الديمقراطية في مجتمعاتنا

الكائن المسخ

713 2017-3-11 16:37

الديمقراطية في مجتمعاتنا

لعل الديمقراطية لا تخرج عن اطارها في الغرب و أعنى اطارها الاجتماعي والثقافي فهي متكيفة تماما مع الغرب على صعيد التاريخ منذ الاغريق، وعلى صعيد الفلسفة منذ عصر التنوير، و على صعيد الممارسة العملية وفق اطروحتها التنويرية منذ علمنة الدولة في الغرب.

لقد اشبعت الديمقراطية بروح الغرب وشبعت منها روح الغرب حتى كانت تخمتها في صعود الاتجاهات اليمينية في اوربا الغربية و الولايات المتحدة الاميركية، و يبدو أن  جارتها في امريكا الجنوبية تأثرت بموجة اليمينية فتراجعت القوى اليسارية في الحكم  فاسحة المجال  من خلال الانتخابات و الادانات- البرازيل مثلا – الى صعود الأحزاب والشخصيات اليمينية في هذه القارة التي عرفت صراعا مريرا من أجل الاستقلال والعدالة والديمقراطية . لعل ذلك ما حدث مع ترامب و حماس و الاخوان و اعادة انتخاب اردوغان و صعود الطبقة غير المؤهلة للحكم في بلدنا .

وهو ما يذكرنا بجدية أقوال منتقدي الديمقراطية مثل افلاطون الذي يرى في حكم الشعب لنفسه تعبير عن إمكانية حكم الشهوات والرغبات، وهو يستند في ذلك الى رؤية أستاذه سقراط، ويتمثل هذه النظرة عند سقراط ايضا توماس جفرسون فهو يعتبر الديمقراطية تمكين في حكم الغوغاء ، لكن تاريخ الديمقراطيات في الغرب تفند هذه المقولات لكنها لا تلغيها او تنسخها.

فالديمقراطية التي نشأت في ظل تطورات البرجوازية اقتصاديا وسياسيا ومن ثم اجتماعيا. ظلت تعمق صلتها بالرأسمال و أنظمته السياسية في الغرب حتى طبعت تماما برؤى و تصورات الرأسمالية في الحريات الاربعة الاقتصادية و السياسية و الدينية و الشخصية. و كان التعبير الاكثر دقة عنها في سياسات الولايات المتحدة الخارجية باقترانها بالمصالح العليا للولايات المتحدة الامريكية. كلنا يتذكر صراع الرؤى الامريكية داخليا حول مرور مبادئ حقوق الانسان و ما اعتادته السياسة الامريكية على تسميتها بالقيم الامريكية مرورها من خلال هذه المصالح أو مرور هذه المصالح من  خلال هذه القيم . لكن امريكا حسمت موقفها اخيرا بمرور هذه القيم من خلال مصالحها، و كان ذلك هو جوهر و روح مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي  فشل بحكم تحول الديمقراطية او هذه القيم المعرفة اميركيا ( بقيمنا ) الى كائن مسخ في مجتمعات الشرق التي كانت تضطرب فيها الرؤية حول أولويات النخب او من نستطيع وصفهم بالطبقة الوسطى، وبين أولويات الأفراد العاديين في هذه المجتمعات و التي تحولت الى طائفية من خارج إرادتها و حقيقة الصراع فيها  .

لقد كان الخلل واضحا في بنى إطروحات مجتمعنا وتنافس أولوياتها نتيجة الانقسام الطبقي والثقافي في هذه الازمة الصاخبة و التي بدأت تتوسع اقليميا حتى بلوغ حدودها دوليا.

لقد ركزت النخب و الطبقة الوسطى على مبادئ حقوق الانسان و المواطنة و اقامة دولة القانون، و هي المبادئ التي استمدتها من معرفة الحداثة التي كانت ولازالت تفرض رؤاها وتصوراتها على أفكار و تطلعات النخب في مجتمعاتنا، وكانت بذلك تتوافق وتتأقلم  مع تصورات الغرب و تدخل بقوة في حسابات المراهنة الاميركية على نجاح مشروعها في المنطقة، و بذلك اتخذت حليفا كان من الممكن ان يتحول بالنسبة اليها الى حليف  استراتيجي ، لكن خطأ المعادلة الامريكية ادى الى حيرة أو ازدواجية موقف هذه النخب تجاه المشروع الامريكي .

 و خطأ المعادلة الامريكية في إصرارها على نسخ الديمقراطية في مجتمعات لا تزال تعيش في هواجس و قلق و إنغلاقات ما قبل الحداثة. فاستحال النسخ الى مسخ , لعلنا نجد في اولويات الافراد العاديين ومطالب الشرائح الدنيا والواسعة في هذه المجتمعات تفسيرا في انقلابات الديمقراطية نحو الكائن المسخ ، لقد كانت تلك المجتمعات ترزح تحت سلطة الفقر والعوز في عالم حديث أتسم الدخول اليه بالغنى والثروة وحتى لم تعد المعرفة بما تشكله من اهمية وقوة في الحداثة أو إمكانية الدخول الى عالم حديث من خلال ما تقدمه من عناصر الفهم والادراك لطبيعة التحولات الحداثوية، لم تعد تشكل المعرفة تلك الاولوية ، بقدر ما يشكله الغنى والثروة – شعوب ودول الخليج إنموذجا – لقد طبع هذا العصر بقوة بالاقتصاد بحجم القوة التي صعقت بها الرأسمالية هذا العالم ، فالعالم الحديث هو إمتياز رأسمالي بلا منازع ، وبالقدر الذي تقوم به الرأسمالية أو تتأصل في الغنى أو الثروة فانها تدع الفقر والعوز والحرمان أهم مقارناتها في اثبات صحتها وأصالتها وصحة تنظيرها. فالرأسمالية لم تعد بعالم سعيد في أدبياتها بقدر وعودها وتبشيرها بامكانية صناعة فرد سعيد، وليس هناك أكثر اشمئزازا من الرأسمالية تجاه المشاعية أو الأفكار الاشتراكية، وأخيرا جعلت هذا الفرد السعيد ضمن حدود دولها حصرا بل منعت بقية الافراد من دخول دولها إمعانا في هذا الحصر والامتياز الخاص بأفرادها وهو ما يفسر قرارات ترامب في الهجرة وسياسات اليمين الألماني والفرنسي تجاه المهاجرين .

وهكذا تولدت عملية صراع ثلاثي الأطراف بين اولويات النخب في مجتمعاتنا واولويات الشريحة الاكثر تضررا اقتصاديا واجتماعيا من سياسات بلدانها، وبين مشروع رأسمالي – اميركي لم يعد جدير بالثقة من وجهة نظر النخب، واصطدم بروحه الاستهلاكية المخادعة بالفقراء والمحرومين ، وفي ثنايا ذلك الصراع تم مسخ الديمقراطية مرة أخرى عبر صعود قوى الى السلطة والحكم غير جديرة بالفهم الديمقراطي وغير متماهية مع فلسفة الديمقراطية ، لقد كان التبرير الأكثر مسخا للديمقراطية لدى هذه النخب أنها آلية للوصول الى السلطة والحكم وليس فلسفة في الادارة السياسية للبلدان ، وهو ما ينطبق على ترامب واوردغان وطريقة وعقلية الحكم الحكم في بلدنا .....


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998