قضايا وآراء

انتفاضة تونس... ثورة ضد النظام العربي

العنوان الذي كان وما يزال يمثل كابوسا مرعبا للمجتمعات الشرق أوسطية عموما فـ (الحكومة) وما يتعلق بها أو ما يشير الى ارتباطاتها، حتى ابسط الدرجات الوظيفية مثل جابي أجور فاتورة الماء والكهرباء تعد لدى مواطني تلك الشعوب رمزا مخيفا.

هذه الـ (فوبيا) المتعلقة بأذهان الكثيرين من فئات الشعوب منذ زمن ليس بالقليل تتمترس خلف حواجز نفسية واسعة وفي خانات تخزينية لذاكرة الفرد العربي خصوصا، وان هذه الظاهرة أنتجت بشكل مباشر او غير مباشر علاقة بين الطرفين (الشعب والحكومة) يشوبها أما الفتور أو الجفاء على اقل تقدير إن لم يكن العداء في اغلب الحالات.

تبدو الأسباب التي أنتجت مثل هذه الظاهرة مجسدة في عوامل عدة منها:

1- الطرق اللادستورية واللاشرعية التي نتجت منها الحكومات السابقة على فترات متتابعة وقناعة المواطن بعدم شرعية تلك الحكومات رغم انصياعه لها.

2- القسوة المفرطة والطرق البوليسية التي استخدمتها الحكومات في إدارة شؤون الدولة عموما.

3- العنصرية والفئوية المقيتة التي عملت عليها الكثير من الأنظمة التي تسلطت سدة الحكم.

4- الانشغال بالملذات والامتيازات الرسمية على حساب فقر وتردي الأوضاع المعيشية للمجتمع.

5- الحالة الانعزالية التي رافقت شكل الحكومات والعيش في البروج العاجية بعيدا عن المواطن البسيط.

6- استخدام مقدرات الشعب وأجهزة الدولة لضرب الشعب وتسخير الدوائر الأمنية لمصلحة الحاكم والحكم.

7- تسلط أصحاب السمعة السيئة على مقدرات الناس تحت عناوين ورموز وطنية أو دينية أو قومية.

الظاهرة المستشرية في الفكر الشرقي على ما يبدو بدأت تلملم اغراضها على عجالة من امرها فكما هو بادي فان (تونس) لم تكن الا البداية وقد يمتد الامر الى دول اخرى، الامر كان واضحا من خلال تفاعل الشعوب في المنطقة بشكل صريح وواضح مع حركة الشعب التونسي بل ان البعض منها طالب بتنحي الحكومات عن سدة الحكم صراحة.

من يظن ان ما حصل في تونس هي ثورة جياع فهو خاطئ، فما حدث انما هو جزء من حالة الانفجارات الشعبية التي نتجت من الضغوطات السياسية والتغييب والالغاء والتهميش والفساد الاداري والمالي والسياسي واحتكار السلطة وتنفيذ وتسليط المقربين، فتونس رغم كون وضعها الاقتصادي صعب الا انها افضل من بعض الدول الاخرى حيث ان نسبة البطالة فيها لا تتجاوز الـ 13% اما في اليمن فانها تصل الى 30%.

والقوة الشرائية لدى التونسيين هي افضل من الكثير من شعوب المغرب العربي عدا ليبيا ومن حيث التعليم فتونس تأتي في الترتيب الـ 18 عالميا والاولى عربيا من حيث الانفاق على التعليم.

ان المشكلة ليست تونسية بل هي عربية بحتة فاحتكار السلطة وتغيب المعارضة وتكميم الافواه عنوان لأغلب الحكومات العربية ومسرحيات الانتخابات التي تجريها بعض هذه الحكومات انما هي فاقدة لاهم شرائطها وهي ثقة المجتمع فيها كونها تجري بتراجيدية حكومية بحتة.

الاطاحة ببن علي كانت بثورة (الجياع)، وممن الممكن جدا ان يتكرر السيناريو في دول اخرى تحت عناوين شتى قد تكون منها ثورات (الفساد، المحسوبية، الدكتاتورية، الاقصاء، او الكهرباء!) هذه الثورات قد تعصف بكل الحكام والدكتاتوريات في المنطقة اذا لم يتخذوا قرارا صائبا اما بإصلاحات فورية وحقيقية او التنحي عن السلطة لتجنيب نفسهم وشعوبهم المزيد من الدمار والخراب.

هذا يدعو الحكومات للحركة سريعا لتبني سياسات مختلفة عما هي عليه الان من سياسة الاقصاء وتكميم الافواه وترك البعض المحسوب على سدة الحكم بالتلاعب والاثراء على حساب الفقراء والمعوزين وخلاف ذلك فان الوقت بدا يمر سريعا وان القوة العسكرية مهما كانت موالية للحاكم وقاسية على الشعوب فان لها لحظة قد يصحو فيها ضميرها وتقف مع شعوبها.

عندها لن تفيد الاصلاحات الاعلانية المتلفزة لأنها ستكون في الوقت الضائع اي بعد ان صدح الشعب بصرخته النهائية وقال كلمته الاخيرة.

 

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات