قضايا وآراء

الإمام الراحل السيد الشيرازي والعراق الجريح

إنها لمحاولة شاقة وعسيرة أن تتكلم عن حياة العظماء أو أن تحيط علما بمهام الأولياء أو أن تجمع في عينيك دماء الشهداء أو أن تؤبن بطلا مجاهدا في هذه الدنيا الرثة المليئة ضجيجا ودعاوى ونفاق، لقد كان فقيدنا سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره قديسا عظيما ووليا وشهيد.

 

ذاب في الله فكساه الله نورا واتاه الحكمة وفصلا للخطاب، كان ثورة وثروة وثراء في عالم بكل تكامله وتفاضله الذريين يرزح تحت التخبط واليأس والهزيمة والانكسار. فان عد أهل العلم كان إمامهم، وان عد أهل الزهد كان للزهاد مدرسة وأبا رحيما وصديقا، كانوا يقولون له سيدنا نكتب اسمك في هذه المسجد أو ذاك أو في هذه المؤسسة أو تلك فكان يقول إن كتبتم اسم الله فانا عبده وان كتبتم اسم رسوله فانا ابنه وان كتبتم اسم فاطمة الزهراء فهي أمي.. ولذا كان من الله قريبا فأحبه شعبه المكبل بالطغاة نادوه عجل بالمجيء، سيدنا عجل بالمجيء، عبثا ما كانوا يحاولون، فسياط الجلاد تخنق أصوات الشعوب، ولذا كان الصوت من عراق الصابرين شحيحا وبعيدا، ونداء الله اقرب، واوان الشيخ المجاهد يلوح بالرحيل فلبى واستراح، تاركا وراءه بل أمامه دنيا ودينا يقودان الناس حبا للفضيلة والتقدم والرفاه..

 

خمسة وسبعون عاما بليال الغربة والتشريد والمنفى، ونهارات الغصة والشوق الى باب الحسين، يد تكتب ويد تبني ومنبر يوصي ودرس يعلم وعين تشد القادمين، تعبئة وشحذا لهمم الرجال الغيارى وحبا لأبناء الرسول، أيها الذاهبون الى ارض الطفوف، أيها الحاملون جرح الأمير، اسقطوا طاغوت العراق واقتلوا ابن ملجم ويزيد اللعين.. خمسة وسبعون عاما عمر مولانا الفقيد تراثا إسلاميا هائلا قل نظيره، منهجا للفكر المجدد والنهوض، وبناء شامخا لإنسان التحدي والتصدي التواق الى طعم الصلاة..

 

خمسة وسبعون عاما وسوف لا أتكلم عن موسوعته الفقهية ذات المائة والخمسين وسوف لا أتكلم عن انتاجه الفكري في شتى المعارف والعلوم ( الف وثلاثون كتابا او يزيد).

 

وسوف لا اتكلم عن نشاطه الاجتماعي والثقافي وتأسيسه للمؤسسات والحوزات والحسينيات والمكتبات ودور النشر (سبعمائة وخمسون مؤسسة في انحاء العالم).

 

وسوف لا اتكلم عن كفاحه ضد التيارات المنحرفة والموجات الإلحادية والصهيونية في عصره.

 

وسوف لا اتكلم عن تصديه العنيد للطواغيت في كل مكان ونبوئته وجهاده بسقوط الوالي الاموي ببغداد وإقامة دولة الله على ارض الحسين.

 

سأقف فقط عند هواجسه ومشاريعه وبرامجه ووصاياه في آخر ليلة من عمره الشريف – آخر نصف ساعة على وجه التحديد ( ثلاثون دقيقة ) لنتخيل أي عملاق فقدنا.

 

فقد نقل عن سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله ان الفقيد الراحل كان يقول لاحد العلماء الكبار في ليلة وفاته : انني كنت اتمنى ان اوفق لامور ثلاث قبل ان اموت.

 

كنت آمل أن أوفق لهداية المسيحيين..

 

كنت آمل ان اوفق لهداية المنحرفين عن اهل البيت عليهم السلام..

 

كنت آمل ان اوفق لجمع كلمة محبي اهل البيت عليهم السلام..

 

انتهى عمري ولم اوفق لذلك ولكن اطلب منكم ان تواصلوا المسيرة..

 

فكيف سنواصل المسيرة ؟ في عراق الصابرين والشعب الذي أثقله التشتت والجراح..

 

وحتى لا تتكرر ماساة سعيد ابن جبير، وحتى يبقى رشيد الهجري يلهج حبا بعلي ولا احد يجرؤ ان يقطع لسانه، وحتى لا ينفى ابا ذر الغفاري مرة اخرى بعيدا ووحيدا للربذة، وحتى لا نباع ونشترى في مزاد القبض والكذب المقفى بحجة فصل الدين عن الدنيا وإحالة المسلمين على التقاعد.

 

علينا أن نتساءل ونقرأ بهدوء من ابعد عنا الإمام الراحل ومراجعنا العظام بالمنفى لكي يطل علينا بطل التخريب القومي وبكاميرا الشيطان الاكبر وبمرأى من فضائيات الجامعة العبرية ؟ وكيف سلمه ابا موسى الاشعري دولة علي مرة اخرى شريطة ان يلقن هذا الشعب الصابر درسا في الهمجية والتعذيب والقتل الجماعي - خمسة وثلاثون عاما – وبشكل شفاف منسجم وحقوق الانسان.

 

وكيف تألقت الموسادات العربية وأبناء بني العباس وبقايا فلول الردة ليغتالوا حلم علي وصلاة الجمعة في الكوفة والمحراب ومن قبل بسيدنا حسن الشيرازي بالغربة في لبنان ومن قبل ومن بعد ومن بعد ومن قبل وقائمة لا يعلمها الى الله وقلب الوطن الغافي المجروح الزاهي بدماء الشهداء.

 

علينا ان نتساءل في ذكرى التأبين ونقرأ بهدوء من الذي يتربص بامام العصر القادم بالعدل وبالقسط ويضع الاسلاك الشائكة والالغام على دولته في ارض الطف فانه أوشك ان يعلنها عاصمة لله ؟

 

لنتعلم وكما علمنا الإمام الراحل وتأسيسا في ذكراه الثانية ان نجعل من شعائرنا ومناسباتنا ومواكبنا المباركة ومكاتبنا ومؤسساتنا محكمة ومحاكمة للنفس وللتاريخ وحربا ضد الجهل والانكسار والهزيمة والصمت الكفائي، ولنبدأ من انفسنا ونخلع ما فيها وما فيها يستحق الخلع وندخل جميعا بيت علي وسنرى كيف سيحمينا من حر السياسة وبرد التشتت والخنوع..

 

فان ابن ملجم الآن ليس لوحده..

 

ويزيد يجوب شوارعنا وأزقتنا ويوزع دولارته لفلول الردة بغضا لأل محمد واستخفافا بدماء الحسين..

 

آن الأوان لفتح القلوب والعيون من اجل التوحد ونبذ الفرقة..

 

لينام الشهداء قليلا، ويعيش الناس بعز وأمان..

 

سلاما يابطل الغربة والمنفى..

 

سلاما يابطل التحدي والوصول..

 

سلاما حينما كنت تكتب..

 

سلاما حينما كنت تقول..

 

وسلام يوم ولدت ويوم مظلوما رحلت ويوم تبعث حيا وشهيدا.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات