|
الباب السادس |
|
رؤى عقائدية |
|
تمهيد رؤى مضيئة حول المسائل العقائدية
من المبادئ التي اهتمت بها الحوزات العلمية وعلى مختلف الأزمنة والعصور وأولت لها العناية الخاصة، مسألة المباحث العقائدية، وأخذ العلماء الأعاظم في الطائفة الإمامية منهجية أهل البيت (ع) عنواناً في المطالب الاعتقادية وكشف وإزالة ما التبس على ذهنية الفرد المسلم في مراحل متعددة من سير الإسلام واصطدامه بالثقافات الأخرى، الشرقية منها والغربية مما أدى إلى التشويش في الأفكار وبروز معتقدات منحرفة في المجتمع الإسلامي. وكان لأهل البيت (ع) الدور الأكبر في أسلوب المحاججة مع الطرف الآخر وكانوا يعلّمون بعض أصحابهم أسلوب النقاش العلمي ويأذنون لهذا البعض بالمناقشة والمحاججة مع الآخرين. وهذا ما نراه واضحاً من إذن الإمام الصادق (ع) لـ (هشام بن الحكم) وتسديد الإمام له في إدارة مناظراته. والمبادئ العقائدية تبتنى على أصول خمسة وهي: 1ـ التوحيد 2ـ العدل 3ـ النبوة 4ـ الإمامة 5ـ المعاد. وهذه الأصول والمحاور تعتبر الأسس المتينة لبناء سعادة الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية. وهي القيم والمعارف التي لا يمكن للإنسان المعتقد بها أن يتنازل عنها بأيّ ثمنٍ كان ولو كلّف ذلك إزهاق نفسه وبذل مهجته دونها. وهذا ما جسّده النبي الأعظم (ص)، عندما جاء زعماء قريش وكبراؤها إلى أبي طالب (ع) عمّ النبي (ص) وطلبوا منه أن يأمر ابن أخيه بالكف عن تسفيه آلهتهم وأن يترك تبليغ الإسلام وعبادة الله الواحد الأحد وأن يعطوه من المال حتى يكون أغنى رجل في قريش، فلما بلغَتهُ (ص) مقالتهم، قال رسول الله (ص): (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته..) (بحار الأنوار/ج18ص183). وهذا الإمام الحسين (ع) يقوم بهذا القيام العظيم من أجل إحياء قيم ومبادئ السماء بعدما طمست بعضها المصالح والأغراض وحرفّت بعضها المنافع والأهواء. فأعطى نفسه رخيصة دونها وبذل مهجته ومهجة أولاده وأصحابه من أجل المبادئ السامية والمعارف العالية، لأنه امتداد النبوة وبه استمرارية الإمامة ويتجلى هذا واضحاً في قول رسول الله (ص): (حسين مني وأنا من حسين) وقبل الإمام الحسين (ع)، كان مولى الموحدين أمير المؤمنين والإمام الحسن (ع) ومن بعده (ع)، أولاده الأبرار والأئمة الأطهار (ع)، الذين أخذوا يظهرون بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة، الحقّ الذي هو أصلهم ويزهقون الباطل المتمثل بأعدائهم. وأنهم كنوز العلوم والمعارف الإلهية فأخذ الناس من منهلهم العذب ومعينهم الصافي الذي به يرتوي الظمآن وتنجلي ظلمة الحيران. ولو ألقينا نظرة متفحصةً في خطب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) في نهج البلاغة، نرى كيف يمتدح الخالق بأروع مدح وأجمل قول ويبيّن عظمته عز ّوجلّ، ثم ينحدر كالسيل في جريانه في بيان النبوة وعلو شأنها وكذا الإمامة ورفيع مقامها والآخرة ومعادها والنار وزفراتها وأهوالها ودركاتها والجنة ونضارتها ونعيمها وحسن مستقرها. وهذه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بنت خير البرية (ص) لو نظرنا إلى خطبتها(1) التي أشارت فيها إلى أرقى المطالب البرهانية وأجمل النكات الإعتقادية في إثبات الصانع جل ذكره وبيان مقام النبوة واللطف الإلهي الذي منّ الله به على الإنسانية بإرسال النبي المصطفى (ص) وبجعل منصب الإمامة من بعده (ص) وأنها محور وركيزة لبقاء الإسلام ووحدة الأمة وتلاحم قواها وطاقاتها. حيث تقول سلام الله عليها: (وطاعتنا: نظاماً للملة، وإمامتنا: أماناً للفرقة). هذه الخطبة ألقتها على مسامع القوم ولم يمض على رحيل النبي الأعظم(ص) سوى أيام معدودة مما يدل على العناية الخاصة التي أولاها أهل البيت (ع) لهذه القيم والأفكار الاعتقادية، لأنها سبب سعادة الإنسان في كل ميادين حياته، كما أنها عناصر بناء المجتمع الموحد المتمدن الناهض ولا إيمان حقيقي للمسلم إن لم يكن قد آمن ورضي بهذه الأصول الخمسة واطمئن بها وأوجد الدليل عليها كما دلت عليه البراهين العقلية والنقلية. فالعقيدة هي مجموعة أفكار ومبادئ معينة يحيط بها ذهن الإنسان ويرتبط بها قلبه ارتباطاً وثيقاً على مستوى التصديق والإذعان والتدين عن قناعة ورضى بها بحيث لا يمكن فلّها وانتزاعها. وأساس هذه المبادئ يعبر عنها في الإسلام بالعقائد وأولها هو التوحيد ومعناه يتبلور في كلمة (لا إله إلا الله) التي كانت أول كلمة صدرت من صاحب الرسالة الإلهية، محمد المصطفى (ص) حيث قال: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وهذه الكلمة هي المحور الرئيسي الذي تدور حوله المحاور الأخرى من العقائد وهذه هي الكلمة التي يعبر عنها الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف) في كتابه الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرّفاه والسلام، برمز الحرية ويقول أعلى الله مقامه (كلمة التوحيد، رمز الحرية)(2).
أصالة الحرية: (الأصل في الإنسان الحرية، في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر وهو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فإنه هو الذي خلقه ورزقه وكل أموره بيده، لا تصرفاً فقط، بل بقاءً أيضاً حيث أن الإنسان باق بإرادة الله تعالى، فإن أقل لحظة صرف الله لطفه عن الإنسان يلحقه بالعدم)(3). الإسلام دين الحرية الإنسانية وبدونها تبطل غايات الرسالة وأهداف البعثة، ولم تعد التكاليف التي كلف الله تعالى بها الإنسان صحيحة مقبولة لدى العقلاء وذلك لأن الأوامر والنواهي التي أصدرها الشارع المقدس لتكليف البشر، معللة بالأغراض والمصالح والغرض من التكليف هو امتحان البشر في طاعتهم ومعصيتهم وترتيب آثارهما في الثواب والعقاب حسبما أشارت إليه بعض الآيات القرآنية: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك: 2). (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56). والإمتحان وتحقيق نتائجه يتوقف عقلاً وحكمةً على أن يكون الإنسان حُراً في أعماله، لكي تصح تسميته أنه مطيع أو عاص، لأن المجبور على أداء الوظائف وإنجاز الأعمال من غير المعقول عند العقلاء أن نسميه أنه مطيع أو عاص. فإذا لم يجعل الله سبحانه الإنسان حُراً في إنجاز أعماله وشؤونه ومع ذلك يكلّفه بالأوامر والنواهي لغرض امتحانه، لكان هذا من أقبح القبائح للزوم نقض الغرض. لأن الغرض من التكليف هو الإمتحان والإمتحان يستدعي الحرية في المكلّف فإذا كان المكلف مجبراً على العمل كان قد نقض هدفية الإمتحان و غرضية الإختبار وهذا ليس من شأن العاقل الحكيم تعالى عن ذلك علواً كبيراً. ونحن نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة و لا يكلف عباده ما لا يطيقون ولا يطلب منهم أن يتعبّدوا بما ليس لهم إليه سبيل ولا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يعذّب أحداً على ما ليس من فعله ولا يلومه على ما صدر جبراً عنه وهو المنزه عن القبائح، والعقل يدرك أنه سبحانه، لعلمه وحكمته وقدرته وغناه، فلا يصدر عنه القبيح مطلقاً. وقد شرح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حقيقة الإرادة والحرية الإنسانية وارتباطها بالعدل الإلهي والجزاء والتكليف ويبين أن الحرية أصل أساسي في العقيدة الإسلامية حيث يقول صلوات الله عليه في جواب السائل الشامي: (ويحك! لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حاتماً ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد. إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً ولم يُكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يرسل الأنبياء لعباً ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (تصنيف نهج البلاغة: ص177). مضافاً إلى أن الكمال الإنساني والعبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى الذي هو هدف وغاية خلق الإنسان في هذه الدنيا، لا يتحقق إلا في إطار الحرية، فالحرية أمر فطري ووجداني يجده كل إنسان في نفسه والعقل يراه ويحكم به والنصوص الشرعية من القرآن والسنة تدل عليه كما يستدل الإمام الراحل أعلى الله مقامه بها في كتابه الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام(4) حيث يقول: فحديث الحرية في القرآن الحكيم وفي الأحاديث وفي الفقه الإسلامي متواتر بل وفوق التواتر. قال سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية:21-22). وقال تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق:45). وفي حديث عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حُراً). ثم يقول الإمام الشيرازي (قدس سره): إن الإسلام إذا رأى الإنسان لا يقبل الحرية المطلقة في الآخرة يطلب منه أن يكون حُراً في الدنيا كما قال الإمام الحسين (ع) لمن جاء لمحاربته: (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم)(5) إذن لا بدّ من القول بالحرية والاختيار لأنها هي أصل عقائدي يدخل في إطار العدل الإلهي والأصول العقائدية وعليه يقوم الإيمان والعمل. شمولية الحرية: يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتاب (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) (6): حديث الحرية في الإسلام حديث طويل يحتاج إلى مجلدات من الكتب لبحث مختلف الحريات الممنوحة من قبل الإسلام والذي يظهر للمتتبع أن الحريات الممنوحة في الإسلام مائة في مائة، بينما الحرّيات الممنوحة في العالم المسمى بـ(العالم الحرّ) عشرة في المائة أو أقل منه. ثم يقول: فالحرية ـ إذاً ـ عامة لجميع الناس حتى الكفار، في مختلف أنواع الحقول. منها الحرية الفكرية ـ أي حرية البحث والمناقشة في البحوث العلمية والبحوث الدينية ـ. ومنها الحرية الإقتصادية ـ أي حرية الإكتساب بجميع أنحاءها ـ. ومنها الحرية الدينية ـ أي التسامح نحو الأديان الأخرى ـ. ويشير (قدس سره) في كتابه (الفقه - الحريات) إلى أكثر من مائة حرية إسلامية ونحن نبحث حول الحرية الدين والعقيدة من تلك الحريات الإسلامية. حرية الدين والعقيدة: إن تحرير الإنسان من أكبر الأهداف التي بعث من أجلها الأنبياء (ع) كما يستفاد من الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، وهذا التحرير لا يتوقف على جانب دون جانب بل حتى الإيمان والعقيدة التي تعتبر من أظهر مصاديق الحرية والتحرر جعلها الإسلام مفتوحة إلى الناس فمن شاء آمن ومن شاء كفر. فإنّ من أسوأ أنواع الإستبداد هو الإستبداد العقيدي وقد منح الإسلام الإنسان حريّته في انتخاب أية عقيدة يريد واكتفى هو بمجرد بيان الطريق الصحيح من السقيم والحق من الباطل والهدى من الضلال كما يشير إليه القرآن الحكيم في آيات عدة حيث يقول سبحانه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256). (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) (البقرة:256). (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان: 3). حتى أن الله يوصي رسوله العظيم (ص)، بأنّ تكليفه ودائرة مسؤوليتهُ الرسالية، تنحصر بالتذكير وبالتوجيه للبشر في إيمانهم واعتقادهم لا الجبر الناشئ عن الهيمنة والقوة حيث يقول سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية: 21-22). (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق:45). (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (كهف:29). وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يترك هذا الإنسان حراً مختاراً في حياته ورفض أن يكرهه على الإيمان والإعتقاد وتوحيده وكان في إمكانه ذلك ولكنه شاء أن يصنع الإنسان مسيره بنفسه وأعطاه المجال الواسع لأن يفكر ويعتقد ويتحرك في حرية كاملة بلا تقيد وإجبار، عن طريق استخدام عقله والتأمل فيما حوله، فليس في الإسلام محاكم لتفتيش العقائد ولا يحق لأحد أن يمارس دور الرقابة على أفكار الناس ونواياهم ومشاعرهم وانتماءاتهم كما كانت تفعله الكنيسة. وفي هذا المجال يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتابه (السبيل إلى إنهاض المسلمين)(7): (منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون مسلم قوامه، الحرية في العقيدة وفي إبداء الرأي وفي العمل، إذ ليس الإسلام ديكتاتوراً وقد قال سبحانه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (بقرة: 256) وقال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6) وكلنا نعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله(ص) ويناقشونه وهو يجادلهم بالتي هي أحسن كما قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125) وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (ع) ويناقشون الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام. فالإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء الرأي وحرية العمل والمعارضة والعمل السياسي والإعلامي وغيره.. ويجب أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات الناس كافة، حتى أن المشرك لا يجبر على ترك شركه، فعُبّاد البقر، عُبّاد الوطن، عباد الصنم، عباد النار لا يجبرون على ترك عقائدهم بالسيف والسجن، ولم يكن رسول الله يجبر أحداً من هؤلاء ولا علي (ع) ). وقد ذكر (قدس سره) بعض الحريات في (الفقه: كتاب الجهاد) وكذلك ذكر بعضها في كتب: (الحكم في الإسلام) و(إلى حكم الإسلام) و(هكذا الإسلام) و(إلى حكومة ألف مليون مسلم) وغير هذه الكتب.. - وفي كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) (8) يؤصِّل الإمام الراحل (قدس سره) للحرية في سيرة أهل البيت (ع) حيث يقول: وكان الإمام (أمير المؤمنين (ع)) يعطى للرأي حريته حتى رأي أعدائه، كما أنه كان يعطي سائر الحريات للناس. فقد روى المؤرخون: أنه لمّا ظهر الخوارج وأخذوا ينتقصون الإمام ويكفرونه ويقولون: لا حكم إلا لله (وهي كلمة حق يراد بها باطل)، كما قاله الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، لم يتعرض لهم الإمام بسوء، بل كان (كما في رواية) يجري عليها عطياتهم من بيت المال. وقد أراد أصحاب الإمام قتال هؤلاء بادئ الأمر، ولكن الإمام أبى عليهم ذلك، وأنكره وقال: إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا حاججناهم، وإن أفسدوا قاتلناهم. فقوله (ع): أن تكلموا حاججناهم، يعني أنّ الأمر بحاجة إلى المحاججة فما دام لا عدوان على نحو الإجرام منهم فهم وشأنهم. - وتحت عنوان الحرية للأديان الأخرى، يقول (قدس سره): (في روايات متواترة نرى إلزام الإسلام كل أهل ذي دين بما يلتزمون به، حيث يقرّ لهم الحرية في دينهم، مثل ما ورد عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الأحكام؟. قال: يجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلون. وفي رواية أخرى عن أبي الحسن (ع) أنه قال: (ألزموهم بما التزموا به ). وعن الصادق (ع) أنه قال: (كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمهم) ولذا نرى أن الإسلام لا يتعرض للمجوسي ونحوه إن نكح أُمّه وأُخته حيث أن ذلك جائز في دينه ـ وإن كان دينه في الواقع مزيفاً ـ لأن الإسلام لا يريد الإكراه للقاعدة المعروفة (القسر لا يدوم) وإنما يريد إعطاء الحرية لكل إنسان فيما يعمل حسب معتقده، وإنما يناقشه بالمنطق ولذا قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125). وفي روايات متعددة (أن المجوس يورثون على ما يعتقدون وأن لكل قوم نكاح). فقد روى الكليني عن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، قال: قذف رجل مجوسياً عند أبي عبد الله فقال له الصادق (ع) (مه) فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأخته، فقال: ذاك عندهم نكاح في دينهم)(9). وفي كتابه (الفقه السياسة) تحت عنوان حرية الدين بعد بيان الحرية الجسدية والعملية في الإسلام، يقول (قدس سره): الثاني ـ حرية الدين كما قال سبحانه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وفي هذا الأمر صور وفروع: لا يجبر إنسان أن يبدل دينه إلى الإسلام، سواء كان أهل كتاب، إجماعاً أو غير أهل كتاب، على الأظهر، بدليل إطلاق الآية المتقدمة، والرسول (ص) لم يجبر أحداً من المشركين على الإسلام، كما في أسارى بدر وأهل مكة، وأهل الطائف وغيرهم، وعمله (ص) حجة ـ كما لم يؤثر عن علي (ع) أنه أجبر كافراً غير كتابي على الإسلام، مع وضوح كثرة الوثنيين في زمانه(ع) تحت حكمه.. ثم يقول: .. الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام، لهم الحرية في إبراز عقيدتهم بدون أن يدعوا المسلمين إليها، كما أن لهم الحرية في إجراء مراسيم عباداتهم ولا يتعرض مسلم لهم بسوءٍ ولهم أن يعملوا حسب شريعتهم في عقدهم ونكاحهم وإرثهم وعباداتهم بشرط أن لا يظهروا بالمناكير الإسلامية.. وإذا فعل الكفار المنكرات في دينهم لم تمنعهم الدولة فليس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالنسبة إلى المسلمين(10).. فإذن نرى أن الإسلام في الوقت الذي يبني فكر الإنسان المسلم ومشاعره، على أساس عبادة الله وتوحيده والالتزام بدينه الحق فإنها تركز في ذات الوقت على احترام الإنسان كإنسان مهما كان دينه أو مذهبه، ما لم يكن معتدياً ظالماً أو محارباً للحق. وكما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)(11). واحترام الإنسان يعني حرمة حقوقه المادية، كجسده وماله. وحقوقه المعنوية، كحريته وكرامته واختياره لدينه. والقرآن الحكيم يشجع المسلمين على البر والإحسان للكفار غير المحاربين ويقول سبحانه: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة: 8). والإسلام يربي أبنائه على احترام الآخرين حينما ينهى القرآن الحكيم المسلمين عن سب أصنام الكفار وأوثانهم ولا يرضى الإسلام تبادل الإهانة والسب كلغة حوار وتعامل بين أصحاب الأديان حيث يقول سبحانه وتعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 108). وقد روى جعفر بن أحمد القمي أن النبي الأعظم (ص) قال: (من قتل رجلاً من أهل الذمّة حرّم الله عليه الجنة التي توجد ريحها مسيرة اثنى عشر عاماً)(12). الحوار والحرية الفكرية: نقل التاريخ جملة من الحوارات الفكريّة الّتي حصلت في زمن النبي الأعظم (ص) وفي زمن الأئمة الطاهرين بل روى لنا جملة من المحاورات الهامة التي أجراها أهل البيت (ع) مع علماء الأديان والمذاهب المختلفة كما نراها جليةً في مثل كتاب الاحتجاج للطبرسي.. وهذا خير دليل على إيمان الإسلام بالحرية الفكرية وتأكيده على أسلوب الحوار والمناظرة في نقد الأفكار والدّعوة إلى التوحيد بأسلوب حر ومفتوح، كما نرى أن الإمام الصادق (ع) يعالج الشبهات حيث كان الملحدون والزنادقة يسعون لنشر أفكارهم التشكيكية حتى في الأماكن المقدسة للمسلمين، كالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، لكن الإمام (ع) لم يعالج ذلك بالتشنج والانفعال بل اتبع أسلوب الإحترام والحوار في مناقشته لهم والرد على إشكالاتهم وآرائهم المنحرفة، بل كان يتحاور معهم في جوّ من الحرية والإنفتاح، حتى اعترف له أقطابهم بالتفوق والتميز الأخلاقي الرفيع. والإمام علي بن موسى الرضا (ص) حيث عقد مجلس مهيب للمناظرة والحوار بينه ( وبين قادة الأديان والمبادئ وشارك فيه الجاثليق كبير النصارى ورأس الجالوت زعيم اليهود والهربذ الأكبر ممثل الزرادشتيه، وعمران الصابي قطب الصائبة والفيلسوف قسطاس الروحي وجمع من المتكلمين وكان المتصدي لمحاورتهم ومناظرتهم وقد انعقد هذا المحفل خلال الثلاث سنوات الأولى من القرن الثالث الهجري في مرو عاصمة الخلافة آنذاك. وذلك الحوار يمثل وثيقة تاريخية وفكرية عظيمة لمدرسة أهل البيت (ع) الحوارية كما إنه حوار يعكس الحرية والإنفتاح والعلم والأدب وغيرها من الصفات التي تحلّى بها الأئمة (ع). والإمام الراحل أعلى الله مقامه كان يقتدي بالنبي الأعظم (ص) والأئمة الأطهار (ع) في هذا المجال حيث كان له في بعض جوانب حياته (قدس سره) حوارات ومناقشات مع غير المسلمين من معتنقي الأديان الأخرى كالمسيحية وكذلك مع الماركسيين والشيوعيين، ويذكر أنه (قدس سره) حاور بعض الشيوعيين المتعصبين وبعد نقاش طويل ومحاججات كثيرة اق |