إن للدين تأثيراً
كبيراً على السلوك والفكر والشعور، ولقد تجلى هذا
التأثير واضحاً في التراث الإسلامي، وللدين الإسلامي
أيضاً تأثير هائل في الحياة اليومية للمسلمين فهو منهج
حياتي وميثاق شرف ونظام قانوني يتخلل حياة المسلم
بكافة وجوهها(1).
ومفهوم العنف كظاهرة انتشرت بين المجتمعات الإنسانية
عموماً بشكل موسع رافقت البشرية منذ بداياتها الأولى،
لذا كانت الدعوة الإسلامية تنبذ هذه الظاهرة وترفضها،
فالإسلام دين يرفض العنف، ولا يقره، وينحو باللائمة
على كل متعصب أو متطرف، كما أنه لا يرضى بالعنف،
ويكرهه، وينهى عن الإرهاب، ولا يقره(2)،
والإسلام كدين سماوي يرفض الدكتاتورية أيضاً، ويقيم
مكانها الشورى، وتبادل الرأي(3).
إن الأديان السماوية
أنقذت البشر من ضلالة الجهالة وأدخلت في قلوبهم
الإيمان والطمأنينة، وكان واضحاً في الدين الإسلامي
الذي بنى دعوته على السلم والسلام بقول الله سبحانه
وتعالى: ((ادخلوا في السلم كافة)) (البقرة/ 208). وعليه
فإن التاريخ الإسلامي والتشريع والفقه الإسلاميين
زاخران بمواقف الرسول والأئمة الصالحين والصحابة
الأبرار التي تؤكد على ذلك، فعندما بعث الإمام عليt
بالأشتر النخعي والياً على مصر، وكتب له عهد الولاية
تبدّت بجلاء نظرة الإسلام لمسائل دقيقة ومهمة فيما يخص
تعامل الوالي المسلم مع رعيته ولو كانوا غير مسلمين
(ففي العهد حديث عن أن اختلاف الرعية في المعتقد
الديني، لا يصح أن يكون ذريعة للتمييز بينهم في الحقوق
أو الواجبات السياسية والاجتماعية والإنسانية وكما
يقول الإمامt: فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو
نظير لك في الخلق)(4).
إن الأساس الفكري
والعملي التطبيقي للدين الإسلامي قام على إنسانية
الإنسان أيا كان دينه أو جنسه أو لونه أو معتقده أو
انتماؤه، فقد قال الله سبحانه وتعالى:
((ولقد كرمنا بني
آدم))( الإسراء / 70).
إن الاختلاف في الرأي
أو العقيدة أو المذهب أو الدين أو الأفكار أو
الاتجاهات لا يوجب إلحاق الضرر أو النبذ أو استخدام
العنف ضد الآخرين، فالله الخالق العظيم منح الإنسان
الحرية والاختيار، وجعل بينهم لغة التواصل والتآلف
والاتفاق، لا لغة العنف والقسوة والعدوان، فقول الله
سبحانه وتعالى: ((فمن شاء فليؤمن ومَن شاء
فليكفر))(الكهف / 29) وقوله أيضاً:
((ولو شاء ربك لجعل
الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين)) (هود / 118)،
دليل على حرية الاختيار وبالتالي نبذ العنف والقسوة
والعدوان في فرض العقيدة والسلوك على الآخرين.
إن الإسلام كدين ونظام
كوني ومنهج حياتي يقف من العنف والإرهاب والعدوان
والتعسف والتطرف موقف المضاد فكرة وسلوكاً، فقد كان
الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو الناس إلى
الإيمان أو الفدية لأن الإسلام لا يُقبل من الشخص إلا
إذا اعتنقه عن رضى وتصديق وإيمان به حيث يقول الله
سبحانه وتعالى: ((أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين))
(يونس / 99). فلا إكراه في الدين ولا عنف وإنما
الأسلوب الحسن والكلمة الطيبة والمجادلة بالحسنى
وإلقاء السلام والاستماع إلى رأي الآخرين ومحاولة
إقناع الغير(5).
ثم إن الإسلام قد خطا
خطوة جبارة في رسم معالم المنهج اللاعنفي تمثل ذلك في
الدعاء للعدو والصلاة لأجله، فرسول الله (صلى الله
عليه وآله وسلم) وعلى الرغم مما تسبب به الأعداء له من
الأذى كان يكرر دعاءه لهم بالقول (اللهم اغفر لقومي
فإنهم لا يعلمون) هذا التكرار تجسد في بكاء الإمام
الحسين (عليه السلام) على الجيش الذي وقف أمامه في
كربلاء حيث أجاب حين سئل عن بكائه: (أبكي لقوم يدخلون
النار بسببي).
هذه هي حدود موقف
الإسلام من اللاعنف لا كما يرى البعض من أن مظاهر
الخلاف - بين المسيحية والإسلام - (تختصر مثلاً فيما
يقوله المسيح لنا: أحبوا أعدائكم فيما يدعو القرآن إلى
محاربة الأعداء)(6).
إن الدين الإسلامي
بكافة مذاهبه ومعتقداته لا يتفق مع من يؤمن بالعنف
كوسيلة للتغير أو فرض الرأي، حتى وإن كان مسلماً ويتبع
مذهباً ما أو معتقداً ما، فموجة العنف تأسست في أفكار
بعض المتطرفين وعششت في خيالهم التصفية الجسدية
والتدمير أولاً بدلاً من المحاورة الفكرية(7).
وخلاصة القول إن الدين
الإسلامي لا يؤمن بمفهوم العنف أو مفهوم المعاملة
السيئة (Abuse) أو إيقاع الظلم بالآخرين أو استخدام
القسوة أو التعسف ببني الإنسان، فأفعال العنف بأنواعه
التي تقع في المجتمعات وتستهدف الآخرين، والتي قد تبلغ
أحياناً مستوى من التطرف والشدة أو الخروج عن
القوانين. تعد خروجاً عن الدين وتعاليمه السمحة ودعوته
إلى السلم والسلام وقول الله: ((وقولوا للناس حسناً))
(البقرة /83).
1
محمد فاروق السنديوتي، وجهات نظر إسلامية في
الصحة العقلية ومعالجتها، مجلة الثقافة
النفسية، العدد (2) المجلد (1)، نيسان (1990).
2
حسن
محمود خليل، مصدر سابق، ص75.
4
محمد عمارة، ضرورات لا حقوق، دار الشروق،
عمان، ص176 .
5
حسن محمود خليل، موقف الإسلام من العنف
والعدوان، مصدر سابق، ص89 .
6
جريدة الحوار، لقاء مع المطران غريغوار حداد،
العدد (1)، 29/نيسان/ 2000م.
7
منصور الرفاعي عبيد، الإسلام وموقفه من العنف
والتطرف والإرهاب، الهيئة المصرية العامة
للكتاب، القاهرة، (1987)، ص60 .