►► فهرس
►► فهرس

الباب السادس

رؤى عقائدية

 

  تمهيد

  الحرية في العقيدة

  الصعود إلى درجات الكمال

  رؤى مضيئة حول المسائل العقائدية

  

 

تمهيد

من المبادئ التي اهتمت بها الحوزات العلمية وعلى مختلف الأزمنة والعصور وأولت لها العناية الخاصة، مسألة المباحث العقائدية، وأخذ العلماء الأعاظم في الطائفة الإمامية منهجية أهل البيت (ع) عنواناً في المطالب الاعتقادية وكشف وإزالة ما التبس على ذهنية الفرد المسلم في مراحل متعددة من سير الإسلام واصطدامه بالثقافات الأخرى، الشرقية منها والغربية مما أدى إلى التشويش في الأفكار وبروز معتقدات منحرفة في المجتمع الإسلامي.

وكان لأهل البيت (ع) الدور الأكبر في أسلوب المحاججة مع الطرف الآخر وكانوا يعلّمون بعض أصحابهم أسلوب النقاش العلمي ويأذنون لهذا البعض بالمناقشة والمحاججة مع الآخرين.

وهذا ما نراه واضحاً من إذن الإمام الصادق (ع)  لـ (هشام بن الحكم) وتسديد الإمام له في إدارة مناظراته.

والمبادئ العقائدية تبتنى على أصول خمسة وهي:

1ـ التوحيد 2ـ العدل 3ـ النبوة 4ـ الإمامة 5ـ المعاد.

وهذه الأصول والمحاور تعتبر الأسس المتينة لبناء سعادة الإنسان في حياته الدنيوية والأخروية.

وهي القيم والمعارف التي لا يمكن للإنسان المعتقد بها أن يتنازل عنها بأيّ ثمنٍ كان ولو كلّف ذلك إزهاق نفسه وبذل مهجته دونها.

وهذا ما جسّده النبي الأعظم (ص)، عندما جاء زعماء قريش وكبراؤها إلى أبي طالب (ع) عمّ النبي (ص) وطلبوا منه أن يأمر ابن أخيه بالكف عن تسفيه آلهتهم وأن يترك تبليغ الإسلام وعبادة الله الواحد الأحد وأن يعطوه من المال حتى يكون أغنى رجل في قريش، فلما بلغَتهُ (ص) مقالتهم، قال رسول الله (ص): (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته..) (بحار الأنوار/ج18ص183).

وهذا الإمام الحسين (ع) يقوم بهذا القيام العظيم من أجل إحياء قيم ومبادئ السماء بعدما طمست بعضها المصالح والأغراض وحرفّت بعضها المنافع والأهواء. فأعطى نفسه رخيصة دونها وبذل مهجته ومهجة أولاده وأصحابه من أجل المبادئ السامية والمعارف العالية، لأنه امتداد النبوة وبه استمرارية الإمامة ويتجلى هذا واضحاً في قول رسول الله (ص): (حسين مني وأنا من حسين) وقبل الإمام الحسين (ع)، كان مولى الموحدين أمير المؤمنين والإمام الحسن (ع) ومن بعده (ع)، أولاده الأبرار والأئمة الأطهار (ع)، الذين أخذوا يظهرون بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة، الحقّ الذي هو أصلهم ويزهقون الباطل المتمثل بأعدائهم.

وأنهم كنوز العلوم والمعارف الإلهية فأخذ الناس من منهلهم العذب ومعينهم الصافي الذي به يرتوي الظمآن وتنجلي ظلمة الحيران.

ولو ألقينا نظرة متفحصةً في خطب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) في نهج البلاغة، نرى كيف يمتدح الخالق بأروع مدح وأجمل  قول ويبيّن عظمته عز ّوجلّ، ثم ينحدر كالسيل في جريانه في بيان النبوة وعلو شأنها وكذا الإمامة ورفيع مقامها والآخرة ومعادها والنار وزفراتها وأهوالها ودركاتها والجنة ونضارتها ونعيمها وحسن مستقرها.

وهذه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بنت خير البرية (ص) لو نظرنا إلى خطبتها(1) التي أشارت فيها إلى أرقى المطالب البرهانية وأجمل النكات الإعتقادية في إثبات الصانع جل ذكره وبيان مقام النبوة واللطف الإلهي الذي منّ الله به على الإنسانية بإرسال النبي المصطفى (ص) وبجعل منصب الإمامة من بعده (ص) وأنها محور وركيزة لبقاء الإسلام ووحدة الأمة وتلاحم قواها وطاقاتها. حيث تقول سلام الله عليها: (وطاعتنا: نظاماً للملة، وإمامتنا: أماناً للفرقة).

هذه الخطبة ألقتها على مسامع القوم ولم يمض على رحيل النبي الأعظم(ص) سوى أيام معدودة مما يدل على العناية الخاصة التي أولاها أهل البيت (ع) لهذه القيم والأفكار الاعتقادية، لأنها سبب سعادة الإنسان في كل ميادين حياته، كما أنها عناصر بناء المجتمع الموحد المتمدن الناهض ولا إيمان حقيقي للمسلم إن لم يكن قد آمن ورضي بهذه الأصول الخمسة واطمئن بها وأوجد الدليل عليها كما دلت عليه البراهين العقلية والنقلية.

فالعقيدة هي مجموعة أفكار ومبادئ معينة يحيط بها ذهن الإنسان ويرتبط بها قلبه ارتباطاً وثيقاً على مستوى التصديق والإذعان والتدين عن قناعة ورضى بها بحيث لا يمكن فلّها وانتزاعها.

وأساس هذه المبادئ يعبر عنها في الإسلام بالعقائد وأولها هو التوحيد ومعناه يتبلور في كلمة (لا إله إلا الله) التي كانت أول كلمة صدرت من صاحب الرسالة الإلهية، محمد المصطفى (ص) حيث قال: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وهذه الكلمة هي المحور الرئيسي الذي تدور حوله المحاور الأخرى من العقائد وهذه هي الكلمة التي يعبر عنها الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف) في كتابه الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرّفاه والسلام، برمز الحرية ويقول أعلى الله مقامه (كلمة التوحيد، رمز الحرية)(2).

 

الحرية في العقيدة

أصالة الحرية:

(الأصل في الإنسان الحرية، في قبال الإنسان الآخر، بجميع أقسام الحرية إذ لا وجه لتسلط إنسان على إنسان آخر وهو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فإنه هو الذي خلقه ورزقه وكل أموره بيده، لا تصرفاً فقط، بل بقاءً أيضاً حيث أن الإنسان باق بإرادة الله تعالى، فإن أقل لحظة صرف الله لطفه عن الإنسان يلحقه بالعدم)(3).

الإسلام دين الحرية الإنسانية وبدونها تبطل غايات الرسالة وأهداف البعثة، ولم تعد التكاليف التي كلف الله تعالى بها الإنسان صحيحة مقبولة لدى العقلاء وذلك لأن الأوامر والنواهي التي أصدرها الشارع المقدس لتكليف البشر، معللة بالأغراض والمصالح والغرض من التكليف هو امتحان البشر في طاعتهم ومعصيتهم وترتيب آثارهما في الثواب والعقاب حسبما أشارت إليه بعض الآيات القرآنية:

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الملك: 2).

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

والإمتحان وتحقيق نتائجه يتوقف عقلاً وحكمةً على أن يكون الإنسان حُراً في أعماله، لكي تصح تسميته أنه مطيع أو عاص، لأن المجبور على أداء الوظائف وإنجاز الأعمال من غير المعقول عند العقلاء أن نسميه أنه مطيع أو عاص.

فإذا لم يجعل الله سبحانه الإنسان حُراً في إنجاز أعماله وشؤونه ومع ذلك يكلّفه بالأوامر والنواهي لغرض امتحانه، لكان هذا من أقبح القبائح للزوم نقض الغرض. لأن الغرض من التكليف هو الإمتحان والإمتحان يستدعي الحرية في المكلّف فإذا كان المكلف مجبراً على العمل كان قد نقض هدفية الإمتحان و غرضية الإختبار وهذا ليس من شأن العاقل الحكيم تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

ونحن نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة و لا يكلف عباده ما لا يطيقون ولا يطلب منهم أن يتعبّدوا بما ليس لهم إليه سبيل ولا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يعذّب أحداً على ما ليس من فعله ولا يلومه على ما صدر جبراً عنه وهو المنزه عن القبائح، والعقل يدرك أنه سبحانه، لعلمه وحكمته وقدرته وغناه، فلا يصدر عنه القبيح مطلقاً.

وقد شرح الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) حقيقة الإرادة والحرية الإنسانية وارتباطها بالعدل الإلهي والجزاء والتكليف ويبين أن الحرية أصل أساسي في العقيدة الإسلامية حيث يقول صلوات الله عليه في جواب السائل الشامي:

(ويحك! لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حاتماً ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد. إن الله سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً ولم يُكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يرسل الأنبياء لعباً ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (تصنيف نهج البلاغة: ص177).

مضافاً إلى أن الكمال الإنساني والعبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى الذي هو هدف وغاية خلق الإنسان في هذه الدنيا، لا يتحقق إلا في إطار الحرية، فالحرية أمر فطري ووجداني يجده كل إنسان في نفسه والعقل يراه ويحكم به والنصوص الشرعية من القرآن والسنة تدل عليه كما يستدل الإمام الراحل أعلى الله مقامه بها في كتابه الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام(4) حيث يقول:

فحديث الحرية في القرآن الحكيم وفي الأحاديث وفي الفقه الإسلامي متواتر بل وفوق التواتر.

قال سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية:21-22).

وقال تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق:45).

وفي حديث عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حُراً).

ثم يقول الإمام الشيرازي (قدس سره): إن الإسلام إذا رأى الإنسان لا يقبل الحرية المطلقة في الآخرة يطلب منه أن يكون حُراً في الدنيا كما قال الإمام الحسين (ع) لمن جاء لمحاربته: (إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم)(5)

إذن لا بدّ من القول بالحرية والاختيار لأنها هي أصل عقائدي يدخل في إطار العدل الإلهي والأصول العقائدية وعليه يقوم الإيمان والعمل.

شمولية الحرية:

يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتاب (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) (6):

حديث الحرية في الإسلام حديث طويل يحتاج إلى مجلدات من الكتب لبحث مختلف الحريات الممنوحة من قبل الإسلام والذي يظهر للمتتبع أن الحريات الممنوحة في الإسلام مائة في مائة، بينما الحرّيات الممنوحة في العالم المسمى بـ(العالم الحرّ) عشرة في المائة أو أقل منه.

ثم يقول: فالحرية ـ إذاً ـ عامة لجميع الناس حتى الكفار، في مختلف أنواع الحقول.

منها الحرية الفكرية ـ أي حرية البحث والمناقشة في البحوث العلمية والبحوث الدينية ـ.

ومنها الحرية الإقتصادية ـ أي حرية الإكتساب بجميع أنحاءها ـ.

ومنها الحرية الدينية ـ أي التسامح نحو الأديان الأخرى ـ.

ويشير (قدس سره) في كتابه (الفقه - الحريات) إلى أكثر من مائة حرية إسلامية ونحن نبحث حول الحرية الدين والعقيدة من تلك الحريات الإسلامية. 

حرية الدين والعقيدة:

إن تحرير الإنسان من أكبر الأهداف التي بعث من أجلها الأنبياء (ع) كما يستفاد من الآيات القرآنية وأحاديث المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، وهذا التحرير لا يتوقف على جانب دون جانب بل حتى الإيمان والعقيدة التي تعتبر من أظهر مصاديق الحرية والتحرر جعلها الإسلام مفتوحة إلى الناس فمن شاء آمن ومن شاء كفر.

فإنّ من أسوأ أنواع الإستبداد هو الإستبداد العقيدي وقد منح الإسلام الإنسان حريّته في انتخاب أية عقيدة يريد واكتفى هو بمجرد بيان الطريق الصحيح من السقيم والحق من الباطل والهدى من الضلال كما يشير إليه القرآن الحكيم في آيات عدة حيث يقول سبحانه:

(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256).

(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) (البقرة:256).

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان: 3).

حتى أن الله يوصي رسوله العظيم (ص)، بأنّ تكليفه ودائرة مسؤوليتهُ الرسالية، تنحصر بالتذكير وبالتوجيه للبشر في إيمانهم واعتقادهم لا الجبر الناشئ عن الهيمنة والقوة حيث يقول سبحانه:

(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية: 21-22).

(وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق:45).

(وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (كهف:29).

وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يترك هذا الإنسان حراً مختاراً في حياته ورفض أن يكرهه على الإيمان والإعتقاد وتوحيده وكان في إمكانه ذلك ولكنه شاء أن يصنع الإنسان مسيره بنفسه وأعطاه المجال الواسع لأن يفكر ويعتقد ويتحرك في حرية كاملة بلا تقيد وإجبار، عن طريق استخدام عقله والتأمل فيما حوله، فليس في الإسلام محاكم لتفتيش العقائد ولا يحق لأحد أن يمارس دور الرقابة على أفكار الناس ونواياهم ومشاعرهم وانتماءاتهم كما كانت تفعله الكنيسة.

وفي هذا المجال يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتابه (السبيل إلى إنهاض المسلمين)(7):

(منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون مسلم قوامه، الحرية في العقيدة وفي إبداء الرأي وفي العمل، إذ ليس الإسلام ديكتاتوراً وقد قال سبحانه:  (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (بقرة: 256) وقال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6) وكلنا نعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله(ص) ويناقشونه وهو يجادلهم بالتي هي أحسن كما قال سبحانه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125) وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (ع) ويناقشون الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام.

فالإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء الرأي وحرية العمل والمعارضة والعمل السياسي والإعلامي وغيره.. ويجب أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات الناس كافة، حتى أن المشرك لا يجبر على ترك شركه، فعُبّاد البقر، عُبّاد الوطن، عباد الصنم، عباد النار لا يجبرون على ترك عقائدهم بالسيف والسجن، ولم يكن رسول الله يجبر أحداً من هؤلاء ولا علي (ع) ).

وقد ذكر (قدس سره) بعض الحريات في (الفقه: كتاب الجهاد) وكذلك ذكر بعضها في كتب: (الحكم في الإسلام) و(إلى حكم الإسلام) و(هكذا الإسلام) و(إلى حكومة ألف مليون مسلم) وغير هذه الكتب..

- وفي كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) (8) يؤصِّل الإمام الراحل (قدس سره) للحرية في سيرة أهل البيت (ع) حيث يقول:

وكان الإمام (أمير المؤمنين (ع)) يعطى للرأي حريته حتى رأي أعدائه، كما أنه كان يعطي سائر الحريات للناس.

فقد روى المؤرخون: أنه لمّا ظهر الخوارج وأخذوا ينتقصون الإمام ويكفرونه ويقولون: لا حكم إلا لله (وهي كلمة حق يراد بها باطل)، كما قاله الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، لم يتعرض لهم الإمام بسوء، بل كان (كما في رواية) يجري عليها عطياتهم من بيت المال. وقد أراد أصحاب الإمام قتال هؤلاء بادئ الأمر، ولكن الإمام أبى عليهم ذلك، وأنكره وقال: إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا حاججناهم، وإن أفسدوا قاتلناهم.

فقوله (ع): أن تكلموا حاججناهم، يعني أنّ الأمر بحاجة إلى المحاججة فما دام لا عدوان على نحو الإجرام منهم فهم وشأنهم.

- وتحت عنوان الحرية للأديان الأخرى، يقول (قدس سره):

(في روايات متواترة نرى إلزام الإسلام كل أهل ذي دين بما يلتزمون به، حيث يقرّ لهم الحرية في دينهم، مثل ما ورد عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن الأحكام؟.

قال: يجوز على أهل كل ذي دين بما يستحلون.

وفي رواية أخرى عن أبي الحسن (ع) أنه قال: (ألزموهم بما التزموا به ).

وعن الصادق (ع) أنه قال: (كل قوم دانوا بشيء يلزمهم حكمهم) ولذا نرى أن الإسلام لا يتعرض للمجوسي ونحوه إن نكح أُمّه وأُخته حيث أن ذلك جائز في دينه ـ وإن كان دينه في الواقع مزيفاً ـ لأن الإسلام لا يريد الإكراه للقاعدة المعروفة (القسر لا يدوم) وإنما يريد إعطاء الحرية لكل إنسان فيما يعمل حسب معتقده، وإنما يناقشه بالمنطق ولذا قال سبحانه:

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

وفي روايات متعددة (أن المجوس يورثون على ما يعتقدون وأن لكل قوم نكاح).

فقد روى الكليني عن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، قال: قذف رجل مجوسياً عند أبي عبد الله فقال له الصادق (ع) (مه) فقال الرجل: إنه ينكح أمه وأخته، فقال: ذاك عندهم نكاح في دينهم)(9).

وفي كتابه (الفقه السياسة) تحت عنوان حرية الدين بعد بيان الحرية الجسدية والعملية في الإسلام، يقول (قدس سره):

الثاني ـ حرية الدين كما قال سبحانه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وفي هذا الأمر صور وفروع:

لا يجبر إنسان أن يبدل دينه إلى الإسلام، سواء كان أهل كتاب، إجماعاً أو غير أهل كتاب، على الأظهر، بدليل إطلاق الآية المتقدمة، والرسول (ص) لم يجبر أحداً من المشركين على الإسلام، كما في أسارى بدر وأهل مكة، وأهل الطائف وغيرهم، وعمله (ص) حجة ـ كما لم يؤثر عن علي (ع) أنه أجبر كافراً غير كتابي على الإسلام، مع وضوح كثرة الوثنيين في زمانه(ع)  تحت حكمه.. ثم يقول:

.. الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام، لهم الحرية في إبراز عقيدتهم بدون أن يدعوا المسلمين إليها، كما أن لهم الحرية في إجراء مراسيم عباداتهم ولا يتعرض مسلم لهم بسوءٍ ولهم أن يعملوا حسب شريعتهم في عقدهم ونكاحهم وإرثهم وعباداتهم بشرط أن لا يظهروا بالمناكير الإسلامية..

وإذا فعل الكفار المنكرات في دينهم لم تمنعهم الدولة فليس واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالنسبة إلى المسلمين(10)..

فإذن نرى أن الإسلام في الوقت الذي يبني فكر الإنسان المسلم ومشاعره، على أساس عبادة الله وتوحيده والالتزام بدينه الحق فإنها تركز في ذات الوقت على احترام الإنسان كإنسان مهما كان دينه أو مذهبه، ما لم يكن معتدياً ظالماً أو محارباً للحق.

وكما يقول الإمام أمير المؤمنين (ع):

(الناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)(11).

واحترام الإنسان يعني حرمة حقوقه المادية، كجسده وماله.

وحقوقه المعنوية، كحريته وكرامته واختياره لدينه.

والقرآن الحكيم يشجع المسلمين على البر والإحسان للكفار غير المحاربين ويقول سبحانه: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة: 8).

والإسلام يربي أبنائه على احترام الآخرين حينما ينهى القرآن الحكيم المسلمين عن سب أصنام الكفار وأوثانهم ولا يرضى الإسلام تبادل الإهانة والسب كلغة حوار وتعامل بين أصحاب الأديان حيث يقول سبحانه وتعالى:

(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 108).

وقد روى جعفر بن أحمد القمي أن النبي الأعظم (ص) قال: (من قتل رجلاً من أهل الذمّة حرّم الله عليه الجنة التي توجد ريحها مسيرة اثنى عشر عاماً)(12).

الحوار والحرية الفكرية:

نقل التاريخ جملة من الحوارات الفكريّة الّتي حصلت في زمن النبي الأعظم (ص)  وفي زمن الأئمة الطاهرين  بل روى لنا جملة من المحاورات الهامة التي أجراها أهل البيت (ع) مع علماء الأديان والمذاهب المختلفة كما نراها جليةً في مثل كتاب الاحتجاج للطبرسي.. وهذا خير دليل على إيمان الإسلام بالحرية الفكرية وتأكيده على أسلوب الحوار والمناظرة في نقد الأفكار والدّعوة إلى التوحيد بأسلوب حر ومفتوح، كما نرى أن الإمام الصادق (ع) يعالج الشبهات حيث كان الملحدون والزنادقة يسعون لنشر أفكارهم التشكيكية حتى في الأماكن المقدسة للمسلمين، كالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، لكن الإمام (ع) لم يعالج ذلك بالتشنج والانفعال بل اتبع أسلوب الإحترام والحوار في مناقشته لهم والرد على إشكالاتهم وآرائهم المنحرفة، بل كان يتحاور معهم في جوّ من الحرية والإنفتاح، حتى اعترف له أقطابهم بالتفوق والتميز الأخلاقي الرفيع.

والإمام علي بن موسى الرضا (ص) حيث عقد مجلس مهيب للمناظرة والحوار بينه ( وبين قادة الأديان والمبادئ وشارك فيه الجاثليق كبير النصارى ورأس الجالوت زعيم اليهود والهربذ الأكبر ممثل الزرادشتيه، وعمران الصابي قطب الصائبة والفيلسوف قسطاس الروحي وجمع من المتكلمين وكان المتصدي لمحاورتهم ومناظرتهم وقد انعقد هذا المحفل خلال الثلاث سنوات الأولى من القرن الثالث الهجري في مرو عاصمة الخلافة آنذاك.

وذلك الحوار يمثل وثيقة تاريخية وفكرية عظيمة لمدرسة أهل البيت (ع) الحوارية كما إنه حوار يعكس الحرية والإنفتاح والعلم والأدب وغيرها من الصفات التي تحلّى بها الأئمة (ع).

والإمام الراحل أعلى الله مقامه كان يقتدي بالنبي الأعظم (ص) والأئمة الأطهار (ع) في هذا المجال حيث كان له في بعض جوانب حياته (قدس سره) حوارات ومناقشات مع غير المسلمين من معتنقي الأديان الأخرى كالمسيحية وكذلك مع الماركسيين والشيوعيين، ويذكر أنه (قدس سره) حاور بعض الشيوعيين المتعصبين وبعد نقاش طويل ومحاججات كثيرة اقتنعوا ورجعوا إلى الإيمان بالله بعدما أنكروا فطرتهم وتنكروا لها.

وهذا مما يدل على عمق رؤية الإمام الراحل (قدس سره) ونظرته الشمولية التي ينظر بها للإنسانية بأنها هي الأساس في التعامل بين الأفراد وأنها سمة عظيمة يتحلى بها ذوو الألباب.

بحيث أنه كان ينتهج مسلك أهل البيت (ع) في التعامل مع الآخرين حيث كانوا صلوات الله وسلامه عليهم يحترمون الطرف الآخر بغض النظر عن المعتقد الذي يدينُ به والطقوس التي يؤديها، لأنهم هم الذين يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأنهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وهم المثل الأعلى والدعوة الحسنى وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى.

كلمة التوحيد رمز الحريّة:

يقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتاب (الصياغة الجديدة):

وإنّ من تأمل في كلمة (لا إله إلا الله) التي ذكرت في القرآن والسنة ألوف المرات والتي يرددها المسلمون في شعائرهم في وقت الصلاة وغيرها ـ يجد في هذه الكلمة رمز الحرية وجوهرها، فقد كان (كسرى) يعتبر إلهاً من سلالة الآلهة، فكان يقضي بالموت أو يهب الحياة، كما كان (قيصر الرومان) إلهاً، ومخالفته مخالفةً لأوامر الله وقد ذكر المسيحيون في كتبهم المقدسة: (دع ما لقيصر، لقيصر وما لله، لله) فالدين لله والحياة لقيصر والقساوسة في أوربا وغيرها، وكانوا يعتبرون أنفسهم الواسطة بين الله وبين الناس ويدعون أن بيدهم صكوك الجنة من شاءُوا أدخلوه فيها، ومن شاءوا أخرجوه منها وأدخلوه النار.

وكذلك كانت الحال عند البوذيين في الهند، وفي الصين وعند غيرهم وقد قال بنو إسرائيل لموسى (ع) :

(اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) (الأعراف: 138).

وحتى الحجارة كانت إلهاً عند كثير من العرب وغير العرب، ولها خدامها وكذلك كان للتقاليد الباطلة والخرافات سلطة ونفوذ على الإنسان بل نجد في هذا اليوم ملايين الأصنام في الهند والصين واليابان ونجد في بلاد الشيوعيين أصناماً بشرية كثيرة أمثال لينين وماركس ومن أشبههم، وقد كانت الإنسانية قبل بزوغ الإسلام ـ كما هو الإنسان المعاصر ـ ترزح في كثير من البلاد تحت ألف  قيد وقيد وشرط وشرط وعبودية وعبودية، لكن عندما أعلن الرسول العظيم (ص) شعاره: (لا إله إلا الله) فجر الثورة على كل هذه القيود، وأعلن أنه لا سيد إلا سيد واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ويجب أن لا يطاع إلا هو وحده.

وللمرء أن يقيم صلة مباشرة بينه وبين الله.

أما الأنبياء والأئمة (ع) فهم سفراء الوحي الذين ينقلون أوامر الله سبحانه وتعالى إلى الإنسان.

ونحن نجد في كتاب لبعض المؤلفين الغربيين المترجم إلى العربية باسم (تراث فارس) أنه كان الملك عند الإيرانيين القدماء أقرب المخلوقات إلى الله، وكانوا حين يتحدثون إليه لا يذكرون اسمه بل يقولون (أنتم الآلهة).

وقد كانت ديانة المجوسية تضفي على الملك تلك القدسية، فأوامره مقدسة وسلالته فوق البشر وحكمه هو حكم الله.

وكذلك نجد هذه الظاهرة عند سائر الحكام قبل الإسلام، بل كانوا يعبرون عن الملك (بالرب)، وحين أرسل كسرى شخصين إلى رسول الله (ص) ليقتلاه ويذهبا برأسه المبارك إلى كسرى وجدهما الرسول قد حلقا لحيتهما وفتلا شاربهما فقال (ص) لهما: من أمركما بهذا؟ قالا: (ربنا) ـ يعنيان كسرى ـ فقال الرسول (ص) لهما: (لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي) ثم قال لهما: (إن ربي قتل ربكما).

فنجد في هذا الحديث وفي غيره التعبير عن الملك بالرب مجاراة لهما.

بل نجد في القرآن الحكيم أن اليهود والنصارى كانوا يتخذون أنبيائهم أبناءً لله، وأحياناً شركاء الله، وأنهم كانوا يقولون بالنسبة إلى الأحبار والرهبان مثل تلك المقالة.

قال سبحانه:

(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:30-33) (13).

 

الصعود إلى درجات الكمال

في ضوء هداية الله واتباع العقل

إذا أراد الإنسان أن يرقى درجات الكمال يجب أن يكون مهدياً بالهداية العامة والخاصة، والله سبحانه يشير إلى الهداية العامة بقوله:

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان: 3).

وإلى الهداية الخاصة بقوله:

(ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2).

وليس الطريق إلى ولوج الهداية الخاصة بعد الحصول على الهداية العامة إلا باتباع العقل وأن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يُبقي نعمه عليه ولا يسلبها منه، لإمكان زوالها في كل آن.

لذا نقرأ في سورة الحمد كل يوم عدة مرات: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فإذا اتبع الإنسان سبيل العقل والهداية العامة تحوّل إلى هداية خاصة. وإلا فمن الممكن أن يكفر بالله أو يتكبر أو يظلم أو يفسق أو غير ذلك من الدركات النازلة، كما قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)(النساء:137).

ومن الواضح أن الإنسان إذا لم يعمل فكره وعقله ولم يقف أمام هواه لا يكون مهذباً بل يتدرج في الدركات.

فإن اتباع العقل واجتناب الشهوات هو الذي يسبب صعود الإنسان درجة فدرجة(14).

وقد ورد في الآيات والروايات حسن العقل والحث على التعقل والإنكار على تركه وذمّ من لا يتعقل وأنه يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم. كما قال سبحانه:

(وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ) (القصص:60).

وقال عز من قائل: (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (يس:62).

وقال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:17و18).

وقال سبحانه: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة:197).

وكذا في الروايات:

قال رسول الله (ص): (إنما يدرك الخير كله بالعقل ولا دين لمن لا عقل له).

وعن الإمام الصادق (ع): (حجة الله على العباد النبي والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل).

والفرق بينهما أن العقل هو الذي يرشد إلى نبوة الأنبياء (ع) فإذا أرشد العقل إلى نبوة نبي يكون النبي حجة بين الإنسان وبين الله(15).

والحجج الظاهرة، من الأنبياء والرسل تتوقف حجيتهم على حكم العقل وإدراكه لصحة دعواهم ومبعوثيتهم، ولولا ذلك تنتفي أغراض الأنبياء ورسالاتهم؛ ولذلك أفتى بعض العلماء بعدم جواز التقليد في أصول الدين، وإنما يجب الإعتقاد فيها عن معرفة ودليل وبرهان عقلي، لأن معرفة الله وأنبيائه وعدله يوم المعاد ونحوها، من أصول الدين وإذا لم يقم عليها برهان عقلي يلتزمه الإنسان، ربما يعسر عليه الإعتقاد بصحتها.

فأصول الشريعة الإسلامية وأسس مبانيها ومناهجها، مبتنى على رؤية العقل؛ والعقل من أهم العناصر التي يقوم عليها دين الإسلام أصولاً وفروعاً.

فالآيات التي أشرنا إليها وكذا الروايات تبين قيمة العقل في مقياس القرآن وسنة المعصومين(ع).

فإن الله سبحانه وتعالى وهب للإنسان العقل كي يستعين في ضوئه على إدراك الحقائق وفهمها، فيستحق اللوم والتوبيخ إذا ترك الانتفاع بهذه القدرة.

ومن خلال هذه الآيات والروايات نصل إلى النتائج التالية:

1ـ أن الله سبحانه وتعالى يعتبر العقل بالنسبة للإنسان من أهم أسس المعرفة.

2ـ أنه جل شأنه يدعو الناس إلى التفكر والتأمل في جميع أمور حياته لكي يصل إلى أرقى مراتب الكمال والهداية والعبودية لله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

ويقول الإمام الشيرازي (قدس سره) في كتاب (الهداية والرشد الفكري):

(إن العقل وقوة الإدراك متساوية لجميع بني البشر وأن الله سبحانه لم يفرق بين البشر في منحهم هذه النعمة ولكن مع ذلك نرى أن بعض الأشخاص يتميزون عن البعض الآخر في ذكائهم ومستوياتهم العلمية العالية فنرى العالم والجاهل، فلم الفرق في ذلك مع أنهم متساوون من حيث العقل تكويناً.؟ ولماذا هذا التفاوت في المستويات بين الناس؟.

ويجيب الإمام الشيرازي: إن العقول تحتاج إلى تنمية، وهذه التنمية هي السبب المباشر في هذه الفوارق بين إنسان وإنسان من حيث الإدراك، فالناس من حيث العقل متساوون، لأن العقل موهبة من مواهب الله تعالى، فهو أمر تكويني خلقه الله وأودعه في كل إنسان وليس باختيار الإنسان أن يكون عاقلاً بمعنى يمتلك العقل أو ليس بعاقل بأن يكون فاقداً له، فوجود العقل وعدمه في الإنسان ليس اختيارياً، والناس متساوون من جهة العقل، لكن اعمال العقل وتنمية القدرات العقلية من مميزات الناس وراجع إلى اختيارهم فبعض الناس ينمون مواهبهم فيصبحون علماء وقادة بينما البعض الآخر مع امتلاكهم العقل لا ينمون قابلياتهم الإدراكية فيبقون يعيشون في غمرة الجهل والخرافة. قال الله تعالى:

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا)(الأعراف:179).

في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى أنه خلق الخلق ومن البديهي أن الله تعالى لم ولن يخلق أحداً بقصد تعذيبه بل خلق الإنسان وزوده بجميع المؤهلات للراحة ومكنّه منها، وأهمها العقل حيث أن هذا العقل له القدرة والاستطاعة على تمييز الحق من الباطل والهدى من الضلال والنقص من الكمال، وترك له الخيار في طيّ الطريق الذي يشاء منهما. وبالتالي للعقل دور كبير في سعادة الإنسان أو شقائه، كما جاء عن علي بن أبي طالب أمير  المؤمنين (ع) (الدين لا يصلحه إلا العقل) وعنه (ع): (استرشد العقل وخالف الهوى تنجح).

ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى تنمية الفكر والعقل، مطالعة الكتب المتنوعة وبناء أفق للثقافة العامة ومباشرة الحكماء من ذوي التجربة والخبرة وبكثرة السفر والاطلاع على أحوال البشر في مختلف نواحي الحياة.

إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الجمع بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلة فقال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:162-164).

لذا يجب على الإنسان أن يكون في حركة مستمرة دؤوبة في مجالات الحياة الفكرية حتى ينور عقله وتستيقظ مداركه الفكرية من الركود والغفلة فقد قال أمير المؤمنين (ع): (لا بصيرة لمن لا فكر له) (غرر الحكم: ص57 ح580).

وعنه (ع): (رأس الإستبصار الفكرة) (غرر الحكم: ص57 ح578).

ويشير الإمام الشيرازي إلى بعض عوامل الرشد الفكري فيقول: إن الرشد الفكري يحتاج إلى السعي والعناء الكثير ويمكن أن نمثل ذلك ونشبهه بالغواص الذي يغوص في البحر لاستخراج اللآلئ فهذا الغواص وظيفته ليست سهلة وإنما يعاني ما يعاني لدى الغوص في أعماق البحر لكي يصل إلى تلك الحاجة التي يبحث عنها وهي اللآلئ.

وكذلك، الرشد فإنه لا يحصله الإنسان بالراحة، بل بالسعي والتعب والجهد وسلوك طُرقهِ ومن طرقه التدبر والتفكير الدائم في مختلف جوانب الحياة وهذا الجانب يكشف عنه القرآن الكريم وبطرق مختلفة وأساليب متنوعة، حيث يقول الله سبحانه:

(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (زمر:18).

وغيره من الآيات الكثيرة التي تدعوا إلى الفكر الصحيح والتأمل ودراسة مقدمات الأمور وخواتمها، لما للرشد الفكري من دور كبير في بناء حياة الإنسان وسعادته.

وفي هذا جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): (المؤمن إذا نظر اعتبر وإذا سكت تفكر وإذا تكلم ذكر وإذا أعطى شكر وإذا ابتلى صبر) (غرر الحكم:ص90ح1539).

والفكر كلما كان أصح وأتم كانت الحياة أقوم، فالحياة القيمة ترتبط بالفكر القيم وتبتنى عليه وبقدر حظها منه يكون حظها من الإستقامة والسعادة والنجاح. والفكر القيم يتبنى على أسس ومقومات، منها دراسة التاريخ ومواصلة التدبر والتفكير المستمر بنظرة تحليلية.

كدراسة أسباب ظهور العقائد واختلافها ومعرفة الدوافع والمحركات للثورات والتحولات الإجتماعية في الأمم والشعوب كمعرفة أسباب ثورة الإمام الحسين (ع) وشهادته وفلسفة صلح الإمام الحسن (ع) (16).

العقائد والعقل:

العقل يدل على أن للكون مبدأ وأن الشيء المخلوق لا يمكن أن يكون أزلياً، إذ حين ذاك يلزم أن يكون القديم اثنين وهو خلف، كما ذكر في برهان التمانع في الكلام.

والإنسان والحيوان والشجر والحجر والمجرّات والذرات كلها مخلوقات جدد وهي مستندة إلى خالق قديم واحد.. لا شريك له ولا مثيل كما أن المعاد مع قطع النظر عن الخصوصيات، عقلي، حيث لا يعقل أن تكون هذه الأجهزة العظيمة - بمقدماتها ومقوماتها - خلقت لأجل خمسين أو مائة سنة مثلاً.

بالإضافة إلى ما يقتضيه قانون العدل الإلهي، فإن المجرمين قد لا يجازون في الدنيا.. وهكذا المحسنون لا يثابون في الدنيا - عادةً - فاللازم أن يكون هناك عالم آخر يجزي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وإلا كان الإله غير عادل تعالى الله عن ذلك(17).

وهذا ما يحكم به العقل، لأن الظلم قبح يتنزه الباري تعالى عنه.

ما هو العقل؟

العقل شيء مخلوق لله سبحانه وتعالى وله جنود وإنما نعرفه بآثاره لا بحقيقته وكنهه، ويظهر أن ما ورد في جملة من الروايات من ذكر العقل وخصوصياته، إنما هي إشارة إلى اللوازم والملزومات والملازمات وما أشبه ذلك بقدر ما يصل إليه فهم الإنسان، لا أن المذكورات حقيقة العقل المخفية إطلاقاً. فعن النبي الأعظم (ص):(أنه سئل منه مما خلق الله عز وجل العقل؟ قال: ... فإذا بلغ كشف ذلك الستر، فيقع في قلب هذا الإنسان نور فيفهم به الفريضة والسنة والجيد والرديء، ألا ومثل العقل في القلب، كمثل السراج في وسط البيت).

وعن الإمام موسى بن جعفر (ع) في وصيته لهشام:(إن ضوء الروح العقل)(18).

ويستدل الإمام الشيرازي على أن ما ورد في جملة من الروايات، هي إشارة إلى اللوازم والملزومات حقيقة العقل، باختلاف التعبير في الروايات ويقول بأن تارة الرواية تقول: أنه من النور وتارة أنه نور، وتارة أن مثله كمثل السراج وتارة أنه خلق من العلم وتارة أنه قائم بالعلم(19).

وعلى أي حال فالعقل في نظر الإمام الشيرازي: مخلوق في الإنسان يرى الحسن حسناً والقبيح قبيحاً ويحكم أيضاً بأخذ الشيء والترك للشيء الآخر ويقول (قدس سره): قد تقرر في أصول الفقه (أنه كلما حكم به العقل حكم به الشرع وكلما حكم به الشرع حكم به العقل) بقانون الملازمة، فحكمه كحكم المولى الصادر إلى العبد ورؤيته كرؤية المرآة العاكسة للواقع(20).

ويقول أيضاً: أن ما ذكرناه من كون العقل حجة ومميزاً بين الحق والباطل وما أشبه فهو علي نحو الإقتضاء لا على نحو العلية التامة وعلى نحو القضية الطبيعية لا القضية العقلية، فلا يقال: إذا كان العقل نوراً وحجة فلماذا يخطأ الإنسان أحياناً وهذا في غير المعصوم(ع)، كما نشاهد في الفقهاء الذين يخافون الله واليوم الآخر ومع ذلك تختلف آرائهم (21) ...

العقل ومعرفة الله عز وجل:

إن المعرفة ضرورية لكمال الإنسان نفسه وفيها اللّذة النفسية ودفع الألم النفسي، فان العلم يوجب اللذة ودفع ألم الجهل وإن أفضل ما يكشفه العقل ويميزه هو معرفة الله سبحانه وذلك بقدر الإستعداد، لأن معرفة الله سبحانه بحقيقته لا يمكن إطلاقاً، إذ من المحال أن يشتمل المحدود على غير المحدود، للزوم الخلف والتناقض إما من لا محدودية المحدود أو من محدودية اللامحدود وهو بديهي الإستحالة(22).

وأيضاً صفات الله سبحانه وتعالى لا يعرفها أحد، لا حدودها ولا خصوصياتها فإن الله غير محدود وصفاته غير محدودة، والإنسان المحدود مهما كان عظيماً فهو محدود، والمحدود لا يستوعب غير المحدود(23).

كما قال الإمام الصادق (ع) في توحيد المفضل:(إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار، ولا يعرفه بما يوجب له الإحاطة بصفته، فإن قالوا: فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به؟ قيل لهم: إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه وهو أن يوقنوا به ويقفوا عند أمره ونهيه، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته)(24).

واللامحدود أجل من أن يحد بمحدود سواءً كان عقلاً أو وهماً أو بصراً أو غير ذلك(25).ولكن ضرورة العقول تدل على أن للكون إلهاً خالقاً، إذ لا يمكن مصنوع بدون  صانع ولا يعقل ذلك، وأن هذا الإله حي، إذ الميت ليس منشأ الأثر وكيف يكون الميت موجباً للحياة وهو فاقد الحياة وأن هذا الإله عالم، لأن آثار العلم ظاهرة في مخلوقاته، وأنه قادر لأنه بلا قدرة لا يتمكن من الصنع وأنه تعالى لا يشبهه شيء من المخلوقين وأنه عز وجل مباين لهم ولأوصافهم ولا يقاس بهم إطلاقاً: لاستحالة شبه المحدود بغير المحدود والله غير محدود في ذاته وصفاته لأنها عين ذاته(26).

هذا بالإضافة إلى الآيات والروايات الدالة على ذلك والروايات الناهية عن التفكر في ذات الله ومنها ما روي عن أمير المؤمنين (ع):(من تفكّر في ذات الله ألحد).

وعنه (ع) أيضاً: (من تفكر في ذات الله تزندق).

وعن الباقر (ع):(كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم). دلالة على أنه تعالى لا يدرك بالإبصار وهو منزه عما في الأفكار.

وذكر الإمام الراحل (قدس سره) شروطاً متعددة للإدراك البصري في كتابه (القول السديد في شرح التجريد) وكلها مفقودة بالنسبة إلى الله تعالى، وعن أمير المؤمنين(ع):(احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار).

ولأن الله تعالى لم يجعل طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته كما ورد في الدعاء الموسوم بمناجاة العارفين:

(ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك)(27).

ويأتي من بعد معرفة الله عز وجل، معرفة رسوله وأوليائه الطاهرين (ع)، فعن أبي بصير عن ابن عبد الله (ع) في قول الله عز وجل:( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) فقال: طاعة الله ومعرفة الإمام(28).

الجبر والتفويض:

كما يرد الإمام الشيرازي (قدس سره) على شبهات الجبريين في جملة من كتبه.. ففي الفقه العقائد يقول:

القائلون بالجبر بالنسبة إلى أفعال الإنسان يستدلون بجملة شبهات يجيب عنها الإمام الراحل (قدس سره)(29).

الشبهة الأولى: أن الله تعالى كان عالماً بكل شيء ومنها أفعال العباد فيجب أن تقع أفعالهم على طبق علمه وإلا لزم جهله والجهل على الله محال.

والجواب: وقوع الأفعال نتيجة إرادة الإنسان لا العلم به، نعم كون الإنسان مريداً جعله الواجب تعالى، والفعل مستند - أولاً - إلى الإرادة الحرة المنتهية إلى الواجب، ولا يلزم في الممكن أكثر من ذلك وفي الرواية تصريح بذلك، ففي الكافي عن أبي عبد الله (ع):

(أن الله لم يجبر أحداً على معصية ولا أراد إرادة حتم الكفر من أحد، ولكن حين كفر كان في إرادة الله أن يكفر، وهم في إرادة الله وفي علمه أن لا يصيروا إلى شيء من الخير).

الشبهة الثانية: إن علمه فعلي وهو عين ذاته، وحيث لذاته العلية لكل شيء يجب أن يكون علمه أيضاً علة لكل شيء ومنها أفعال العباد فيجب وقوعها.

والجواب: العلم تابع للمعلوم لا أنه علة له، ولو صح ذلك لكان علمنا بأن غداً تطلع الشمس سبباً لطلوع الشمس.

الشبهة الثالثة: إن الإختيار يكون حادثاً ولا بد له من محدث ومحدثه إن كان باختيار آخر لزم تسلسل الإختيار فينا وإن لم يكن باختيارنا بل بالغير فنحن مجبورون في كل فعل على الإختيار الخاص ولا بد من انتهاء اختيارنا إلى الإختيار الأزلي فيلزم الإضطرار في العقل.

والجواب: إرادة الفعل أو الترك اختيارية وإن كان أصل كون الإنسان مختاراً، غير اختياري.

الشبهة الرابعة: أن الفعل تابع للإختيار والإختيار ممكن والله خالق كل ممكن فالفعل من خلقه أيضاً.

والجواب: أن هذا الممكن مستند إلينا لا إلى الله تعالى فنحن المختارون وإن كان خلق الإختيار من البارئ عز وجل دون الفعل.

الشبهة الخامسة: المشيئة والإرادة الأزلية تعلقتا بكل شيء ومن هذه الكلية الأفعال، فيلزم الجبر لأن الأفعال متعلقة بإرادة الله ومشيئته.

والجواب: إن المشيئة والإرادة من صفات الفعل فلا تكونان أزليتين، وفرق بين صفات الفعل وصفات الذات، فكلما لا يمكن أن يقال كان ولم يكن، فهو من صفات الذات، مثل العلم والقدرة والحياة وما أشبه، وكلما يمكن أن يقال كان أو لم يكن، فهو من صفات الفعل، مثل: أن الله خلق زيداً في يوم كذا لا في يوم كذا، ورزق عمرواً في سنة كذا لا سنة كذا، وأمات خالداً في مدينة كذا لا في مدينة كذا وهكذا... وهذا هو الفرق بين صفات الفعل وصفات الذات. 

لا للتفويض :

وأما التفويض فيقول عنه الإمام الشيرازي (قدس سره):

في قبال قول الجبرية - وهم الأشاعرة ومن إليهم - يكون قول آخر بالتفويض - وهو قول المعتزلة - بأنه تعالى أوجد العباد وأقدرهم على أعمالهم وفوض إليهم الاختيار وهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيئتهم وقدرتهم وليس لله سبحانه في أفعالهم صنع إطلاقاً(30).

واستدلوا لذلك بما يجده الإنسان من أنه مطلق في أموره الإختيارية من فكر أو كلام أو عمل.

وكلامهم يعني أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ثم استراح - كما قالته اليهود - فلا شأن له في أعمال العباد إطلاقاً.

فإنهم أفرطوا من الجانب الآخر حيث ذهبوا إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلاً سوى خلق الآلات والتمكين والإقدار، حتى أن بعضهم قال: بأن الله لا يقدر على غير مقدور العبد وبعضهم قال: لا يقدر على مثله أيضاً، فهم عزلوا الله عن سلطانه وكأنهم أخرجوا الله عن ملكه وأشركوا من حيث لا يعلمون(31).

فقولهم باطل لوضوح أن حقيقة الإنسان كسائر الموجودات شيء قائم بالغير، فهو في كل آن محتاج في شيئيته وبقائه إلى الله تعالى، فإن الإنسان بعد وجوده وتكونه وخصوصياته الجسدية من ذكر أو أنثى وبلادة وذكاء وما أشبه ذلك، فاقد بذاته لجميع الكمالات من الحياة والشعور والفهم والعقل والقدرة والقوة وما أشبه ذلك، ومحتاج من وجدانه لها وفي بقائه في كل آن إليه سبحانه وتعالى فالإنسان كما ذكره بعض المتكلمين مثاله، مثال الصور الذهنية التي إذا صرف الشخص ذهنه عنها انفقدت وانمحت إطلاقاً(32).

بالإضافة إلى أن الإنسان محتاج في أعماله القلبية والبدنية إلى الآلات والأسباب وكلها في وجودها وتهيئها له محتاجة إليه سبحانه وتعالى وهذا واضح جدا. 

الأمر بين الأمرين:

يقول الإمام الشيرازي (قدس سره):

نحن لا نقول بكلام المجبرة ولا بكلام المفوضة بل نقول بالأمر بين الأمرين كما دلت عليه الآيات والروايات.

يقول الإمام الصادق (ع):(لا جبر ولا تفويض ولكن الأمر بين الأمرين).

فكما أن نفي الجبر بمعنى: نفي كون أعمال الإنسان من فعل الله عز وجل أجراها بيد العبد وإن كان حصولها بقدرة الله من غير مدخلية لقدرة العبد وإرادته، فنفي التفويض معناه: نفي القول بأن الله خلق العباد وأقدرهم على أعمالهم من دون مدخليته وفوض إليهم اختيارها على وفق مشيئتهم من غير أن يكون له تعالى فيهم صنع إطلاقاً، فالواقع أمر بين الأمرين، والقول بالأمر بين الأمرين لا يوجب نسبة الظلم إلى الله تعالى، بأن يقال أجبرهم على المعاصي وعذبهم عليها، كما قالت به المجبرة ولا استقلال العباد واستغناءهم في حركاتهم وسكناتهم عن الله ونسبة الوهن إليه تعالى وعزله عن ملكه كما قالت به المفوضة، وقبل ذلك قالت به اليهود كما ورد في القرآن:( وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (المائدة: الآية64) (33).

  

رؤى مضيئة حول المسائل العقائدية

يؤكد الإمام الشيرازي في خاتمة كتابه (الفقه العقائد) على مجمل رؤى عقائدية ملخصها ما يلي:

1- يجب على كل إنسان أن يتدين بدين صحيح وهو الإسلام.

2- يجب التأكيد على المسائل الإعتقادية وبيانها للناس وتذكيرهم بها.

3- لا يجوز التقليد في أصول الدين.

4- يجب على الإنسان أن يستدل على العقيدة وإلا كُلّ معتقد بشيء يرى صحته، إذا لم يحتج الأمر إلى دليل.

5- إذا أسلم الإنسان أو كان مسلماً فالواجب عليه تحصيل اليقين بالله سبحانه وتعالى وسائر شؤونه المرتبطة بأصول الدين إذا لم يكن متيقناً أي كان شاكاً أو ظاناً أو واهماً، بل بدون اليقين لا يكون إيمان فهو من أهم شعب الأصول.

6- يحرم الشك في أصول الدين فإن ذلك موجب للكفر، نعم إذا شك بدون أن يكون بيده كان اللازم عليه إذهاب شكه بالتفكر والإستدلال ونحوهما.

7- العقيدة الإسلامية تحتوي على أصول ثلاثة وما يتبع تلك الأصول وهي: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.

8- التوحيد هو الإعتقاد بأن لهذا الكون إلهاً عالماً قديراً حكيماً سميعاً بصيراً، كان من الأزل ويبقى إلى الأبد شاملاً لجميع صفات الكمال، خالياً عن كل نقص وعيب، وهذا الإله واحد لا شريك له، ولا يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن رؤيته لا في الدنيا ولا في الآخرة.

9- الله سبحانه وتعالى موجود في كل مكان لكن نحو هذا الوجود فوق إدراك البشر.

10- الله سبحانه وتعالى لا يرى بالعين ولكن يرى بالقلب ومعنى رؤيته بالقلب العلم بوجوده وصفاته الكمالية كعلمنا بالبديهيات.

11- فطرة الإنسان تدل على التوحيد.

12- يجوز الإعتقاد بالسلطة الغيبية لغير الله أو طلب الشفاء والإشفاء أو طلب الشفاعة من عباد الله أو الإستعانة بأولياء الله أو تعظيمهم أو التوسل بهم.

13- يستحب التفكير في أفعال الخالق جل وعلا ومخلوقاته على ضوء المنهج الذي رسمه القرآن والعترة فإن التفكر في الكون وعظمته وعظمة خالقه يوجب توثيق الإرتباط بالله سبحانه وتعالى والإرتباط بالله يسبب استقامة التفكير وسموه وصقل الروح واستحكام النفس الملهمة بالتقوى وغلبتها على النفس الأمارة وإيجاد معان متعالية أخرى في الإنسان كالتوكل على الله والرضا بقضائه والتسليم لأمره وما أشبه ذلك.

14- صفات الله سبحانه عين ذاته وكما لا يمكن إدراك كنه ذاته فكذلك صفاته وما يذكر في وصفه تعالى فهو إشارات وعلامات عامة لا غير.

15- وجود الحوادث والآفات والزلازل والعواصف... يكون للإمتحان ولغير ذلك.

16- النبوة بمعنى أن الله سبحانه أرسل أنبياء إلى البشر، للهداية إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

17- يجب الإعتقاد بالأنبياء السابقين وعصمتهم (ع).

18- معنى العصمة أن الشخص يكون منزهاً من المعاصي والأخطاء، كبيرها وصغيرها إطلاقاً.

19- القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تدل على عصمة الرسول الأعظم (ص) وفاطمة الزهراء (سلام الله عليها) والأئمة (ع) كما قال عز وجل:(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) وكما في الزيارة الجامعة.

20- يجب الإعتقاد بنبوة النبي الأعظم محمد (ص) ورسالته فإن من لم يعتقد بنبوة رسول الله كان كافراً وإن اعتقد بنبوة سابق الأنبياء (ع).

21- يجب الإعتقاد بإمامة الأئمة الإثني عشر (ع).

22- لا توجد نيابة خاصة عن الإمام المنتظر (ع)  في عصر الغيبة الكبرى.

23- يجب الرجوع في عصر الغيبة الكبرى إلى مراجع التقليد الجامعين للشرائط.

24- يجب الإعتقاد بأن أهل البيت (ع) متصفون بجميع الفضائل والكمالات وأعلى مراتب الطهارة.

25- المعاد بمعنى أن الله سبحانه وتعالى بعد فناء العالم، وموت كل ذي روح، يعيد الناس إلى الحياة، ليجزيهم بما عملوا في دار الدنيا فمن آمن وأحسن كان جزاؤه الجنة، ومن كفر أو عصى كان مصيره النار.

الهوامش:

(1) خطبة الزهراء من فقه الزهراء ص21.

(2) الصياغة الجديدة ص314.

(3) الفقه السياسة ص213.

(4) الصياغة الجديدة ص310.

(5) نفس المصدر ص310.

(6) الصياغة الجديدة ص313.

(7) السبيل إلى إنهاض المسلمين ص220.

(8) السبيل إلى إنهاض المسلمين ص349.

(9) الصياغة الجديدة ص311.

(10) الفقه السياسة ص218.

(11) نهج البلاغة، عهده  لمالك الأشتر.

(12) الصياغة الجديدة ص386.

(13) الصياغة الجديدة ص314.

(14) الفقه العقائد ص79.

(15) الفقه العقائد: ص79.

(16) الهداية والرشد والفكري ص14.

(17) الفقه العقائد ص7.

(18) الفقه العقائد ص144.

(19) نفس المصدر ص145.

(20) نفس المصدر ص147.

(21) الفقه العقائد ص165.

(22) نفس المصدر ص167.

(23) نفس المصدر ص173.

(24) نفس المصدر ص331.

(25) نفس المصدر ص333.

(26) الفقه العقائد ص219.

(27) الفقه العقائد ص186 - 187.

(28) الفقه العقائد ص171.

(29) نفس المصدر ص284.

(30) الفقه العقائد ص397.

(31) نفس المصدر ص298.

(32) نفس المصدر ص299.

(33) الفقه العقائد ص301.

المصادر 

1- تصنيف نهج البلاغة/لبيب بيضون/ط3/ مكتب الإعلام الإسلامي/قم ـ إيران/ 1417ق.

2- من فقه الزهراء/ ج2/ الإمام محمد الشيرازي/ط1/ دار الصادق/ بيروت ـ لبنان/1998م.

3- الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام/الإمام محمد الشيرازي/ ط3/ مؤسسة الفكر الإسلامي/ بيروت ـ لبنان/ 1992م.

4- الموسوعة الفقهية/ ج106/ الإمام محمد الشيرازي/ ط6/ دار العلوم/ بيروت ـ لبنان/ 1987م.

5- السبيل إلى إنهاض المسلمين/ الإمام محمد الشيرازي/ ط7/ مؤسسة الفكر الإسلامي/ بيروت ـ لبنان/ 1994م.

6- الفقه العقائد/ الإمام محمد الشيرازي/ ط3/ مؤسسة الإمامة/ بيروت ـ لبنان/ 2000م.

7- الهداية والرشد الفكري/ الإمام محمد الشيرازي/ ط1/ مؤسسة المجتبى/ بيروت ـ لبنان/ 2001م.

 

الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1425هـ / 2004م

info@shrsc.com