إن الديانة اليهودية
وكتابها المقدس (التوراة) ديانة سماوية. قاد النبي
موسىt من خلالها شعب العبرانيين إلى عبادة الخالق بعد
أن حطم جده النبي إبراهيم(ع) الأصنام، الواحد تلو الآخر،
ودعا قومه إلى عبادة إله واحد حينما أطل على أبيه
واصفاً الأصنام: لها أعين ولكنها لا تبصر .. وآذان
ولكنها لا تسمع .. وأيد ولكنها لا تتحرك.. فمن المؤكد
إذن أنها لا تصلح لشيء(1)،
وأصبح لإبراهيم محطم الأصنام أولاد وتكاثروا حتى جاء
النبي موسىt ليكون نبي اليهود ومخلصهم من عبودية
الفرعون في مصر ويمضي بهم نحو الأرض الواسعة هرباً من
قسوة الفرعون واستعباد الناس في مملكته .. فموسى وقف
أمام فرعون مصر ومعه أخوه هارون، يطالب بتحرير شعبه من
العبودية.. وحينما سأل فرعون موسى: ومن الذي بعثك
لتطلب حرية العبرانيين؟ أجاب موسى: الله رب العبرانيين
يهوه أرسلني إليك(2).
من خلال ذلك يمكننا
القول أن النبي موسىt في دفاعه عن شعبه وحواره مع
المستعبد، إنما يطرح مبدأ اللاعنف مع الحاكم الظالم
المتمثل آنذاك بحاكم مصر (الفرعون) واستطاع بحواره أن
يخلص شعبه ويمضي بهم بعيداً إلى مكان أكثر أمناً
وأماناً .. دون أن يلجأ إلى العنف أو العدوان في
التعامل لطرح قضيته. وقد طرح النبي موسى(ع) قبل موته
وصاياه العشر التي ترسم لليهود طريقهم السوي، ونستعير
منها ما يلي:
- أن يكرموا آباءهم
وأمهاتهم((أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض
التي يعطيك الرب إلهك)).
-
(ألا يقتلوا )لا تقتل.
-
(ألا يفسقوا )لا تزن.
-
(ألا يسرقوا )لا تسرق.
-
(ألا يكذبوا) القسم
ولا يكذبوا الشهادة.
-
(ألا يحسدوا )الآخرين
ولا يتمنوا الحصول على ما لديهم(3).
إن الديانة اليهودية
((الموسوية)) أي التي نشرها النبي موسى(ع) تدعو في الوصايا العشر إلى
نبذ القتل والسرقة والكذب والحسد، إذا ما اعتبرنا أن
الحسد هو سلوك العنف بالقلب، أو لما للحسد من انعكاس
كبير على سلوك الإنسان إذ أنه قد يدفع الإنسان إلى فعل
أكبر الجرائم.
إن إيمان الديانة
اليهودية بالخالق وما جاء به موسىt يتفق في معناه
العام والخاص مع مبادئ الحرية والعدالة بين الأقوام
والقوة، واعتماد مبدأ اللاعنف في حل المنازعات.. إلا
أن التعاليم التي وضعها رجال الدين في كتاب (التلمود)
تختلف كثيراً عما جاء به النبي موسىt في دعوته إلى
اللاعنف، وكذلك عن بقية الديانات والعقائد الأخرى. ففي
الكتاب المقدس (العهد القديم) ورد في الإصحاح الأول:
حارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوها بحد السيف
وأشعلوا المدينة بالنار. وبعد ذلك نزل بنو يهوذا
لمحاربة الكنعانيين سكان الجبل والجنوب والسهل(4).
وفي الإصحاح الثالث من
العهد القديم ورد النص التالي: وعاد بنو إسرائيل
يعملون الشر في عيني الرب فشدد الرب (عجلون) ملك موآب
على إسرائيل لأنهم عملوا الشر في عيني الرب بعد موت
إهود(5).
وعمل بنو إسرائيل الشر
في عيني الرب فدفعهم الرب ليد (مديان) سبع سنين فاعتزت
على يد مديان على إسرائيل. كما ورد في الإصحاح السادس،
وفي الإصحاح الثالث عشر من الكتاب المقدس »العهد
القديم«: ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب
فدفعهم الرب ليد الفلسطينيين أربعين سنة(6).
إن الشرائع التي وضعها
رجال الدين والحاخامات اليهود لا تتفق لا من بعيد ولا
من قريب مع وصايا النبي موسىt فهي حُرّفت تماماً.. فما
عرف عن الأديان عامة أنها أديان سلام ومحبة وتصالح مع
النفس أولاً ومع الآخرين ثانياً، وما ورد من شرائع
لبني إسرائيل تنافي تلك الرؤية العملية والنظرية في
تصرفاتهم وتعاملهم، فهي من وضع الرجال والحاخامات
الذين قاموا بتزييف ما ورد في التوراة، فقد ورد في
التلمود أن الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من
الملائكة فإذا ضرب أُميٌّ(*)
اسرائيلياً فكأنه ضرب العزة الإلهية، ويعتقد اليهود
بما سطره لهم حاخاماتهم من أن اليهودي جزء من الله(7)،
ويستمر الحاخامات في الوغول بالقسوة والعنف تجاه بني
البشر جمعاء ويسندون هذه القسوة والعنف إلى ما حرفوه
في التوراة وما كتبوه في التلمود .. فقد حرفت التوراة
وأصبحت الدستور اليهودي المقدس ذا التعاليم البالغة
عنفاً وقسوة ووحشية، حتى لا يكاد إنسان يتخيلها حقيقة
وواقعاً ما لم يرها مدونة ومسجلة في كتابهم، بتفصيل
وتأكيد وإصرار مع التهديد والوعيد بسوء مصيرهم، إن هم
أخلّوا بتطبيقها أو تهاونوا في الأخذ بها، فالكتاب
المقدس المحرف الذي صاغ نصوصه الحاخامات استناداً إلى
نزعاتهم العدوانية أيام النبي موسى(ع)، ما زالوا يحملون
نفس القسوة والعنف عبر العشرات من القرون الماضية ..
فالروايات التوراتية المحرفة تزداد قسوة وعنفاً عند
سرد قصة حياة النبي داودt، حيث تعددت المعارك بين
اليهود وغيرهم مع استخدام الأساليب الوحشية التي
يفخرون بها وينسبونها إلى النبي داودt، ويفخر اليهود
بالعنف والقسوة العدوانية تجاه الشعوب في كتابهم
المحرف الذي أوردنا جزءاً من سفر القضاء في الإصحاح
الثالث، وفي الإصحاح الرابع، والإصحاح السادس، وفي
الإصحاح الثالث عشر.
أما في التلمود فيبدو
أن صورة العنف كانت واضحة المعالم ومجسمة لحد الاعتقاد
الكامل بها، فهو يضم فضلاً عن العنف والعدوان، الدعوة
إلى العنصرية، وفي ذلك نورد نصاً منه يدعو إلى العنف
في التعامل، يقول التلمود: ((غير جائز أن تشفقوا على ذي
جنة))((8)
ويرسخ (التلمود) معتقدات تؤكد بأن أولاد نوح هم
الخارجون عن دين اليهود، أمّا اليهود فهم أولاد
إبراهيم، وفي التلمود يقول الرابي البو:
((سلط الله
اليهود على أموال باقي الأمم ودمائهم)) وفي موضع آخر
يؤكد((التلمود)) أن التسلط الذي يمنحه التلمود لليهود
على باقي الأمم يبرر لهم ارتكاب الجرائم بحقهم لدرجة
الإبادة. ويمعن التلمود في الدعوة لقتل غير اليهود
وإبادتهم حيث يقول: ((اقتل الصالح من غير الإسرائيليين
ومحرم على اليهودي أن ينجي أحداً من باقي الأمم من
هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون قد
حفظ حياة أحد الوثنيين))(9).
ويناقش الحاخامات في
التلمود تطبيق مبدأ العنف على الناس جميعاً بقولهم:
((إن
الكفار كما قال الحاخام اليعازر هم يسوع المسيح ومن
اتبعه)) فيما قال الرابي يهوذ كيا
((إن هذه اللفظة تشمل
الوثنيين على العموم))((10).
إن الدين اليهودي الذي
رسخ تعاليمه النبي موسى(ع)ونصوصه الإلهية المنزلة كان
يدعو إلى اللاعنف من خلال أوامر الله سبحانه وتعالى،
وقد نظفه من الدم الملطخة به يده عندما قتل المصري،
بقول الصوت ((صوت الرب)) له ألاّ يخاف وقوله:((أدخل يدك
في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)) وفعل موسى ما أمره به.
فإذا يده تخرج بيضاء كالثلج وقبلها عندما ألقى العصا،
وحكمة الله بها .. حينها استشعر موسى رعباً جديداً.
غير أن الصوت قال له: ((هذان برهانان من ربك إلى فرعون
وملأه)) وعرف موسى انه الرسالة.. وأدرك أن الصوت صوت
ربه((11).
إن الديانة اليهودية
المتمثلة في النبي موسى tوالتي سميت بعد ذلك بالديانة
الموسوية نسبة له، لم تكن غير دعوة الله إلى السلم
والسلام، وتخليص شعبه من قسوة وظلم الحاكم (فرعون)،
فكان نبي الله بحق، ولم يكن غير ذلك في دعوته .. إلا
أن شعبه وقومه خذلوه وعادوا إلى الوثنية خلال الطريق
الذي صعد به إلى جبل الطور، عندما مكث ثلاثين ليلة
صائماً ليتلقى من ربه الوصايا التي ترسم الطريق
للمؤمنين.. وبينما كان موسى يفعل ذلك من اجل أن يعقد
ميثاقاً كان هؤلاء يصنعون شيئاً عجبا.. لم يكن موسى
يتصور أن يحدث قط، فبرغم كل المعجزات التي آتاها (موسى)
في سبيل إنقاذ بني إسرائيل .. والتي يجب أن تؤكد لهم
أنهم من صنع إلههم خالق آبائهم، الواحد المتنزه عن كل
شريك معين .. وبرغم ذلك كانت الوثنية لا تزال لاصقة
بقلوب القوم.
إن موسى عندما عاد
وشهد ما كان منهم غضب غضباً شديداً، وشكا أمر بني
إسرائيل إلى ربه(12).
إن تاريخ الديانة
اليهودية يؤكد أنها تراوحت في تطرفها بين العنف المطلق،
وبين اللاعنف كمسمى ممارسة النبي موسى(ع) لخلاص شعبه من
الاستعباد، ولم يتجاوزه بعد ذلك. إلا أن هذا الشعب قام
بتحريف الكتاب المقدس، ووضع التشريعات وكتب التلمود
بأيدي حاخاماته. واختط طريقاً في الممارسة الواقعية
بعيدة عن تعاليم النبي موسىt في وصاياه العشر والتي
ينص في إحداها: لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد على قريبك
شهادة زور، لا تحسد. هذه بعض من الوصايا .. أين أصبحت،
وكيف مارس ويمارس اليهود نقيضها، وما يجري اليوم في
فلسطين شاهد حي على قساوة الصنف الذي تشبع به اليهود
تجاه الآخرين.
خلاصة القول في
الأديان السماوية على الأقل هي أن هذه الأديان تدعو
جميعاً إلى اللاعنف مع النفس ومع الآخر.
1
سليمان مظهر: قصة الديانات، مطبعة الوطن
العربي، بيروت، (1984)، ص302.
4
الكتاب المقدس »العهد القديم«، الإصحاح الأول،
ص379 .
(*)
أمي (اممي) هو كل بني البشر من غير اليهود حسب
العرض التلمودي.
7
ممدوح الزولي، القتل عقيدة يهوه وأتباعه،
مطبعة الأهالي، دمشق (2000)، ص17 .
8
ممدوح الزوبي، القتل عقيدة يهوه وأتباعه، مصدر
سابق، ص118 .
11
سليمان مظهر، قصة الديانات، مصدر سابق، ص311 .