|
عاش الإنسان على وجه الأرض وهاجسه
الأساس هو تحقيق أعلى درجة من الاطمئنان والأمان له ولأسرته، فكانت
نتائج رغبته أن بدأ معرفة نفسه ومعرفة الآخر، ومعرفة الكون
ومخلوقاته، فالكائن الحي أدرك المخاطر وخبرها، ووضع لنفسه نظاماً
وقائياً يحمي نفسه من أخطار الآخرين، وكان عظيم ما يهدد وجوده
المادي منذ القدم الافتراس أو الموت المفاجئ بشتى أنواعه، كالقتل
أو الموت، فكان محور تقليده هو الحفاظ على ذاته، وعدت مشكلة بقائه
حياً إزاء مخاطر الطبيعة والكائنات الحية الأخرى وإزاء أخيه
الإنسان، محل صراع غير منتهٍ حتى مع تطور الحضارة واتساع الطموحات
الشخصية، بل على العكس زادت هواجس الحفاظ على الحياة وصد الموجات
بأشكالها المتنوعة وبضمنها عنف الإنسان تجاه أخيه الإنسان، أو عنف
الإنسان ضد الطبيعة والبيئة، وعنف الأب تجاه أسرته، وعنف الشعوب
والمجتمعات الإنسانية ضد المجتمعات الأخرى الأضعف منها أو الأقل
تطوراً.. أو بالعكس؛ تهديم التطور الحضاري والقيم والتكنولوجية
بوسائل العنف المتعددة التي استخدمت العدوان كأداة مباشرة تارة أو
استخدمت التعسف الفكري تارة أخرى ومرات عديدة استخدمت الاستياء
كمدخل مهيأ للعنف.
فالتاريخ أعظم سجل دوّن للإنسانية
على صفحاتها أغرب أساليب العنف والعدوان والتعسف الفردي تجاه
الأفراد، والجماعي ضد الشعوب والمجتمعات .. وما اقترفته المجموعات
المتطرفة أو ممن آمنت بسلوك العنف كموصل لأهدافها وتحقيق مبتغاها،
إلا أننا سنحاول جاهدين دراسة العنف كظاهرة من الظواهر التي برزت
على مسرح الحياة بشكل فج يستحق البحث من مختلف التخصصات، مع
المقارنة بظاهرة اللاعنف كرد فعل مناسب لدعوات العنف تستحق الوقوف
عليها ومناقشتها.
إنّ ما يثير الدهشة هو أن
صورة العنف أصبحت أكثر شدة وأكثر حدة، وكذلك أكثر تكراراً، ورغم أن
دعاة اللاعنف ما زالوا يدعون الإنسانية إلى الركون للعقل واللجوء
إلى اللاعنف؛ فهو السبيل العقلاني لحل إشكالات العصر المتزاحمة
بفعل فوضى الطموحات المتسارعة ونشر الأفكار القسرية على الناس
والشعوب .. إلا أن دعاة العنف يضعون قيمة الإنسان وحريته وكرامته
من الأولويات في فض التشابكات، وأول دعاة اللاعنف الدين الإسلامي
إذا أخذنا بنظر الاعتبار دعوته إلى اللاعنف كاستراتيجية لها
قواعدها وأصولها وتنظيرها الخاص بها. فهي إذن ليست دعوة وعظية
أوّلية كما في أديان أخرى، بل هي دعوة وفكر وسلوك تطبيقي، وحدود
قانونية تُطبق على المخالفين في الدنيا، لا الاكتفاء بالتحذير من
العذاب الأخروي وحسب، فالإسلام صان للإنسان حقوقه، وحرم الاعتداء
على النفس والعرض والشرف والمال والعقل والدين .. وهي ضروريات
اعتبرها الإسلام غاية وأساساً لقيام المجتمع القويم، ومن هذا
المنطلق فإن الإسلام يأخذ بيد الإنسان غاية وهدفاً أساسياً ليكون
فرداً فعالاً في بناء نهضته البشرية وتقدمها وازدهارها، وإزاء ذلك
قال الإمام محمد الحسيني الشيرازي: إن الجانحين إلى السلام بقوا
أعلاماً في بلادهم وفي غير بلادهم(1)،
وقال أيضاً: إنّ الأصل في الإسلام السلم واللاعنف(2).
أهداف
البحث:
يسعى البحث الحالي إلى:
1 ـ إمكانية تعرف ظاهرة العنف في
إطار السياق الاجتماعي والديني.
2 ـ تعرف الدور الذي يؤديه اللاعنف
في السياق العام.
3 ـ استشراف أفكار ونظريات الإمام
الشيرازي لظاهرتي العنف واللاعنف.
4 ـ مقارنة نظرية الإمام الشيرازي
وآرائه في اللاعنف مع الاتجاهات والأديان الأخرى المتعددة.
حدود
البحث:
يتحدد البحث الحالي في الأبعاد
الثلاثة:
البعد الزماني: بحث المفاهيم
المتعلقة بظاهرة العنف واللاعنف المعاصر من خلال الطروحات النظرية.
البعد المكاني: البحث الحالي
تناول ظاهرة العنف واللاعنف في المجتمعات الإنسانية.
البعد البشري: اضطر البحث
الحالي إلى اعتماد وجهات النظر ومنطلقاتها الفكرية، دون اعتماد
أداة لقياسها على عينة محددة وذلك لكون البحث نظرياً بحتاً.
تحديد
المصطلحات:
عند دراسة أية ظاهرة لا بد من
تحديد المصطلح أو المفهوم وتقريبه إلى الحد الذي يفهم من سياق
الدراسة في معناه، وبما أن الدراسة تتحدد ملامحها بالمقارنة بين
مبدأ اللاعنف واتجاهاته المتعددة، لا بد لنا من معرفة اتجاهات
العنف وما يتصل به من مفاهيم وتعريفات متعددة، فضلاً عن مفهوم
اللاعنف. وسيبدأ البحث بعرض المصطلحات الخاصة بالعنف أولاً ثم
مصطلح اللاعنف ثانياً، والتعريف الإجرائي لكلا المفهومين.
1
الإمام محمد الحسيني الشيرازي، السبيل الى إنهاض المسلمين،
مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت (1992) ص159.
2
الإمام محمد الحسيني الشيرازي، ثلاثة مليارات من الكتب، هيئة
آل ياسين، بيروت (1998) ص19.
|