ثانياً: الاتجاهات المسيحية

►► فهرس الكتاب

ورد في الكتاب المقدس -العهد الجديد- في الإصحاح الثامن عشر (إنجيل متى) قوله: إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة(1).

وورد أيضاً في إنجيل متى الإصحاح (19) وضمن تعاليم السيد المسيحt للبشرية جمعاء في وصاياه قوله: لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور. أكرم أباك وأمك وأحب قريبك كنفسك(2).

وقول المسيحt أيضاً بكلماته الدالة على عمق روح مبدأ اللاعنف عندما قال: يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون(3).

إن المسيحية بكل اتجاهاتها المتعددة ومذاهبها المتنافرة تتفق في قضية أساسية، وهي مبدأ اللاعنف كما نقل لنا (لوقا) في إنجيله قول السيد المسيح(ع): أقول لكم أيها السامعون: أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعينكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم(4)وتناقش المسيحية هذا المبدأ على أساس أن أصعب شيء على الطبيعة البشرية هو الغفران، وتؤكد على أن طبيعتنا تجد في الانتقام من الاعداء ألذ الأطايب، وفي التشفي من المسيئين شفاء من الغيظ.

إن في التعاليم المسيحية وأحاديث السيد المسيح ومن جاء بعده من تلامذته تأكيد على مبدأ (اللاعنف) ونبذ العنف كمفهوم قابل للممارسة والتطبيق، وتأكيد ذلك قول السيد المسيحt: طوبى للرحماء .. طوبى للأنقياء القلب .. طوبى لصانعي السلام(5).

وتتسائل هذه الاتجاهات:

لماذا الإنسان في خصام مع جاره وقريبه؟ لأنه في عدم سلام مع نفسه، ولماذا هو في عدم سلام مع نفسه؟ لأنه فاقد للسلام مع إلهه(6). وقد ورد في (مزمور 109) قول السيد المسيح(ع): قاتلوني بلا سبب .. بدل محبتي يخاصمونني.

إن المسيحية تدعو معتنقها إلى السعي نحو السلام مع جميع الناس، حيث يقول أحد الرسل: إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس، وقوله (عيشوا بالسلام)، وقوله أيضاً: (اتبعوا السلام مع الجميع). وقول السيد المسيح(ع): طوبى لصانعي السلام.

إن السيد المسيح في تعاليمه الداعية إلى رفض العنف أساساً، وإبداله بمبدأ اللاعنف المطلق إنما يستند في ذلك على الإنجيل، إذا ما سلمنا جدلاً بأنه كلام الله، وإن أدخلت عليه التحريفات المقصودة أو غير المقصودة، فإنه يبقى بلا منازع، دعوة الله الرحمن الرحيم للبشرية جمعاء. فالله سبحانه وتعالى خير راع للسلام، وأعظم داعية له وإن تعددت واختلفت أساليب إيصال تلك الدعوة. وقول المسيح(ع): لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً. ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين. ومن سألك فأعطه. ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده. وقوله في موضع آخر: أحسنوا إلى مبغضكم. وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم(7)، كل ذلك مصداق لقوله تعالى: ((وان تعفوا  اقرب للتقوى)) (البقرة / 237).

إن السيد المسيحt حينما يخط مبدأ اللاعنف ويحاول فصله عن أي مبدأ آخر دون شروط أو تحديدات، إنما ينطلق من معرفته الحقة في النفس الإنسانية وما كان سائداً في مجتمعه آنذاك، حيث يعرف الخير من خلال الشر، كما يعرف اللاعنف من خلال ما هو سائد من عنف، فالوصية السادسة من الوصايا العشرة (لا تقتل) لأن خطيئة القتل كانت أول خطيئة وردت في الكتاب المقدس.

فالسيد المسيحt الذي يهمه - ليس فقط - ألا تتم فعلة القتل، بل يريد أن يكون القلب متوافقاً معه(8). وهذا هو مبدأ اللاعنف المطلق الذي نادى به.

لقد أكدت الأناجيل والكتب الدينية في رواياتها وما ورد فيها عن المعاناة والآلام التي قاساها السيد المسيحt وما واجهه من عنف منظم وعدوانية مباشرة تجاهه وتجاه ما دعا إليه أبناء قومه، وهي دليل قوي على صدق مبدأه في اللاعنف، فقولهt الأشرار يرجعون إلى الهاوية، كل الأمم الناسين الله (مزمار 9: 17). فهو يدعو أبناء قومه إلى كف العنف ومنعه، ولم يكن يصلي لأجل نفسه بل لأجل الآخرين، وليس لأجل الآخرين فقط، بل لأجل الأعداء. الأعداء الذين رفضوه من البداية، وأرادوا التخلص منه بأي ثمن(9).


1 الكتاب المقدس، العهد الجديد، إنجيل متى، الإصحاح الثامن عشر، ص23 .

2 نفس المصدر، الإصحاح التاسع عشر، ص25 .

3 إنجيل لوقا / 23 : 33 : 34.

4 يوسف رياض، الصليب وكلمات المصلوب، مطبعة السلام للطباعة، القاهرة (2000)، ص23.

5 يوسف رياض، الموعظة على الجبل، مكتبة الأخوة، القاهرة (1999)، ص18.

6 يوسف رياض، الموعظة على الجبل، مصدر سابق، ص86.

7 الكتاب المقدس، العهد الجديد، إنجيل متى، الإصحاح الخامس: 28 ـ 44، ص9.

8 يوسف رياض، الموعظة على الجبل، مصدر سابق، ص.

9 يوسف رياض، الصليب وكلمات المصلوب، مصدر سابق، ص20.


►► فهرس الكتاب

الصفحة الرئيسية | دراسات | مقالات | أخبار | نشاطات | إصدارات | عن المركز | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث / مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية / 1426هـ / 2005م

info@shrsc.com