قضايا وآراء

الشباب ومسؤولية الممارسات الغريبة

بين الحين والآخر يشاع في مجتمعاتنا العربية والاسلامية بصورة عامة والمجتمع العراقي على وجه الخصوص عن ظاهرة ما توصف بالشاذة أو المنحرفة أو الغريبة، وغالباً ما يكون مادة هذه الظاهرة هم الشباب، وقد تتمثل تلك الظاهرة بمظهر خارجي يخالف الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة، من بينها:

1- ارتداء نوع معين من الملابس غير المألوفة في المجتمع.

2- تسريحة شعر غريبة الأطوار.

أو تتمثل بحالات خفية من بينها:

1- تعاطي المخدرات.

2- الشذوذ الجنسي.

أو ظواهر أخرى متمثلة بـ:

1- التمرد على نظام الأسرة.

2- مخالفة القوانين والأنظمة العامة.

فما الذي يدفع هؤلاء الشباب لارتكاب مثل هكذا سلوك يُعَدّ مرفوضاً عرفاً من قبل المجتمع، رغم أن البعض منهم ربما يتعرض إلى الإيداع في السجون والمصحات النفسية كما هو الحال بالنسبة لمتعاطي المخدرات أو القتل أو التهديد بالقتل كما ذكرت ذلك بعض التقارير الإعلامية في العراق بالنسبة إلى ما بات يعرف بشباب (الايمو) نتيجة لسلوكهم أو مظهرهم الغريب؟

يرى مجموعة من الباحثين في مراكز الدراسات والبحوث إن هؤلاء الشباب هم ضحية لجملة من العوامل، أبرزها:

1- عدم فهم المجتمع لحاجاتهم الطبيعية وبخاصة أصحاب الفئات العمرية ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15-25عام، وهي مرحلة عمرية يجد الشاب فيها نفسه قد أصبح ذا كيان مستقل وشخصية صاحبة قرار منفرد عن المتسلطين-بحسب نظره- وفي مقدمتهم التسلط الأسري والاجتماعي.

2- تفشي البطالة بين صفوف الشباب، والتي يجد معها الشاب نفسه أمام طاقة فراغ كبيرة يحاول تفريغها وشغلها في أي مجال حتى وان كان ذلك الشيء محظور قانوناً أو مخالف لأعراف المجتمع وتقاليده.

3- عزوف أغلب الشباب عن الزواج في سن مبكر، والذي من شانه أن يكون حلاً للعديد من مشكلاتهم كونه يجعل الشاب يفكر في زوجته وأسرته وأولاده، إضافة إلى سد حاجته الجنسية واستقرار حالته النفسية.

4- التعامل الخاطئ من قبل الأسرة والمجتمع مع رغبات الشاب وطموحاته والتسرع في إطلاق الأحكام على مظهره الخارجي دون محاولة الجلوس معه وفهم رغباته والمساعدة في حل مشاكله.

5- السياسات الخاطئة من قبل الدولة، في مجال الاقتصاد، التربية والتعليم، والرياضة والشباب.

إن ما يقوم به الشاب من مخالفة المألوف في أغلب الأحيان هو محاولة لجذب الانتباه ولفت الأنظار نحوه، فهو يريد أن يبرز شخصيته أو يعبر عن رأيه بطريقة مختلفة عما هو سائد في عرف المجتمع أو تقاليده، مستخدماً في ذلك طرقاً شتى من بينها اللباس الغريب أو الحركات المرفوضة اجتماعياً أو مخالفة القوانين والأنظمة العامة، كما يحاول أيضاً أن يجد لنفسه قدوة من أحد المشاهير كأن يكون مطرب مشهور أو رياضي محترف أو قد يكون سياسي لدولة عظمى أو محارب شاهده في احد أفلام (الاكشن) أو مصارع قوي وصاحب عضلات مفتولة، فيجسد أفعاله وحركاته وتقليد لباسه وتصفيفة شعره أو حتى بطريقة مسكه للسيجارة باعتباره (قدوته أو مثله الأعلى).

ومن المفيد أن نتناول موضوع البطالة بين صفوف الشباب كأحد الأسباب المساعدة على جنوح الشباب والتي من شأنها أن تفضي إلى سلوكيات مذمومة إجتماعياً، كونها تمثل الطاقة الأولى لدى الشاب والمتمثلة بـ(طاقة الفراغ)، والمناسب أيضاً أن نذكر بعض النسب التي تم الحصول عليها من الأعوام الماضية، إذ تشير بعض الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة البطالة في العديد من الدول العربية ومنها العراق خلال الأعوام الماضية إلى حدود 18% من نسبة السكان، وهو ما يصل إلى أقل من خمس السكان تقريباً وأن نسبة الفقر في الريف تصل إلى 39% في حين وصلت نسبتها في المناطق الحضرية إلى 16%، فضلا عن أن نسبة العمالة الناقصة في الريف وصلت إلى 43%، وإلى 21% في المناطق الحضرية، وبوجد هذا العامل إلى جانب الأمية وقلة الوعي تتوفر البيئة الخصبة للعديد من الأوبئة والأمراض الاجتماعية ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- انحراف الشباب العقائدي والأخلاقي والاستعداد النفسي للجريمة.

فإذا كان نصف النسبة المذكورة من الشباب، يتضح لنا مدى الحجم الكارثي الذي ينتظر البنية الاجتماعية في جغرافيا المجتمع البطّال والنتائج المترتبة عن سقوط هذا الكم الهائل من الشباب في براثن هذه الآفة! ولسنا هنا بصدد البحث عن الأسباب الكامنة خلف هذه الظاهرة أو إننا نريد الانتقاد والبحث عن السلبيات، بل إننا بحاجة إلى دراسة أو دراسات تحدد آثار هذه الظاهرة الخطيرة على فئة الشباب وكيفية معالجتها وإيجاد الحلول اللازمة للتخلص منها أو تقليصها إلى حد ما، علماً إن هذه الآفة لها القدرة على الفتك بجسد الدولة وجلب الكثير من العواقب غير المحمودة على مختلف الأصعدة، كما يحصل اليوم في الدول العربية أو حتى في بعض الدول الغربية، وخير دليل ما يحصل في اليونان من أزمة كبير وخطيرة كونها أفقدت آلاف الشباب لوظائفهم ووضعت البلاد على مفترق طريق مع الاتحاد الأوربي كما إنها عرضت الاتحاد إلى قلق كبير من بوادر أزمة مالية قد تعصف بـ(منطقة اليورو).

فالجوانب السلبية للبطالة كثيرة على المجتمع من كافة النواحي الأمنية والاقتصادية والاجتماعية ومنها دون التوسع في السرد والتفاصيل ما قد تتسبب به من تمزيق أواصر الروابط التي يحملها الناس تجاه المؤسسات الرسمية والأنظمة والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع، كما أنها تحد من فعالية سلطة الأسرة بحيث لا تستطيع أن تقوم أو تمارس دورها في عملية الضبط الاجتماعي لأطفالها ومعها يصل الخطر إلى فئة الشباب الذين يمثلون عماد المجتمع وثروته البلاد الحقيقية.

ففي جانبها النفسي تؤدي البطالة عند الفرد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي، إضافة إلى أن كثيراً من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية، فمثلاً يتسم عدد من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية لديهم، كما أكدت ذلك بعض الدراسات الطبية إن أهم المظاهر الاعتلال النفسي الذي قد يصاب به العاطلون عن العمل، أما بالنسبة إلى الشباب العاطل فقد تصل به النقمة على المجتمع ومؤسسات الدولة بأن يكون مستعداً لارتكاب أخطر الجرائم من أجل الحصول على المال الذي يلبي حاجاته.

كما تتحدث العديد من الدراسات النفسية عن مشكلات نفسية واضطرابات متعددة يمر بها الأفراد من جراء هذه البطالة، وبعض هذه الدراسات النفسية -على سبيل المثال- تتحدث بأن الأعراض النفسية تستمر حتى بعد تحسن الاقتصاد - كما في دراسة تم إعدادها عن مجتمع إندونيسيا في أزمة التسعينات المالية، وما تعرض له المجتمع الإندونيسي من اضطرابات نفسية أثناء وبعد الأزمة المالية.

والشيء نفسه حصل في العراق ابان الحصار الاقتصادي أو ما بات يعرف بالعقوبات الدولية، فقد أثرت الأوضاع الاقتصادية المزرية في ظل الحصار تأثيراً كبيراً على اقتصاد البلد وبالتالي قلل من فرص العمل وبخاصة بين صفوف الشباب، فأصبح مستوى دخل الفرد العراقي إلى أدنى من خط الفقر، وبالتالي كان للجريمة المنظمة والسطو المسلح رقم كبير ومتميز بين الجرائم التي تنظر فيها المحاكم العراقية آنذاك، بحيث لم يكن أمام السلطات العراقية سوى زج عشرات الآلاف من الشباب في السجون ليخرجوا بعدها مجرمين محترفين، رافق ذلك كله إصابة المجتمع بمرض نفسي لا يزال يعاني منه حتى يومنا هذا رغم تحسن الوضع الاقتصادي وزيادة دخل الفرد العراقي بشكل لا يقارن بمستواه السابق، ظهرت نتائجه بتفشي الرشوة والابتزاز والفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة وقتل روح المواطن لدى الفرد.....الخ.

إن البطالة والتغييرات السلبية والمستقبل المجهول كلها تسبب لدى ضحاياها من الشباب سلوكا نفسيا لا يعرفونه من قبل، بحيث ينمو هذا السلوك مع ديمومة الظرف كاضطرابات نفسية جديدة على الفرد –رجلاً كان أو امرأة- من غير إحساس منهم بالمشكلة أولا، وبعد فترة من الزمن تبدأ أعراض الاضطرابات النفسية كالاكتئاب والحزن والقلق.

يبدأ الشاب مثلا يشعر بأنه منبوذ من المجتمع أو لا يقدره أحد أو لا يجد من يهتم به أو يمد له يد العون، وينقم على القريب والبعيد من الأهل أو الاقتصاديين أو السياسيين.. إلخ، ويلجأ البعض لتخدير آلامه بما تجود به الساحة من مخدرات وكحول أو عادات عدوانية أو سلبية، وقد يتساءل البعض وبخاصة كبار السن بأنهم كانوا في زمن فقير، ولم يلجئوا إلى ذلك التصرف فلماذا يختلف هذا الجيل..؟. في الحقيقة لم تكن المخدرات أو الصعوبات والغربة الاجتماعية موجودة سابقا، ولا الدعم الاجتماعي القديم موجودا بالعموم الآن.

وفي هذا الإطار يسوق لنا المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه حول الشباب مثالاً يوضح فيه جملة من ترابط هذه السلبيات بالقول (من اعتاد على المخّدرات من الشباب، لابد له وأن يقع فريسة لشبكات الدعارة حتى تؤمّن له المخدّر عيناً أو قيمةً.. والدعارة تلازم المرض، والمرض يلازم البطالة، لأن المريض لا يتمكن من العمل، والبطّال لا يتمكن من تشكيل العائلة، فمن أين له المال الذي يحتاج إليه لنفسه ولأهله وولده؟) وبالنتيجة ان الجانب الاجتماعي هو أول المهددين من هذه الظاهرة.

يمكن أن نجمل بعض الحلول المهمة التي تساهم في التخفيف من المشاكل التي تواجه الشباب على النحو الآتي؛

أولاً: المتابعة الجيدة من قبل الأسرة ومحاولة فهم مشاكل أبنائهم في بداية دخولهم دور المراهقة وإباء النصح والتوجيه وحثهم على شغل أقات الفراغ بأمور مفيدة كالمطالعة أو ممارسة الرياضة من دون فرض إرادات أو إملاءات كي لا يشعرون بالتسلط العائلي الذي قد يصل بالشاب إلى التمرد.

ثانياً: توفير فرص العمل للعاطلين من الشباب من خلال إتباع سياسة ممنهجة تتبعها الدولة اقتصادياً وإعطاء فرصة للقطاع الخاص للمساهمة في حل مسألة البطالة والتشجيع لتوفير فرصة المشاريع الصغيرة للشباب وتنمية مهاراتهم بما يتناسب إمكانياتهم الذهنية والبدنية.

ثالثاً: تأهيل الشباب لتحمل المسؤولية من خلال تشجيعهم على الزواج المبكر، والمساهمة في تذليل الصعوبات والعقبات التي تقف أمام مشروع بناء الأسرة بالنسبة إلى الشاب.

رابعاً: توفير الملاعب والساحات الرياضية ليمارس الشباب هوياتهم الرياضية وإعدادهم للدخول في مسابقات ومنافسات رياضية تحفز الشاب على الاهتمام بملء فراغه بالتمارين الرياضية.

خامساً: وضع حلول جدية للقضاء على ظاهرة التسرب من المدارس من قبل الجهات ذات العلاقة، وصلاح العملية التعليمية وتطوير المناهج الدراسية.

سادساً: منح الشاب أهمية أكبر ومساحة واسعة في الخطاب الديني الذي يمثل المغذي الحيوي لأعداد كبيرة من الشباب وبخاصة الذين تستحوذ عليهم خطابات التيار الديني المتطرف ليتم استغلالهم سلبياً من قبل تلك الجهات، وبخاصة الشباب العاطلين عن العمل.

سابعا: انشاء مؤسسات خاصة استشارية تقوم بحل مشكلات الشباب النفسية والاخلاقية والعقائدية ومتابعة الازمات الحاصلة والظواهر المختلفة والقيام بدراسات واستبيانات احصائية لمعرفة اسباب حصول هذه الظواهر.

قطعاً إن التصرفات الغريبة التي يبديها الشاب لا يتحمل مسؤوليتها هو لوحده، بل إن المجتمع بمؤسساته المختلفة (الحكومية، الدينية، التربوية، الأسرية.....الخ) يأخذون نصيبهم من هذه المسؤولية، كما إن لسياسة الدولة الاقتصادية والتربوية مع الرعاية الأسرية أثر كبير بالقضاء على الظواهر السلبية الناتجة عن سلوك الشباب، فالدول التي تهيئ فرص العمل وتقضي على البطالة بين صفوف الشباب تستطيع الحد من أغلب الحالات السلوكية غير المألوفة في بلداننا الإسلامية عند هذه الفئة في المجتمع، كما إن لحرية التعبير عن الرأي أثر هام في عدم تمرد الشباب على الواقع الاستبدادي المتمثل في استبداد الأسرة والمجتمع والنظام السياسي، بالإضافة إلى توفير الأماكن المخصصة للممارسة الهوايات والنشاطات دور آخر في تنمية المواهب والقابليات لدى هؤلاء وشغل قسم كبير من أوقاتهم في هذه الأنشطة المفيدة حتى لا يشعر الشاب بالفراغ الذي قد يشغله بممارسات خاطئة.

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات