استعراض ومناقشة النتائج:
كانت
غاية البحث الحالي الكشف عن ظاهرة
العنف في إطار السياق الاجتماعي
والديني عن طريق تعرّف الطروحات
النظرية والاتجاهات الفكرية المتعددة،
فقد توصل البحث واستناداً إلى قول
الإمام علي بن أبي طالبt في أن
الإنسانية في تكوينها ذات أصول واحدة،
تمتد إلى تكوين واحد، إما أخ لك في
الدين، أو نظير لك في الخلق. وبناء
على ذلك نجد أن النظريات العلمية
والاتجاهات المختلفة، تتفق في المبدأ
مع قول الإمام عليt السابق الذكر،
ولكن تختلف في المواقف الدافعة لإحداث
تلك الظاهرة وظروف حدوثها، فالبعض من
النظريات يرى فيها أنها تمتد إلى
التكوين الخلقي، والبعض الآخر يرى
فيها بأنها عوامل مكتسبة من البيئة
التي يعيش فيها الفرد، والرأي الثالث
يرى أن إعاقة الحاجات يخلق لدى الفرد
حالة العنف وممارسته، بعد أن يفقد
قدرة التحرر لتنمية الحاجات
الإنسانية، فيلجأ إلى سلوك العنف
لتنمية حاجاته .. كما عبر عنه
(أبراهام مارسلو) في نظريته.
أما
الاتجاهات الإسلامية في مكونها العام
والخاص، فهي تهتم باعتبار أن هذا
السلوك (العنف) لا يمثل حقيقة الدين
الإسلامي إطلاقاً لا سابقاً ولا حالياً،
وفي كل الظروف الموضوعية والذاتية في
سياق الفكر الديني، فلم تظهر أية
دعوات - حسب علم الباحث - إلى انتهاج
النهج العدواني أو العنيف أو الدموي
في فرض الرأي، ويعزز هذا القول قول
الله سبحانه وتعالى:((لا إكراه في
الدين)). (البقرة/256).
أما
الاتجاهات السياسية فتتناول سياق
العنف بنوعين:
الأول:
ما تقوم به الدولة ضد رعاياها،
الثاني: ما يقوم به الأفراد ضد
الدولة. ففي النوع الأول تستخدم
السلطة الشرعية وغير الشرعية العنف
باعتبار ما يقوم به الأفراد خروجاً
عليها، فتستهدف إعادة النظام بالعنف.
وفي النوع الثاني: ممارسة العنف ضد
الدولة باعتباره الوسيلة الوحيدة
لإذعان السلطة لمطاليبها، وإن اختلفت
نوعية السياسة في سياقها، من النظام
الراديكالي الأيديولوجي (الثوري) إلى
الليبرالي (المحافظ الفردي). ولكن في
كل الأحوال يبقى العنف، هو المفهوم
الذي يحقق لكلا الطرفين أهدافهما.
أما
دوافعه (العنف) فتراوحت الآراء
والنظريات والاتجاهات في تحديدها بين
الشخصية والسياسية والاجتماعية
والاقتصادية، وقد ابتعد البحث عن
النزعات الخاصة في التشخيص، كالعنف
الفردي في مفهومه الاجتماعي، مثل
السادية أو المازوخية أو العنف نحو
الذات وإيذاء النفس، أو العنف الموجه
نحو الحيوانات أو البيئة الطبيعية، أو
دوافع إشعال الحرائق لدى بعض الشخصيات
المصابة بالهوس... الخ، لأنه لم يتضمن
في أهدافه هذه المتغيرات.
أما
الهدف الثاني من بحثنا الحالي الذي
طرح مبدأ اللاعنف في السياق العام
والمقصود بالسياق هنا: الأديان
السماوية والديانات غير السماوية
والمذاهب السياسية والفكرية، فقد توصل
من خلال الاستعراض النوعي إلى استنتاج
مفاده أن كل الأديان السماوية وبلا
استثناء هي أديان قامت على مبدأ
اللاعنف، وهي ذات مصدر إلهي واحد، وإن
اختلفت الظروف الزمانية والمكانية..
لكن القارئ الكريم يستطيع أن يستطلع
المنطقة الجغرافية التي نزلت بها
الأديان الثلاثة. فهي حصراً في
الجزيرة العربية وإن امتدت شمالاً
باتجاه الغرب العربي ووسطاً الى أرض
فلسطين وجنوباً الى أرض الحجاز.. وهي
إحدى المسلمات الأساسية في المكون
الجغرافي، أما السقف الزمني فقد
تراوحت بمتوسط اعتباري لا يشكل طول
الزمن قياساً متغيراً مؤثراً في حياة
الشعوب والأمم عند الأخذ بنظر
الاعتبار عمر الإنسان والأرض منذ
بداية الخليقة .. وإزاء ذلك اتفقت
الأديان السماوية بالإجماع على هذا
المبدأ في أصوله، وليس في التحويرات
التي أدخلها البعض من المشرعين أو
اختلاف التفسيرات، فنجد الديانة
اليهودية دعت، من خلال النبي موسىt،
وما أنزله الله عليه للبشرية إلى
التمسك بتعاليم السماء، فقوله في
وصاياه العشر: ألاّ تقتلوا »لا تقتل«،
ألاّ تسرقوا »لا تسرق«، ألاّ يحسدوا
الآخرين. وكذلك الديانة المسيحية في
تكوينها، كانت دعوة نحو السلام
واللاعنف، إلا أن التحوير والتزييف في
التفسيرات التي أدخلتها على النصوص
الإلهية، أضاعت المحتوى الأصلي
للوصايا والتعليم، أما في الإسلام فإن
الأساس الذي قام عليه والأصل الذي
ابتنت عليه الشريعة هو السلم
واللاعنف، لذلك فإنه دين السماحة
والسلام، دين المحبة والإخاء، كما يدل
على هذا قوله تعالى:
((ادخلوا في السلم
كافة)) (البقرة/208).
وتناول الهدف الثالث من البحث((الإطار
النظري)) الذي اعتمد عليه البحث في
تفسير الظاهرة »ظاهرة العنف« ومبدأ
اللاعنف، وهو نظريات وآراء الإمام
محمد الحسيني الشيرازي واستشراف
الحلول التي تبناها .. فمثل تفسير هذه
النتائج ليس بسيطاً، لأن مجموعة
الأفكار والمعالجات تزداد تطبيقاً في
الواقع كلما تقدمت في التطور وازدادت
مشكلاتها .. فالعنف يأتي عادة من
تعقيد الحياة وكثرة مصاعبها ومع ذلك
فإن الإطار النظري عند الإمام
الشيرازي عالج هذه الظاهرة في شقيها »العنف
واللاعنف« عندما قسمها إلى ثلاثة
أقسام، وهو بذلك عد في نظريته رائد
مبدأ اللاعنف المطلق ... فيقول سماحته:
إن السلام يصل بصاحبه إلى النتيجة
الأحسن، والمسالمون يبقون سالمين مهما
كان لهم من الأعداء .. ويوافق في طرحه
لهذا المبدأ الدين الإسلامي في كل
توجهاته بقوله: إن الأصل في الإسلام
السلام واللاعنف.
إن
الإمام محمد الحسيني الشيرازي، رائد
في الدعوة إلى مبدأ اللاعنف ونبذ
العنف في التوصل إلى حلول للمشكلات
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
المعاصرة .. فقول سماحته: من الأمور
المهمة في حسن الإدارة »العفو« فإن
الإنسان مهما بلغت رتبته ـ باستثناء
المعصوم ـ يكون معرضاً للأخطاء، وربما
أخطاء فادحة، وليس اعتباطاً أمر الله
سبحانه لرسوله بأخذ العفو، حيث يقول:
>خذ العفو.. وأمر بالعرف.. واعرض عن
الجاهلين<(الأعراف/199) (1).
إن
آراء الإمام الشيرازي ونظريته في هذا
المجال اعتمدت أساساً على:
أولاً:
القرآن الكريم.
ثانياً:
السنة النبوية الشريفة.
ثالثاً:
ما قاله آل بيت الرسول(عليهم السلام).
رابعاً:
الاعتماد على الحجج في المنطق العقلي
لاستنباط النظرية في اللاعنف.
خامساً:
القدرة الإبداعية له في الاجتهاد،
لقضايا العصر.
سادساً:
التصنيف الموضوعي للظاهرة (العنف)
والمبدأ اللاعنف يمكن الرجوع إلى
تقسيمات سماحته في هذا الجانب.
سابعاً:
التشخيص الموضوعي للواقع الإسلامي
ومشكلاته.
وإزاء
ذلك نستنتج من خلال هذه المعايير
العميقة الفكر النظري والتطبيقي لوضع
الإطار العام حيز التطبيق الميداني..
وتأسيساً على ذلك يمكن أن نستنتج:
أ ـ
لم تكن طروحاته الفكرية، نظرية خالصة،
بل اعتمد مبدأ التطابق الميداني
للمشكلات.
ب ـ
تفاعل ظروف الوضع الراهن للمجتمعات
الإسلامية (عربية وغير عربية)
بالأحداث وتطابقها مع آرائه ونظريته.
ج ـ
توافق المتغيرات الدولية الحالية مع
طروحاته النظرية منذ ما يزيد على
أربعة عقود سابقة.
د -
تؤكد طروحاته في رؤيته لمبدأ اللاعنف
وهي (متغيرات مستقلة) كالأفكار
والتعليمات والآراء، وتؤثر بشكل
متشابك على الوضع الدولي الراهن (اجتماعياً-اقتصادياً-سياسياً)
وهي (متغيرات تابعة).
أما
فيما يتعلق بالهدف الرابع أي عرض
ومقارنة آراء ونظرية الإمام الشيرازي
في اللاعنف مع الاتجاهات والأديان
السماوية (الإسلامية، المسيحية،
اليهودية) وغير السماوية (الهندوسية،
البوذية، الكونفوشيوسية) والاتجاهات
المعاصرة المتمثلة في رؤية الزعيم
الهندي ((المهاتما
غاندي))
والداعية الأمريكي (مارتن لوثر كينغ)،
فقد توصل البحث عند استعراض الآراء
والمنطلقات النظرية للأديان السماوية
منها وغير السماوية والاتجاهات
المعاصرة إلى أنها تكاد تتفق في
المنطلق الفكري النظري القائم على
اللاعنف، فجميعها تدعو إلى المسالمة
واحترام الرأي والمعتقد عند الإنسان،
واحترام الإنسان كمخلوق على الأرض مع
دعواتها إلى المصالحة مع الآخرين من
بني البشر .. فالإنسان منذ بداية
الخلق كان يبحث عن الأمان والاطمئنان،
فتارة يعتقد بالأوثان أو الأصنام علها
أن تضفي على نفسه القلقة هذا الأمان،
وتارة عندما تطور تفكيره واعتقد
بالتوحيد وعبَّد الخالق الواحد، توجه
إلى المسالمة استناداً إلى تعاليم
الله »الخالق«، فرغم أن هذه الديانات
السماوية التي تعد في أساسها رسائل
محبة للبشرية وحملت معها مبررات
نزولها.. فإنها نزلت على مجتمعات كان
الإنسان فيها أحوج ما يكون إلى تلك
التعاليم لترشده نحو العلاج، فحلت
كنظام اجتماعي قيمي محل النظام الديني
غير السماوي السابق..
إن
الإنسان في مسعاه الحاضر يبحث عن
السكينة والأمان في التآلف، ثم
الابتعاد عن العوامل التي تسبب له
الإثارة والقلق، فهو في بحث دائم عن
توطيد أواصر العلاقات مع الآخرين، وهي
دعوة للابتعاد عن العنف بين البشر،
وخلال تلك الطروحات الفكرية المتنوعة
يطرح الإمام الشيرازي آراءه في نظرية
اللاعنف المستمدة من الدين الإسلامي
الحنيف والسنة النبوية وأقوال آل
البيت(عليهم السلام)، فقوله عن
اللاعنف: إذا أردنا أن نصل مع الآخرين
إلى الحل الصحيح والاجتماع على رأي
صائب لكي نحصل على النتيجة المطلوبة،
فيجب علينا، أن نسلك طريقاً بعيداً عن
العنف ونتبع أسلوب التفاهم بالحكمة
والموعظة الحسنة والهدى في معاملتنا
مع الآخرين، حينئذ نصل موفقين إن شاء
الله تعالى إلى الغاية والهدف(2).
وإزاء ذلك يقسم اللاعنف إلى: الملكي (ملكة)
واللاعنف القسري الخارجي.. واللاعنف
القسري العقلاني.
وفي
مقاربة فكرية مع طروحات المهاتما
غاندي حول مبدأ اللاعنف، يرى الإمام
الشيرازي أن قوة الروح غالبة على قوة
الجسد، وملكة اللاعنف من صفات الروح
التي تؤثر على سلوك الإنسان وتصرفاته،
وفي ذلك يقول: يرى غاندي كل شيء يقهر
أمام العذاب والإرادة، ويضيف في موضع
آخر: إن زوال الفناء التام والإعراض
الدائم عن اللّذات يبطل كل إرادة شر
نحو الكائنات الأخرى.
أما
مارتن لوثر كينغ فيطرح مبدأه في
اللاعنف مقارباً إلى رؤية الإمام
الشيرازي والمهاتما غاندي من حيث
الجوانب الروحية، بقوله: علينا أن
نقابل القوة المادية بالقوة الروحية،
ويجب علينا أن لا نسيء إلى إخواننا
البيض، ويستمر بطرح آرائه النظرية
وأفكاره من خلال المبادئ الأربعة
التالية: اللاعنف، التغير الاجتماعي،
الفرد ومسؤلية المجتمع، ثمن الحرية..
أما
الديانات السماوية((المسيحية
واليهودية))
فإنها عدت من الديانات الداعية إلى
اللاعنف، فتعاليمها تدعو الناس جميعاً
إلى المجد والسلام حيث يقول السيد
المسيح t في الوصايا: لا تقتل، لا
تسرق، لا تشهد بالزور .. الخ، ويتقارب
في طروحاته منذ ألفي عام مع داعية
اللاعنف الإمام الشيرازي في نهاية
القرن العشرين وأوائل القرن الواحد
والعشرين. فالسيد المسيحt يطرح رأيه
بشكل أعمق بقوله: الذي يهمه، ليس فقط
ألا تتم فعلة القتل، بل يريد أن يكون
القلب متوافقاً معه.
أما
الإمام الشيرازي فيرى أن اللاعنف
يتجلى في كل من اليد واللسان والقلب.
ويؤكد سماحته على جانب اللاعنف القلبي.
والذي يعتبره أصعب الأقسام، ومعنى ذلك
لا يملأ الإنسان الداعية قلبه بالعنف
بالنسبة إلى خصومه ومناوئيه، وكثيراً
ما يسري العنف القلبي إلى ملامح الوجه
وحركات الأعصاب. وكان الإمام الشيرازي
يعتقد بأن هذا القسم يحتاج إلى جهاد
طويل، ومكابرة مستمرة حتى يحصل
الإنسان على ملكة قوية، وقوله أيضاً:
أن نتمتع ببعد نظر وصدر يتسع لاستقبال
الآراء المغايرة لوجهات نظرنا وأن
نستثمر هذا الاختلاف لنخرج بالرأي
الصائب ونرتقي إلى هذه الحالة
الإيجابية(3).
أما السيد المسيحt ورغم دعواته التي
وجهها إلى البشرية بانتهاج طريق السلم
والمحبة والسلام، إلا أن تلامذته
ذهبوا بعيداً عن بعض تعاليمه، فنشأت
اتجاهات الفرقة أكثر من اتجاهات
الاتفاق، وزرعت عوامل الخلاف، أكثر من
عوامل الاتفاق، فنشأت الأناجيل
المتعددة، والشروحات المختلفة في
رؤيته لكثير من مجالات الحياة
ومعالجاتها، رغم وضوح تعاليمه ودقتها
وبساطتها.
أما
المتغير الآخر للمقارنة فهو الديانة
اليهودية التي تعد ديانة سماوية
النزول، إلهية المنشأ، ولها كتاب منزل
من الله سبحانه وتعالى، وهو كتاب واضح
الرؤية والأبعاد للبشرية، إلا أن قوم
النبي موسىt تجاوزوا كثيراً في
العصيان سواء في فترة دعوته أو بعد
مماته، فقد خالفوه وهو النبي المرسل،
وصاحب الدعوة إلى تآلف الناس جميعاً
.. وهذا ما يؤكد قولنا عندما دافع
النبي موسىt بحواره في حضرة فرعون مصر
حيث استطاع أن يخلص شعبه ويمضي بهم
بعيداً عن مكامن الخطر إلى بر الأمان
استناداً إلى مبدأ اللاعنف، فطرح على
شعبه وصاياه ومنها: ألا يقتلوا (لا
تقتل). ألا يسرقوا(لا تسرق)،
ألا يكذبوا (لا
تكذب)،
ألا يحسدوا الآخرين .. إلا أن شرائعهم
التي حرفت الكتاب المنزل وغيرت
التعاليم، وأعطت الأحقية المطلقة لبني
إسرائيل في استعباد الناس، ونهج العنف
من خلال الشر، وهذا ما دونته رواياتهم
من خلال تشريعاتهم وما ورد في التلمود
..
إن
الشرائع التي سنها الحاخامات ورجال
الدين غيرت الصورة الحقيقية لتعاليم
النبي موسىt ووصاياه .. وظلت هذه
التغيرات هي منهج الديانة اليهودية ..
فالإمام الشيرازي يتفق مع ما جاء به
النبي موسى t في كتاب الله المقدس،
لأن المصدر الذي اعتمد عليه هو الخالق
نفسه، إذا ما تأكد أنه لم تجر عليه
تعديلات أو تغييرات .. فالإمام
الشيرازي يدعو الناس إلى الالتزام
باللاعنف استناداً إلى ما ورد في
القرآن الكريم، وهو كتاب الله المنزل
أيضاً .. وفي الحقيقة فإن الإنسان أخذ
يدرك حقيقة الفرق بين الخير والشر ..
وضرورة أن يكون الخالق الأول خيراً
عظيماً.. إلا أن الشر كان مع ذلك
ينتشر في الأرض(4)...
وهذا ما أدركه بنو إسرائيل، أتباع
النبي موسى(ع)،
فظهرت صورة العنف واضحة المعالم،
عندما كانوا يؤكدون على هذا الجانب (العنف)
وعلى العدوان، والدعوة إلى العنصرية.
وإزاء ذلك نورد ما جاء في تحريفات
اليهود من خلال كتاب التلمود بقوله:
سلط الله اليهود على أموال باقي الأمم
ودمائهم.. وهي دعوة واضحة إلى العنف..
والكثير من هذه النصوص قد وردت في كتب
ودعوات الديانة اليهودية المحرفة..
وهي تنافي مبدأ اللاعنف، وتتغاير معه
كلياً.
إن
الرؤى الدينية السماوية، وغير
السماوية حول مختلف المبادئ والآراء
تحكمها متغيرات عدة أهمها ضرورات
النزول، وهي حق إلهي يخص الخالق عن
طريق الوحي والنبي المكلف بتبليغ
الرسالة، أما المتغيرات الأخرى فهي
ضرورات الوضع المكاني
((مكانياً))
والوضع الزمالي ((زمانياً))،
فهذان المتغيران يحكمان الرؤية التي
يستند عليها النص الإلهي، ولا دخل
للإنسان في التحكم بمجرياته، أما
الوضع المكاني فيتحدد بطبيعة الظروف
المكانية المحيطة بالبشرية، وكذلك
الوضع الزماني، حيث يتحدد الحكم
استناداً على العامل الزماني وضروراته..
هذا من ناحية الأديان السماوية الأخرى،
أما الدين الإسلامي فقد ظل النص
القرآني محافظاً على قوة نزوله بعد
(14) قرناً .. أما الديانات الأخرى
المسيحية واليهودية، فكان النص الإلهي
قد أفرغ من محتواه (في التوراة
والإنجيل) وأحدثت عليه تغيرات جوهرية
.. وهذا ما حصل فعلاً في الديانات غير
السماوية كالهندوسية والبوذية .. الخ،
فمع تغير الناس في العالم وتناسلهم
راحت تلك العقائد الإنسانية تتغير
وراح كل جديد يمحو القديم، حتى انمحت
من الوجود الآن بعض الديانات
الإنسانية التي كانت موجودة فيما مضى
من الأيام(5)،
وهكذا حتى وإن بقي من الديانات شيء
فهو محرف، وربما فقد النص الأصلي
مفهومه ومعناه ..
إن
الإمام الشيرازي يطرح مبدأ اللاعنف
بكل مجالاته(*)
واتجاهاته المتعددة، النظرية والعملية
»التطبيقية« وهو في ذلك يستند نصاً
وروحاً إلى المنهج الإسلامي ومن
تعاليم رسوله وأهل البيت، فقوله: من
الضروري لممارسي التغيير أن يعملوا في
مقدمة أهدافهم مسالمة الجميع، وأن
يعيش الكل بسلام. فكما أن للإنسان
الحق في أن يعيش بكرامة وحرية ورفاه
وسلام، عليه أن يترك الآخرين يعيشون
كذلك(6)،
كما قال الإمام عليt: أحبب لغيرك ما
تحبه لنفسك(7)،
وفي موضع آخر يدعو سماحته إلى
الالتزام بقول الحق في المنازعات سواء
كان الحق للإنسان أو على الإنسان، إما
أنه يقول الحق لو كان الحق في جانبه،
ولا يقول به لو لم يكن بصالحه بل كان
بصالح طرفه الآخر فذلك مما لا يأتي
بالنتائج المطلوبة(8)،
وقوله أيضاً: بالأخوة البشرية تتقارب
القلوب وينتظم المجتمع، وتصفو النفوس،
ويسود الجميع حب وسلام .. ومن العدل
أن يتكافأ الأخوة اخوة ووداداً .. كما
أن من الظلم أن يتجنب بعض عن بعض،
ويبتعد إنسان عن إنسان(9).
أما
فيما يتعلق برؤيته في التعامل مع
الأعداء فيرجح الإمام الشيرازي العفو
وعدم الانتقام، وقلع جذور البغضاء
والعدوان عن النفس(10)،
حيث قول الله في القرآن الكريم:
((ولئن
صبرتم لهو خير للصابرين))
(النحل/126)، ويقول سبحانه وتعالى:
((خذ العفو
وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))
(الأعراف/199).
لقد
دأب الإمام الشيرازي خلال حياته أن
يظهر مبدأ اللاعنف في عدة جوانب
حياتية سواء في التعامل مع الأفراد،
أو مع الفرد نفسه، أو مع الأشياء أو
مع البيئة المحيطة أو مع الكائنات
الحية الأخرى، فقوله: ربما يعالج
الإنسان الأمور -أياً ما كان- برفق
ومداراة، وخليق بهذا الإنسان أن ينجح
آخر الأمر وإن بدأ في النظر بطئياً
وسخيفاً وربما يعالجه بشدة وعنف وجدير
بمثله أن يخفق ولو نجح .. فالنجاح لا
يقدر بما يقدر به نجاح الرفيق وفي
غالب الأحيان يكون العنيف مبتعداً
مجانباً فلا يحظى بما حظي به اللين
المداري(11)
وقوله أيضاً: فأسلوب الرفق واللين (اللاعنف)
له نتائج وثمار عملية إيجابية كثيرة
منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً:
رضا الله تعالى.
ثانياً:
الطمأنينة بين الناس.
ثالثاً:
محبوبية الإنسان الهادئ في المجتمع(12).
وفي
ذلك يقول النبي محمد(صلى الله عليه
وآله وسلم): إذا احب الله أهل بيت
أدخل عليهم الرفق(13)،
وفي ذلك يقول الإمام الكاظم: الرفق
نصف العيش(14).
إن
الإمام الشيرازي عد داعية اللاعنف في
العصر الحديث استناداً إلى طروحاته
النوعية والكمية فهو يرى أن العداوة
لا تسبب إلا الخسارة، ويرجع في هذا
الرأي إلى قول الإمام جعفر الصادقt:
من زرع العداوة حصد ما بذر(15)،
ويدعو البشرية جمعاء إلى العفو بدلاً
من الانتقام وسلوك العداوة، وإزاء ذلك
يقول الإمام الشيرازي: العفو محبوب
لله فهو تعالى يريد عز الرجل ليس في
الآخرة فحسب بل في الدنيا أيضاً(16)،
ويستند في ذلك على قول النبي محمد(صلى
الله عليه وآله وسلم): (قال موسى يا
رب أي عبادك أعز إليك؟ قال: الذي إذا
قدر عفا).
1
الإمام الشيرازي، فقه الإدارة،
بيروت (1989)، ص321 .
2
الإمام الشيرازي، اللاعنف منه
وسلوك (في) أجوبة المسائل
الشرعية، العدد (37) ـ
1421ه.
3
الإمام الشيرازي، اللاعنف
منهج وسلوك (في) أجوبة
المسائل الشرعية، العدد (37)
ـ ذي الحجة ـ 1421ه.
4
سليمان مظهر، قصة الأديان،
مصدر سابق، ص16 .
(*) يقصد
بالمجالات: المجالات الدينية،
السياسية، الاجتماعية،
الإدارية، الاقتصادية.
6
الإمام الشيرازي، ممارسة
التغيير لإنقاذ المسلمين،
مؤسسة الوفاء، بيروت (1982)،
ص60 .
7
البحار، ج17، الباب15، من
أبواب حقوق المؤمنين، ص226،
مصدر سابق.
8
ممارسة التغيير، مصدر سابق،
ص180 .
9
الإمام الشيرازي، العدالة
الإسلامية، مؤسسة المجتبى،
بيروت، ط2 (2000)، ص83 .
11
الإمام الشيرازي، الفضيلة
الإسلامية، مصدر سابق، ص60 .
12
الإمام الشيرازي، اللاعنف
منهج وسلوك، (في) أجوبة
المسائل الشرعية، العدد (37)
ذي الحجة ـ 1421ه.
13
أحمد النراقي، جامع السعادات،
ج1، ص340 .
14
أصول الكافي، ج3، ص120، مصدر
سابق.
15
أصول الكافي، ج12، ص302، مصدر
سابق.
16
الفضيلة الإسلامية، مصدر سابق،
ص58 .