ان التأثير الذي صنعته نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) الإصلاحية عبر التاريخ الإنساني لا يمكن جمع اهدافها، او إحصاء ابعادها، التي امتد أثرها ليغطي كل الجوانب الفكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية والثقافية والتربوية والتعليمية والأخلاقية...الخ، لذلك كان لزاما على الاحرار والمصلحين وكل الساعين لإنبات الخير والمحبة والسلام والإصلاح بين المجتمعات الإنسانية ان يعتبروا من هذه النهضة، وان يتعلموا كيف يمكن لفرد ان يغير مسار التاريخ، الأمم، الشعوب، كما يعبر عنها الامام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله): "التاريخ يشهد بان افرادا قلائل استطاعوا ان يغيروا مسار الأمم وحياة الشعوب"، ويضيف: "وليس ذلك بالأمر المتعسر، إذا امتلك الانسان إرادة قوية وعزما راسخا وهمة عالية، ولربما كان بمقدور الفرد الواحد ان يصنع الكثير، فـ(ان إبراهيم كان امة)".

وبما "ان الطبيعة البشرية والفطرة السليمة مجبولتان على قبول الحق واتباع منهاجه، (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، والمعاند قليل وشاذ عادة، لذا فالواجب علينا ان ننشر القيم السماوية بسبب المجالس الحسينية بكل ما نملك من وسائل وطرق"، ولان القيم السماوية حثت على اتباع الخير والحق وتجنب الشر والباطل، والتحلي بالفضائل وترك الرذائل التي تقود الانسان الى الهلاك المعنوي والمادي، وهيأت كل الأسباب التي ضمنت الاهتمام بالإنسان (الفرد/المجتمع) ليعيش كريما بلا ذلة، وحر من دون قيود او استعباد، وأمن بلا خوف او اضطهاد، جاء التناغم والانسجام بين الفكر الإصلاحي الذي حملته راية الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) يوم عاشوراء وما تلاها من أحداث، وبين ما حملته قيم السماء ورسالة الإسلام الخالدة.

ان الاهتمام بالإنسان كان أحد أعظم الدروس التي علمنا إياها الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) في نهضة الطف، بل علمها لكل الإنسانية، لان الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) لم يخرج لأجل مصلحة شخصية، ولم يخرج لإنقاذ المسلمين فقط، بل استهدف في صرخته ضد الباطل نصرة وإنقاذ الإنسانية من الضلال، واعادتهم الى المحجة البيضاء بعد الانحراف عن جادة الحق والصواب، وليمهد الطريق لمن يكون قادرا على اتباع خطى الإصلاح التي رسمها الامام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وليحول الانسان من كائن ضعيف عاجز وغير قادر على التحرر من قيود الاستبداد والاستعباد والتبعية للآخرين، الى قوة عظيمة من الصبر والثبات والمبادئ والمثابرة والأخلاق.

ومن هنا جاءت عظمة عاشوراء التي رفعت قدر الانسان وكرمت الإنسانية كما اراد الله (عز وجل)، واعتقته من قيود الذل والهوان والخنوع، يقول الامام محمد الشيرازي: "عاشوراء موسم العطاء الرباني، موسم الفضيلة والتقوى والأخلاق، موسم العلم والمعرفة، ورمز لانتصار مبادئ الحق على جيوش الضلال، وإذا كان غاندي محرر الهند الذي تعلم من الحسين (عليه السلام) كيف يكون مظلوماً لينتصر، فان المسلمين عامة وشيعة الامام (عليه السلام) خاصة أولى بهذا العطاء".

يرى الامام الشيرازي ان نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) اهتمت بالرجل والمرأة والشاب والطفل والعاجز تحت عنوان "الانسان"، لذلك دعا: "المؤسسات الدينية والمجالس الحسينية والمواكب العزائية الاهتمام بالشباب والعجزة والأطفال"، ولم يكن هذا الاهتمام والرعاية قاصرة على جانب دون الاخر، بل شملت مختلف الجوانب المعنوية والفكرية والثقافية والأخلاقية وحتى المادية، والأولى بالدول وحكوماتها المختلفة والمجتمعات الإنسانية والمنظمات الدولية الاهتمام بالاطار العام الذي شكلته هذه النهضة الإصلاحية الكبرى من خلال:

1. الاهتمام بالشباب بتربيتهم وتعليمهم وتوفير العمل الشريف لهم وتلبية رغباتهم الأخرى.

2. الاهتمام بالنساء ومنع استغلالهن وحفظ حقوقهن المشروعة.

3. الاهتمام بالعجزة فانهم أولى بالرحم، كما ان ترك العجزة وشانهم سمة المجتمع المتخلف.

4. ان الشعوب التي تبحث عن سعادتها، لا بد لها ان تهتم بجيلها المستقبلي (الأطفال) بأن يكون صحيح الجسم، خاليا من العقد النفسية.

اما تحديد مسؤولية من يقع عليه نشر هذه الرسالة الى الاخرين فإنها تقع على الجميع، فمثلما خرج الامام الحسين بن علي (عليه السلام) من اجل انقاذ الإنسانية من قيود الجهل والظلال، كان لزاما على الجميع ان يقدموا ما يستطيعون من اجل ترسيخ قيم الإصلاح والاهتمام بالإنسان داخل المجتمعات البشرية، لكن بالتأكيد فان المسؤولية تتضاعف لمن يتصدى لنشر نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) وابعادها الفكرية والاصلاحية والإنسانية، كالمؤسسة الدينية والخطيب وأصحاب المواكب والمجالس الحسينية وغيرهم، اذ يقول الامام الراحل: "من الضروري على الخطباء والهيئات الإدارية وأصحاب المجالس ان يهتموا بشأن مجالسهم، حتى تكون مجالس الامام الحسين (عليه السلام) منبعا للفكر والوعي، ولا بد ان تتضمن تحليلا علميا سليما للأحداث والوقائع، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، اذ بدون ذلك لا يمكن للمجتمع ان يقاوم الاخطار المحدقة به ولا الاعمال المشينة التي تعرض عليه".

ويضيف (رحمه الله): "يلزم ان يكون المستوى الفكري للمنابر عميقا ليتحصن الشباب من الانحراف عند هبوب رياح الانحراف، فان المستوى السطحي كثيرا ما يكون سببا لانحراف الشباب ولإدخالهم السجون والمعتقلات او القبور او التشريد عن اوطانهم"، كما اعتبر من الضروري: "ان لا نترك هذه المناسبة تسير سيرا بطيئا وبدون استفادة كاملة، كما هو المعتاد عند بعض المتصدين للمجالس خطيبا كان او هيئة إدارية".

والخلاصة ان أيام عاشوراء فرصة عظيمة لعودة الإنسانية الى فطرتها وطبيعتها المعنوية بقيمها الإنسانية العظيمة بعيدا عن المادية والانغماس في مصالحها الآنية وطموحاتها ضيقة الأفق، فالفرصة الكبيرة التي منحنا إياها الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) في التحرر من القيود والاثقال التي تمنع الانسان من معرفة قيمته الحقيقية والتعاطي معها في إطار التكريم والرقي والخير والأخلاق والفضائل، لا يمكن هدرها او التخلي عنها، بل ينبغي تعزيزها والتعاطي معها كأساس لإنقاذ البشرية وحل مشاكلها المستعصية.

اما فيما يتعلق بالمسلمين ومقدار استفادتهم من أيام عاشوراء وذكراها فالأمر سيكون مضاعفا بطبيعة الحال: "الاستفادة من ذكرى عاشوراء لتركيز الايمان والفضيلة والتقوى والمثل الأخلاقية الرفيعة في المسلمين، وتوسعة دائرتها"، ويضيف الامام الشيرازي: "ان تحلي المسلمين بالصفات النفسية الرفيعة يمنحهم الحصانة من الامراض النفسية التي انتشرت في العالم المادي، كما ويجب توسعة دائرة هذه المثل والقيم لاشتمالها على مراتب ودرجات"، "وبذلك نكون قد اسهمنا في ابلاغ رسالة الامام الحسين (عليه السلام) الداعية الى احياء معالم الحق وطلب الإصلاح مما يسبب في انقاذ البشرية من الظلمات والمتاهات الفكرية والعملية"

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021http://shrsc.com

التعليقات