الغرب والشرق حتمية المصارحة والحوار

1484 2015-11-11 2:39

الغرب والشرق حتمية المصارحة والحوار

نحن في الشرق متخلفون عن ركب الحضارة التكنولوجية والصناعية، ولا نخجل من قول الحقيقة، ولكن نحن نمد يدنا للقاء أهل الغرب من أرباب المدينة والانطلاقة الحضارية، ولا نرى حرجاً أن نتبادل الأفكار ونهذب القيم والأعراف، ولكن على الغرب أيضاً أن يعترف بعجزه عن وقف هذا الانهيار الأخلاقي العنيف في صفوف أبنائه.

وقد اصبحت حرب الارهاب والعنف هي القناة الاسوء لتبادل الحوار بين المسلمين والغرب، وهذا ينذر بصدام خطير برزت مظاهره بشكل كبير مؤخرا.

ويتحمل المفكرون والمثقفون الاتهام الاكبر في عدم استيعاب هذا الصدام وتحويله الى جدال سلمي وتبادل ثقافي عميق، والسبب في ذلك هو النظرة السلبية لهذا الجدال من الطرفين الذي حولته الى تحامل عاطفي متراكم.

وقد برز الامام السيد محمد الشيرازي الراحل كأحد اهم منظري الحوار الايجابي بين المسلمين والغرب بنظرته الايجابية وعمقه الثقافي والفكري ومنهجه السلمي.

اذ ان المشروع الثقافي عند الإمام الشيرازي لا يشمل المسلمين فحسب، بل يشمل الغرب أيضاً، فالإنسان أخو الإنسان، والنشأة واحدة، والنهاية إلى رحاب الموت واحدة، والكل أبناء آدم وحواء. هذه حقيقة لا يستطيع أحدا، يتجاهل واقعيتها؛ ولذلك فإن الإمام الشيرازي يرى أن الإنسان في الغرب اصبح غريقاً في وحول الماديات الدنيوية، ولن يكون قادراً على الخروج من هذه الأوحال والتخلص منها إلاّ إذا قبل، على الأقل، أن يتلاقح فكرياً مع الفكر إسلامي الأصيل.

ولكن كيف الوصول إلى ذلك؟ يستطيع أن يعثر على جواب هذا السؤال كل من يقرأ بعمق كتاب (كيف يمكن نجاة الغرب)، حيث يدرك القارئ أن هذا يتطلب وجود مفكرين كبار على مستوى القضية.. مفكرين إسلاميين درسوا الإسلام وعقلوه عقل دراية وعلم بكل شموليته.. لأن الإسلام مشروع عام وقادر على قيادة الدنيا، كل الدنيا، وفي جميع مناحي الحياة.. السياسية والاقتصادية والثقافية.. وبأحسن ما يمكن.. وكذلك يجب أن يكون المفكرون على مستوى عال من ثقافة العصر، ومتابعين متابعة دقيقة لكل تطورات العلم والحضارة المعاصرة بكل تشعباتها. ونحن نؤيد هذه النتيجة التي يمكن أن يخرج بها أي قارئ متفهم لنتاجات الإمام الشيرازي الفكرية، بل ونرى أن سماحته (قدس سره) كان من أوائل المؤهلين لقيادة حركة التغيير في العلاقات الفكرية بين الإنسان وأخيه الإنسان في الشرق والغرب. فالغرب يعيش حالة فقدان الروح.. حالة اللاوعي الروحي و(الغياب التبليغي). فما الذي ينتظره الإنسان ـ حسب مفهوم الإنسانية الشامل ـ من مجتمع يدّعي الحضارة الفكرية والثقافة وقد قتل فيه أكثر من (210) آلاف مواطن أمريكي في حوادث عنف داخلية خلال العقد الأخير، بينما كان هناك (17) مواطن كانوا ضحية لجرائم العنف في الفترة ذاتها؟ وأية رياح ثقافية وتربوية يمكن أن تهب علينا من مجتمع يأتي أبناؤه بـ(135) ألف مسدس إلى مدارسهم في أمريكا كل يوم؟

أما في بريطانيا، فقد جاء في استفتاء شمل (500) امرأة بريطانية، أن نصف البريطانيات اعترفن بعلاقات مع الرجال خارج حياتهن الزوجية، وغالبيتهن كشفن أنهن غير نادمات على ذلك! وكشف الاستفتاء أن (42%) منهن اعترفن بالزنا وأعمارهن بين 51-64 عاماً، و(39%) مطلقات، و(60%) لديهن أولاد، الثلثان منهن اعترفن بأنهن لسن أمهات جيدات.

إن هذا التردي في القيم الأخلاقية لا يبشر بخاتمة سعيدة للحضارة الإنسانية المزعومة.

نعم، نحن في الشرق متخلفون عن ركب الحضارة التكنولوجية والصناعية، ولا نخجل من قول الحقيقة، ولكن نحن نمد يدنا للقاء أهل الغرب من أرباب المدينة والانطلاقة الحضارية، ولا نرى حرجاً أن نتبادل الأفكار ونهذب القيم والأعراف، ولكن على الغرب أيضاً أن يعترف بعجزه عن وقف هذا الانهيار الأخلاقي العنيف في صفوف أبنائه المثقفين وغير المثقفين، ولذلك فإن الإمام الشيرازي يرى أن الغرب بحاجة لمبادئنا وعقائدنا مثلما نحن بحاجة الآن لصناعاته وخبراته التكنولوجية، وفي ذلك يقول سماحته: «وقد يزعم زاعم أن الغرب اكتفى من هذه الجهة الخدماتية، فهو لا يحتاج إلى خدماتنا، ولكن بعد دراسة الغرب نرى كثرة احتياجاته إلى بعض الخدمات الإنسانية.. فالإنسان هو الإنسان سواء كان في الغرب أو الشرق، حوله حشد من الحاجات، وتحيط به المشاكل، مهما كان مرفهاً ومنعماً».

إذاً، فالثقافة الإسلامية ثقافة غنية وثرية بمحتواها الروحي والفكري، ولا يستطيع أحد أن ينكر ذلك، ولكن المشكلة تكمن في أن المسلمين قد عملوا على تشويه الصورة المشرقة للإسلام وذلك عندما اعتقدوا أن أفعال الكثير من الخلفاء في الدولتين الأموية والعباسية، بل وفي العثمانية أيضاً، هي أفعال شرعية يجب الاقتداء بها والسير على هديها. ولذلك فإن الإمام الشيرازي من خلال كتابه (ثلاث مليارات من الكتب)، لا يلقي باللوم فقط على أهل الغرب إن وقفوا وقفة الحذر من الإسلام الذي وصل إليهم بتلك الطريقة المشوهة ويرى سماحته: «أنه ليس الغرب بأجمعه أعداء للإسلام بما هو إسلام، أو أعداء للمسلمين المتمسكين بالإسلام، بل هم أعداء لما تصوروه إسلاماً ومسلمين من خلال الحكام الذين ذكرناهم. والغرب إنما اتخذ المسيحية ديناً لأنه رأى فيها بعض ما تبقى من الجمال، ونوعاً من لمعات وحي السماء، وشيئاً من معاني الإنسانية الرفيعة التي جاء بها النبي الكريم المسيح (عليه السلام)».

وهكذا نرى أن معاداة الغرب للإسلام، إنما هي معاداة للثقافة السلبية التي لا يزال المسلمون يعيشونها بإرادتهم بعد أن قبلوا الابتعاد عن النهج السلمي الذي أراده الرسول (صلّى الله عليه وآله) لأمته الإسلامية.

 وقد أصاب الإمام الشيرازي (قدس سره) عندما أدان المسلمين المنحرفين عن خط الثقافة الروحية للإسلام قبل أن يدين المجتمع الغربي الذي لا يعرف عن جوهر وروح هذا الدين الحنيف إلاّ النزر اليسير. فالثقافة، بالنسبة للإمام الشيرازي، هي حليب الحضارة، تلك الحضارة التي تبدأ طفلة ثم تنمو شابّةً، ولتصبح بعد ذلك أمّاً قادرة على الإنجاب والإثمار وعلى تربية أبنائها خير تربية وتوعيتهم خير توعية. ولذلك، فإن رحيله (رحمه الله) عنّا يعتبر رحيل أحد الأعمدة الثقافية في مجتمعنا الإسلامي. لقد كانت توجيهاته، بل وسلوكه التوجيهي أيضاً، خير دليل على أن ثقافة الإسلام ليست بالثقافة الطوباوية التي يصعب تحقيقها وترجمتها على ارض الواقع، بل إنها ثقافة العصر وكل عصر، والدليل على ذلك فكر وسلوك وإنجازات الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله). لقد من سماحته بقداسة الكلمة وبجلال الحرف مثلما آمن بعبثية الشقاق والفرقة وبقباحة العنف.

فالكلمة كانت في البداية، وستبقى القوة العظمى دائماً حتى النهاية، ولا شك في أن الذي يؤمن بالكلمة سيكون من أهلها، وقد كان الإمام الراحل حقاً هكذا.


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998