الهندوسية عقيدة الهندوس
ترتكز عقيدة الهندوس التي نشأت في القارة الهندية
وشملت معظم أجزائها، على أن الحياة عندما أطلت على كل
البشر، وجدتهم غير متساوين على الإطلاق برغم ما تعتقد
أن أصلهم جميعاً من (مانو) أول البشر. وأن البشر أربعة
أنواع: فمن رأسه جاء أفضل الناس وأعظمهم قدسية .. وهم
الكهنة البراهمة. ومن ذراعيه جاء من يليهم في الأفضلية
وهم الملوك والمحاربون .. ويسمّون بالأكشترية. ومن
فخذيه جاء أرباب المهن بين زراع وتجار وهم الفيشية.
ومن قدميه جاء بقية الناس الذين ينتمون إلى الطبقة
السفلى، وليس لهم من مهمة سوى خدمة الطوائف الثلاث
السابقة، وهؤلاء هم الذين يسمّون بالشودرا .. أو
المنبوذين
(1).
ويعتقد الهندوس أن هناك حياة أخرى. فإذا كنت صالحاً في
هذه الحياة فستجازى على صلاحك في الحياة الأخرى ..
ويحاول الكهنة تفصيل ذلك بطريقة على الشكل التالي: لكل
كائن حي روح، وهذه الروح تأتي من براهما روح العالم،
فعندما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده وتدخل على
الفور جسد طفل ولد لتوه
(2).
ويطرح الكهنة الهندوس في معتقداتهم قانوناً للحياة
يقوم على أساس جزاء الخير خير مثله، وعقاب الشر شرٌّ
مثله، وهذا القانون اسمه »الكارما« وبرأيهم أن العمل
الصالح يجب أن يثاب المرء عليه، والعمل السيء يجب أن
يعاقب عليه.
أما قانون العنف والعدوان والتدمير، فتتبع في
معتقداتهم إلى الآلهة، وتنسب هذه الآلهة كلاً حسب
وظيفته؛ فإله الحب يسمى (فشنو)، فهو يأتي بكثير من
الأعاجيب ويشفي الصم والعمى ويعاون المصابين بداء
البرص ويذود عن الفقراء.
أما (شيفا) ومعناه »العطوف« - وكلمة شيفا لفظ أريد به
التخفيف من بشاعة هذا الإله- فهو في حقيقة الأمر إله
القسوة والتدمير، ولا يظهر إلا في ميادين القتال
والمعارك الضخمة والمنازعات الطاحنة، وفي كل هذه
الميادين تحل بركته، وهي دائماً بركة قاتلة
(3)
وبهذا يمكن القول بأن هذا الإله في عقيدة الهندوس يمثل
الدمار ويصنع نهاية لكل شيء .. فهو إله العنف والتدمير
والعدوان.أما زوجة (شيفا) وهي الإلهة (كالي) فهي تمثل
في الديانة الهندوسية الدفعة الجارفة على استمرار
الحياة من خلال التناسل الذي يتغلب على العنف والتدمير
والعدوان والموت باستمرار الجنس البشري وتواصله في
الحياة، فـ (كالي) عندما تكون راضية تمنح الحب
والتسامح والكرم، ويستطيع المتعبدون التقرب إليها
بتقديم التضحيات ونحر الذبائح في معابدها. ورغم أنها
إلهة الأمومة، إذ هي أيضاً رمز الدمار والموت والفناء،
فهي كما يعتقد الهندوس في وسعها أن تبتسم كما أن في
مقدورها أن تقتل .. فتمثل في النهاية هي وزوجها أبشع
صورة ممكنة للرعب والعنف والتدمير ..أما اللاعنف في
المعتقد الهندوسي فلم يكن ذا أثر فعال يذكر عدا ما
يتناولونه من خلال تقديسهم للبقرة، حيث تعد لدى
الهندوسي ذات قدسية لا مثيل لها، فلها تماثيل في كل
معبد ومنزل وميدان، وهي تتمتع بحرية مطلقة في ارتياد
الطرقات كيف شاءت، ولا يجوز للهندوسي تحت أي ظرف من
الظروف أن يأكل لحمها أو يستغل جلدها في أي صناعة
(4).
وخلاصة القول أن آلهة الهندوس تراوحت في وضع منهاج
حياتي قائم على التقسيم والتفاوت بين طبقات الناس من
حيث مهنهم أولاً ومن حيث إيمانهم ثانياً .. فالآلهة من
كل نوع بعضها يثير الرعب.. وبعضها يقتل ويدمر.. أما
اللاعنف فقد انحصر في معاملة تقديس البقرة..
البوذية:
نشأت البوذية
كمعتقد في الهند وانتشرت في آسيا شرقاً حيث
وصلت إلى النيبال وتركستان الشرقية والصين
واليابان، وجنوباً إلى تايلاند وسيرلانكا
وكمبوديا، ورغم ذهابها إلى كل هذه البلدان فقد
اتخذت ألواناً مختلفة من المذاهب والانقسامات
.. ولكن ظلت البوذية محافظة على مبادئها
وصفائها وإن تفاوتت في التطرف والاعتدال..
قامت البوذية
من فكر شخص واحد هو »سيدهاتا بوذا« الأمير
الذي غادر القصر وذهب باحثاً عن الحقيقة،
واعتزل حياة الرفاهية ليتحول إلى الرهبنة ..
لقد دعى (بوذا)
الراهب البشرية جمعاء إلى أن الحقيقة والحكمة
اللتين يبحث عنهما المرء يمكن أن يجدهما في
أعماق نفسه .. ورأى أن الحكمة والمعرفة اللتين
يبحث عنهما الإنسان هما في روحه(5).
إن البوذية
التي بشّر بها هذا الكاهن قائمة على أساس: من
الخير يجب أن يأتي الخير .. ومن الشر لا بد أن
يأتي الشر، ورفض عبادة الأصنام على أساس أنها
لا تستطيع تغيير شيء في هذا العالم، واعتقد
بأن العمل الصالح يأتي بنتائج طيبة، وأن الشر
يأتي بالشر دائماً .. وتساءل هل تستطيع هذه
الأصنام أن تغير كل هذه النتائج؟
واعتقد بوذا
في طرحه لأفكاره وتعاليمه بأن الناس لا
ينقسمون إلا إلى فريق صالح وفريق شرير .. وطرح
التعليمات الثمانية التي تشكل قواعد الحياة
ونورد بعضاً منها:
- القرار الحق..
بأن يكون المرء هادئاً دائماً، لا يلحق أذى
بأي مخلوق.
- الكلام الحق..
بالبعد عن الكذب والنميمة وعدم استخدام اللفظ
الخشن.
- السلوك الحق..
بعدم السرقة والقتل وفعل شيء يأسف له المرء
فيما بعد أو يخجل منه.
- العمل الحق
.. بالبعد عن العمل السيء مثل التزييف وتناول
السلع المسروقة، وعدم اغتصاب المرء ما ليس له(6).
ومن خلال
تعاليم البوذية السالفة، نستطيع القول بأن
بوذا وتعاليمه ومعتقداته تدعو إلى نبذ العنف
والعدوان والتعامل مع السلوك المسالم ورفض
السرقة والقتل أو فعل أي عمل يأسف عليه
الإنسان .. وفي موضع آخر تدعو البوذية من خلال
وصايا (بوذا) الخمسة إلى ما يلي:
- لا تقتل
كائناً حياً.
- لا تسرق أو
تأخذ ما لم يعط لك.
- لا تقل
كذباً قط.
- لا تقم على
دنس.
- لا تسكر أو
تخدر نفسك في أي وقت(7)..
ويطرح بوذا في
وصاياه على البشر جميعاً وعلى أتباعه خصوصاً،
وأينما طافوا، فكرة يقول فيها: مبارك كل من
كانت فيه الحقيقة والاستقامة ..
ويقول كذلك:
على الإنسان أن يتغلب على غضبه بالشفقة، وأن
يزيل الشر بالخير، إن النصر يولد المقت لان
المهزوم في شقاء. وإن الكراهية يستحيل عليها
في هذه الدنيا أن تزول بكراهية مثلها .. إنما
تزول الكراهية بالحب(8).
إذن دعوة
البوذية ، هي دعوة إلى اللاعنف المطلق، وهي
دعوة رفض مطلق للعنف بنفس الوقت، وبعبارة
جميلة يرددها بوذا ويدعو الملايين من البشر
إلى اتباعها بقوله: السلام على جميع الكائنات.
ذلك أن العقيدة تقوم على أنه:
لا يجوز لهم
أن يقتلوا كائناً حياً، ولا أن يأخذوا شيئاً
لم يعطوه، وإن عليهم أن يجتنبوا الكذب
والنميمة، وأن يصلحوا ما بين الناس من خصومة
ويشجعوهم على الوفاق وانه حتم عليهم أن يظهروا
الرحمة دائماً بالناس جميعاً والحيوان معاً(9).
إن دعوات
البوذية هي دعوات إلى اللاعنف في التعامل
والعمل واحترام الإنسان وجميع الكائنات الحية
الأخرى، وهي لا تؤمن بأي نوع من العنف حتى
اللفظي منه، وطالبت كل اتباعها إلى نهج السلام
في حل المشكلات وتجنب العنف القلبي مثل
النميمة والكذب، واستبدالها بالرحمة كحل
للوفاق بين البشرية ونبذ العنف بكل أشكاله،
وهذا ما اتفقت عليه كل الجماعات البوذية رغم
اختلافها في الرأي والطريقة، ولكنها تبقى مجرد
اتجاه روحي رهباني خالص لا يملك امتدادات أخرى
في جوانب الحياة المختلفة وبالتالي لا يستطيع
أن يعالج الكثير من المشاكل والنزاعات
والأزمات.
الكونفوشيوسية:
نشأت الفلسفة
الكونفوشيوسية في الصين، ونسبت إلى مؤسسها
الفيلسوف الصيني »كونفوشيوس«، حيث قامت هذه
الفلسفة بنشر تعاليمها على أبناء الصين، وعد
في نظر الناس أعظم حكيم وطني صيني عاش على أرض
الصين.
كانت تعاليم
هذا الحكيم تقوم على: أن الحاكم الظالم أخطر
على الناس من النمر المفترس(10).
فقد قامت فلسفته وتعاليمه على أساس العطف على
الكائنات الحية جمعاء، بما فيها الحيوان، فرفض
أن يتخذ من الحرير لباساً له، وفضل الملابس
المصنوعة من الكتان وقوله: أنا لا استبيح
لنفسي أن أقتل دودة القز لأستولي على نسيجها
وأصنع منه ردائي(11).
وكانت تعاليمه
وفلسفته تدعو إلى اللاعنف المطلق، وعدم اللجوء
إلى حلول العنف في حسم المنازعات بقوله: أنا
أفخر بأني لم استعمل قط شبكة لصيد السمك، ولم
أرم طائراً بسهم .. وقد بذل جهداً كبيراً في
إيصال تعاليمه التي كافح من اجل إيصالها إلى
أضعف الناس، فدعوته - من ضمن تعاليمه -؛ الحد
من قوة الغرائز والشهوات وكبح جماحها، فضلاً
عن أنه كان لا يجادل وفي عقله سابق رأي .. ولا
يتحكم في الناس ويفرض عليهم عقائده.. ولم يكن
عنيداً..
وكثيرا ما
يردد »كونفوشيوس«: إذا كان الحكام فاسدين أصبح
الناس فاسدين أيضاً. ولكن إذا كان الحكام
صالحين فسيحذو الناس حذوهم ويصبحون صالحين.
فأول قاعدة للصلاح هي ألا تفعل للآخرين ما لا
تحب أن يفعلوه لك(12).
ويطرح (كونفوشيوس)
رأيه ويقول: أنه من الجبن أن يرى الإنسان ما
هو صواب ولا يحاول أن يفعله .. وقوله عندما
سئل: هل من الصواب الرد على الإساءة بالأخرى؟
أجاب بحدة:
وبأي شيء تجزي الإحسان؟ لتكن العدالة جزاء
الإساءة .. وليكن الإحسان جزاء الإحسان.
وعندما سئل:
ما هي الفضيلة الكاملة؟
أجاب: الفضيلة
الكاملة ألا تفعل بغيرك ما لا تحب أن يفعل بك(13).
ومن فلسفته
وتعاليمه التي تدعو إلى المحبة ونبذ العنف،
واعتماد اللاعنف طريقاً في الحياة، قوله:
الاعتزاز بالجهد اكثر من الاعتزاز بالثمرة،
وعمل الخير دون نظر إلى مكافأة عنه في هذه
الحياة أو في حياة أخرى مستقبلة، ولكن لمجرد
الاستمتاع بعمل الخير.. هذا هو الحب .. فالحب
ثمرة نفسه .. والحب يخلق السلام، وقوله إن
القلب الذي يعمر بالحب لا يخطئ(14).
إنّ ما طرحه (كونفوشيوس)
من تعاليم في فلسفته وعقيدته وعمل على نشرها
تدخل تحت ما يسمى بالمذهب الإنساني، ففي إحدى
مقولاته يرى أن المعرفة الصحيحة هي التي تخلق
الرجل السعيد الموفق، وهي التي تخرج العائلة
الصالحة والحكومة العادلة، وهي التي تؤدي بوجه
عام إلى خلق عالم تسوده العدالة والمحبة
والسلام. وقد عدت هذه العقيدة لدى أتباعه أكمل
مرشد للحياة الإنسانية. وإزاء ذلك يقول (كونفوشيوس):
إن العالم في
حرب لأن الدول التي يتألف منها فاسدة الحكم،
والسبب في فساد حكمها أن الشرائع الوضعية مهما
كثرت لا تستطيع أن تحل محل النظام الاجتماعي
الطبيعي لأن الناس ينسون أنهم لا يستطيعون
تنظيم أسرهم من غير أن يقوِّموا أنفسهم.. وهم
يعجزون عن تقويم نفوسهم لأنهم لم يطهروا
قلوبهم، أي انهم لم يطهروا نفوسهم من الشهوات
الفاسدة الدنيئة(15).
لقد دعى (كونفوشيوس)
إلى السلام والمحبة بين الناس والأقوام
المختلفة، والتجرد عن الغرائز الدنيئة
والملذات. فكثيراً ما كان يختلف مع الحكام
آنذاك بطرق الحل للأزمات وسبل إيجاد الحلول
لها، فقد كان يشير إلى الدعوة إلى السلام
دائماً وعدم التورط في الحروب وتوسيع الغزو.
وكانت دعواته أحياناً تجد آذاناً صاغية وصدى،
وأحياناً أخرى تجد الصد، ويصل إلى حد طرده من
البلاد ومطاردته مع مريديه وتلامذته، حتى
انتشرت أفكاره وتعاليمه الداعية إلى السلام
واللاعنف في حياته وبعد وفاته، على يد تلامذته
الذين توصلوا إلى هذه الفضائل، المستمدة من
تعاليمه وهي:
- فعل الخير.
- الرغبة في
العمل لصالح الشعب.
- الاستقامة..
وهي ألا تفعل للآخرين ما لا تحب أن يفعلوه لك.
- اللياقة..
وهي أن تسلك مع الشعب الذي تحكمه سلوكاً يتسم
بالحياء.
- الحكمة..
وهي أن تسترشد بالمعرفة والفهم.
- الإخلاص..
وهو أن تكون مخلصاً في كل ما تفعله.
1
سليمان مظهر، قصة الديانات، مصدر سابق، ص70 .
4
سليمان مظهر، قصة الديانات، مصدر سابق، ص85 .
5
سليمان مظهر، قصة الديانات، مصدر
سابق، ص107 .
7
سليمان مظهر، قصة الديانات، مصدر
سابق، ص120 .
10
سليمان مظهر، مصدر سابق، ص181 .
14
سليمان مظهر، مصدر سابق، ص194 .