قضايا وآراء

أنماط السلطة: العيب الاجتماعي نموذجا

ان ما يميز المجتمعات القديمة هو خضوعها أو ارتهانها بأنماط من السلطة المتعددة التي تتقاسمها سلطة القيم، الى سلطة المؤسسة الدينية، الى سلطة المؤسسة السياسية، وهي بمجموعها تؤسس لصيغ الالتزام المعهود والمتعدد بتعدد السلطات في تلك المجتمعات، وقد نتج عن ذلك ان الحرية في ظل حالة الالتزام تلك تتعقد في فضاءات الوجود الخاص بها نتيجة تعقد خارطة هذه السلطات، لذلك كانت الحرية أو فكرة الحرية غامضة ومبهمة في تلك المجتمعات ولها معنى قانوني أو فقهي محدد لا يتجاوز التفريق بين العبد والحر، بينما كانت الطاعة في ظل ذلك الالتزام المعهود مبدأ اساسيا وفاعلا في التعامل مع أنواع السلطات المتعددة القيمية والدينية والسياسية، وهذه الطاعة هي معيار الانتماء الاجتماعي وشرط الانضمام الى الجماعة، وهنا تتجلى تعقيدات السلطة في ضرورة الامساك بالنظام الاجتماعي والسياسي من أجل المحافظة على الجماعة، فلا يجد الأفراد بدا من الخضوع الى السلطة التي تمثلها مؤسسات.

وفي المجتمعات القديمة كان يمثل هذه المؤسسات أفراد ومنها يستمدون شرعية الحكم والامساك بالسلطة، وتظل كل التعبيرات الشرعية الاخرى من البيعة الى الغلبة الى امتيازات النسب والعرق الى أهلية الحكم الافلاطونية مجرد تبريرات قانونية وسياسية تختبئ خلفها المخاوف من انفراط اللحمة الجماعية بانفراط عقد السلطة.

فالسلطة ضرورة اجتماعية تطمح اليها مجتمعات الانسان بدافع الخوف وتحديدا الخوف من الفوضى، وينغرس الايمان بها باللاوعي الاجتماعي للإنسان رغم الكراهية المستبطنة لها في اعماق الانسان كفرد يعيش حلم الانتماء، لكنه وهم يخلقه عنت السلطة كمؤسسة تترسخ في الانتماء وتتشرع في فكرة الانتماء، ولذلك كانت فكرة الاكثرية وقبول الاقلية محاولة في التخفيف من وطأة الكراهية للسلطة في المجتمعات الحديثة وتمريرا لإمكانية الانتماء، وذلك هو مضمون الديمقراطية في عمقها، وتختبئ في تلافيف الوعي السياسي لها في التعبير الضمني المستمر عن الكراهية للسلطة التي تختبئ بنفس الوقت في تجاويف اللاوعي للإنسان.

فالانسان بدا هو بلا سلطة أو غير خاضع الى سلطة لكن الضرورة أحوجته الى السلطة فظل محتفظا بذلك النزوع البدائي تجاه السلطة، وهو ما يفسر الفوضى التى يجنح لها الانسان في حالة غياب السلطة، ويفسر اشتباك الضرورة والحرية في موضع من الصدام الفكري والمعرفي اضافة الى الصدام التاريخي المستمر، انه صدام من ذلك النوع الوجودي غير القابل للحل النهائي وانما يبقى دائما مفتوحا على التساؤلات واشكاليات الفكر غير المنتهية ولذلك كانت السلطة تتموضع في اشكاليات الفكر الحديث، واشكالية السلطة في تعقيدها تكمن في خارطة انتشارها المتعدد والمتجزئ والمتشابك في المجتمع، فلكل أشياء المجتمع ومفاهيمه المتفرعة عن الدين والقيم والسياسة هناك مجموعة من القواعد التي تستند اليها في تبرير وجودها وهذا المنطق في التبرير هو انتماء الى معرفة خاصة بهذه القواعد المؤسسة وضرورتها أو حالة ضرورتها هي التي تمنحها السلطة وارتهان السلوك الاجتماعي العام الفردي بها، ويعد السلوك أهم مجال تتحرك فيه السلطة او تتسبب عنه، فالسلوك معرفة بالقواعد المؤسسة والمساحة بين السلطة والقاعدة هي مسافة غير فاصلة.

وفي تاريخ السلطة فإنها بدأت قيمية – ذاتية وهو جوهر فكرة افلاطون في سلطة العقل ذي المنحى الاخلاقي الذي يمثل السلطة هنا هو الفيلسوف قبل ان تتحول الى قانونية – اجتماعية وهو جوهر فكرة هوبز في التعاقد على الخضوع الى السلطة التي يمثلها الملك لدى هوبز، ثم تتحول الى سلطة حكومة – سياسية في العصر الحديث وهي في جوهرها فكرة ماركس في هيمنة القوى المستغلة – بكسر الغين – بقوة الاقتصاد وتتمثل السلطة لديه في البرجوازية، هذه البرجوازية التي ظهرت في اعقاب نموها وتطورها أسس ونظم الدولة الحديثة فاحتكرت مفهوم السلطة وصادرت تاريخ السلطة لصالحها وقد أفسحت لها فكرة شرعية احتكار القوة لها وهي الفكرة الوليدة معها ذلك المجال في الهيمنة على فكرة ومفهوم السلطة لتتراجع باقي السلطات القيمية والدينية وتنحسر او تنكسر في مجالاتها الخاصة بها والضيقة جدا في العالم الحديث.

لكن الذاتية ظلت مقوم أساسي في مفهوم السلطة، فالرقيب يشكل العنصر الذاتي في تكوينات السلطة بعد تكريس القناعة الشخصية بهذه السلطة كضرورة لا مناص منها، والمراقبة تشكل العنصر الموضوعي في تكريسات السلطة كأمر واقع ومكرس في حياة الانسان، واندماج الذاتية بالرقيب الموضوعي يشكل مفهوم العيب باطار حضاري. فمخالفة القوانين والتعليمات التي تصدرها سلطة القانون يعد عيبا حضاريا قبل ان يكون خرقا قانونيا، انه اتهام بالتخلف والهمجية والبربرية التي صارت عيبا اجتماعيا في تكوينات الثقافة الحديثة، لقد تحول مفهوم وحشي وهمجي وبربري من التمييزات العرقية في حضارة الغرب القديمة، الى التمييزات الثقافية في حضارة الغرب الحديثة ودخل في مفهوم العيب الاجتماعي.

العيب الاجتماعي أحد أنماط السلطة

في ويكيبيدبا الموسوعة الحرة : العيب في القانون هو شائبة أو ضرر يعلق بشيء مما يخول للطرف المتضرر المطالبة بالتعويض، وفي لسان العرب جاء عن اللغوي ابن سيده : العابُ والعيبُ والعيبةُ : الوصمة والعيّاب : الجبان والقذاف، وجاءت بمعاني أخرى تخرج عن موضوعنا. والوصمة يحددها العرف في المجتمع فهي ذات منحى نسبي واخلاقي – اجتماعي وفي ذلك المنحى تكمن سلطته، وفي الفقه جاء في المغني وهو قول ابن قدامة "العيب : النقص الموجب لنقص المالية في عادات التجار؛ لأن المبيع إنما صار محلاً للعقد باعتبار صفة المالية، فما يوجب نقصاً فيها يكون عيباً، والمرجع في ذلك إلى العادة في عرف أهل هذا الشأن"، وهكذا يتأصل العيب في العرف الذي يمتلك سلطة أدبية ترافق السلطة المادية أو تكون بقوتها لاسيما في المجتمعات التقليدية الخاضعة الى سلطة الاعراف الاجتماعية، ويشكل بهذا احد أنماط السلطة الفاعلة والمؤثرة، ومفهوم العيب ذي المنحى الذاتي الصرف يحدده المنحى الموضوعي الاجتماعي العام في تطورات الثقافة والحداثة.

ويظل العيب منظورا اليه في كل تحولاته أنه يشكل المحظور- العرفي الاجتماعي أو الممنوع - القانوني الاجتماعي ويخضع الى التحولات الاجتماعية والثقافية، ولذلك يقول الامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) "لا تكرهوا أولادكم على اثاركم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" وفيه تتكرس السلطة القيمية – القانونية الحديثة بقوة.

لكن مفهوم العيب وهو يظل في نطاق السلطة القيمية الصرفة غير المقننة او السلطة العرفية الخالصة لدينا لم يخضع الى ذلك النوع من التحول رغم التحول في المنحى الموضوعي الحاف به في واقعنا العربي والعراقي الحائر بين انشغالات العالم القديم ومتاهات العالم الحديث، بل تحجّر مفهوم العيب لدينا في مجموعة من التقاليد الاعراف وحجزت العيب في حدود الالتزام بها مما أدى الى تكلس مفهوم العيب لدينا بحدود معينة واقتصرت فكرته او أداءاته الانسانية على مجموعة محددة من الاشياء والافكار، بل تحول هذا المفهوم الى انتماءات العالم القديم في ما توحي به المشاعر والافكار واحيانا الساذجة والحادة. ولعل تكريس العيب في تلك الحدود وموارد متعينة في السلوك يعود الى تأسيسات التربية التقليدية والتي تعود بالقيم الى مراحل تاريخية أقدم وظروف اجتماعية متحولة وغير قارة لكنها اكتسبت ذلك القرار بحكم السلطة الممنوحة للقيم الموروثة.

ان العيب يمارس سلطة معنوية وغير مرئية بذاتها لكنها مرئية في صورها وتجسيداتها المادية تجاه الاشياء، وتبدو سلطة حادة تجاه الاشياء غير المألوفة وفق التقاليد والأعراف، وقد تسالمت الذاكرة الجمعية على تحديد المناطق التي تحكمها سلطة العيب بينما غابت العديد من المناطق التي كان من الممكن ان تمتد اليها سلطة العيب، وسبب غيابها ان الذاكرة الجمعية لم تحتفظ بها او تحجز لها موقعا في قائمة المعيبات الاجتماعية.

فالرشوة لا تشكل عيبا اجتماعيا في تلافيف الذاكرة الاجتماعية رغم أنها تعد حراما في الدين المؤسس للأخلاقيات الاجتماعية والفردية لدينا، وهذا يؤشر الى إخضاع الحرام الديني الى مزاجية وسيكولوجية اجتماعية وفيها يقدم ما يجيزه ويحله العيب الاجتماعي على الحرام الديني، فلو كانت الرشوة من العيب الاجتماعي فإنها تصير من المحظورات والممنوعات الاجتماعية أو المحرمات الاجتماعية، وينتج عن هذه المفارقة غير المنطقية إخضاع الحرام الديني الى سلطة العيب في تمريره أو ردّه وهي التي ترشح الى تجاوزه في موضوع الرشوة. وكان المنحى الموضوعي – الاجتماعي يقبل ويجيز الرشوة في نظم العالم القديم، وهي تشكل جزء من الضرائب التي سمحت بها القوانين القديمة ولم تتخذ فيها العقوبات الرادعة بحق مؤديها او مرتكبيها مما يعني إكسابها مشروعية العمل بها والمسموح لها، وقد اخبر القرآن عن الرشوة أو الاموال التي يدلى بها الى الحكام في قوله تعالى "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" البقرة، آية 188 واتفق المفسرون على أن المعني بها الرشوة.

وكانت ظاهرة شائعة في المجتمعات القديمة بل وتشكل جزء أساسيا من أخلاقيات تلك المجتمعات حتى يعد من العيب بان لا تقدم الرشا - الهدية الى المسؤول او صاحب السلطة، وكانت تشكل أحيانا اقصر الطرق لاسترجاع الحق الضائع أو دفع ضرر محتمل وقد تناولها الفقه الاسلامي في كتب المعاملات وأجمع الفقهاء على حرمتها على تفصيل لا محل لذكره، لكنها ظلت سارية في معاملات المسلمين واستمرت في تاريخ الاسلام الاجتماعي لأنها لم تدخل في منظومة أو قائمة المعيبات أو العيب الاجتماعي، وهذا يعني تخلصها أو تحررها من سلطة العيب الاجتماعي والاخلاقي بعد بقاء المنحى الموضوعي – الاجتماعي العام في الثقافة الاسلامية الاجتماعية على منواله وقبوله للرشوة باعتبارها لا تشكل عيبا في المنحى الذاتي الصرف الذي يحدده المنحى الموضوعي الاجتماعي العام.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒhttp://shrsc.com

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات