كتب

«حقول الدم».. رحلة بحث مضنية في مدى ارتباط العنف بالأديان

 تثير مشاهد الدم والعنف المتداولة فى وسائل الإعلام والتى ترتكبها الجماعات الإرهابية باسم الإسلام سواء فى دول الربيع العربى الآن أو على مستوى العالم، أفكار واجتهادات الكتاب والمحللين فى مختلف المجالات لهذه الظواهر.

كان من بين أبرز المؤلفات التى تناولت قضية الأصولية فى الدين بغض النظر عن نوعه سواء كان إسلامياً أومسيحياً أوحتى يهودياً، كتاب «حقول الدم» للكاتبة كارين أرمسترونج الباحثة في تاريخ الأديان. وقد أثار الكتاب الكثير من الجدل حوله خاصة مع دفاع الكاتبة عن الدين وربطها الدائم بين العنف والسياسة فى الأصل وليس العكس، وقد استندت أرمسترونج إلى الكثير والعديد من النماذج التاريخية التى يرجع بعضها إلى ألف عام قبل الميلاد.

تدور فكرة الكتاب حول طرح سؤالين رئيسيين وهما: ما هى الأسباب التى تشعل نيران الحروب؟ وكيف انتهينا أو توصلنا إلى أن الدين أصبح السبب الرئيسى فى الصراع الإنسانى الحالى؟

وتشير إلى أن مصطلح «الدولة الإسلامية» أصبح مثل الكابوس الذى نعيش فيه، فهو يطل علينا بشكل يومى عبر صوره ولقطاته من التليفزيونات فى مختلف مدن العالم، فى بيوتنا وأشغالنا وحتى المطاعم، وتبدو لنا المشاهد وكأننا نشاهد حلقات عن القراصنة الغامضين الذين ليسوا فى كامل وعيهم.

هل حلت عليهم لعنة ما سلبتهم الإحساس بالشفقة؟ تتعدد الرؤى التي تحاول تفسير هذا الوضع وفي ذلك مثلا نشير إلى كتاب بعنوان نهاية الإيمان لمؤلفه سام هاريس وفيه يحاول مناقشة التطورات المعاصرة من منظور الجهاد، حيث يذكر أن من يصفهم بالجهاديين يختزلون القرآن الكريم في محاربة من يرونهم كفاراً ومرتدين.

على هذه الخلفية يؤكد البعض ان ارمسترونج رائدة في مناقشة قضية الأصولية والجهاد فى العالم الإسلامى، وتتسم مواقفها بالكثير من الحياد على عكس الكثير من الكتّاب الغربيين الذين ينحازون ضد كل ما هو إسلامي، ويبدو ذلك في رفضها بشدة انتساب أى من أفكار قطع الرؤوس والهجمات الانتحارية المفخخة واضطهاد الأقليات، إلى الإسلام، وهي الرؤية التي تصادف كثيرا من الانتقادات في الغرب إلى الحد الذي يذهب معه بعض ناقدي ارمسترونج  إلى أنها كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال لكي لا ترى الخطر الماثل أمامها.

وتغوص أرمسترونج في التاريخ من أجل تقديم رؤية محددة بشأن التساؤلات التي يقوم كتابها على أساس محاولة الإجابة عنها حول الأصل الحقيقي للعنف وما إذا كان دينيا أم سياسياً. يبدو هنا أن البحث لا يعزز فرضية الأصل الديني للعنف فقط.

وتوصلت كارين أرمسترونج من خلال المسح الميدانى الذى أجرته إلى أن العقيدة الدينية لا يمكن أن تكون سببا رئيسيا فى الاقتتال ، فقد ينتج العنف عن ثورة اجتماعية، أوعدم التكافؤ والظلم الطبقى وعدم المساواة فى بعض الأحيان. أما فى حالة غياب هذه العوامل التى تؤجج الصراع، فيحل محلها السلام الدينى والاجتماعى بين أفراد المجتمع، وورغم ذلك نجد ان كل أشكال العنف الذى يقع، يتم إلصاقه باسم الدين ليشمل كافة الملل والديانات فى حالة الخلل الاجتماعى فى أى بلد على مر التاريخ.

وعلى ذلك فإن الكتاب ينطلق من فرضية مخالفة لتلك التي تؤكد أن الدين يعتبر سبب كل العنف، مشيرا إلى أن التاريخ يقدم لنا نظرة مختلفة وفي الكتاب فإن ارمسترونج العالمة في تاريخ الأديان تؤكد عدم وجود رابطة بين الدين والعنف. وفي توغلها في أعماق التاريخ تخوض ارمسترونج في العصر الحجري وما بعده وتتبع مسيرة الأديان عبر القرون من الحروب الصليبية إلى الجهاد الحديث.

فضلا عما سبق تبدو أهمية الكتاب من حقيقة أنه يأتي في الوقت الذي يتصاعد فيه الجدل حول دور الدين في العنف ما يعزز الحاجة إلى حالة من التفاهم المشترك بين الثقافات المختلفة الأمر الذي أصبح يمثل أهمية حيوية تتجاوز كل ما كان عليه مثل هذا الامر من قبل ذلك أن الاختلافات الدينية تبدو كوقود للعنف والحرب. ومن خلال جهد متميز تقوم كارين أرمسترونج بما يمكن وصفه بمسح التاريخ الإنساني في محاولة لتحديد الروابط بين الحرب والعقائد الدينية وتبحث ارمسترونج في تاريخ كافة التراثات الدينية ليس فقط المسيحية والإسلام بل وكذلك البوذية والهندوكية والكونفوشيوسية كذلك.  وتتمادى المؤلفة في التأكيد على فرضيتها من خلال الإشارة إلى أنه على العكس فإنه إذا كان جانباً من الطبيعة الإنسانية ذاتها يميل إلى العنف، فإن الرسل وأصحاب الديانات الأرضية مثل المسيح وبوذا والرسول محمد صلي الله عليه وسلم إنما جاءوا من أجل كبح العنف وبناء مجتمع أكثر سلاماً، غير أنه مع تنامي ما تصفه بأطماعنا وجشعنا مع التطور الإنساني في العصور الحديثة انعكس ذلك في مزيد من العنف والصراع.

ومن الأفكار الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة في الكتاب أن الربط المستمر بين الدين والسياسة نتج عنه العنف بشكل تلقائى، وضربت الكاتبة مثالا بالصليبيين ومن وصفتهم بالجهاديين وغيرهم، واعتبرت أن كل هذه الأدلة تقدم دليلا قاطعا على تولد العنف بكافة أشكاله فى حالة الربط بين الدين العمل السياسى أيا كان نوعه. وتتكرر هذه الفكرة فى كل كتابات أرمسترونج التى ترى ان الصراع فى الأصل دائما يكون بين الشعب والسلطة أو النظام الحاكم، ثم يتم تغليفه وتحويره باسم الدين، وليس العكس أى أن الصراع ليس دينيا فى الأصل ثم يتحول إلى سياسي. وتبرر أرمسترونج وجهة نظرها السابقة فى انها تؤمن بأن كل نظام حاكم أيا كان نوعه ديمقراطيا،محبا للسلام، استبداديا أو حتى توسعياً، يستعين بمؤسسة تلجأ دائماً إلى العنف والتخوين للحفاظ على استمراره.

وضربت مثلا بالدول عند بدء تكوينها وكيفية الحفاظ عليها ، عندما لجأت أجهزتها التابعة للنظام الحاكم إلى القوة والعنف للحفاظ على مواردها وإحلال النظام فى الدولة، ومن ثم فإن العنف وممارسته ينطلق من قلب السياسة وممارستها وليس الدين كما هو شائع.

ومن الواضح أن رؤية ارمسترونج لا تحظي بالكثير من القبول في الغرب بشكل عاماً حيث صدرت عدة انتقادات للكتاب فور صدوره واحتلت هذه الانتقادات العديد من الصحف، إلى الحد الذي دعا البعض لوصف أرمسترونج بأنها تقدم المبررات للعنف الديني غير أن ما تقدمه في هذا الكتاب في كل الأحوال يعتبر اجتهاداً يضاف إلى اجتهاداتها السابقة التي قدمتها في العديد من كتبها، فضلا عن أن تخصصها كعالمة في تاريخ الأديان قد يضفي قدراً من الموضوعية على ما تقدمه بعيداً عن بعض الرؤى التي تنطلق من خلفية سياسية وهوما يدعو على الأقل للقراءة المتأنية فيما تطرحه.

التعليقات