عرف
عن رسول الله محمد(صلى الله عليه وآله
وسلم) وآل بيته الكرام i وما ورد عنهم
في المأثورات وما نقل عن التراث
والكتب والمخطوطات أنهم أسرة انتهجت
هذا المبدأ منذ بداية الدعوة
الإسلامية، فضلاً عن أنها اكتسبت هذه
السمات من خلال ما أنزله الله في
كتابه الحكيم »القرآن الكريم«.
فالرسول محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)
وآل بيته(عليهم السلام) هم دعاة سلم
وحملة مبدأ الإنسانية في اللاعنف ونبذ
ما هو نقيضه في الحياة اليومية، وقول
الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): إنا
أهل بيت مروتنا العفو عمن ظلمنا(1)،
يعبّر ذلك عن أعلى درجات تطبيق مبدأ
اللاعنف: الصفح الجميل أن لا تعاقب
على الذنب(2).
إن
اللاعنف كمفهوم ومبدأ ظهر حديثاً في
الكتابات السياسية والاجتماعية منتصف
القرن التاسع عشر وهو تعبير عن
الاحتجاج ضد سياسة حكومة الولايات
المتحدة، والحرب ضد المكسيك وبقاء
الأزمة في الجنو(3)،
ثم امتداد العمل بهذا المبدأ حتى
القرن العشرين عندما طبقه الزعيم
الهندي »المهاتما غاندي« في نضاله ضد
الاستعمار الإنجليزي الذي احتل الهند
.. وتبعه آخرون ليعملوا به .. إلا أن
هذا المفهوم كان معروفاً وسائداً بشكل
واضح لدى الرسول محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم) عندما دعى أبناء قومه إلى
اعتناق الإسلام وتحطيم الأصنام
باعتبارها أحجاراً لا تضر ولا تنفع،
وأرشدهم إلى الطريق الصحيح وبأسلوب
السلم واللاعنف كما في قول الله
سبحانه وتعالى: ((ادخلوا في السلم كافة))
(البقرة/208) وقوله سبحانه وتعالى:
((لا
إكراه في الدين))(البقرة/256). وقوله
أيضاً: ((وإن تعفوا أقرب للتقوى)) (البقرة/237)،
أما عن رسول الله فقد ورد مبدأ
اللاعنف أو ما يسميه البعض مبدأ
المسالمة في الكثير من الأحاديث حيث
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): إصلاح
ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم(4)،
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) أيضاً في استخدام العفو ومبدأ
اللاعنف: تعافوا تسقط الضغائن بينكم(5)،
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
ويقول الإمام علي(ع):
العفو تاج المكارم(6)،
ويطرح الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)
التطبيق العملي لمبدأ المسالمة
واللاعنف بقوله: العفو أحق ما عمل به(7)،
وقول الإمام علي: شر الناس من لا يعفو
عن الزلة، ولا يستر العورة(8).
لقد
عد الإمام علي بن أبي طالب(ع):
حكيم القوم في زمانه، وداعية السلم
والمسالمة وراعي اللاعنف رغم قدرته
الفائقة على الشجاعة والحكمة فقوله(ع):
متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن
الانتقام فيقال لي: لو صبرت، أم حين
أقدر عليه فيقال لي: لو عفوت (غفرت)(9)،
فقد عد فارساً في الجهاد والبسالة في
القوة وبنفس القدر من المسالمة
واللاعنف والسيطرة على المشاعر
المختلفة، وقوله(ع):
إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه
شكراً للقدرة عليه(10)،
وقول الإمام الحسين بن علي(ع)
في ذلك: إن أعفى الناس من عفا عند
قدرته(11)،
ويظهر الإمام علي بن الحسين »زين
العابدين« في مبدأ المسالمة واللاعنف
في أسمى وأرق صورة، وهو اللاعنف
المطلق بقوله: حق من أساءك أن تعفو
عنه، وإن علمت أن العفو عنه يضر،
انتصرت(12)،
وقول الإمام علي(ع):
صافح عدوك وإن كره، فإنه مما أمر الله
عز وجل به عباده، يقول:
((ادفع
بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه
عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا
الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ
عظيم)) ما
يكافأ عدوك بشيء أشد عليه من أن تطيع
الله فيه(13).
إن آل
بيت الرسول(عليهم السلام) مارسوا
اللاعنف المطلق بكل أشكاله وأبعاده في
حياتهم، وأوصوا المسلمين بعدهم بالسير
على خطاهم، فقد كانوا دعاة صلح ووفاق
بين عامة الناس، ودعاة سلم وحق. وقول
الإمام الصادق(ع):
المصلح ليس بكاذب(14)،
ويحذر الإمام علي(ع)
من استخدام القوة والعنف والتعسف ضد
الآخرين، ويدعو إلى اللجوء إلى
المسالمة واللاعنف بقول(ع):
احذر العسف والحيف، فإن العسف يعود
بالجلاء، والحيف يدعو إلى السيف(15)،
وقوله(ع)
في موضع آخر: من لم يحسن العفو أساء
بالانتقام(16)،
وفي ذلك يقول الإمام الباقر(ع)
في مبدأ اللاعنف والمسالمة: تعرض
للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة
واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء
والمناجاة في الظلم(17)،
وقول الإمام علي(ع)
بالعفو تستنزل الرحمة((18)،
وقوله(ع):
ابلَغُ ما تستدر به الرحمة أن تضمر
لجميع الناس الرحمة(19)،
ويضيف بقوله(ع)
عن استخدام الرحمة في التعامل مع مبدأ
اللاعنف: رحم الله امرأً عرف قدره ولم
يتعد طوره(20)،
وفي ذلك يشير الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم): أعقل الناس أشدهم مداراة
للناس(21)،
وقول الإمام علي(ع):
أخلط الشدة برفق، وارفق ما كان الرفق
أوفق(22)،
وقول الإمام العسكري(ع)
من كان الورع سجيته والأفضال حليته
انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه(23).
وتتناغم طروحات آل البيت ورائدهم
الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين
(ع) في
تطبيق السلام ونبذ العنف واللجوء إلى
اللاعنف بقوله(ع):
الاستصلاح للأعداء بحسن المقال وجميل
الأفعال، أهون من ملاقاتهم ومغالبتهم
بمضيض القتال(24)،
ويناقش بشكل واضح وجلي هذا المبدأ »اللاعنف«
عندما يقول في كتابه الشهير إلى عامله
على مصر »الأشتر«: املك حميتك رغم
انفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسان(25)،
وكان الإمام جعفر الصادق(ع)
داعي السلام حينما عبر عن ذلك بقوله:
ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة، تعفو
عمن ظلمك وتصل من قطعك وتحلم إذا جُهل
عليك(26)،
وكان آل بيت الرسول دائمي الدعوة إلى
السلام والمسالمة وانتهاج اللاعنف،
يقول الإمام الرضا(ع):
عفو من غير عقوبة ولا تعنيف ولا عتب(27)،
ويضيف الإمام علي بن أبي طالب(ع)
بقوله: قلة العفو أقبح العيوب والتسرع
إلى الانتقام أعظم، وقوله أيضاً واصفاً
التعامل الإنساني والرفق به بقوله(ع):
رأس الجهل الخرق، ليكن شيمتك الرفق،
فمن كثر خرقه قل عقله، يا همام،
المؤمن هو سهل الخليقة لين العريكة ..
نفسه أصلب من الصلد .. لا جشع ولا هلع
ولا عنف ولا صلف .. وصولٌ في غير عنف(28).
لقد
عالج الرسول محمد(صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته الكثير من المشكلات
التي تنتج عن العنف وحالات الغضب،
يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) موجهاً حديثه إلى الإمام علي(ع):
يا علي إنّ من صفات المؤمن: أن يكون
عظيماً حلمه، جميل المنازعة، أوسع
الناس صدراً، أذلهم نفساً .. لا يؤذي
من لا يؤذيه .. وأصلد من الصلد .. لين
الجانب طويل الصمت، حليماً إذا جهل
عليه صبوراً على من أساء إليه ..
حليماً رفيقاً ذا قوة في لين وعزمة في
يقين ... إذا قدر عفا .. لسانه لا
يغرق في بغضه .. يعطف على أخيه بزلته(29)،
وقول الإمام علي(ع):
الغضب يثير كوىً من الحقد(30)،
وقوله أيضاً: إياك والغضب فأوله جنون
وآخره ندم(31)،
وفي موضع آخر يقول الإمام علي(ع)
بهذا الجانب: واكظم الغيظ وتجاوز عند
المقدرة، واحلم عند الغضب، واصفح مع
الدولة، تكن لك العاقبة(32).
نعرف
مما تقدم أن آل بيت الرسول(عليهم
السلام) كانوا دعاة سلام ومسالمة في
السلوك والتعامل والتعايش مع عامة
الناس، رغم ما تحملوه من مصاعب ومتاعب
من أبناء قومهم، ولكنهم كانوا على حق
في استمرار دعوتهم السلمية ومبدئها
اللاعنف، كما في قول الله سبحانه
وتعالى: >وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن
عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب
الظالمين< (الشورى/40).
وقول
الإمام جعفر الصادق(ع):
تواصلوا وتبارّوا وتراحموا. وكونوا
أخوة بررة كما أمركم الله عز وجل(33)
ومبدأ اللاعنف والمسالمة وتحقيق
السلام بين الناس سمة من سمات آل بيت
الرسول(عليهم السلام) أجمعين، فقد قال
الإمام علي بن أبي طالب(ع):
شيئان لا يوزن ثوابهما: العفو والعدل(34)،
وقوله أيضاً(ع):
من قابل الإحسان بأفضل منه فقد جازاه(35).
إن
الدين الإسلامي دين سلام، دين المحبة
بين الناس والبشرية جمعاء. وإن الله
سبحانه وتعالى بعث للبشرية الهدى عن
طريق رسله رحمة وهدى للعالمين لينير
لهم الدروب والسبل ويوضح لهم طريق
الخير. فالنبي محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم) وآل بيته الأكرمين(عليهم
السلام) هم دعاة سلم ومحبة ومسالمة،
دعاة نبذ العداوة والعنف، وحل
المنازعات باللاعنف، رغم أن الذات
الإنسانية في تكوينها جزء منها ركب
القسوة والفجور واتباع طريق العدوان،
إلا أن آل بيت الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم) كانوا أشد الناس رحمة
بالبشرية جمعاء .. وفي ذلك قول الله
سبحانه وتعالى: ((الذي
خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن
عملاً وهو العزيز الغفور))(الملك/2).
1
أبو جعفر محمد علي القمي،
أمالي الصدوق، مؤسسة الأعلمي
- بيروت (1400هـ) 238/7.
2
أبو الحسن الحراني، تحف
العقول، مطبعة شريعتي، طهران
(1421هـ)، ص369 .
3
قاموس الفكر السياسي، مصدر
سابق، ص474 .
4
بحار الأنوار، مصدر سابق،
ج76، ص43، ح2 .
5
علاء الدين علي المتقي الهندي،
كنز العمال، 7004 ، مكتبة
التراث الإسلامي، بيروت
(1397).
6
غرر الحكم، 520، مصدر سابق.
7
كنز العمال، 7003، مصدر سابق.
8
غرر الحكم، 5769، مصدر سابق.
9
عز الدين عبد الحميد بن أبي
الحديد، شرح نهج البلاغة،
الحكمة 194.
10
المصدر السابق، الحكمة 11.
11
محمد بن مكي العاملي، الدرة
الباهرة من الأصداف الطاهرة،
تحقيق داود الصابري، إيران (مشهد)
2ط1/1365هـ،
ص29..
12
الشيخ الصدوق، الخصال، مؤسسة
الأعلمي، بيروت ط1/1410،
570/1.
14
الكافي، 2/210، مصدر سابق.
15
نهج البلاغة، الحكمة 476،
مصدر سابق.
16غرر
الحكم، 8959، مصدر سابق.
17
البحار، 78/164/1، مصدر سابق.
18
غرر الحكم، 4317، مصدر سابق.
19
غرر الحكم، 3353، مصدر سابق.
21
آمالي الصدوق، 28/4، مصدر
سابق.
22
غرر الحكم، 2385، مصدر سابق.
23
البحار، 78/378/3، مصدر سابق.
24
غرر الحكم، 1926، مصدر سابق.
25
نهج البلاغة، الكتاب (53) ،
مصدر سابق.
26
الكافي، 2/107/3 ، مصدر سابق.
27
أبو محمد الحسن بن أبي الحسن
الديلمي، أعلام الدين في صفات
المؤمنين، مؤسسة آل البيت،
إيران (قم) ط2/1414هـ).
28
بحار الأنوار، المجلد 67،
ص365، مصدر سابق.
29
لبيب بيضون، تصنيف نهج
البلاغة، مصدر سابق، ص963.
31غرر
الحكم، 2164، مصدر سابق.
33
الكافي، 2/175، مصدر سابق.
34
غرر الحكم، 5769، مصدر سابق.