث يؤكد أنها تستعمل في المكافحة الكيمياوية في كافة أنحاء الكرة الأرضية، موضحاً أنها كانت فعالة لدرجة أثارت الإعتقاد بمقدرتها على التغلب على مشكلات الآفات الزراعية بشكل نهائي، ولكن هذا العمل لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تبين أن هذه المبيدات تنقذ المحاصيل والغابات والمروج من أخطار الأمراض، لكنها من ناحية أخرى تؤدي حسب قول الإمام إلى تخلخل النظام البيئي وتلويث المحيط وتؤثر بأشكال سلبية عديدة على حياة الإنسان والحيوان والنبات. كذلك تعتبر المخصباتُ (الأسمدة) مصدراً آخراً من مصادر تلوث التربة فبالإضافة إلى أنها تستخدم للحصول على إنتاجية زراعية أفضل عن طريق زيادة خصوبة التربة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الأسمدة يزيد عن حاجة النبات، فيبقى في التربة مسبباً إسرافاً لا مبرر له من الناحية الاقتصادية، وفي نفس الوقت تعتبر عاملاً مهماً من عوامل تلوث التربة، ويسبب أضراراً بيئية هائلة. فعند ري التربة المحتوية على هذا القدر الزائد من الأسمدة فإن جزءاً منها يذوب في مياه الري، ويتم غسله بمرور الوقت، حتى يصل إلى المياه الجوفية أو الأنهار، وبذلك يرفع نسبة كل من الفوسفات والنترات في المياه، وتقوم الأمطار كذلك بدور هام في هذه العملية إذ ينجم عن ذلك حالات من التلوث المائي، وهنا نرى الإمام الفقيد وضع العلاجات لهذه الملوثات بقوله (قدس سره): (ولا يخفى أن العلاج لا يكفي للتخلص من مشكلة التلوث بل من المفترض إجراء عمليات الوقاية أيضاً فإن ـ قيراطاً من الوقاية خير من قنطار من العلاج ـ وضمان الوقاية من التلوث هو الأخذ بتعاليم الأنبياء والأولياء الصالحين (ع) كما كان الأمر كذلك قبل الثورة الصناعية، حيث كان تمسك الناس بالدين أقوى بكثير من الوقت الحاضر). ويرى سماحة الإمام الشيرازي (رحمه الله) طرقاً عديدة ومتنوعة للوقاية والمحافظة على التربة فيقول (قدس سره): (ومن طرق الوقاية والمحافظة على التربة استخدام الحشائش التي تؤدي إلى البقاء على رطوبة التربة، وزراعة المحاصيل التي تتحمل الجفاف والملوحة في الأرض الجافة، وتشجيع الفلاحين على استخدام خبراتهم وكفاءاتهم في التخطيط، واستخدام مياه الصرف الصحي المعاد تكريره لأغراض الري، فإن مياه الصرف الصحي لا تكلف سوى خمس نفقات مصدر جديد للمياه العذبة). ومن ملوثات التربة هي نفايات المصانع، وهي مخلفات عديدة مصدرها عمليات التصنيع والتعدين كافة، كذلك الفضلات الكيمياوية الناتجة عن المصانع الكيمياوية ومخلفات تكرير البترول مثل (الحمأة الزيتية) وهي فضلات ناتجة عن تنظيف مستودعات النفط بغرض إعادة تعبئتها. تصرف هذه الملوثات إلى التربة أو تدفن فيها مسببة أضراراً كبيرة على البيئة والإنسان، وهي إما أن تكون سامة مميتة، أو تسبب مشكلات صحية. والعلاج الواقعي حسب ما يراه الإمام الشيرازي (رحمه الله) لحل مشكلة نفايات المصانع يتحقق عبر: 1- تقليل الإنتاج المسبّب لهذه النفايات إلى أقل قدر ممكن. 2- تحويل الإنتاج إلى المواد الصالحة ولو كلف كثيراً. 3- محاولة تحصيل الطرق الصالحة لإبادة هذه النفايات. ويتطرق السيد الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى ملوث آخر للبيئة هو التلوث الصوتي (الضجيج) وهو عنصر مستحدث من عناصر تلوث البيئة وبالأخص سكان المدن، وهو أحد مخلفات الحضارة الصناعية، وهنا يعرف سماحته الضوضاء (بأنها جملة أصوات مستهجنة تحدث تأثيراً مضايقاً للسمع ومثيراً للعصبية). ويختلف الناس في قدراتهم على تحمل الأصوات الشديدة والمزعجة، فالأذن البشرية ليست متساوية في حساسيتها للترددات ولشدات الأصوات والضغوط المختلفة. أما المفهوم الإسلامي للتلوث الصوتي، فيتوضح في استجلاء في فكر سماحة الإمام الشيرازي (قدس سره) معتبرهُ من أكبر عوامل التلوث شدة، وبالأخص المدن، حيث تزدحم بالأصوات المختلفة مثيرة الأعصاب والإرهاق حيث يقول (رحمه الله): (قسم من علماء البيئة اعتبروا الصوت أحد الملوثات، حيث أنه يسبب ضرراً للإنسان والحيوان والنبات، فالأصوات العالية تسبب ضعف السمع لفترة من الزمن، ثم يعود الإنسان بعد ذلك إلى حالته السابقة، وعادة يحدث هذا التأثر للإفراد الذين يتعرضون للضوضاء والأصوات العالية المتدفقة من الأدوات داخل المصانع والورشات). وإذا واصلنا مسيرتنا، عبر نظريات الإمام الشيرازي ونظريات علماء البيئة الماصين والمعاصرين، نصل إلى رؤية تذهب إلى أنه يتعرض الإنسان يومياً لضوضاء عالية كالأماكن المزدحمة، والذين هم على أطراف طرق السيارات، فإنهم يصابون بضعف مزمن في السمع، فإذا ما تعرض الإنسان يومياً لسماع صوت عالٍ ومدوِّ ومفاجئ، فإن هذه الأصوات قد تؤدي إلى إيجاد ثقوب في طبلة الأذن نتيجة للضغط الكبير الذي تولد خارج الأذن، وأحياناً يتأثر جهاز التوازن في الأذن الداخلية فيشعر الفرد (حسب ما يلوح له الإمام الشيرازي في كتاب فقه البيئة) بالدوار والقيء، وأحياناً يموت الإنسان بسبب صوت مفاجئ من انفجار قنبلة أو صاعقة أو صوت مدفع وما أشبه ذلك.. وهنا يتوصل سماحته إلى حقيقة علمية عظيمة مفادها أن الضوضاء لها آثار تراكمية تتناسب طردياً مع عدد ساعات التعرض ومع مستوى الضوضاء ذاتها، وتتناسب الآثار الفسيولوجية طردياً مع هذين العاملين، فلا نستغرب إذا لاحظنا أن كثيراً من علماء البيئة المعاصرين قد أفادوا من دراسات الإمام الفقيد ورؤاه واستنتاجاته إفادات كثيرة، منها أن هذه الأصوات المرتفعة تؤثر على الغدد الصماء، التي تقوم بإفراز الأنزيمات الهرمونية، وتضطرب هذه الأنزيمات، نتيجة الأصوات العالية والضوضاء الصاخبة، مسببة ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم وعدم انتظام ضربات القلب وهذا بالتالي يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم فيرى الإمام (رحمه الله) أن المجتمعات الأوروبية والصناعية تعاني من أمراض عديدة كضغط الدم، ولكن هذه الأمراض قد لا تجدها في البلدان النامية فيقول (قدس سره): (ولعل هذا هو أحد العوامل المؤدية إلى زيادة نسبة مرضى ضغط الدم بين سكان المجتمعات الصناعية، بينما نجد عدم وجود هذا العائق في المجتمعات الريفية والبدائية). وهذا يؤيد نظرية الإمام جعفر الصادق (ع) حين يعرف الضوضاء بأنها ظاهرة خطيرة في بعض المناطق، قليلة الشأن في مناطق أخرى(5)، فيعتبر (ع) الأصوات المزعجة والضوضاء من العوامل المضرة بالصحة والمسببة للعديد من الأمراض المزمنة، وقد ثبت من الناحية العلمية، بأن الصوت المزعج وحسب مفهوم الإمام الصادق (ع) يسبّبُ أثراً سيئاً على سلامة الإنسان وهدوء أعصابه، فيصيب الجسم بالعلّة والمرض مما يختزل عمر الإنسان وبمقدار يتراوح بين (5-10سنوات). ويتطرق الإمام الشيرازي (رحمه الله) من ناحية أخرى إلى أن التلوث الصوتي قد يكون له تأثير اقتصادي بالإضافة إلى تأثيره الصحي، وكثيراً ما يؤثر التلوث الصوتي على إنتاج العاملين في المصانع والورش، نظراً لما يسببه لهم من حالات الصداع وعدم القدرة على التركيز، أو من الإنفعالات الزائدة والعصبية وعلى هذا الأساس فإن الإمام الشيرازي (قدس سره) بنظرته العلمية لمسألة التلوث الصوتي ورؤيته الفقهية المستوحاة من الدين الإسلامي الحنيف يضع طُرقاً عدة للقضاء على هذا التلوث منها: 1- إبعاد المناطق السكنية عن المنشات الصناعية والمطارات، مع مراعاة عدم مرور الطائرات فوق المدن. 2- التوعية الشاملة، وإصدار القوانين وتطبيقها بشكل حازم مع ملاحظة الجمع بين أصالة الحرية وقاعدة لا ضرر. 3- العناية بتصميم البيوت واستخدام مواد البناء التي تقلل قدر الإمكان من نفاذيتها للضوضاء، وكذلك التنسيق بين سعة الشوارع وارتفاع المباني، والإكثار من التشجير. 4- منع مرور السيارات الكبيرة والشاحنات داخل المدينة، ووضع خطة مرورية شاملة تؤمن تدفق السير. من الملوثات التي سببت أضراراً كثيرة لمختلف عناصر البيئة هي الأمطار الحامضية والتي كانت تنشأ سابقاً نتيجة بعض العوامل الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالبراكين وحرائق الغابات أو تحلل بعض الكائنات الحية نباتية كانت أو حيوانية، ويبدو أن هذه الظاهرة صاحبت الثورة الصناعية، حيث ربطت بين الدخان المتصاعد من مداخن المصانع وبين الحموضة التي لوحظت في مياه الأمطار المتساقطة على المناطق المحيطة بهذه المصانع. وهنا يوضح الإمام (رحمه الله) مسببات هذه الظاهرة فيقول (تتعرض البيئة ـ جواً أو بحراً أو براً ـ إلى الأمطار الحامضية من أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين التي تنطلق إلى الهواء الجوي نتيجة لاحتراق الوقود مثل النفط والفحم في محطات إنتاج الطاقة الكهربائية ومحركات الآلات وأفران المصانع. كما أن هذه الغازات تنتج من مصانع إنتاج الأمونيا ومصانع الأسمدة ومعامل تكرير البترول والصناعات البتروكيمياوية وغيرها). ولا يقتصر تأثير هذه الغازات على المناطق التي خرجت منها بل أحياناً تحمل الرياح هذه الغازات إلى مسافات بعيدة، وإذا كان الهواءُ جافاً فإن رذاذ هذه الغازات المذابة في بخار الماء في الهواء الجوي تظهر على هيئة ضباب ذي طعم لاذع. وعندما يصبح المناخ مناسباً لسقوط الأمطار، تذوب هذه الغازات في مياه الأمطار، وتسقط على الأرض على هيئة مطر حامضي التأثير، وقد نبّه الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى أخطار هذه الأمطار الحامضية على مختلف عناصر البيئة الطبيعية،فيقول: حين تتساقط على المسطحات المائية، فإنها تؤدي إلى إصابة الكائنات البحرية بأضرار جسيمة وربما أدت إلى هلاك الأسماك والأحياء المائية، وعندما تسقط على سطح الأرض، تتفاعل مع بعض مكونات التربة وتفتت الصخور، وبالأخص الصخور الجيرية وتجرفها معها إلى مياه الأنهار والبحار، مما يؤدي إلى نخر في التربة، وزيادة مضطردة في تركيز أيون الكالسيوم في الأنهار، وكذلك أيونات بعض العناصر الفلزية الأخرى. مسبباً ضرراً كبيراً للكائنات الحية التي تعيش في هذه الأنهار لأنها تتجمع بمرور الزمن في أجسامها. هذا بالإضافة إلى تأثير هذه الأمطار والضباب الحامضي على البشر حيث تكون الفرصة مهيأة لإحداث أضرار بالغة بالذين يستنشقونه أو الذين يتأثرون به مسبباً أمراضاً مستعصية. وقد حدد الإمام الشيرازي (قدس سره) الإطار العام للحد من خطورة الأمطار الحامضية، وذلك بوضع مدخل لعلاج هذه الظاهرة عن طريق التخلص من هذه الغازات قبل إطلاقها للجو عن طريق أبراج غسيل خاصة لامتصاص غازات أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين، كذلك يمكن التخلص من مشكلة الأمطار الحامضية باستعمال أفران ومواقد جديدة تعمل على توقف انطلاق هذه الغازات عن طريق استخدام أنظمة لحقن حجر الكلس في هذه المواقد، ويرى الإمام (رحمه الله) استخدام تقنية أخرى جديدة ورخيصة تحجم من حدوث الأمطار الحامضية، هي إمكانية إزالة الكبريت وأكاسيده بعد الإحتراق، وقبل أن تنفذ الغازات عبر المداخن ويتم ذلك بغسل الغازات بمادة قلوية تحولها إلى فضلات (خبث) تسحب بواسطة أجهزة ميكانيكية خارجاً. ومن الملوثات البيئية التي تطرّق إليها الإمام الراحل في كتابه فقه البيئة هو التلوث الإشعاعي الذي يعتبره (قدس سره) من أخطر الملوثات على البيئة وتكمن خطورته في زمن تأثيره على الكائن الحي، فقد يظهر تأثيره بصورة سريعة ومفاجئة على الكائن الحي، أو قد يأخذ وقتاً طويلاً كي يظهر وربما في الأجيال القادمة، وعند تعرض الإنسان لمصدر شعاعي فإن التأثير قد يكون تأثيراً مباشراً أو غير مباشر. وهنا يحدد الإمام الأنسجة الأكثر حساسية للتأثيرات المباشرة لا ضرار هذه الإشعاعات، وهي عدسة العين ونخاع العظم والغدد اللمفاوية والدرقية والجهاز الهضمي مسببة القيء والإسهال وظهور حرق جلدي ونزيف دموي وسقوط الشعر وإرهاق بالغ وحمى واسوداد في العين، كما يحدث ضمور في خلايا نخاع العظم وتحطيم في الخلايا التناسلية يعقبها هلوسة ووفاة. أما التأثير غير المباشر لهذه الإشعاعات فإنه يظهر في مرحلة متأخرة من عمر الإنسان، مؤدية إلى سرطانات الدم والغدد والعظام والرئة. ثم ينتقل الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى مسألة آلية عمل وتأثير هذه الإشعاعات بمفاهيم علمية دقيقة ورؤى سباقة في تفسير الظواهر العلمية وهي بمجموعها تثير دهشة علماء البيئة المعاصرين بسعة علم الإمام ودقة وصفه في تفسير ميكانيكية تأثير هذه الإشعاعات فيقول (قدس سره): (عند سقوط هذه الإشعاعات على جسم الكائن الحي فإن هنالك العديد من الأعراض المرضية تظهر عليه أول وهلة، وهي قد تتكون أعراض ذات آثار ذاتية تظهر على الكائن الحي المتعرض للأشعة بعدها أمكن دراسة الآثار البايولوجية للأشعة المؤينّة على الخلية الحية، فوجد أنها تؤدي إلى إحداث تغيير في تركيب الخلية ووظيفتها، وهذه تمر بمراحل منها المرحلة الفيزياوية وتتم خلال فترة قصيرة جداً، وفيها ينتقل الإشعاع إلى جزيء الماء داخل الخلية الحية، ثم تأتي بعدها المرحلة الكيمياوية وفيها تتفاعل الأيونات الموجبة والإلكترونات السالبة مع جزيئات الماء. داخل الخلية ينتج عنها نشوء مركبات جديدة، تبدأ عندها المرحلة البيولوجية والتي يتراوح زمنها بين عدة دقائق إلى عدة سنوات، ويظهر فيها العديد من الآثار المرضية على الكائن الحي مثل موت الخلية، أو توقف النشاط التكاثري أو نقص في كريات الدم البيضاء). لذلك فإن مشكلات التلوث الإشعاعي تزداد بصورة مستمرة نتيجة للتطور الهائل في استخدام المواد المشعة في الأمور السلمية أو العسكرية. فقد دخلت الأشعة الذرية في معظم الإستخدامات الصناعية والطبية، فقد استخدمت في الطب والزراعة وإنتاج الطاقة، وتحليل العناصر المعدنية وفي الكشف الجيولوجي عن المعادن والنفط وغير ذلك، يقابله على الجانب الآخر تعرض الكائن الحي لخطر الإشعاع نتيجة الإسراف في زيادة رفاهية الإنسان، وتظهر هذه الإشعاعات بسبب بعض العناصر المشعة التي لها آثار خطيرة على بنية جسم الكائن الحي مثل عنصر (الأسترنثيوم 90) و(السيزيوم 137)، فالأول يتسم بفعالية إشعاعية ذات مدى زمني طويل، وهو من الوجهة الكيمياوية يشبه الكالسيوم الذي يدخل في تركيب العظام ويحل محله، كذلك يسبب مرض اللوكيميا (وهو نوع من سرطانات الدم الخطيرة) وباختصار فإن هذا العنصر يداهم الأجنة ويسبب تشوهات خلقية للإنسان. أما العنصر الثاني فانه يشبه البوتاسيوم ويتوزع في الجسم متراكماً في جميع الخلايا ومن أشهر أخطاره هي الأضرار التي تصيب الحامض النووي (DNA) وما ينجم عنها من تحطم الكروموسومات وتعديل الأسس التكوينية ـ ولا يقل عنصر (البلوتونيوم 239) عنهما خطورة لتراكمه في العظام، وقد يتراكم عنصر (اليورانيوم 235) في العظام والكلية مسبباً أورام خبيثة وإصابات تلف للكلية لا يمكن معالجتها. ولم يغفل الإمام الفقيد تنبيه البشرية على حقيقة أساسية معروفة تغافل عنها الكثير من علماء البيئة هي مخلفات المفاعلات النووية حيث حذر الإمام الشيرازي منذ أكثر من خمس وعشرين سنة من مخاطر هذه المخلفات على البشرية جمعاء، فقد عُرف مؤخراً أن أمريكا لوحدها تخزن من هذه المخلفات للمفاعلات النووية ما يستوعبه (200) خزان من الخرسانة المسلحة المدفونة تحت سطح الأرض، يتسع كل خزان منها حوالي مليون غالون، وقد قدر الباحثون أن ثلاثة غالونات منها فقط لو وزعت موادها بالتساوي على كافة سطح الأرض لعرضت أجسامهم إلى نقطة الخطر الإشعاعي، ومع ذلك فإن (200) مليون غالون منها مخزون في أمريكا وحدها، تصور حجم الكارثة لو أن خللاً أصاب جزء منها. ويحتوي سجل عالمنا المعاصر الكثير من أحداث مخاطر التجارب الذرية والتسربات النووية وما نتج عنها من إحداث دمار شامل للبشر والبيئة. وقد أعلنت وكالة الطاقة الذرية أن عشرة آلاف أمريكي يموتون سنوياً بالسرطان الناتج من التسربات النووية. كل ذلك بسبب تغييرات متعمدة خلقها الإنسان في الظروف البيئية قال تعالى في كتابه الكريم (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) وهذا البعض هو ما يذوقه الإنسان جزاء فساده، لذلك وضع الله سبحانه وتعالى للكون والحياة نظاماً خاصاً،والخروج عن هذا النظام يسبب الفساد. ويرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) أن التقدم العلمي والتقني قد خرج عن مظلة القرآن والأنبياء بسبب الجشع والإثراء الفاحش وجعل الإهتمام المادي بديلاً عن الاهتمام بالبشرية فيقول (قدس سره): (ومن هنا، فإنه بالإمكان القول أن الحضارة الحديثة، والثورة الصناعية والتقنية الهائلة، وعلى الرغم من كثرة فوائدها لكنها خرجت عن مظلة الأنبياء (ع) ومن خوف الله سبحانه وتعالى، واختلطت بالجشع والإستغلال والمادية، وجعلت محورية المادة بدل من محورية الإنسان، فنتج عنها أمراض وكوارث لا تعد ولا تحصى، فلا علاج من هذه الأمراض والمشاكل والأوبئة إلا بالعزوف عن هذه المظاهر، والتوجه إلى مظلة الأنبياء (ع) والخشية من الله سبحانه وتعالى والخشوع إليه وجعل الإنسان هو المحور لا المادة والدنيا). وفي جانب آخر يحذر الإمام الشيرازي (قدس سره) من الحروب الجماعية كالحروب الذرية والكيمياوية والجرثومية وما تسببه من مآسي للناس فيقول (في الحال الحاضر نجد الإنحراف نفسه موجودٌ، ولكن تصحبه مآسي وآلام بشرية رهيبة أحياناً عديدة مثل اتخاذ الحرب الجماعية التي بسببها يقتل الناس بالأسلحة الإشعاعية كالقنابل الذرية والنتروجينية وما أشبه ذلك). ألم يؤخذ العهد على الإنسان من الله تعالى بعدم الإخلال بمكونات البيئة ونظامها حين قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (البقرة:84). فانظر كيف حال العالم اليوم؟ كيف تسفك الدماء؟ كيف تدمر تلك الحروب النظم البيئية؟. لقد كان الإمام الشيرازي ـ تغمده الله برحمته الواسعة ـ من أول الداعين والمناصرين لحماية البيئة. وكان يؤكد (قدس سره) أنّ على الإنسان أن يكون صديقاً وفياً للبيئة لا مستغلاً بشعاً لها. وأن عليه أن يبادلها الوفاء وأن يحيي معها بأسلوب التعايش، أي تبادل المنفعة. ثم يعرج (رحمه الله) إلى مسألة أخلاقيات البيئة حيث يقول أن أخلاقيات البيئة تقضي أن يعيش الإنسان مع بيئته في وفاق ضمن إطار الأخلاق الإنسانية المبنيّة على العدالة الاجتماعية لجميع الأفراد والجماعات. وهو موقف يعطي للإنسان والمجتمع الإنساني من الأهمية ما يعطيه للبيئة التي يعيش فيها الإثنان، على أن الإثنين طرفان في ذلك الكل الذي يؤلف وحدةً تختفي تحتها كثير من العناصر والمكونات المتشابكة.
المعلوم أن الدولة الإسلامية حسب رؤية الإمام الفقيد تستمد شرعيتها من رضا الله سبحانه وتعالى وتوافق الناس عليها ما دامت مرضيّة لديّه، سبحانه، ولاشك أن الإقتصاد عصب الدولة، وأن العصر الحديث قد اهتم كثيراً به، وهنالك الكثير من الدراسات المنشورة في الدوريات والكتب، وكلها تبحث حلاً للمشاكل الإقتصادية بمنظور علمي، هذه المشاكل التي تتخبط بها البشرية بفعل الأنانية والجشع الذي غرسه اليهود في الإقتصاد العالمي. ومنذ البداية كان الإمام الفقيد (قدس سره) يوضح أن الاقتصاد واحد من أكثر أساسات التطور الحضاري تأثيراً على عالم اليوم، والذي أشار له الإمام في هذا الموضوع قبل أكثر من ثلاثين عاماً من تاريخ بداية تفكير العولمة على الصعيد الغربي، فإنه كان يدعو (رحمه الله) إلى الوقوف أمام هذا التيار الجارف بالإكتفاء الذاتي وتعميم التقشف حسب الضغوط التي تتعرض لها الدولة الإسلامية في مواجهة الإستهلاك، ومن يريدون تحويل العالم الإسلامي إلى سوق لبضائعهم، ومن أجل ألا يعتبر ذلك إهمالاً للجوانب المادية في التطور الحضاري فإن الإمام الفقيد أكد مراراً على دور العلم والتقنية في إنجاح مسيرة الدولة بميادينها المتنوعة ومنها الإقتصاد، وبحسب صياغته الجديدة لهذه القضية، جاء في المنهج الشيرازي التأكيد على أن العلم والعمل الجاد هما وسيلتان ناجحتان لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء دولة قوية ومزدهرة على أساس القيم الإسلامية والحضارية، لذا يرى أن (العلم يخدم الإقتصاد إذا كان منهاج العلم قد وضع باستقامة واستقلال، وبالعكس يكون محطماً للإقتصاد أو حياداً عن الاقتصاد إذا وضع المنهاج بانحراف وتبعية)(6). ومن البديهي أن العلم حيث يوجه توجيهاً حكيماً ومدروساً فإنه يشارك مشاركة واسعة في تحسين حالة المجتمع في جملته وفي حل العديد من المشاكل الإقتصادية ويعمل على تطوير الواقع بزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته، وهذا ما أشار إليه الإمام الشيرازي (رحمه الله) بتقريره: أن التطوير المستمر للإقتصاد نحو الأفضل، يقتضي اهتمام الصناعيين والزراعيين والخبراء بإجراء البحوث والدراسات اللازمة في هذا الشأن، والعمل على إيجاد قاعدة علمية تدفع عجلة التصنيع قدماً إلى غايتها المنشودة. ويوضح الإمام أوجه الخدمات التي يقدمها العلم لحل المشكلة الإقتصادية، بعد تحرير الإقتصاد من سيطرة الجهلة والطارئين على الحكم، ويجعل تلك الخدمات في أمور يوضحها (قدس سره) على هذا الشكل: 1- أن الدكتور والمهندس وعلماء الجغرافيا وعلماء التربة وغيرهم قادرون على تقديم الإقتصاد مباشرة أو غير مباشرة فإذا كثر العلماء في المجتمع تقدم الإقتصاد، مثلاً علماء التربة يعرفون الأرض الصالحة للزراعة من الأرض غير الصالحة، وعلماء الجغرافيا يعرفون أقصر الطرق للموصلات البرية والبحرية وأكثرها أمناً وسلامة. ومن المعلوم، أن كلا قسمي العالم من هذا القبيل يساعدون المزارع والتاجر في سلوك أحسن الطرق للأمرين، مما يدر بفوائد كثيرة، والدكتور حيث يشفي المرضى (والصحيح أكثر إنتاجاً من المريض) يساهم في تحسين الإقتصاد، والمهندس يبني ويعبد الطرق ويمد الجسور مما يوجب التقدم الإقتصادي إلى غيرهم من العلماء. وكذلك شأن العالم الديني فإنه بحثه الناس على الزراعة والتجارة وتعريفهم بالسبل السليمة للمعاملات، ونهيهم عن خلاف العهد ونقض المعاملة وغيرها (أي بث الوعي) يهيئ الناس نفسياً للإنتاج، كما يشيع فيهم الإطمئنان والثقة المتبادلة، مما يوجب ازدهار سوق التجارة، ويقف دون الربا والإحتكار والغش، وما يكون سبباً لتحطيم التقدم التجاري والعمراني إلى غير ذلك. 2- التجار والزراع وغيرهما ممن له خبرة اقتصادية من أهم عوامل تقدّم الإقتصاد، لأنهم بخبرتهم يوجبون زيادة التجارة والزراعة نوعاً وكماً، ولا فرق في ذلك أن تكون الخبرة والمهارة قد حصلت عن طريق العلوم المدرسية أو التجربة ولذا نجد التاجر الذي يفهم السياسة اكثر قدرة على التقدم من التاجر الذي لا يفهمها. فإنه بسبب الحروب والثورات والإضطرابات ترتفع الأسواق وتنخفض، والإرتباط بين السياسة والإقتصاد، لا يفهمه إلا العلماء أو ذوات الخبرات الطويلة المرتبطون بأخبار وسائل الإعلام، ومن المعلوم أنْ ليس القصد أنّ ذا الخبرة والعلم يفيد نفسه فقط، بل أنه يفيد مجتمعه أيضاً. 3- أن ذا العلم والخبرة كما يوجب أن يقوم بنفسه بالخطط الإقتصادية السليمة النامية، كذلك يوجب تعريف الآخرين بالإقتصاد السليم النامي، مثلاً أنه يعرف كيف يحفظ الحنطة في مخازن راقية تمنعها من التسوس. وبذلك يفعل ذلك لقمحه ويعطي معلوماته لأصدقائه ومعارفه من تجار القمح ليفعلوا مثل فعله، فهو يزيد من القدرة الإقتصادية السليمة للآخرين أيضاً. ويتحقق هذا في إعطاء الإقتصاد بعداً إنسانياً، أما الإقتصاد المبني على المنفعة الشخصية والأنانية الضيقة، فإن هذا البعد لن يتحقق أبداً ولكن لما كان الإمام الفقيد ينطلق من الشريعة كأساس لمنهجه في نشاطات الحياة. 4- هذه المسألة على هذا الأساس سياسياً أو اقتصادياً واجتماعياً يقنّن أن العالِم حيث يعلم كمية إمكانية النمو الإقتصادي، وكمية النمو الإنساني، يتمكن أن يقي الإنسان عن كارثة القحط والغلاء وما أشبه. مثلاً: إنْ عُرف أن العراق إلى عشر سنوات يزداد عدد سكانه بمقدار الربع، بينما لا يصعد مُعدّل إنتاج زرعه إلا بمقدار السدس، فاللازم التخطيط من الآن لأجل سد العوز الذي هو التفاوت بين الربع والسدس، حتى لا يصيب الأهالي الغلاء أو القحط. وكيفية ذلك مثلاً: أن تصنع الغابات الإصطناعية أو تكثر حقول الدواجن أو تزرع البحار بما يضاعف الأسماك، إلى غير ذلك، وقد نجّى يوسف (ع) مصر من القحط، بخططه السليمة الحكيمة، كما ذكرت القصة في القرآن الحكيم. 5- إن العلم يحوّل غير القابل إلى القابل، والأقل قبولاً للإقتصاد إلى الأكثر قبولاً له، وأحياناً يحوّل ضد الإقتصاد إلى الإقتصاد، مثلاً بالعلم يعرف الإنسان كيف يحول النفايات إلى بضائع مفيدة، ويعرف كيف يحول المضرات إلى أمور نافعة، مثلاً في بعض الدول الصناعية، وضعوا على فوهات المداخن آلة تجمع الدخان وتحوله إلى فحم فقد سلم المحيط من تلوث البيئة، بينما تحول الدخان إلى مادة توجب المال والثروة. وكذلك بالعلم يعرف كيف يحول الإنسان مياه البحار الطاغية إلى أملاح وفوائد للزرع، بينما لولا العلم لجرفت السيول المدن أو بقيت في الأرض فشكّلت المستنقعات العفنة التي تبعث على الأمراض والجراثيم والأوبئة. 6- أن العلم يُعّرف الإنسان كيفية الصرف لموارده المحدودة في رفاهه واحتياجاته، مثلاً يعرّف الكاسب كيف يستخدم طاقاته في كسب أكبر قدر من المال ليتمكن من تعميم الرفاه لنفسه ولعائلته، وذلك بمعرفة كيفية الإنتاج والتوزيع، اللذيْن يتلخص فيهما أهم بنود علم الإقتصاد، فكثير من العوائل لجهلهم بكيفية الأمرين يقعون في عوز وحاجة ودَيْن، وحال الدول والأمم حال العوائل في ذلك. ولنفرض: إمرأة أرملة تحصل من بيت المال في كل شهر على عشرة دنانير لأجل معيشتها ومعيشة أطفالها، والعشرة لا تكفيهم إلا قدر نصف معيشتهم، فإذا اقترضت هذه المرأة خمسين ديناراً لتسده خلال عشرة أشهر، واشترت به ماكنة خياطة وكانت تعرف الخياطة فإنها تحصل من الماكنة في كل شهر على عشرة دنانير مثلاً فيكون حاصل واردها (بعد سد الدين) عشرين ديناراً كل شهر، وذلك ما يكفيهم في كل الشهر فلا يبقون في النصف الأخير من الشهر في حالة فقر وعوز. 7- يتمكن العالِم من تطبيق نفسه على الظروف المتطورة التي أوجبت تحطم نوع من الاقتصاد وتقدم نوع آخر منه، مثلاً: كان الرجل في السابق كاتباً يعيش بكد أصابعه في اكتسابه، فإذا جاء عصر الطباعة، تمكن بسرعة من استيعاب علم الطباعة وأن يكتسب من الكتابة بالطباعة. أو أنه كان يصنع المواقد الحطبية والفحمية، فإذا تطورت الأمور وجاء دور النفط، تمكن من صنع المواقد النفطية بدل المواقد الحطبية، إلى غير ذلك ويقرر سماحة الإمام (رحمه الله) أن ذلك له تأثيرات أكثر من هذه النقاط السبعة المذكورة في قضية النمو الإقتصادي، وإذا كنا قد أوضحنا إلى تأثر خبراء غربيين بمنهج الإمام الشيرازي في النظرة إلى مسائل الإقتصاد كما في السياسة والإجتماع، فإن هنالك جانباً آخر لتأثر أولئك الخبراء بالمنحى الشيرازي في فهم دور العلم والتقنية في المسائل الإقتصادية، حيث أن الإمام دائم التقويم والملاحظة لتأثير العلم والتطور التقني على جوانب الأداء في مؤسسات المجتمع، وسير عمل هيئاته وإداراته، حكومية كانت أم خاصة، ومدى النفع الذي يقدمه لتنمية رأس المال اللازم لمواصلة التطور والتقدم، كما يستعرض حاجة الناس للعلم والتعلم من أجل الإستفادة المثلى من الإنجازات العلمية المعاصرة مؤكداً شمولية التطور التقني والعلمي لجميع أبناء المجتمع حسب قدرتهم وحاجتهم بالإعتماد على الذات، والإندماج في خطط العمل والإنتاج. إن هذه الخطوط العريضة لهذه الرؤية مستلهمة من النهج الذي رسخه الإمام الشيرازي (رحمه الله) منذ بداية الستينات إلى يوم وفاته (قدس سره).
لا نكاد نجد كتاباً من كتب الإمام الفقيد من غير تأكيد متواصل ومستمر على دور العلم والتقنية في التطور الإقتصادي والإجتماعي، فإذا رجعنا إلى بعض كتب سماحته، سنجد هذا التأكيد المتواصل والحث على طلب العلم انطلاقاً من الحديث الشريف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)، واستجابة لمتطلبات العصر الحديث والتطور العلمي، التقني ويريد الإمام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) من العلم أن يقوم بدور خيّر، وإن تطبيقاته يجب أن تقترن بالتقدم الذي يتلائم مع معطيات الحياة الإنسانية بقيمها وأصالتها وطموحها إلى المستقبل، لذلك يقول (قدس سره). (ولا يخفى أن العلم قد يفيد نفس العالم، وقد يفيد حتى عائلته، وقد يفيد حتى مجتمعه، وقد يفيد حتى المجتمعات الأخرى، وقد يفيد أولاده، والأجيال في المستقبل)(7). وعلى هذا فإن الإمام يرى أن التوقف عن مواصلة التطوير العلمي، لهذا السبب أو ذلك مسألة ضد الإنسانية، لأن التاريخ لابد أن يسير دائماً إلى الأمام. وقد قدم الإمام رؤى تتمتع بالتركيز على النتائج الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للبحث العلمي والتطور التكنولوجي، بما نراه واضحاً وساطعاً في النظريات الإقتصادية للإمام الشيرازي، بحيث أن علماء الاقتصاد المرموقين لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى رؤى الإمام الشيرازي إضافة تذكر. إن مراجعة سريعة لكتابات الإمام الفقيد تثبت بما لا يقبل جدلاً السبق الشيرازي في مضمار التنبيه على منزلة التعليم والعلم والتكنولوجيا في مسألة التطور العام للبلدان الإسلامية، حين يكون العلم مبنياً على الصالح العام، ومن أمثلة ذلك تشخيص سماحته للنوع الآخر من التعلم والعلم، وهو التعلم الذي يحطم البنية التحتية للمجتمع والإنسانية، وهو ذلك المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد الإسلامية فيقول (قدس سره): (العلم الذي يوجب تحطم الإقتصاد، أو حياد عن الإقتصاد، وهذا هو المنهج الذي وضعه المستعمرون للبلاد التي استعمروها سواء في داخل مدارسها، أو سائر وسائل إعلامها، أو في المدارس التي تستقبل شباب البلاد المستعمَرة)(8). وهنا عرض الإمام (رحمه الله) صوراً من الواقع الحالي في دول العالم الخاضع لتوجيهات الإستعماريين، وفضح سماحته عمليات تخريب الإقتصاد والإجتماع، والخطط التي ينفذها الأعداء بكل همة ونشاط، واللامبالاة وعدم الإهتمام التي يواجهها الناس، غير مهتمين بالأخطار الجسيمة التي تحملها تلك المخططات لهم ولأولادهم وأبناء مجتمعهم. يقول (قدس سره): 1- أنهم بواسطة عملائهم سواء كان العملاء في السلطة أم لا، يروجون الإهتمام باللغة الأجنبية فترى الشاب لا يهتم بلغته الأصلية، ويهتم باللغة الأجنبية، بدعاية أنها لغة العلم والمعرفة، والذي يفضح هؤلاء أن لغة العلم عدة لغات فلماذا الإهتمام بأحدها. 2- الإهتمام بالدراسة في الخارج (الغرب) بترويج إنهم أحسن علماً حتى يتدفق القادرون على الدراسة في الخارج. 3- إفراغ الدروس في داخل البلاد من المحتوى المثمر، فالدروس صورة لا تأتي بالنتيجة المطلوبة وحيث أن الدروس فارغة عن المحتوى، لا يرغب حتى نفس الطلاب في استيعابها. 4- التقليل من فرص الدراسة الجامعية في الداخل. 5- الإهتمام في البلاد الأجنبية لعدم استفادة الطلاب هناك، فائدة تخدم وطنهم وذلك بعدة أمور. 6- الإهتمام لإبقاء الطلاب المتفوقين في الخارج وعدم عودتهم إلى وطنهم، فهم يستفيدون من نبوغ طلاب البلاد المتخلفة بينما البلد المتخلف يزيد تخلفاً على تخلفه. 7- الذي يرجع من طلاب الخارج إلى بلاده يدخله المستعمر في استثماراته في الداخل فالمستعمر يستفيد منهم إستثمارياً وإعلامياً. 8- أما كيف أن طلابنا لا يرتبطون ببلادهم فإنهم لم يربّوا تربية عملية ليتمكنوا من العمل. كما أن فراغ محتوى الدروس عن الواقعيات يجعلا لطالب لا يعرف العلم بلغة العمل. 9- وحيث أن المؤسسات سواء الأهلية أو الحكومية لا تجد الكفاءة في طلاب بلادها، تضطر إلى استخدام المستشارين الأجانب. مما يكون فيه مزيد من تحطيم البلاد اقتصادياً وسياسياً. وهذا النقد الذي وجهه (قدس سره) قبل ربع قرن لأساليب التعليم والدراسة في البلدان الإسلامية، إلتفت إليه مؤخراً بعض المفكرين والمنظرين التربويين ولكن من دون أن يضعوا حلاً ينفصل عن هذه المسيرة المشبوهة لنظم التعليم. أما سماحته فقد رسم في كتبه العديدة منهجاً متكاملاً لتحويل التعليم من شكله الحالي الفارغ من المحتوى إلى شكل علمي نافع وذلك عبر المنهج التالي: أ) مزج العلم بالإيمان، حيث أن الإيمان أكبر محفز على عمارة الدنيا والإتقان في العمل والأمانة وغيرها من مقومات الإقتصاد الرشيد والسليم. ب) دراسة الإقتصاد في أواخر صفوف الإبتدائية، كما يدرس فيها الحساب والجغرافيا وغيرها وقد قال الإسلام (من لا معاش له لا معاد له). ج) ربط المدارس بالمؤسسات والشركات والمختبرات والمعامل وغيرها. د) تربية الطلاب المحبين للعمل، بل والعاملين في وقت الفراغ كعطلة نصف السنة ونحوها بمساعدة آبائهم وذويهم والخدمة في البيت، وتفهيمهم أن العمل شريف مهما كان وضيعاً في نظر المجتمع، مثل عمل الحمّال والكنّاس. هـ ) فتح أكبر عدد من المدارس لاستيعاب كل الطلاب الذين يريدون الدراسة لئلا يرون الطريق أمامهم مسدوداً فينحوا نحو الخارج. و) المنع البات عن فتح الأجانب للمدارس في بلادنا. ز) تفهيم الطلاب أن العمل الإقتصادي كيف يساعده في إدارة عائلته في الحال، وفي إدارة أهله في المستقبل حتى لا يكون همه كله في الوظيفة، بل يكون همه في العمل بنفسه، لأن ثمرة العمل أكثر من مقدار الراتب الذي يحصله الموظف. ح)– وأخيراً، أن يستوعب تماماً كيف تخلفت بلاده، حيث لم تستغل فيها موارد المال والثروة لأجل التقدم، وإنها إن (لَوْ) استُغلت استغلالاً حسناً، لم يبق فقير ولا حاجة معطلة، ولم تستشكل الحياة(9). ومن هنا يعتبر الإمام الفقيد هذا النهج الإصلاحي للتعليم عاماً للطلاب والطالبات، مقرراً قاعدة اقتصادية لا نجدها موضحة عند غير سماحته حيث يقول: (أن نصف الإقتصاد في البلاد يدور حول أكتاف النساء)(10). ومن الواضح أن هذه الرؤية لدور العلم في الشأن الإجتماعي والإقتصادي تنظر إلى الآفاق المستقبلية للبشرية وضرورة بناء ذلك على أساس من العلم والتنظيم والتخلي عن التبذير والترهل، وأن لا يقام أي مشروع تعليمي تربوي إلا بعد الدراسة العلمية وبعد التقييم السليم من قبل الخبراء. لذلك فإن الإمام الشيرازي (قدس سره) دائم التقويم والملاحظة لتأثير العلم والتطور التكنولوجي على جوانب الأداء التعليمي والتربوي في مؤسسات المجتمع، وسير عمل هيئاته وإداراته ومدى النفع الذي يقدمه كل ذلك لرفاهية المجتمع والدولة.
لقد كان الإمامُ الفقيد سبّاقاً إلى التأكيد على أهمية الأخذ بنهج رعاية الشباب وتوظيف طاقاته لما فيه الخير والنفع العام، وخص سماحته على أهمية هذه المرحلة العمرية في العديد من النصوص والمواقف الدالة على أن الشباب الصالح هو ثروة إسلامية لا تقدر بثمن لذلك كتب (رحمه الله) كتاباً خاصاً للشباب تحت عنوان (الشباب) عالج فيه مشكلة الشباب في هذا العصر قائلاً في مقدمة الكتاب: (مأساة الشباب في هذا القرن من أكبر المآسي.. حيث لم يعرفها التاريخ المكتوب فيما سبق.. وذلك لأن الشباب قديماً لم يكونوا طبقة مستقلة لا تستثير الكبار ولا تأخذ بنصحهم.. وإنما هم تبع لآبائهم الناضجين.. فكانوا يوردونهم الحياة تدريجياً بنضج لا بأس به حتى يسدّوا مسدّ الآباء.. فلم تكن مشاكلهم إلا بمقدار المشاكل الطبيعية للإنسان حيث قال أمير المؤمنين الإمام علي (ع) :(دار بالبلاء محفوفة). لأن الإنسان في هذه الدنيا، مهما كانت شرائطه، فعادةً ما يكون مبتلى ببعض المشاكل كالفقر والمرض والعدو والقلق وما أشبه ذلك، وهذه المشاكل بمقدارها الطبيعي كانت من قبل وستكون، وكما هي للآباء عن دورهم، وكذلك للأبناء. ولكن الكلام في مشاكل اليوم التي تجاوزت حدها الطبيعي بكثير، فالمناهج في هذا القرن أوجدت فاصلاً حديدياً بين طبقة الآباء وطبقة الأبناء، وكذلك بسبب الجوّ الذي هيأوه للأبناء في المدارس والنوادي والصحف والمحلات والإذاعة والتلفاز والفديو والسينما ومختلف المنظمات والتجمعات غير الصحيحة. كما اتهمت الآباء بالخرافة والرجعية وعدم الفهم وما أشبه مما سبب عزوف الأبناء عن الآباء وهذا أول الوهن. بالإضافة إلى تبعيد الشباب بمختلف الوسائل ـ عن الله واليوم الآخر، فلا رقابة ذاتية ولا أبوية ولا غيرها من الأسباب، وبذلك اصبحوا في واقع الحياة قبل أن تعركهم التجارب، فأصبح الكثير من القرارات التي اتخذوها لأنفسهم خاطئة. وبالإضافة إلى المشاكل الأخرى التي غطت حياة الشباب، من البطالة والفقر والمرض والتسيب والقلق وغير ذلك، مما لم يفرّق في ذلك شرقاً عن غرب، وغرباً عن شرق، ومسلماً عن غير مسلم وبنين عن بنات، فالكل في البلاء سواء. نعم وقع العبء الأكبر على النساء، حيث حرمن على الأكثر من دفء العائلة، وصرن سلعة رخيصة بيد طلاب الهوى والشهوات أو وسيلة من ارخص الوسائل لترويج البضائع وجلب الزبائن في واجهة الإعلانات وما أشبه ذلك)(11). نرى أن الإمام (رحمه الله) يعالج في ذلك الكتاب القضايا التي يعاني منها الشباب، ويرسم لهم منهجاً للإنقاذ، انسجاماً مع رؤيته التغييريه لهذا العالم المتخبط بالمشاكل، والذي لا سبيل إلى إنقاذه منها إلا بالإسلام، وبتكوين المجتمع المسلم. وهكذا في كل مرحلة من مراحل عمر المرء، يجد الفرد المسلم أمامه طريقاً واضحاً يضمن له تحقيق التزاماته، ويوفر له سبل تأكيد ذاته ومعناه الإنساني العميق. وقد وضع الإمام الفقيد آلية الوصول إلى ذلك، بإعطاء عناية أكبر لتوعية الإنسان بطبيعة كل مرحلة من مراحل النمو ومتطلباتها الضرورية وتوعيته، وكذلك بكل ماله من حقوق وعليه من واجبات تجاه ربه ومجتمعه فإن هذه التوعية يجب أن تكون من مهمات كل فرد من الأفراد لأنها مسؤولية شرعية لابد من أدائها، حفظاً للحياة الإنسانية نفسها، تلك الحياة التي وضعها الله سبحانه وتعالى أمانة في عنق كل إنسان. ذلك لأن هدف الفكر الإجتماعي الحضاري عند الإمام الشيرازي بناء مجتمع إسلامي يوفر لجميع أفراده الحياة المرفهة والعيش الكريم. ويرى الإمام الفقيد (رحمه الله) أن هذه الغاية لا يمكن إدراكها وتحقيقها إلا بمشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء مسؤولية التغيير ومهمة البناء من أجل تطوير الحياة والحفاظ على قدسيتها، وفتح الأبواب للوصول إلى هذه الغاية، ومن هنا نرى سماحته يجيب على سؤال في كتاب الشباب مفاده. (هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ والإرشاد خاص بعلماء الدين أو يعم جميع الفئات في المجتمع الإسلامي)؟. فيجيب (قدس سره): (يعم جميع المسلمين بشروطه) ، إن عملية التوعية واجبة على جميع أبناء المجتمع. ومن هذا النص، يتبيّن أن الحياة الإنسانية في مفهوم الفقيد، ليست كمية مهملة، أو عفوية، بل هي العمل والتواصل بين جميع البشر، وذلك هو ما نفهمه من تركيزه على الحرية وحقوق الإنسان. والإمام الشيرازي (قدس سره) يعتبر أنّ الحلول التي يقدّمها الإسلام يجب أن تدعمها مشاركة الجميع في بذل الجهد الواجب، تحقيقاً للهدف الذي يسعى إليه الناس جميعاً. وفي الختام نراه يخاطب الشباب بقوله (وأنتم أيها الشباب المؤمنون قد خصكم الله عز وجل بعظيم الأجر والثواب كما جاء على لسان رسوله الكريم (ص) حيث يقول: (سبعة في ظل عرش الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل)(12). ويقول(ص): (ما من شاب يَدعُ لله الدنيا ولهوها، وأهرم شبابه في طاعة الله إلا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صديقاً)(13). ونرى في جانب آخر دعوة الإمام الشيرازي (رحمه الله) باستمرار، القادة المهتمين بأمور الشباب أن يسارعوا بتزويج الشباب بنين وبنات، وفي أعمار مبكرة، وكذلك يعتبر سماحته هذا النهج عاما لكل المسلمين فيقول(قدس سره). (من الضروري على القادة المهتمين بأمور الشباب أن يزوجوا الشباب بنين وبنات وفي أعمار مبكرة، حيث أن الشباب في تلك الأعمار في قمة الشهوة وهيجانها، كما اللازم أيضاً تحطيم معوقات الزواج، من المهور الكثيرة، والتشريفات الكبيرة التي لا تنالها عادة أيدي الشباب). وفي جانب نهضة الإمام الحضارية لتزويج الشباب فإنه يشير إلى تكوين منظمات للزواج تسهل عملية زواج العزاب بمختلف المساعدات فيقول(رحمه الله) (من اللازم جداً أن تشكل في كل منطقة منظمة عملها تسهيل زواج العزاب بالمساعدة المالية والمساعدة الأدبية، فإن ذلك يوجب تقديم الحياة من ناحية، وسدّ أبواب الفساد من ناحية أخرى، والتقليل من الأمراض الناشئة من العزوبية من ناحية أخرى)(14). وهكذا كان (رحمه الله) وحتى أيامه الأخيرة من الداعين بشدة وبقوة إلى ضرورة التسريع في تزويج العزاب، بغض النظر عن المعوقات المادية والمعنوية، مؤكداً صواب آرائه بأن الطاقة الجنسية إذا لم تصرف في موردها الصحيح صرفت في الإنحراف، فيقول (وهكذا مما يزعمون من المعوقات كالدراسة، أو الذهاب إلى الجندية، أو أنه بعد لم يكوّن نفسه أو ما أشبه ذلك من الأعذار التي تصادم الفطرة ولا تنسجم معها. ومن الواضح أن الطاقة الجنسية إذا لم تصرف في موردها الصحيح صرفت في الإنحراف، والانحراف يوجب الأمراض والمشاكل الصحية والنفسية المعقدة). لذا فإن الإمام الشيرازي (رحمه الله) حريص في رفع الوعي العام وتوجيه الشباب بضرورة أن يتم الزواج تحت إشراف الآباء فكثيراً ما ينتخب الولد من لا تليق به، وكذلك الفتاة، فيؤكد رؤيته الشيرازية بأن عدم النضج يوجب كثيراً من الإنحرافات السلوكية في البيت العائلي، مما ينتهي كثير من الأحيان إلى كارثة الطلاق، بالإضافة إلى هذا يحدد الإمام الفقيد الأسلوب الذي تنتهجه بعض الحكومات لوضع القوانين الكابتة التي تمنع الزواج المبكر، وربما عن أصل الزواج، كأن لا يتزوج العربي بالعجمية أو العكس، أو العراقي بالمصرية إلى غير ذلك مما ينافي ومبدأ الأخوة الإسلامية الذي هو المعيار عقلاً وشرعاً. وهنالك كثير من الناس يقفون بدورهم سداً دون الزواج المبكر وسهولته بشروطهم المجحفة الأهوائية وتشريفاتهم المكلفة وقد قال سبحانه وتعالى: (يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: 157) فالإصر هو الحمل الثقيل الذي يوجبه المجتمع على أي شأن من شؤون الحياة كشأن الولادة والزواج والختان والسفر والقدوم منه، وحتى الموت. وفي ختام القول نرى كيف الإمام (رحمه الله) يخاطب الشباب الذي يعتبرهم سماحته مفخرة الأمة الإسلامية وأمل المستقبل فيقول (قدس سره). (أيها الشباب، أنتم القوة والمنعة، والطاقة والإندفاع ومفخرة الأمة ومنطلق العمران والتقدم، فعليكم أن تهتموا بأنفسكم أكبر اهتمام ، وتعرفوا قدر أنفسكم أحسن معرفة وأن تجعلوا من أنفسكم أداة علم ومعرفة وثقافة وفضيلة وبناء وإصلاح وتقدم ورقي وعمران وعزة). ثم يدعوهم (قدس سره) إلى زيادة التحصيل والجد والإهتمام بالعمل (فإذا كنتم طلاباً فارفعوا مستوى ثقافتكم ولا ترضوا بالتأخر في مجال العلم والمعرفة، ولا بالتأخر في مجال الإنتاج والإختراع والإكتشاف، وإن لم تكونوا طلاباً فعليكم بالجد والإهتمام والعمل الموكول إليكم من تجارة أو زراعة أو عمارة أو بناء أو فلاحة أو غيرها، وعليكم بالإتقان في كل أعمالكم فقد قال رسول الإسلام (ص) (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه). تعلموا.. أكتبوا.. علموا.. إرشدوا .. إعملوا.. إخترعوا.. إكتشفوا.. عمروا.. إزرعوا.. تقدموا.. تزوجوا.. إبنوا.. إرتقوا.. تاجروا.. إرفعوا مستوى بلادكم.. انشروا دينكم.. قدموا أمتكم.. تنافسوا في الخير). كل هذه التعاليم الشيرازية التي شكلت البؤرة الروحانية لفكر الإمام حول قدسية التزام الشباب بهذه التعاليم وجعْلِها دستوراً في بناء الدولة الإسلامية الحديثة. وبذلك يحث الشباب الإلتزام بالقرآن والسنة وآراء العلماء فيقول (رحمه الله) (واعملوا بنصائح القرآن الحكيم والسنة المطهرة، وآراء ذوي الخبرة من كباركم فقد قال الإمام علي (ع) (رأي الشيخ أحب إليّ من جلد الغلام).
لم يغفل الإمام الفقيد تنبيه المسلمين إلى حقيقة أساسية معروفة وهي أنّ تزايد أهمية البلدان الإسلامية ومصادر ثروتها الطبيعية مدعاة لطمع الطامعين وعرضة لمحاولات السيطرة الإستعمارية حيث أن هذه الثروات ضاعت بسبب ضياع المنهج الذي ينظمها والفكر الذي يسيرها، بالإضافة إلى انعدام المسؤولية الوطنية، فلابد هنا من توفر الوفاء والعزم والإخلاص لإنقاذ البلاد الإسلامية من الإستعمار والخراب، ووضعها في طريق التنمية الشاملة، طريق التغيير نحو الأفضل، وهنا تتحقق النظرة التوحيدية الشمولية للإمام (قدس سره) تجاه المسائل الإقتصادية عامة، هذه النظرة الشمولية لا تنحصر على هذا الجيل فقط، بل تتعداها إلى مصلحة الأجيال المستقبلية القادمة. النفط، والثروات المعدنية الأخرى يرى سماحته أنّها ملك لهذا الجيل والأجيال القادمة، كما أنها يجب أن تكون في خدمة البشرية جمعاء. وأن لا تباع بأسعار زهيدة ورخيصة إلى بلدان الدول الكبرى، بل تباع بالأسعار الحقيقية العالمية التي تحددها المنظمات الدولية فيقول (قدس سره). (إن النفط أخذ يضخ بكميات هائلة من المخازن التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الطبيعة، وأخذت البلاد التي ظهرت فيها هذه المادة بكثرة لتبيعها إلى البلدان الغربية بأثمان رخيصة جداً، ثم تصرف تلك البلدان النفطية الأثمان في غير المصارف المقررة اقتصاداً وشرعاً، أي أن كلاً من الموازين الإقتصادية والموازين الإسلامية تخالف الضخ بهذه الكمية الكبيرة، ثم تخالف هذا النوع من البيع ثم تخالف هذا النوع من الصرف)(15). هنا تتسع نظرة الإمام الفقيد من ناحية البيع والإستفادة من عائدات النفط، فالأموال تهدر فيما لا فائدة لها، على أنه يجب أنْ تستغل هذه الأموال في البناء وتحقيق العدالة الإجتماعية فمن ناحية الضخ صارت الدول الأوروبية والإستعمارية تستخرجه وتخزنه في أراضيها كمخزون استراتيجي لحين نفاذه من الدول المنتجة ثم بعد ذلك تبيعه بأغلى الأسعار، فيقول (قدس سره). (كون الضخ بهذه الكمية، غير جائز شرعاً، وذلك لأن كل ما في الكون حق لهذا الجيل والأجيال الآتية، فالله سبحانه خلق كل الكون لكل البشر، ابتداءاً من آدم (ع) وانتهاءاً إلى آخر فرد من البشر، وقد دلت على ذلك الآيات والروايات، وكل ما في الكون من الخيرات الدورية، كمياه البحر، وغير الدورية كالمعادن المقدرة بأقدار خاصة بحيث تنفذ بعد أخذها، جعل لمجموع البشر، فاللازم أن يصرفه البشر بدون تقتير ولا إسراف كما قال سبحانه (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) (الإسراء:29) وقال: (الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) (الفرقان: 67). وهنا يوضح (قدس سره) أن المعادن، والنفط بالذات ملك لكل الأجيال، كذلك فهي أيضاً ملك لجميع البشر من الجيل الواحد، فلا يحق لفئة من الجيل أن تستغل هذه الثروات المعدنية دون مشاركة بقية الجيل بها فيقول سماحته (رحمه الله) (لا يحق لجيل من البشر أن يصرف مقداراً أكثر من حقه، كما لا يحق للبشر أن يصرف بعضهم مقداراً اكثر من حقه. فمثلاً النفط جعل لمائة جيل، كل جيل يتمتع منه مقدار مائة مليون برميل فلا يحق لجيل أن يأخذ منه مائة مليون وبرميل واحد اكثر، كما أن المائة لكل الجيل فلا يحق أن يستبد به بعض الجيل). ونرى (قدس سره) يعرض مسألة توزيع الثروات على البلدان فيقول: (يحسب كل الموارد الأرضية وتوزع على الجميع بالعدالة، فالكل يجب أن ينعموا بالكل حسب العدالة فإذا كان هنالك بلد بلا وارد فله حق أن يأخذ من سائر الواردات، إذ الحدود الجغرافية لا اعتبار لها في العقل ولا في الشرع بل (هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم). إذ العقل يرى تساوي البشر بالنسبة إلى خيرات الأرض إلا الذي يفوق الآخر بالكفاءات وبالعمل وبما أشبه). ثم ينتقل الإمام الفقيد ـ تغمده الله برحمته ورضوانه ـ إلى مسألة تسويق النفط والثروات الطبيعية، فيرى أنها يجب أن تباع حسب قيمتها الحقيقية ولا تباع بأبخس الأثمان إلى البلاد الأوروبية والإستعمارية فيقول (قدس سره). (يجب أن يباع المستخرج بالقيمة العادلة، بينما ترى انه يباع الآن إلى البلاد الإستعمارية بقيمة تافهة جداً، ففي الحال الحاضر يباع البرميل بثلاثين دولار ـ بعد تصعيدات مكررة في القيمة ـ والحال أن البرميل يساوي مائتي دولار ـ على ما حدده بعض الخبراء ـ آخذاً النسبة من التضخم الموجود في الحال الحاضر) لذا من الواجب علينا أن نحيط جميع المحاولات المعادية للإسلام والمسلمين، وأن لا نبيع النفط بدون حدود وكما تشتهيه الدوائر الغربية والصهيونية العالمية وبالأسعار التي تحددها الشركات الاحتكارية، مما يسبب انخفاض الأسعار ونفاذ النفط وتضييع حقوق الأجيال القادمة وهنا لابد من التفكير جدياً بالبحث عن بديل للنفط بالثروة الممكنة وقبل فوات الأوان(16) وذلك برصد مقدار معين من عائدات النفط وصرفها ـ كما يؤكد ذلك سماحة الإمام الفقيد في رؤيته المستقبلية للنفط ـ في خطط مستقبلية تستطيع أن تسد النقص الحاصل عند نضوب النفط فهنالك موارد كثيرة يمكن استخدامها بطريقة بحيث توفر رأس المال الكبير للدول النفطية، إذا أحسنت استخدامها ويحتاج هذا البديل إلى تربية الكادر الخبروي لإدارة المعامل مع سائر شؤونها. وما أضفاه الإمام الشيرازي بكتاباته الغزيرة من حيوية تحث على إيجاد بدلائل عن النفط في حالة نفوذه، فيدعو (قدس سره) إلى التخطيط لتلك الأمور عن طريق: 1- إقامة السياسة الصناعية على قاعدة حاجة الأمة في الحاضر والمستقبل وليس حسب المخطط المرسوم من قبل الدول الكبرى والذي تسير على طبقة الدول المتخلفة، فلقد حول الإستعمار البلاد الإسلامية إلى مستعمرة تدر عليه بالأموال الطائلة لسد حاجاتها لا لسد حاجات الدول المتخلفة. وهنا يؤكد سماحته (قدس سره) أن ربط الصناعة بالحاجة هي أهم قضية في استثمار عائدات النفط للأمور المستقبلية. 2- رعاية التنسيق والتوازن بين مختلف المعامل المحتاج إليها في البلاد الإسلامية كي لا يحدث إفراط وتضخم في جانب وتفريط ونقص في جانب آخر. 3- تحقيق التعاون الإقتصادي بين الدول الإسلامية قال تعالى: (تعاونوا على البر والتقوى)(17) فبالوحدة الإسلامية يحرز التقدم. بعد ذلك تتسع نظرة الإمام (رحمه الله) إلى مسألة مهمة تكمّل الدورة الإقتصادية النفطية، هي مسألة صرف عائدات الثروة النفطية، فرغم أن تلك العائدات هزيلة ومخزية وتافهة، فإنها تصرف في غير موقعها، حيث تستغل في أشياء لا تنفع البلاد والعباد، فنرى سماحته ـ رحمه الله برحماته الواسعة ـ يؤكد على أوجه ذلك الصرف اللامسؤول والذي يؤدي بالتالي إلى تبديد الثروة. (إن ما تأخذه الدول النفطية من النقد تافه في قبال البرميل، وتصرف في مصارف محظورة شرعاً وعقلاً، فالضخ بهذه الكميات الضخمة خلاف المشروع، والبيع بهذه القيمة التافهة خلاف المشروع وصرف القيمة في الموارد التي تصرف فيها خلاف المشروع) وبعد أن يذكر الإمام ما سبق أن نبّه إليه، من أنه لا يحق لجزء من الجيل الحالي يمتلك كل تلك الثروة، يبين أن ما يجري على أرض الواقع، يسير عكس تلك القاعدة في تثمين الدور والأراضي وغيرها من أجل إسكان الناس وإعطائهم أموالاً كان يجب صرفها في التطوير والتعليم وغيرها، ويعتبر سماحته (رحمه الله) تلك المسألة البادرة الأولى في اوجه تبديد الثروة لهذا الجيل والأجيال القادمة والتي لها حقها المعلوم في هذه الثروات. وعلى حساب هذه الرؤية المنطلقة من الأساس الشرعي الذي يشكل بؤرة فكر الإمام (رحمه الله)، يجب على الدول النفطية جميعاً أن تعلم أن التعويل على النفط في تمشية الأمور المالية للدولة وهدره بطرق جشعة، سوف يسبب تحطيماً كاملاً لتلك الدول وشعوبها، حيث أنه من الضروري على المجتمع أن يفهم عدم الإعتماد الكلي على النفط في تمشية الأمور المالية، ناهيك عن تبذيره وتقديمه للمستعمرين لقمة سائغة. ولأن النفط ثروة زائلة وناضبة فيؤكد الإمام(قدس سره) أن تُستخدم لبناء ركائز اقتصاد سليم منتج يغني في المستقبل عن الإحتياج إلى الدول الأخرى، ورؤية الإمام هذه رؤية متقدمة وواعية جداً فالإعتماد على ثروة ناضبة يلحق بالبلاد أضراراً جسيمة. وقد أثّرت هذه الرؤية في كتابات بعض المصلحين والمفكرين المعاصرين، فظهر تأثيرها مثلاً في كتابات العالم المعروف ميسنر(18) الذي قرر بناء على رؤية الإمام الشيرازي(قدس سره)، وشواهد الواقع المعاش، أن أشرس المخاطر التي تواجهها الدول اعتمادها الكلي على ثروات ناضبة، من غير أن تستغل تلك الثروات لبناء أسس اقتصاد سليم في دولة سليمة، أي في دولة استطاعت أن تنقل أفرادها المشتتين إلى منتجين واعين، وهي نفس النظرة التي تبناها كثير من العلماء المعاصرين، والتي تشهد للإمام الشيرازي(قدس سره) بأعلميته الواضحة وصحة توجهاته في المسائل التي تهم المجتمع ومستقبله، ومن أجل أن تنتقل هذه الرؤية إلى الواقع تطبيقاً وتحقيقاً، فقد حلل الإمام الشيرازي (رحمه الله) في المورد ذاته، أسباب هذا التبذير والفساد والإصرار على تبديد ثروات الأمة، وما نتج عن ذلك من ويلات ومآسي ومخاطر على المجتمعات الإنسانية فيقول (قدس سره): (هنالك في جملة من البلاد النفطية مشاكل إجتماعية أورثها الانحراف عن قوانين الله سبحانه، وذلك يرجع إلى سياسة المستعمر الذي أراد الانفلاق والتشتت في البلاد، ليكون كل الأمر بيد زمرة قليلة ليتسنى له القبض على زمامهم، لينهب خيراتهم ويصرف بقية الخيرات على الفعالية والخدمة في الحقل الصحيح). ولا نعرف أحداً تناول موضوع النفط والثروات الطبيعية بشموليتها للجيل الحاضر والأجيال الآتية غير سماحة الإمام(قدس سره) ، وذلك انطلاقاً من البؤرة الشرعية التي تكون منطلق جميع الأشعة التي تتصل ببناء الدولة المعاصرة والمستقبلية في الإجتماع والإقتصاد والسياسة. وهذا مفهوم جديد للعدالة في الفكر المعاصر.
يؤكد الإمام الفقيد (رحمه الله) مراراً وتكراراً على وجوب النظر إلى مسألة الزراعة ومسألة الماء نظرة شمولية متكاملة تربطهما بالقوة البشرية فيقول باستمرار (لا تطور بلا زراعة دائمة، ولا حياة بلا ماء) ويتطرق (قدس سره) إلى النشاط الزراعي الإسلامي الذي يعتبر أحد الأنشطة الاقتصادية فيقول : الأرض لله سبحانه وتعالى ولمن عمرها والزراعة هي إحدى مصاديق عمارة الأرض، وعليه يدعو دائماً بإلحاح إلى الإنسان له الحق في أن يزرع كما يشاء بالشرطين: الشرط الأول: استثمار الأرض التي لم يسبق إليها أحد، فقد ورد (من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به)(19)، ويكفي صدق مفهوم الإستيلاء دليلاً للإستثمار في الشؤون الزراعية. الشرط الثاني: أن لا يسبّب الإستيلاء على الأرض تعدياً على حقوق الآخرين، فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام. ولأجل أن لا يتسبب تطبيق مبدأ الأرض لله ولمن عمرها الفوضى والنزاع، فإن الإمام الفقيد له رؤية ثاقبة في هذا المبدأ تدل على عبقرية سماحته ودقة فهمه وتحليله للأوضاع فيقول: (تقوم الحكومة بعملية الإشراف على عملية التوزيع بالتساوي وبمبدأ القرعة إذ أن الأرض كالهواء والضوء والماء لا يحق لأحد احتكارها، ولا يحق أخذ المقابل عند استثمارها). وينطلق من هذا التشخيص الحاذق والذكي في مسألة التوزيع والإستثمار إلى مسألة اكتمال تنوع الناتج الزراعي بإشباع حاجة السوق، بالأساليب التالية: 1- تقوم الحكومة الإسلامية بالتخطيط اللازم للخطة الزراعية الكفيلة بإشباع حاجة السوق من المنتوجات الزراعية المختلفة، وهذه الخطة تعرض على الناس ومن الطبيعي أن الناس لا يريدون ضرراً لأنفسهم بالزراعة الزائدة والناقصة من الإنتاج الذي يبقى أو من قلة الإنتاج المحتاج إليه. 2- تقوم النقابات بالمساهمة مع الفلاحين برسم الخطط الرامية إلى زيادة وتنوع المحصول الزراعي بحيث يضمن حداً لا بأس به من الاكتفاء الذاتي. 3- تقوم الهيئات والمؤسسات الثقافية بإرشاد الفلاحين وتوضيح السياسة الزراعية التي يجب اتباعها لإشباع السوق بالمحصول المتنوع الذي هو مورد حاجة الناس. فزيادة وعي الفلاحين يجعلهم يسلكون الطريق الصحيح برغبة ذاتية دون ضغوط خارجية، فالإسلام يرفض سياسة الإجبار التي تمارسها بعض الحكومات والتي تفرض على الفلاحين نمطاً معيناً من المحاصيل الزراعية حيث أن (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(20). لهذا فإن التغيير الذي أدخله الإمام الراحل على مفهوم السياسة الزراعية وهو ما عبر عنه الإمام بأنّ السياسة الزراعية لابد وأن تقوم على المصلحة العامة، فإذا كانت المصلحة العامة تقوم على إنتاج حجم معين من الحنطة، فلابد أن تراعي الحكومة والنقابات هذه المسألة في الخطة الزراعية التي ترسمها، وأما ما تذهب إليه بعض الحكومات التي تضع سياستها الزراعية على أساس مصالحها الخاصة أو مصالح الدول الكبرى، فهذا أمر مرفوض ولا يجب على المزارعين اتباع هذه الخطة فإن من حق الفلاح أن يرفض هذه السياسة الحكومية وأن يتبع المصلحة العامة، لأن اتباع سياسة الحكومة في هذا المجال سيسبب ضرراً عاماً(21). ويتحدث سماحته في جانب آخر عن مضار الهجرة من الريف ـ حيث الزراعة ـ إلى المدينة التي هي في أمس الحاجة للريف،فيقول السيد الشيرازي وهو يحدد تلك المضار: (تحطم الزراعة وانخفاض مستوى اللحوم والجلود والألبان ومنتجاتها، إذ القرى والأرياف هي التي تنتج هذه الأمور، فإذا انزاح أهلها إلى المدن تحطمت، وذلك يوجب الغلاء الشديد والقحط وقلة الأرزاق، كما يوجب تأخر البلاد ودخولها تحت الإستعمار، حيث الحاجة إلى البلاد الأجنبية وهي لا تعطيها شيء إلا بشروط استعمارية كما هو واضح، ثم أن أهل القرى أخذوا يهربون من القرية إلى المدينة بسبب آخر، وهو ظلم الملاّكين لهم حيث وجود المنفذ للفرار مما لم يكن الزمان السابق مهيأً لمثل هذا الهروب). ومن هنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: هل هذا هو الواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم؟ والذي صار محتاجاً إلى الدول الغربية في كل شيء من غذاء ودواء وكساء وحتى الماء.. الجواب على هذا الحال المرير يجيب عليه الإمام الشيرازي بعودة الفلاحين إلى قراهم وأراضيهم والمباشرة بالزراعة والبحث عن مصادر المياه في الينابيع والعيون وتحلية مياه البحار المالحة والمحافظة على الثروات المائية الموجودة حالياً وتنميتها باكتشاف طرق علمية واقتصادية تساعد على ذلك. بل إن الإمام الفقيد يذهب إلى ما هو ابعد من ذلك حين يدعو إلى تطوير القرى نفسها وتوفير وسائل الحياة الضرورية التي بسببها هجر المزارعون أرضهم وهروبهم إلى المدن فيقول (قدس سره): العلاج لهذه المشكلة ـ مشكلة النزوح من القرية إلى المدينة يتمُّ بأمور: 1- التخطيط لأجل استواء مستوى النقد في كل من البلد والقرية حتى يكون دخل الفرد في القرية مثل دخله في المدينة. 2- جعل مستوى القرية كمستوى المدينة في أسباب الحضارة، ولو بشيء منها، بأن يكون للقرية الطبيب والمدرسة والهاتف والماء والكهرباء إلى آخره. 3- محاولة إيصال القرى بعضها ببعض حتى تصبح مدناً ولو صغيرة والمدينة بطبعها تجلب الحضارة وتسبب التقدم. 4- نشر المؤسسات الحكومية والأهلية في أوساط القرى، بأن تكون الجامعات والمصانع والمعامل في أمهات القرى حتى يخفف العبء عن كاهل المدن، وحتى تنشر المؤسسات حولها النقد والحضارة والرقي، وبذلك يرتفع مستوى القرى، فلا يكون إغراء المدينة كبيراً وكذلك بناء الفنادق والمستشفيات وما أشبه في المصايف ونحوها. 5- الإعلام عن محاسن القرية الكثيرة، فإن للقرية محاسن جمة أمثال قلة الجرائم ووفور الصحة الجسدية وعدم القلق وتوتر الأعصاب المصاحب للمدينة الحديثة، وجمال الطبيعة الموجود في القرى، إلى غير ذلك الكثير. 6- تحسين وضع الزراعة بالإصلاح الزراعي الإسلامي، حيث يدر ربحاً أكثر للفلاحين والقرويين، وحتى لا تكون بطالة في القرية تُنفّرُ أهلها إلى المدينة رجاء المال والعمل)(22). وهنا يجب التأكيد على أن التنمية القروية، واكتشاف موارد مائية جديدة وعدم التبذير في المياه الموجودة حالياً، من المسببات الحضارية لانتعاش الزراعة والتي هي أساس لمستقبل البشرية، وتشجيع الزراعة بالإصلاح الزراعي الإسلامي والمساعدة على التوسع فيها، يجب أن تكون من الأولويات الرئيسية لجميع القوى البشرية في أرجاء العالم. ومن اجل إعادة إحياء هذا العالم من جديد. وبناءً على رؤية الإمام الشيرازي تبين أن تنظيم القطاع الزراعي عامل في غاية الأهمية فيجب عدم الإنسياق وراء مشاريع مترفة، كما يجب رفض الإرتجال في إقامة المشاريع وفي أداء العمل. إن الإصلاح الزراعي الإسلامي حسب آراء السيد الشيرازي يفرض عدداً من المتطلبات والإشتراطات الجوهرية الواجب توفرها وهي: 1- الحرية الكاملة لكل المجتمع. 2- تطبيق نظام الإصلاح الزراعي الإسلامي المنادي (الأرض لله ولمن عمرها) والقائل بتكافؤ الفرص وعدم الإجحاف ومراعاة الكفاءة. 3- توفير حوافز للفلاحين والملاكين. 4- تأمين الأجور العادلة والطمأنينة للمزارعين. 5- تقديم التسهيلات للمزارعين وتوفير ما أمكن من ظروف العيش والتعليم والرعاية الصحية. 6- المحافظة على الأرض وحمايتها بالحد من استخدام الأراضي الزراعية لأغراض غير زراعية. 7- تشجيع رأس المال الإسلامي على الدخول في ميادين الزراعية وتربية الحيوانات ذات المردود الإقتصادي. 8- تشجيع استعمال تقنيات وطرائق تتيح توفير أعلى مستوى، فالري والسيطرة على أعداد المزروعات مثلاً يمكن تحقيقها على وجه أفضل. 9- ومن المهم جداً أن يستخدم المزارع موارد عوامل الإنتاج الزراعي استخداماً أكثر ملائمة وعقلانية وأن يكون له جهد كبير في نجاح عمله الزراعي. 10- يجب وضع حل شامل لظاهرة معقدة على الصعيد الإجتماعي والتقني، ففي حين تكون القطاعات الصناعية والخدمات في ازدياد، يقل الإقبال على المهن الزراعية والصيد، وبخاصة في المناطق التي تتعرض لظروف مناخية قاسية، ولذا لا مفر من توفير المشاريع الإروائية والزراعية، والتشجيع المتواصل على ممارسة مهنة الآباء والأجداد. 11- ولا يتوقف النهج الشيرازي في الزراعة، عند هذه الحدود، بل يدخل إلى جانب آخر من المشكلة، ويرسم طريقاً يحقق للمزارعين الفائدة التي يتطلعون إليها من وراء عملهم، وكذلك يحقق للمستهلكين وفرة الغذاء الذي يحتاجون إليه. وذلك الجانب من المشكلة هو أسلوب التوزيع فهو عامل تنظيمي آخر، له نتائج مهمة على الزراعة، ويمكن أن تكون التحسينات في هذا المجال مفيدة إضافة إلى العمل الزراعي نفسه. وقطاع التوزيع غير الفعال من الناحية المادية، قد يسبب خسائر جسيمة مردها إلى نقص وسائل الخزن والتبريد. إن عدم فعالية التوزيع تتمخض، من الناحية الإقتصادية، عن ارتفاع الأسعار والإضرار بالمزارع والبائع والمستهلك. إن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة تشكل تحدياً، لذلك لابد من إيجاد بدائل جديدة من الأراضي الصالحة للزراعة تتيح زيادة الإنتاج الغذائي. ومن أجل تحقيق استصلاح الأراضي للزراعة، فإن الإمام الفقيد (رحمه الله) قد وضع أسس النهضة الزراعية الإسلامية وهي: 1- العناية بالمزارع وتوفير حقوقه الإنسانية وتحسين ظروفه الصحية والإجتماعية والإقتصادية. 2- التخطيط الزراعي السليم. 3- زيادة الوعي بأهمية الإنتاج الزراعي. 4- إحياء أراضي زراعية جديدة. 5- المحافظة على الثروة المائية الحالية وتوفير مصادر جديدة للمياه. 6- توفير الآلات الزراعية وتيسير استخدامها. 7- توفير الأمن والإستقرار لجميع أبناء الإجتماع. 8- تطوير نظام التسويق بما يكفل تشجيعاً اكبر للمزارعين ومصلحة للمستهلك. 9- تسخير جميع الإمكانات والطاقات للإعتماد على الذات في توفير الإحتياجات الغذائية. 10- القيام ببرامج التطوير الزراعي، ودعم مراكز الإرشاد الزراعي بما يعزز من قدرتها على تقديم الخدمات اللازمة للمزارعين. 11- تنفيذ المشاريع الحيوية الزراعية للبدء في تنمية زراعية متكاملة تولي تركيزاً خاصاً على تطوير المحاصيل الزراعية الأساسية لغذاء الناس مع الإهتمام بالمحاصيل الجديدة. 12- التأكيد على وضع دراسات وقوانين مدروسة لتطوير المراعي الطبيعية. 13- وأنه لمن المهم دائماً أن يواكب هذه الجهود، عمل مستمر ليس فقط لاكتشاف تطوير ومصادر وموارد المياه وإنما المحافظة عليها باعتبارها ثروة لا يجوز التفريط بها. لذا وجب الإقتصاد في استخدامها واتباع نظم الري الحديثة. هذه الأسس والنقاط التي وضعها الإمام الشيرازي في مواجهة المسألة الزراعية لتؤكد نظرته الثاقبة في وضع الحلول والأسس لنهضة زراعية شاملة لأبناء هذا الجيل. حيث دعا (قدس سره) إلى: 1- تنمية المناطق والوحدات الجديدة بحيث تجذب سكاناً جدد وتقدم لهم بديلاً عن ساكني المدن. 2- زيادة الإنتاج الغذائي وتطوير وسائل التخزين والنقل والتوزيع. 3- إن تغييرات بهذا القدر من الأهمية لا يمكن إجراؤها بسرعة ويجب أن تقترن بخطط أخرى على المدى الطويل. 4- إن تحويل مناطق واسعة إلى مناطق زراعية قد يسبب تغييرات مناخية كبيرة يصعب تحديد نتائجها المحتملة، ولذا فإن ذلك التحويل يجب أن يتم بتأن وعلى وفق الأنظمة والقوانين التي تشرع بموجب الرؤية العلمية الصائبة تجاه البيئة والمحافظة عليها. 5- إن الملوحة، والإتكال، وتصلب التربة، والزراعة الكثيفة والإكثار من شق الطرق وإقامة المعامل بالقرب من الأراضي الزراعية، كلها عوامل متلازمة تقلل المساحات الجاهزة من الأرض الصالحة للزراعة، والأضرار الناجمة عن ذلك جسيمة لأن تجديد سطح التربة جيولوجياً بطيء، لذلك يجب أن تكون مشاريع الطرق والجسور والمعامل بعيدة عن التأثير على رقعة الأرض الزراعية. 6- إن المحافظة على التربة ترتبط بصورة أساسية باستعمال الموارد استعمالاً واعياً بالتوافق مع الظروف البيئية، وبالإمكان حماية التربة باستخدام طرق مناسبة كالإخصاب، والري واستعمال الآلة، وخطط وقف التصحر. 7- تسخير كل الجهود من أجل تطوير قطاعات المياه والزراعة وفقاً لأساليب عملية وواقعية آخذين بنظر الإعتبار الإهتمام بالمحاصيل التقليدية وغيرها من المحاصيل التي تجوز زراعتها في العالم الإسلامي، وتساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الإكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية. وختام القول فإن الزراعة باحتياجاتها المختلفة، من الماء والبذور وتجهيز التربة والأسمدة ونظام التسويق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطاقة التي يرى الإمام الشيرازي إن أبرز جوانبها الطاقة البشرية والطاقة الآلية ووضع (قدس سره) لكل صورة من صور الطاقة، تلك الأجواء المناسبة لاستثمارها على أفضل الوجوه لأنه (رحمه الله) جعل زيادة الإنتاج الزراعي هو الهدف الرئيسي بحيث أصبح واضحاً أثر مكننة الزراعة واستعمال المخصبات والأسمدة، واستعمال الأرض الجاهزة والطاقة الشمسية استعمالاً أكثر فعالية. لقد حدد الإمام الفقيد (قدس سره) هذه الحقائق عندما وضّح أن التنمية الزراعية حين تبنى على تقنيات ملائمة يكون أثرها زيادة المردود زيادة كبيرة بفضل التطوير القائم على دراسات للأرض وتنفيذها طبقاً للعادات الزراعية المناسبة وهنا على الفلاحين أن يتزودوا بمعلومات تقنية تساعدهم في استخدام الوسائل الجديدة وحينها تصبح التنمية الزراعية من الناحية الفنية في متناول جميع الفلاحين وسينتج عن ذلك حقيقة مفادها أن زيادة سريعة في المردود ستكون أكثر سهولة.
من الأمور التي أثارت اهتمام وقلق الإمام الشيرازي (قدس سره) منذ عشرات السنين، مسألة المياه، لأنها المسألة الأكثر خطورة في الوقت الحاضر وفي السنوات القادمة، وشحتها تؤدي إلى عواقب وخيمة على مستقبل الزراعة، ومن الأسباب الأخرى التي كانت تدعو قلق سماحته، أن نحو نصف أنظمة الري في معظم البلدان الإسلامية تعمل بمردود ضعيف مما خلق مشكلات كثيرة لتلك البلدان، حتى ولو كانت تتمتع بثروة مائية وفيرة. وهنا يؤكد (قدس سره) على أن تتم السيطرة على الثروة المائية، وإذا ما وعى الناس أهميتها، أمكن أن تزداد مساحة الأرض المرويّة كثيراً وزيادة التقنيات الجديدة، كالسقي بالتنقيط (وهي تقنية حديثة كثيراً ما دعى الإمام إلى استخدامها منذ عشرات السنين كوسيلة حديثة واقتصادية لعملية الإرواء حيث تؤدي إلى زيادة كبيرة في مردودية الماء) غير أن الصعوبات الفنية في تطبيق هذه التقنيات، تحد كثيراً من استعمالها. وهنا نرى الإمام الشيرازي (رحمه الله) وضع حلاً فريداً لهذه الحالة تتمثل في اللجوء إلى أساليب تسمح بجمع مياه الأمطار وتكوين احتياطي منها، وكذلك زيادة موارد المياه بتحلية مياه البحر. وإذا أخذنا بالحسبان حدود الماء هذه، فإن العلماء يؤكدون على أن شيئاً من الأولوية يجب أن يمنح للبحث عن أنواع من المزروعات تتحمل السقاية بالماء الأجاج أو بماء البحر. ومن الضروري للسبب نفسه، توسيع الزراعة الجافة في أراض ثانوية ذات تقلبات مناخية. وخلاصة القول فإن الإمام الشيرازي (رحمه الله) من أول الداعين ومنذ أكثر من خمس وعشرين سنة بضرورة المحافظة على الثروة المائية وتنبأ بأن المشاكل الدولية القادمة ستكون حول مصادر المياه وأسلوب توزيعها وأكد مراراً بأن الحرب القادمة بين البلدان (في حالة وقوعها) ستكون (حرب المياه). ويؤكد صحة رؤى الإمام بالنظرة المستقبلية للماء هو أن هنالك كثيراً من الباحثين والعلماء يرون أن الحروب القادمة ستكون حول المياه، وهذا نهر النيل يتلوث باستمرار ومثله بردى ودجلة والفرات والمسيسبي وغيرها، بالإضافة إلى شحة ونقصان دائم في منسوب هذه الأنهار وغيرها وقد أشار إلى هذه الظاهرة المتكلمون في ندوة (الماء خطر القرن القادم) الذي انعقدت في استكهولم في عام (1997) وكان أبرز من أشار إلى هذه الحقيقة الخبراء العلماء المشاركون فيها مثل وليم بروس ودونالد ماك وغيرهم مؤكدين بما لا يقبل الشك صحة تنبأ الإمام حول مستقبل الثروة المائية فالمياه (حسب رؤى الإمام الفقيد) ثروة إلهية مجانية ينبغي المحافظة عليها والعمل على تنميتها وتطوير مصادرها، وهي نعمة كبرى من نعم الله يجب شكرها وعدم الإسراف في استخدامها حتى يبارك الله عز وجل في مواردها ومصادرها. ونرى في جانب آخر الإمام وهو يحذّر من الإسراف في استعمال الماء، وحتى في الوضوء حين يقول، إذا كان الإسراف مذموماً بوجه عام في الشريعة الإسلامية فإنه مذموم بصفة أكبر في استعمال الماء وقد نهى الرسول (ص) عن الإسراف في الماء في شتى المجالات. إن تعاليم الإسلام الحنيف تحث على الإقتصاد في استخدام المياه وهي بذلك تعبر عن الأهمية القصوى لهذه الثروة الطبيعية وضرورة المحافظة عليها. لذلك فلابد من الإستغلال الأمثل للماء الذي له تأثير بالغ على استراتيجيات التنمية في مختلف دول العالم، ومن ثم تكتسب القضايا المتعلقة بعداً أمنياً وسياسياً خطيراً سيؤدي إلى توترات دولية. إن كل صور النهوض وأشكال الحياة، والإكتفاء الذاتي، تعتمد على الماء اعتماداً كلياً ومباشراً، وفي تراثنا العريق نتمثل دائماً بقوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء: 30) وعليه فإن الإمام الشيرازي (قدس سره) ينظر إلى مسألة المياه ومسألة الزراعة نظرة شمولية متكاملة. وبمعايير علم الإقتصاد المعاصر، فإن عدم الإسراف في استخدام الماء يُعدُّ الخطوة الأولى التي تجنب الإجتماع البشري المشكلات والمآسي التي تعاني منها اليوم، دول عديدة في مختلف قارات العالم حين نسيَتْ أن تبدأ بنيانها الحديث من الأساس الطبيعي الأول وهو ما كان يدعو إليه الإمام الفقيد باستمرار وإلحاح، وهو ترشيد المياه بجهد المستطاع وبالتالي التنمية الزراعية. فالإمام الشيرازي في حثه على الري والزراعة باعتبارهما عماد النشاط الاقتصادي لغالبية الشعب المسلم إنما يعوّل في ذلك على تراكم الخبرة التاريخية لدى أبناء هذا الجيل في ميدان الزراعة وسائر المهن المتعلقة بها. وأنه لمن المهم دائماً أن يواكب هذه الجهود عمل مستمر ليس فقط لاكتشاف مصادر وموارد الماء وإنما المحافظة عليها باعتبارها نعمة إلهية، والإقتصاد في استخدامها، واتباع نظم الري الحديثة، بالإضافة إلى توفير الوعي الكامل للاستغلال الأمثل لهذه الثروة الوطنية، كذلك التسهيلات المالية في هذا المجال لما لكل ذلك من أثر كبير في تأمين احتياجات الحياة من المياه سواءً للزراعة أو لغيرها من المجالات. واعتبار المياه ثروة ثمينة للغاية لا يجوز تبديدها ولا تبذيرها.
أثرت الحضارة الإسلامية العالم بنهضة علمية شهدت لها كل الأمم والشعوب إلى الوقت الحاضر، فأبدع علماء المسلمين في كل العلوم من الطب والهندسة والجبر والكيمياء والفلك، ولا زالت لمساتهم باقية على العلوم من قواعد ونظريات وأسماء أطلقوها في ذلك الوقت، باقية حتى يومنا هذا. وعلم الطب، علماً إلهامياً، أوحى الله به إلى أنبيائه، فكان الرسول الكريم(ص) وأئمة أهل البيت (ع) المشجع له، والراعي لطلابه. فقد ورد عن الرسول الأكرم (ص): (العلم علمان.. علم الأديان وعلم الأبدان)(23). فانتشرت العلوم الطبية كباقي العلوم انتشاراً واسعاً تأكيداً على الحكمة الإلهية، إذ بالصحة وصلاح البدن تصلح عبادة الله سبحانه وتعالى. وقال الإمام علي (ع): (العلم حياة)(24) وهو تأكيد على أهمية الطب لاستمرارية الحياة البشرية. وكان الإمام الصادق (ع) يدرّس الطب على تلامذته، وقد نبغ الكثير منهم، مثل جابر بن حيان الكوفي، وبرع علماء مسلمون على مدى العصور السالفة كابن الهيثم، وابن سينا والرازي وغيرهم، فموروثنا الإسلامي كتب ومؤلفات كثيرة في العلوم عامة، والطب خاصة أغنت المكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات منها (طب النبي)(ص) و(طب الإمام الصادق (ع)) (طب الأئمة (ع)) و(طب الإمام الرضا (ع)) وغيرها. ومما لا ريب فيه أن الإمام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) كان على إلمام تام بموضوع الطب وما يتعلق به، ورفد المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الغزيرة في شتى العلوم وبالذات كتب الطب، فقد كتب بإسهاب على العديد من الظواهر الطبية والأمراض ووضع حلول وعلاجات شاخصة لطالبي العلم كافة، فقد كتب بالتفصيل عن الطبائع والأمزجة وعن الأشياء ومنافعها ومضارها، بالإضافة إلى توضيحه الدقيق لمسألة الدم ومكوناته وأهميته لبنية جسم الكائن الحي، مما ثبت في مجال لا يقبل الشك، وقوفه وبراعته في خصوصيات هذا العلم، كما أن سماحته أبدع أيضاً في الكتابة عن الطبائع وفوائد الأدوية كوسيلة للعلاج المجرب، وكانت دراساته واهتماماته في معرفة علم وظائف الأعضاء والذي يسمونه حديثاً (فسيولوجيا الأعضاء) مثار اهتمام الكثير من أطباء الحال الحاضر. وكان (رحمه الله) سباقاً إلى توضيح وتفسير أهمية خواص الأعضاء وفوائدها وكذلك علاج بعض الأمراض والأوجاع بالإضافة إلى أنه كان سباقاً في تأكيد إرشاداته في موضوع الحمية من العديد من الأمراض، موضحاً أهمية الحمية في جميع المراحل العمرية للإنسان عن طريق فرض رقابة غذائية متميزة على ما يتناوله الإنسان بالإضافة إلى القيام بفعاليات رياضية معتدلة والإهتمام بنظافة البدن. لذلك نرى الإمام (رحمه الله) يتطرق إلى أهمية الحمية في العديد من كتبه ويرسم لها منهجية رائدة للعلاج منسجمة مع رؤيته التشخيصية للأمراض وكيفية الوقاية منها. وكانت رؤيته (قدس سره) على جعل الطب بأيدي الناس، وهو ما ندعوه الطب المجرب، حيث كان (رحمه الله) يدعو بإلحاح إلى العودة إلى هذا النوع من الطب وتنميته للإستفادة منه في عالم اليوم، لأنه جرب آلاف المرات وكان ملائماً للأبدان، وقاية وعلاجاً، من حيث أنه كان يصرف أقل المال، وفي ظرف قليل وبشفاء سريع وأخطار ضئيلة جداً حتى إذا ما تقدم الغرب، في جانب من جوانب الحياة، نبذ الطب المجرب حتى ظن الناس أن كل شيء يأتي به الغزاة المستعمرون هو خير وأبقى، وإذا بالناس يهرعون إلى الطب الحديث، قراءة وعلاجاً كما هرعوا إلى مظاهر المدنية الحديثة من دون تجربة سابقة ولا دليل واضح. فيقول في هذا الجانب (رحمه الله). (وقد حدثت مطاحنات بين الطب الحديث والطب المجرب، أول الأمر، ولكن اختنق الثاني بالنار والحديد، وقد كنت أرى قبل عشرين سنة تقريباً أن الأطباء القدماء يساقون إلى المحاكم، ويؤخذ منهم الكفالات والضمانات، ويهددون بالسجون، والغرامات، إن اقترفوا إعطاء (نسخة) أو علاج مريض، كما كانت الصيدلية القديمة المتمثلة بدكان العطارين، على وضعها البسيط، تكفي كما تكفي الآنية، ويؤخذ الإلتزام من أصحابها، لئلا يبيعوا عقاراً أو يصنعوا دواءاً.وهكذا تمشى الطب الحديث على الأشلاء، في ظلال الأحكام المستوردة بحكامها وسجونها وغراماتها)(25). وبهذا السبب انهار الطب المجرب، في كل مكان، من المستعمرات إلا في الهند فإن أطبائها القدماء صمدوا أمام الإستعمار، لذا ظلَّ الطب المجرب باقياً إلى جانب الطب الحديث بخلاف سائر البلدان، التي أُزيح فيها الطب المجرب بكل قوة، ولم يمهل لأن يدافع عن نفسه ولو بشطر كلمة. ثم جاء الطب الحديث.. وقد خلا له الجو، فماذا صنع؟. وإن الطب المجرب سيرجع إلى الوجود ولكن المهم أن يعي ذلك جماعة أهل العمل والجد، حتى يسعوا في إعادة الطب الصحيح في أقرب فرصة، وإلا فإن بقى هذا الطب فإنّه يسبب مرض الناس جميعاً. كل هذه التعاليم والأفكار التي شكلت المنظار الروحي والعملي لفكر الإمام حول قدسية التزام المجتمع بالطب المجرب وجعله الأساس إلى إعادة الطب القويم وعليه فأن الإمام يعالج ذلك بحكمة فريدة حين يقول: وإني وان لم اكن طبيباً بالمعنى القديم، ولا دكتوراً بالمعنى الحديث، ولكن المقارنات والمباحثات التي جرت بيني وبين جماعة من الصنفين والمشاهدات الخارجية. ودراستي لبعض الطب القديم، وبعض مبادئ الطب الحديث جعلتني اشعر بوجوب إنقاذ البشرية من براثن هذا الطب، كما يجب إنقاذها من براثن القنابل والصواريخ). وهذا هو السبب الذي دعا الإمام القيام في تلخيص وشرح كتاب (التحفة) وكذلك طبع لمساته وإبداعاته في شرح مقدمة كتاب القرشي، لكي ينشر هذا النوع من الطب، رافداً المكتبة الإسلامية في زمن التقدم الهائل للطب اليوم وليكون لبنة في بناء الطب المجرب من جديد. يعرف الإمام الشيرازي الطب المجرب (وهو ـ في الإصطلاح ـ علم يعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة الصحة والمرض والغاية منه حفظ الصحة الكائنة واسترداد الصحة الزائلة). وحين يقوم الإمام بشرح مقدمة كتاب (المصنف الحبر المتطبب علي بن أبي الحزم القرشي) يرتب الكتاب إلى أربعة فنون (فصول). 1- الفصل الأول في قواعد جزئَيْ الطب العلمية والعملية، يوضح الإمام الشيرازي قواعد الطب بأنها: (علمية) وهي القواعد التي تفيد العلم والإعتقاد من دون أن يتعلق بكيفية مباشرة العمل أي قواعد نظرية بحتة تتعلق بالتفسيرات النظرية والفكرية لعلم الطب. و(عملية) وهي القواعد التي تفيد العلم بما يتعلق بمباشرة العمل أي تطبيق عملي للأفكار والمبادئ العلمية الواردة في الجزء الأول من الفصل. 2- الفصل الثاني في الأدوية والأغذية المفردة والمركبة، وهنا يقسم الإمام الفقيد الأدوية بأنها مفردة (الأهليلج) ومركبة (الاطريفل) وكذلك يقسم الإمام الغذاء، مفرد (اللحم) ومركب (ماء اللحم). 3- الفصل الثالث في الأمراض المختصة بعضو عضو، أسبابها وعلاماتها ومعالجتها، ثم ينتقل الكتاب إلى الأمراض، كأمراض العين والأذن والمخ فيوضح الإمام في مقدمته بالمسبب والمراد به ما يوجب المرض، والعلامة ما يوجب الشخص بمعرفته بالمرض التشخيص دون غيره، إذ كل عضو يصاب بآلام كثيرة فاحتاج الطبيب إلى علامات التشخيص. ثم المعالجة وهي المرحلة الأخيرة التي يتوجب بها الصحة والوصول إلى الشفاء، وقد كان من ألطاف الله سبحانه وتعالى أن جعل لكل مرض علامة وعلاجاً. 4- الفصل الرابع في الأمراض التي لا تختص بعضو دون عضو، وهنا يصوغ الإمام الشيرازي قضية معالجته للأمراض التي تصيب جميع الجسم مثلاً الحمى التي تعم جميع البدن، والأورام التي لا تختص بعضو، وإنما يعرض لكل عضو، فعدم الاختصاص إما من حيث العموم، أو من حيث الإحتمال. فيتناول الإمام (رحمه الله) موضوع الأمزجة معللاً أن الأمزجة تختلف باختلاف أحوال الطبيعة معتبراً إن سكان مناطق خط الإستواء وحواليه أعدل الأمزجة فيقول معللاً ذلك (أن الشمس لا تبتعد عنهم كثيراً حتى يبرد عليهم كثيراً ولا تلبث على سمت رأسهم كثيراً حتى تشتد حرارة صيفهم فيسبب أحد الأمرين انحراف أمزجتهم). ومرة أخرى يضع الإمام عامل العمر وتأثيره على أمزجة البشر فالشباب أعدل والصبيان يساوونهم في الحرارة لكنهم أرطب فلذلك حرارتهم ألين، والكهل والشيخ باردان يابسان. وبعد أن يذهب الإمام إلى تقسيم سن الإنسان إلى أربعة مراحل: الأول: الحداثة - ما بين الولادة والثلاثين. الثاني: الشباب - ما بين الثلاثين والأربعين. الثالث: الكهولة - ما بين الأربعين والستين. الرابع: الشيخوخة ما بين الستين إلى آخر العمر. يؤكد علاقة الرطوبة والحرارة في جسم الإنسان وعمر الإنسان في تعديل الأمزجة فيقول (قدس سره): (وتبين أن الأحداث يساوون الشباب من ناحية الحرارة الغريزية، لكن الصبيان أرطب جسماً من الشبان لما عرفت أن رطوبتهم الغريزية أكثر من رطوبة الشباب، أي يكون رطوبة الصبيان أكثر كانت حرارتهم ألين، أي كلما كثرت الرطوبة قلت الحرارة، وحرارة الشبان أكثر حدة لعدم زيادة رطوبتهم الغريزية على حرارتهم الغريزية، والكهل والشيخ باردان لقلة الحرارة الغريزية فيهما فهما يابسان لفناء الرطوبة الغريزية، والشيخ أرطب من الكهل بسبب الرطوبة الغريبة الآتية من الخارج، فإنه لما ضعف هضمه استولت عليه الرطوبات الفضلية المنتقلة إليه بسبب الغذاء ونحوه، ولا يخفى أن هذه الرطوبة تزيد من جفاف الأعضاء الأصلية لأنها إذا اختفت بها منعتها من الإغتذاء بالغذاء الصالح المرطب لجوهرها وهي لا تصلح للتغذية فتجف لفقدانها الغذاء الرطب). وبهذه الرؤية التي يكشف فيها تأثير الرطوبة والحرارة على المراحل العمرية للإنسان ودورها في التأثير على أمزجة البشر فإنه يضع العلاجات بضرورية تحسين أمزجة الناس نحو المسار الأفضل. ثم يعود سماحة الإمام في جانب آخر إلى مسألة سوائل جسم الإنسان فيفسر تركيبها وتأثيرها من الناحية الطبية على جسم البشر فيدعوها بـ (الأخلاط). حيث يعتبر الأخلاط هي كل السوائل الموجودة في الجسم إضافة إلى الغذاء والدواء فيقول (الأخلاط هي ـ جم |