إن
الأهداف التي يطرحها هذا البحث، هي أن
ثمة حدود قابلة للاكتشاف لنوعية
التغيير الذي يستطيع أن يحدثه دعاة
العنف أو اللاعنف، ومع مضي الأيام
والعقود وحتى القرون، تبين للحكماء
والمفكرين والفلاسفة ودارسي الاجتماع
والنفس الإنسانية، أن أساس كل هذا
الشر أو نقيضه هو الدافع الإنساني
الذي يكمن في شخصية الإنسان.. فمهما
قامت عقائد أو أنزلت أديان أو تكونت
مذاهب إنسانية كثيرة متنوعة في
التوجهات، أو متوافقة في التطلعات، لا
تستطيع أن تكون فعالة ومؤثرة ما لم
تساندها توافقات طرق الاستجابة
باختلاف الأشخاص، فيرى الإمام
الشيرازي أن استجابة الإنسان تعتمد
على الحلم، والحلم يؤدي بالإنسان إلى
درجة العبادة، وأية عبادة أفضل من
الحلم؟(1)،
وفي ذلك يتناول هذا البحث نظرية
الإمام محمد الحسيني الشيرازي في
اللاعنف كإطار نظري في تفسير الظاهرة
معتمداً على الخلفية الإسلامية كدين
سماوي لدراسة هذه الظاهرة، وأحاديث
الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وآل
بيته G ففي ذلك خير تطبيق ميداني لها..
والإمام الشيرازي في طرحه لنظرية
اللاعنف قرأ العنف، واستنتج نقيضه
تماماً.. فيقول سماحته أن القتل لا
يقع إلاّ من جرّاء الغضب، وهكذا كل
مفسدة، ومكروه(2)،
معتمداً على قول الإمام جعفر الصادق(ع):
الغضب مفتاح كل شر(3).
إن
الإمام محمد الحسيني الشيرازي تناول
مبدأ اللاعنف في نظريته وآرائه
الفكرية المستمدة من القرآن الكريم
أساساً رغم أن المتغيرات التي طرحت
للمقارنة اعتمدت على اتجاهات متفاوتة
في الرؤية من دينية سماوية (إسلامية،
مسيحية، يهودية) ودينية غير سماوية (بوذية،
هندوسية، كونفوشيوسية) إلى مذاهب
سياسية معاصرة (غاندي، مارتن لوثر
كينغ)، وهذه الاتجاهات والآراء حملت
أطرها النظرية والفكرية، الإسلامية
التي تتفق مع طرح سماحته لهذا المبدأ
ولكن برؤى مذهبية متفاوتة ... والآن
أصبح بمقدور القارئ الكريم أن يقارن
تلك الآراء والتوجهات الفكرية مع رأي
الإمام الشيرازي من خلال نافذة
الزمانية والمكانية إذا ما اعتبرنا أن
متغير الزمان (النزول أو نشر المعتقد
في الهند والصين) متغير مؤثر في الفكر
أو العقيدة، ومكانياً، إذا ما اعتبرنا
أن الأديان السماوية، نزلت في منطقة
متقاربة في الأمكنة، متباعدة في
الأزمان (لذا نستطيع أن نطلق على
دراستنا بأنها دراسة وصفية عبر
المراحل الزمنية والمتعاقبة في النزول).
إن
استعراض آراء الإمام الشيرازي في
نظرية اللاعنف، هو سبر أغوار موضوعات
ومعتقدات وأفكار مختلفة في التوجهات
متفقة في الأهداف، تتقارب أحياناً في
التأسيس وتختلف كثيراً في الممارسة
والتطبيق، وعليه نستطيع أن نستنتج من
خلال دراستنا الحالية ما يلي:
ـ لم
تجر دراسة سابقة حول متغير((مبدأ
اللاعنف))
عند الإمام الشيرازي .. ويبدو أنها من
المتغيرات المهمة التي يجب التركيز
عليها في الدراسات المستقبلية.
ـ
كانت إحدى الغايات الأساسية وراء
معرفة واستعراض آراء الإمام الشيرازي
في مبدأ اللاعنف، هو لسد الثغرة في
الوضع الحالي -الدولي- والإسلامي من
الاتهام الموجه إلى الإسلام باعتباره
دين يؤمن بالعنف والإرهاب وفرض الرأي
وإخضاع الناس لتعاليمه.
ـ
اعتبار نظرية الإمام الشيرازي محكاً
للإطار النظري في تفسير الظاهرة، وهو
بحد ذاته يعد من المحكات الرئيسة التي
يختبر فيها صدق الرؤية الإسلامية كلها
دون النظر إلى المذاهب المختلفة ..
ـ من
خلال ما تم استعراضه من آراء واتجاهات
إسلامية خصوصاً، نجد أن هناك فروقاً
كبيرة ذات دلالة في نظرية الإمام
الشيرازي، حول هذا المبدأ
((اللاعنف))
وهذا يشير إلى أن الإسلام وإن تناول
هذا المبدأ بشكل صادق، إلا أن التفاوت
كان من قبل القائمين على التطبيق،
وليس في الفكر الإسلامي.
إن
نظرية اللاعنف عند الإمام الشيرازي،
وكما أظهرتها الدراسة الحالية، تعد
مؤشراً مهماً للغاية من حيث دلالتها
على إمكانية التطبيق الميداني ..
فالاتجاهات الإسلامية التي تؤمن بقوة
هذا المبدأ، تستطيع أن تتلمس بدقة
وعناية المفاهيم والآراء التي طرحها
السيد الشيرازي والتي تستند إلى
مفاهيم ورؤية القرآن والسنة النبوية
وأقوال آل بيت الرسول(صلى الله عليه
وآله وسلم).
1
الفضيلة الإسلامية، مصدر
سابق، ص52 .
3
أصول الكافي، ج4، ص303، مصدر
سابق.