الإعلام في فكر الإمام الشيرازي

1779 2016-3-6 3:52

الإعلام في فكر الإمام الشيرازي

الدور الكبير، والمحوري للإعلام في غاية الوضوح، ولاسيما مع تحول العالم إلى عصر القرية الصغيرة الواحدة.

الأخطار التي باتت تُهدِّدُ الإعلامَ أخذت تُقِلق المعنيين بمهنيّة الإعلام، وحرفيّته، ودوره الذي وَجِدَ مِن أجله.
جاءَ الإعلامُ كيّ يحاولُ الوصولَ الحقيقة، لإيصالها إلى الجمهور.
وَلِدَ ليكون عيناً للجمهور على السلطة، وعلى السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية والقضائية، وتعاظمَ دوره حتى اُطلق على الإعلام اسم "السلطة الرابعة".
فما الذي حدث!؟
هل أمسى الإعلام عيناً للسلطة؟
السلطة السياسية، أو الإقتصادية كالشركات العابرة للقارات، أو...، مما بعثَ البعضَ للدعوة لإصلاح دور الإعلام حتى في الدول الديمقراطية، في الوقت الذي دفعَ آخرين لتأسيس سلطة خامسة.
ما هي الأسباب!؟
ما هو موقف الإسلام مِن كل ما يدور عالمياً حول الإعلام سلباً وإيجاباً!؟
ما هو موقفه مِن:
• نسبيَّة الحقيقة.
• نسبيَّة الحقيقة الإعلامية.
• النسبيَّة الثقافية.
• النسبيَّة التاريخية.
• النسبيَّة وإستطلاعات الرأي.
• الإعلام والصحافة المواطنيّة.
• الإعلام والدعاية.
• التسويق الإعلامي.
• شرعية ومشروعيةنقل الحقيقة النسبية الإعلامية.
• الإعلام العقلاني.
• الإعلام العاطفي.
• الإعلام وجماعات الضغط.
وما نحو ذلك.
بدأت التحرّي عن أجوبة فقهية لهذه الأسئلة، فعثرت على مخطوطة قيد التحقيق للإمام الشيرازي الراحل (ر) باسم:
"فقه الإعلام والرأي العام".
قرأته بشغف، فوجدت الكتاب قيماً وفريداً في المكتبة الفقهية، لكني أحتمل أن الإمام الراحل إنما وضعَ الكتاب المذكور إستكمالاً لما تطرقَ إليه في الإعلام بصورة موزعة في موسوعته الفقهية الكبيرة، والتي لم يُطبع مِنها لحد اليوم سوى 140 مجلداً، فلذلك، ولحاجة المكتبة الإسلامية إخترت إستقراء الفكر الإعلامي للمجدد الثاني السيد محمد الشيرازي (ر) في الأجزاء المطبوعة مِن موسوعة الفقه كمقدمة لصياغة وبلورة النظريات الإعلامية للإمام الراحل الشيرازي في القسم الثاني مِن هذه الدراسة، ليكون ذلك موثقاً، وفي كتاب واحد مستقبلاً في متناول اليد.
القسم الأول
• حول دور الأنانية والفردية في تكريس الديكتاتورية عبر تغييب الأخلاقيات الإعلامية وتفريغ الصحافة عن الصحافة المواطنية لتتفرغ إلى التلميع والتسقيط بالتشهير والقذف وكيلّ التهم:
المستبدون والديكتاتوريون الذين نزعَ الله الإيمانَ عن قلوبهم، أنانيون يطمحون إلى الإنفراد، ويريدون الفردية، يريدون أن يُقال عنهم الخير، بينما يُقال عن غيرهم الشر، أو لا يُذكر سواهم، فلا يتورعون عن الإتهام والتسقيط والتشهير بالآخر في وسائل الإعلام وأجهزته، فيتم تجييش الإعلام وموارد الأمة للفتنة والفساد والإفساد والإتهام والقول بالإفك والإثم حُبَّاً للشهرة، وللإنفراد بالسلطة، ولا سبيل لمواجهة ذلك إلاّ بحرية الأحزاب والإعلام وإستقلاليته بعيداً عن الإحتكار والأحادية وتمركز ومركزية السلطة في إطار منهج صائب يكون في ظله الناس بعيداً عن نَهْبَ الديكتاتوريين الذين يفعلون ما يشاؤون، تارة بإسم الحق الإلهي، وتارة بإسم الديمقراطية، وتارة بإسم أنا ربكم الأعلى .
• حول دور الإعلام الفاعِل في ممارسة الرقابة على السلطة القضائية لتقويمها وتأصيل إستقلاليتها وترشيد أداء القضاة والجهاز القضائي:
يجب ضبط القضاة ضبطاً دقيقاً مع لزوم كونهم عدولاً، ولو كان لهم أقوى الملكات، لأن إحتمال الإنحراف يبقى ماثلاً ومُمكناً مع غياب العصمة، وعبر وسائل عديدة منها الصحافة الحرة التي تخافها السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويخشى منها القضاة، لأن الصحفيين الأحرار يُحاسبون الحكام والممثلين والقضاة على كلِّ صغيرة وكبيرة، ومِن دون ذلك الضبط ينحرف القضاة وتصبح أموال الناس ودماؤهم وأعراضهم وحيثياتهم نهب الشهوات ومطمع المستبدين والطغاة .
• حول دور إعلام التعتيم والتلميع والتسويق والدعاية السوداء في خلق أجواء ومناخات سياسية وإجتماعية مُزيفة لابد للإعلامي والصحفي والباحث أن يتعامل معها بوعي وذكاء ومسؤولية في لقاءاته وتحقيقاته ومسحه للرأي العام للإقتراب مِن الحقائق الإجتماعية والسياسية فالإلتزام بمؤشرات الصحافة المواطنيّة:
على الباحث أو الـمُحقق في اللقاءات ونشاطات إستقراء ومسح الرأي العام تحاشي الإعتماد على الشائعات والدعايات والمناخات والأجواء الـمُصطنعة، بل يكون له مِن الذكاء ما لا يخلط الحقيقة بالمصطنع، فالحكام المستبدون يفرضون أنفسهم على وسائل الإعلام، وعلى المحلات والملتقيات العامة بواسطة الشرطة السرية، وعلى قطاعات كبيرة عبر الترغيب والترهيب ليملئوا المجتمع بأنفسهم وأفكارهم، ففي التحقيق ينبغي التمييز بين مناخات كاذبة كهذه وبين الأجواء الحرة، وحين تكون الأجواء مِن النوع الأول لا مناص مِن إجتناب إفرازات وإنعكاسات الحاكم المستبد الـمُرّوِج لسياسة التجهيل والمسيطر على الإعلام، في الحوارات والمقابلات والإحصاءات في عملية البحث عن الحقيقة، كمَنْ يسير في أرض مُلغمة أو شائكة لابد له مِن الحذر وبدقة كي لا يصيب الشوك جسمه وملابسه، وعلى عكس السائر في أرض سويّة.
وما يجب الحذر مِنه في هذه المناخات ضمن الحدود القطرية يصدق أيضاً خارجها، فقد يذهبُ الديكتاتورُ إلى أبعد مِن ذلك فيُسخِّر وسائلَ الإعلام والضمائر ويُجيّشها في نفس المنحى.
فمهمة الإعلامي والصحفي والباحث الإجتماعي تكون أكثر صعوبة وتعقيداً، وتستدعي المزيد مِن الإنتباه والحذر والتدقيق عند ما يكون التحقيق في بيئة تحكمها الأحادية الحزبية، تقديس الفرد، عدم التداول السلّمي للسلطة، إنعدام حرية الصحافة والإذاعة والتلفزيون وما في هذا الإتجاه، والتي في ظلها تمسي الإحصاءات الرسمية، والأجوبة على نماذج الأسئلة وأوراقها المسْحيّة لا تعطي إلا رائحة الحاكم، وذلك مما يملي المزيد من التحقيق والتدقيق والنباهة، وهكذا الأمر في التعاطي والتعامل مع الوثائق والأسناد لتمييز الصحيح مِن السقيم بالإستعانة بالتقنيّات الخاصة بهذا المجال كالخط ومواصفات الورق والإنشاء وزمان ومكان الإنشاء والصدور والتحرير، فما ينشأ في حاشية المستبد لا يكون سنداً، بينما ما ينشأ في جو نظيف يكون سنداً، فلابد مِن المقارنة والتدقيق والإحصاء لتأكد الباحث الإجتماعي أو المحقق الصحفي في صحة تاريخ هذا السند أو ذاك إلى غير ذلك .
• - في الإعلام، العمل الإعلامي، أخلاقيات وقيّم العمل الصحفي ومهنيّته تبرز ظاهرة النِسْبِيَّة المطلقة للحقائق أو لحقائق البحث والنِتاج المعرفي أو الأبحاث الإجتماعية أو التحقيقات الإعلامية، وخلافاً للنسبية ذاتها التي يُستدل بها للنسبية الثقافية ( Relativism Cultural ) أو النسبة التاريخية ( Relativism Historical )، وفيما يرتبط بهذا المنحى يقول الإمام الراحل (ر):
إنّ المعرفة قد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، وإحديهما لا يمكن أن تنقلب إلى الأخرى، فإن المعرفة الصحيحة هي المطابقة للواقع، وغير الصحيحة هي المخالفة له، ويُقال للمعرفة الصحيحة (حق) بإعتبار أن الواقع يطابقها، و(صدق) بإعتبار أنها تطابق الواقعَ... أما إصطلاح الصحيح والأصح، والفاسد والأفسد، فذلك بإعتبار مطابقة مجموع أجزاء الموصوف بالصحة للصحة، فإنْ طابقَ الكلَّ كان أصح، وإلا كان صحيحاً، وإن خالف الكلَّ كان أفسد، وإلا كان فاسداً، فالحكم القضائي - مثلاً- لكلٍّ مِن داود وسليمان (عليهما السلام) في قضية واحدة وزمن واحد كان صحيحاً رغم إختلافه - بناءاً على رواية - ولذا قال سبحانه:
﴿ وكلاً آتينا حكماً وعلماً﴾.
وإنْ كان حكم الثاني أفضل وأكثر إستيعاباً، ولذا قال تعالى:
﴿ ففهمناها سليمان﴾.
هذا بالنسبة للصحيح والأصح، وكذلك الحال في الفاسد والأفسد.
فثمة حقائق متغيرة، وأخرى ثابتة فمِن الثوابت إمتناع إجتماع وإرتفاع النقيضين، وحسن الإحسان وقبح الظلم، ومِن المتغيرات الزمان، واللغات والإضافات والحالات، فمِن غير المعقول مثلاً أن ترتفع كفة ميزان وتنخفض الأخرى بدون سبب إطلاقاً... وأن يصبح رفع الظلم عن المظلوم قبيحاً أو يصبح ظلم الناس حسناً.
كما مِن غير المعقول في غير الثوابت: أن يجمد الزمان، بأن لا يكون للجسم بعد رابع، وجرت العادة بتغير اللغات، كما أن الإنسان المنفرد قد يتزوج فيصبح زوجاً بعد أن كان أعزباً، والطفل يتحول إلى يافع فشاب وهكذا.
وربما تنقسِمُ الأشياء إلى حقائق خارجية كالإنسان والحيوان والنبات، وإلى أمور إنتزاعية، لا مدخلية للإعتبار فيها، فهي لا تتغير بتغيير الإعتبار، مثل: زوجية الأربعة، وإلى أمور إنتزاعية تحتاج إلى إعتبار يمنحه المعتبر، مثل جعل الورقة مالاً، فبإعتباره تكون ذات مالية، كما أن بسلب الإعتبار تسقط عن الإعتبار، وبناءاً على ذلك يظهر:
أن المعرفة قسمان ثابتة ومتغيرة، وجعْلُ المعرفة كلها متغيرة ونسبية وبصورة مطلقة ليس بصائب، فالبعض يدافع عن ذلك في الإدعاء بأن المعرفة نتاج أو فرع للمحيط أو البيئة، وللإنسان، وحيث أن كليهما في تغير وتحول دائم، فلابد وأن تكون المعرفة متغيرة أيضاً! وهذا غير سليم ويُرد عليه:
• إن قسماً مِن المعرفة فرع أو نتاج: المحيط (أو البيئة) والإنسان، لا كل أقسام المعرفة -كما تقدم-.
• إن مجموعة مِن الحقائق في الخارج لا تتغير.
• لو كانت كلّ الحقائق في تغير والمعرفة تبعاً لها، فمِن أينْ يمكن إثبات تلك القاعدة الكلية وتعميمها والتي تقول بأن (كلُّ المعرفة تتغير) فاللازم بطلان أحد الأمرين.
أجلْ الزمان بعدٌ رابع للموجود الخارجي - كما ذهبَ إليه بعض المحققين - لكن لا تأثير على الموجود، كي يجعله نسبياً ... بأن يجعل نفس الحقيقة نسبية، لتكون كلّ الحقائق نسبية، بل الموجود أو الذي يقع في الخارج بتبّدل العوامل تتبدل الـمُسببات، كالطفل، والشاب، والهرم، وعليه فلا أساس للقول بأن: الحقيقةَ بدون الزمان وهمٌ.
ولوجودِ نظام عام يتحكمُ في الأسباب والنتائج والآثار... في العلل والمعلولات مثل:
1- قاعدة: طغيان السلطة بدون الإيمان.
قالَ سبحانه: ﴿إنّ الإنسان ليطغى إن رآه استغنى﴾ .
ومثل:
2- إنّ السلاح والعلم والمال والكثرة، قوة وسلطة.
3- ماضي الزمان دائماً مرآة لمستقبله.
وإنطلاقاً مما تقدمَ يُقال:
التاريخ يكشف عن أنه كلما تجمعت وتمركزت السلطة في يد إنسان (غير المعصوم وشبهه) طغى، وكما طغى في السابق، كان الحكم كذلك في اللاحق.
أو يُقال وأيضاً بناءاً على ما تقدمَ:
إن هذه الدولة أو تلك قد أخذت تجمع مقومات القوة، فلابد وأنها تطغى، وطغيانها يسبب إضرار جيرانه، فينبغي تهيئة مقومات القوة في قباله، أو الحيلولة دون تجميعها لمقومات القوة، ومِن هنا أستُقي وإشتهرِ المثلُ القائل:
التاريخ يعيد نفسه.
وبناءاً على كلِّ ما تقدم ذكره:
فثمة حقائق متغيرة، وأخرى ثابتة، ومعرفة قد تكون صحيحة، قد تكون فاسدة، وهناك ما هو أصح مِن الصحيح، كما هو هناك ما هو أفسد مِن الفاسد، والمعرفة الصحيحة هي المعرفة الـمُطابِقة للواقع.
وعن المعرفة والنتاج المعرفي بقسميه: التجربي والذهني، وعلاقة ذلك بالحقائق يقول المجدد الثاني (ر):
إن الواقعَ قسمان:
قسم يخضع للتجربة، حيث أنها أمور عملية، والتجربة يمكن أن تقودَ إلى إكتشاف القوانين المودعة في ذات الأشياء، مثلاً: مُكتشِف الكهرباء وصل إليها عن طريق التجربة، فقوانين الكهرباء المودعة في الكون كانت مجهولة، والتجربة والبحث قادا الـمُّجرِبَ كشف ومعرفة تلك القوانين.
وعليه فلا دور للتجربة في تغيير واقع القوانين المودعة والقائمة في ذات الأشياء، وإنما دورها يكمن في كشف واقع تلك القوانين، وكلما زادَ الإنسان تجربة في هذا الميدان، زادَ كشفا لذلك الواقع، والظاهر أن ما قاله (ر) بخصوص الإكتشاف يتعداه إلى الإختراع أيضاً.
وقسم آخر لا يخضع للتجربة مثلاً:
هلْ أنّ الشيء مركب مِن جنس وفصل؟
وأنّ الوجود والعدم لا يجتمعان، وأن كلّ ترجيح بلا مُرجح محال و... لا يمكن إخضاعه للتجربة فالقول بأن كلما لم يخضع للتجربة ليس بعلم، مخالف للبداهة.
وعليه فتراكم التجارب لا يُغيرُ واقعَ القوانين القائمة المودعة في ذات الأشياء، وإنما يصل إلى أسرار أكثر تعقداً وغموضاً، كالذي يسير في المدن، كلما أكثرَ مِن السياحة ظهرت له مجهولات جديدة.
ويُضيف (ر) بأن التجربة قد تكون واجبة في قوله:
ثم أن التجربة التي هي مقدمة للعلم الواجب، واجب - على القول بوجوب المقدمة - ومِن ذلك يُعرف الأقسام الأربعة الآخر مِن الأحكام الخمسة.
فكشف المعلومات في كل علم مادي بحاجة إلى طريقين:
الأول: الطرق الفكري.
الثاني: الطرق التجربية.
فبعد التجربة أو التجارب يبدأ الفكر بتصنيف وتقييم النتائج كي يُصدق أو يُكذِّب التجربة، وبعبارة ليقول:
بأن ما أدركه الإنسانُ هلْ هو صحيح؟
لتكون المعرفة المترتبة معرفة صحيحة، أو معرفة غير صحيحة؟
وليقول:
هلْ ما أدركه الإنسانُ هلْ هو مطابق لواقع الأمر والقوانين المودعة في ذات الأشياء؟
لتكون المعرفة المترتبة معرفة صادقة، أو معرفة غير صادقة.
وعلى ذلك فالفكر والتجربة يتعاضدان في كشف القوانين المذكورة، وحلّ ومعالجة المشاكل، ولتوصل الباحث إلى كشف قانون مِن تلك القوانين، وما يرتبط به لابد مِن المراحل الستة التالية:
1- معرفة وتعيين الهدف، لتحري أفضل الطرق وأقصرها.
2- التجربة الأولية أو البدائية.
3- صياغة أو تكوين فرضية للوصول إلى الهدف، لأن التجربة التفصيلية العميقة إنما تكون بعد صياغة الفرضية.
4- التجربة التفصلية الواسعة لإختبار مدى صحة الفرضية المذكورة بالملاحظة والتجزئة والتركيب والتحليل والدقة وما شابه ذلك.
5- وعندها ينكشف القانون، الذي كان الهدف الأسمى للعالم الباحث، ولهذا قيل: إن الغرض أول في الفكر، وآخر في العمل.
6- وتبقى مرحلة أخيرة إنْ كان الباحث يريد التوسع والتقدم، لا الجمود والوقوف، وهي مرحلة الربط بين هذا القانون الـمُكتشف، وسائر القوانين، لإستكشاف:
ما هي القوانين الأخرى التي تجتمع مع هذا القانون الـمُكتشف في قانون أعم؟
وما هي القوانين التي لا تجتمع؟
وإن شئت قلت:
كشف النسب الأربع بين القانون الـمُكتشف وغيره:
هلْ هو تباين، أو تساوي، أو عموم مطلق، أو عموم مِن وجه؟
وكإشارة للمراحل المتقدمة في عمل الباحث أو عالم الإجتماع يقول سماحته (ر):
مثلاً: إذا كان الباحث يرى فساد المجتمع بتفشي المنكرات (كالقمار، المخامر، المباغي،...) ويفكر في التعاطي ومعالجة ذلك، فإنه يمرّ بالمراحل التالية:
أولاً: يتعين الهدف وهو: تفشي المنكرات.
ثانياً: يتصور أو يفكر في أن العلاج هو غلق أبواب المباغي والمقامر والحانات.
ثالثاً: يرى بعد التعمق في المشكلة: إن ذلك ليس العلاج، إذْ مادام جماعة مِن الناس يتعاطونها، يكون الغلق علاجاً صورياً أو سطحياً، فإن المتعاطين ينتشرون ويتحايلون بالإختفاء عند التعاطي إلى غير ذلك... فيتوصل إلى فرضية مفادها: العلاج الحقيقي هو إيجاد الوعي في الناس، لأن تعاطي هذه الأمور الضارة إنما يكون لعدم رشد الناس فكرياً، ولذلك لا يعرفون مصلحتهم ومفسدتهم فيرجحون اللذة العابرة على العاقبة المحمودة.
رابعاً: يقوده الأمر الثالث إلى تجربة فكرية أو عملية واسعة (مِن باب تداعي الأفكار في الفكر، وإرتباط الأمور في التجربة العملية)، وذلك بالبحث للحصول على إجابات على أمثال الأسئلة المرتبطة التالية:
ولماذا المنكرات؟
لماذا الإستعمار؟
لماذا تحطم الزراعة والصناعة والتجارة؟
لماذا السجون؟
وهكذا مِن الأفكار المرتبطة، أو النشاطات المناسبة في حقل التجارب.
خامساً: يصل الأمر بالباحث إلى إكتشاف القانون، وهو:
كلما تدنى وعي الأمة تفشت المنكرات، وكلما إرتفع الوعي قلَّت المنكرات إلى أن تنعدم، وعليه فالعلاج ترفيع مستوى الوعي.
وسادساً: إذا أرادَ الباحثُ الإنطلاقَ وعدم الجمود على القانون الـمُكتشف عليه أن يفكر في النسبة بين القانون الـمُكتشف مِن جهة، والقوانين الـمُكتشفة سابقاً عبر نفس الخطوات في السياسية والإجتماع والإقتصاد والعقيدة، والأخلاق والحريات، والسلطة، والقوة والسيادة وغيرها.
وبذلك يظهر طريق العلم: وحدته، وكثرته، وتداخله، وتباينه، وطريق العمل...، وإذا لم يتوقف الباحِث أو الـمُحقق ويتعمق ويتدبر ويدرس ويبحث ملياً في المرحلة السادسة كانت علومه المتناثرة، وتجاربه المتشتتة غير مرتبطة، ولا تعطي رؤية شاملة، ولا قاعدة متينة.
وربما ينطوي في قول الإمام المجدد (ر) الأخير إشارة واضحة إلى سبب كبير مِن جملة الأسباب التي يمكن أن تُفسِر إختلافَ نتائج البحوث والمعالجات والتحقيقات الإجتماعية والإعلامية، والتي تقودُ البعضَ إلى التشبث بتعميم النسبية على كلّ الحقائق بصورة مطلقة، بدلاً مِن معالجة إنعدام الإستيعابية أو سمة الأحادية في البحوث والمعالجات العلمية أو الإعلامية، والتي تُفرز نتائج متعارضة ومتباينة إما يتم التعصب عليها، ومِن ثم زرع التعصب، أو تجنيد آخرين لتلك النظريات والنتائج المنطوية على توجهات أحادية لمصالح وأهداف سياسية أو إقتصادية أو إيديولوجية، ليُقال لاحقاً وكمحاولة لإحتواء آثار ذلك بأن كل الحقائق نسبية(!).
إنه نوع آخر مِن التعصب والنظرة الشمولية، تعصب للنسبيّة التي تفرض النسبية أول ما تفرضها على نفس النسبية.
أما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحادية المذكورة، والترويج لها في الإبتعاد مِن الإعلام والصحافة المواطنيّة الحرة المسؤولة فهو كبير وبحاجة إلى المزيد مِن البحث المستوعب، فلابد للإعلام التعددي الحر المستقل المسؤول مِن إحترام الحقيقة (ثابتها ومتغيرها) لأن البحث عن الحقيقة يعطي الإعلام شرعيته.
والحديث في هذا الخصوص طويل، فلنعد إلى قرائتنا، فبعد تلك الإشارة يضيف سماحته (ر):
وقد أمرَ الإسلام بالتفكير، والتدبر، والتفقه، والتعقل، وما إلى ذلك، كما يجدها المتتبع في القرآن الحكيم، وأقوال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده الطاهرين (عليهم السلام)، فقد وردَ في الحديث الشريف:
(في التجارب علم مستأنف) .
وقال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
(قيمة كلّ إمرئ ما يُحسنه) .
وقال (عليه السلام):
(فإنْ أشكلَ عليك شيء مِن ذلك فإحمله على جهالتك فإنك أول ما خلقت كنت جاهلاً ثم علمت، وما أكثر ما تجهل مِن الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعد حين) .
وقال (عليه السلام):
(لا علم كالتفكر، ولا شرف كالعلم) .
وقال (عليه السلام):
(ما لي أرى الناس إذا قرب إليهم الطعامَ ليلاً، تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم، ولا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم، ليسلموا مِن لواحق الجهالة والذنوب، في إعتقاداتهم وأعمالهم) .
وقال (عليه السلام):
(العلم مقرون بالعلم فمَنْ عَلِمَ عَمَلَ، والعِلمُ يهتِفُ بالعمل، فإنْ أجابه، وإلاّ إرتحل عنه) .
وفيما نحن بصدده، وفي خضم حديثه عن مهمة الباحث أو العالم الإجتماعي يقول الإمام الراحل (ر):
عليه أيضاً بيان مواضع الخطأ والصواب، والحسن والأحسن، والسيء والأسوء، فبعد إستعراضه مختلف السُبل والمعالجات والعادات لابد أن يبين فلسفة الفساد في الفاسد، والصلاح في الصالح، وبذلك يُقرِّب المجتمع إلى ما يصلحه ويقدمه، ويبعده عما يفسده ويؤخره .
وفي ذلك إشارة واضحة إلى تبني الإمام الراحل (ر) للصحافة المواطنيّة، والمسؤولية الإعلامية، ودعوته إلى تحري الدقة والأمانة والإتقان في ذلك، وفي الأبحاث، ومنها الإجتماعية، وما يتوجب على العالم الإجتماعي حيث يضيف (ر):
بقي شيء وهو أن مِن أهم ما يلزم على العالم الإجتماعي في تحقيقاته ملاحظة أمور:
أ- الدقة في التحقيق، فإنه بالإضافة إلى أن العلم أمانة، والخيانة مِن أشد المحرمات الشرعية العقلية، قال سبحانه:
﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال * فأبين أن يحملنها وأشفقن منها * وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً﴾ .
فعدم صوابية وسلامة الحقائق أو القوانين والنظريات الإجتماعية يترتب عليه ظلم الناس، وضياع حقوقهم، وذلك محرم عقلاً وشرعاً أيضاً، فمثلاً لو لم يحقق الباحث أو العالم الإجتماعي في إيجابيات وفوائد تعدد الأحزاب الإجتماعية، مما حبّذ وحدة الحزب إجتماعياً إنتهى إلى الديكتاتورية الموجبة لهدر الأموال والأعراض والدماء، فإن العلم يأخذ طريقه إلى العمل غالباً.
قال سبحانه:
﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ .
﴿ومِن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ .
﴿ولا تقف ما ليس لك به علم * إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً﴾ .
ب- عدم التعصب، فإن المحقق كثيراً ما يقع تحت نير التعصب، وذلك يحرف تحقيقه، مما له آثار سئية، ولا فرق في ذلك بين التعصب لبلده، أو قومه، أو دينه، أو جماعته، أو غير ذلك.
ج- عدم تأثير السلطة أو القوة عليه، سواء في الحكومات الديكتاتورية بسبب المال والسلاح، أو في الحكومات الإستشارية (الديمقراطية) بسبب المال، والجاه، ولذا نرى سقوط كثير مِن المؤرخين لأجل تزلفهم للسلطات خوفاً أو طمعاً، فلا عبرة بتواريخهم، وهكذا غير مِن العلماء والباحثين الذين يتأثرون بالسلطة، ويصبحون فقهاء البلاط، أو وعاظ الملوك، أو شعراء و كتاب الأمراء.
د- عدم تأثره بالدعاية والأجواء، فإن عدم الإحتياط والحزم والدقة يُسقِط العالِمَ في الأجواء، بدعاية أو غيرها، فإن ذلك يوجِب إنحراف الباحث أو العالِم الإجتماعي، فيفقد بذلك إعتباره دينياً ودنيوياً، فقد وردَ في الحديث الشريف:
(رَحِمَ اللهُ إمرءاً عَمِلَ عملاً فأتقنه) .
ووردَ أيضاً:
(مَنْ أبدى صفحته للحقّ هلكَ) .
(فلا يغرنك طنطنة الرجال مِن نفسك) .
وقال سبحانه:
﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا مِن عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً * فويل لهم مما كتبت أيديهم * وويل لهم مما يكسبون﴾ .
ويذكر سماحته (ر) ضمانات أو مستلزمات خمس لإتقان التحقيق أو البحث قائلاً:
الأول:
إنتخاب المؤشر أو منطلق التحقيق، فإن المنطلقات أو المؤشرات المختلفة تؤدي إلى نتائج مختلفة، وذلك يقود إلى إستنتاجات خاطئة، فحين يكون منطلق أو مؤشر المحقق أو الباحث للتوصل إلى حقيقةٍ ما خاطئاً، تكون إستنتاجاته كذلك، ومثال ذلك:
باحث يهدف إستكشاف مدى تكريس الحريات في دولة معينة، فقد ينظر الباحث وفقط إلى حريات النقد والكتابة والإذاعة والتلفزيون والإستثمار والإنتخابات وما شابه ذلك، ومِن هذا المنطلق الذي شاهده، والمؤشر يحكم أو يستنتج وجود الحريات في تلك الدولة، بينما المنطلق ليس ما يرى، بل المنطلق هو البنية الإجتماعية للمجتمع، فإذا لوحظت تلك البنية يجد الباحِثُ إن تلك الحريات التي يشاهدها مزيفة، ولا تمثل تجسيداً واقعياً لمفهوم الحرية، حيث أن الناس يعيشون تحت الكبت، حالهم حال مَنْ بالتخدير والعقاقير الـمُسكِّنة يظن أنه متعافي، لكن التخدير أورثه هذا الزعمَ أو التصورَ، وإنما هو في أشد حالات المرض، مثلاً الرأسمالية المنحرفة مسلطة على تلك الدولة، ومنفردة بكل شيء، فالنقد حرّ حين لا يكون موجهاً لرأس المال، والإنتخاب حرّ لكن لا يخدم ولا ينفع حرية الإنسان بعد أن اشترى رأسُ المال الضمائرَ، والكلام حرّ، لكن المجتمع يخشى الكلام فيلوذ بالرقابة الذاتية السلبية، لأن مِن ورائه الأخطبوط الذي يسبب الإستهانة والإزدراء بكل كلام ضد التوجهات والممارسات غير السليمة لرأس المال.
بينما المحقق الإجتماعي أو الباحث إذا إختارَ المنطلق مِن الحريات الواقعية، والتي لم يسيطر عليها الأخطبوط ذهب إلى إستنتاج يفيد بعدم تكريس الحرية الواقعية في تلك الدولة، وإنما الذي فيها سراب حرية خادع، وشبح لا روح له، ولا حول ولا طول.
الثاني:
كما على الباحث لإتقان البحث والخروج بنتائج صائبة:
تحديد وتعريف مفردات البحث، وإلا لوقع في الخطأ، وكانت المفارقة لا مقاربة الواقع والوقائع، وكمثال على ذلك:
إذا كان الباحث يريد التحقيقَ للتوصل إلى إستنتاجات وإجابات على الأسئلة التالية:
هلْ هذه الدولة المعينة ديمقراطية أمْ لا؟
هلْ هذه الحكومة ديكتاتورية أمْ لا؟
هلْ هذا التجمع أو تلك الجمعية وطنية أمْ لا؟
فلو لَمْ يُحقق الباحث حول المفردات الثلاث:
الديمقراطية، الديكتاتورية والوطنية، بكلّ دقة، ويُبين حدودها، لوقع في نتائج مغلوطة.
ففي السؤال الأول: بالنسبة للديمقراطية لو لَمْ يحقق الباحث ليحدد بدقة مفهوم الديمقراطية وتعريفها المتمثل في الحرية الكاملة في الإنتخاب، بدون تأثير جو أو دعاية أو مال أو ما أشبه، لزعم أن تلك الدولة المعينة دولة ديمقراطية، بينما الواقع أنها ليست كذلك.
وفي السؤال الثاني: بالنسبة للديكتاتورية، لو تصور الباحثُ أن عدم الديكتاتورية يعني وفقط وجود مجلس للأمة، وصحف حرة، وما أشبه، لقال بأن تلك الدولة التي يتدارس أوضاعها بأنها ليست بديكتاتورية، بينما أحياناً الديكتاتورية تُغلف بثوبٍ مهلهل مِن الحريات يعرفها المدقق، ويغفل عنها مَنْ يقع في دائرة التسطيح، فاللازم على الباحث أو المحقق أن يبحث أولاً عن معنى الديكتاتورية، ثم يدرس ويحقق في واقع الأوضاع القائمة في تلك الدولة، ويقارن بدقة وموضوعية، ثم يصدر حكمه في كون تلك الحكومة ديكتاتورية أمْ ليست بديكتاتورية.
وفيما يرتبط بالسؤال الثالث المتقدم، وبخصوص كلمة الوطنية للبحث فالإجابة على:
هلْ أن تجمعاً معيناً هو تجمع وطني أمْ لا؟
إذا زعمَ الباحثُ إن التجمع أو الجمعية الوطنية هي الجمعية التي يكون أفرادها مِن حملة جنسية الوطن، إذا زعمَ الباحث إن التجمع الوطني هو الذي يكون أفراده مِن حملة جنسية الوطن رأى ذلك التجمع وطنياً، أما إذا حددَ الكلمة (كلمة الوطنية) بأنها ما تخدم الوطنَ، تغير الإستنتاجُ وصار التجمع وطنياً إذا كان يخدم الوطن.
الثالث:
الإستعانه بالعيّنات المختلفة، والنماذج المتباينة في البحوث والتغطيات لإستصدار الأحكام الكلية العامة (الغالبية) فلأن الإحصاء التام غير ميسور غالباً، يكتفي المحقق أو الباحث بإتخاذ النماذج ومجاميع مِن العيّنات، فقد يختارها مِن صنف أو رديف واحد، زماناً أو مكاناً أو خصوصية، وحينذاك لا يصح الحكم أو الإستنتاج، لأنه ليس بكلي، وقد ينتخب النماذج أو مجاميع العينات مِن مختلف الأصناف والأردفة فيكون الحكم الكلي أو الإستنتاج العام المترتب على البحث أو المسح أو الدراسة قريباً مِن الصواب.
فما يرتبط بالزمان ومجاميع العيّنات، إذا أراد الباحث أن يستكشف ليحكم على درجة ذكاء سكان قُطر معين، لَمْ ينفع أن يأخذ الإحصاء عن معاصريه فقط، بل يجب أن يسبر غور التاريخ، ليرى درجة الذكاء في مجموعات مِن المقاطع الزمنية المختلفة، وبالنسبة لعامل المكان، إذا أرادَ أن يعرف المواصفات المناخية لقطر معين، فلم ينفع أن يستقصي المناخ في عشرة مِن المائة مِن أماكن أو محافظات ذلك القطر، بل ولا الخمسين في المائة، وإلا كان حكمه إعتباطاً...، وفي مثال سائر الخصوصيات، إذا أراد الباحث التحقيق في درجة ميل الشباب إلى العلم أو البحوث العلمية لا يجدي نفعاً أن يأخذ نماذج أو عينات مِن شباب الأغنياء أو شباب الفقراء أو شباب الأحزاب، بل اللازم أن يأخذَ عينات مِن كل الفئات كي يكون حكمه العام قريباً مِن الصواب.
وفي هذه الجملة الأخيرة إشارة لسماحته (ر) إلى نسبية الحقائق المترتبة على هذه الدراسات والبحوث الإحصائية، وهذا طبعاً إذا تمَّ مراعاة كلّ ما تقدم في النقطة الثانية وغيرها، ومِنها الإستعانة بالعينات والنماذج المختلفة التي تغطي المساحة الكافية المطلوبة مِن الزمان والمكان والخصوصيات لإستكشاف الحقائق، كما أنه يرسمُ معالمَ التعاطي والتقويم للدراسات والبحوث وإستطلاعات الرأي التي تفتقر إلى تلك المقومات، ولاسيما تلك التي تعتمد الإنتقائية في إختيار العينات عن عمد، أو غير عمد، قصوراً أو تقصيراً، لتخرج بنتائج وإستنتاجات غير كلية وبعيدة عن الصحة يتم تسويقها دون نقدها في الإعلام وغيره تحت مظلة النسبية المطلقة للحقائق ! فتضيع الحقيقة، ويبتعد الإعلام والتأليف والصحافة عن الصحافة المواطنيّة وخدمة المواطن والدفاع عن مصالحه.
الرابع:
كما على الباحث لإتقان البحث والخروج بإستنتاجات أكثر مقاربة للواقع فالصحة أن يتعامل ويختار الكلمات والعبارات والجمل بدقة في بحثه، كي لا تُسبب أبحاثه وكتبه ومقالاته ضلالاً وتحريفاً، فإن الكلمات الرجراجة والجمل المهلهلة ذات الإحتمالات والمحامل تؤدي إلى الإنحراف في السامع والقارئ، مثلاً إذا قالَ الباحِثُ:
إنّ المجتمعات التي وصلت إلى تساوي الحقوق بين أفرادها تعيش حياة أكثر سلاماً ورفاه مِن غيرها.
يجب أن يُحدد وبدقة المقصود بالمساواة:
هلْ المراد بالتساوي المماثلة، أمْ العدالة؟
إذْ كلّ واحدٍ مِنهما قد يستعمل في المقام الآخر، فانّ بينهما عموماً مِن وجه.
وإذا أختارَ بأن مراده مِن المساواة هو العدالة، فيجب أن يُحدد في مقولته المتقدمة:
العدالة بالنسبة إلى مَنْ؟
هلْ المراد العدالة بالنسبة إلى رؤساء العوائل، أو أفراد العائلة؟
وهكذا.....
ثم يُحددُ المرادَ مِن كلمة: الحقوق في المقولة المذكورة:
هلْ المراد الحقوق السياسية، أو الحقوق الإقتصادية، أو الحقوق الإجتماعية، أو أن المراد كافة الحقوق؟
وإذا كان مراده مثلاً مِن الحقوق، وفقط الحقوق السياسية، لابد وأن يحدد:
هلْ المراد هو الحقوق السياسية العامة، أو حقّ الإنتخابات، أو حق الحكم والإدارة أو.....؟
هذا ويشير الإمام الراحل (ر) إلى مما شأنه يُعالج ظاهرة التسطيح والأحادية في الكتابات أو التغطيات أو البحوث أو الدراسات، وذلك في الفقرة التالية:
الخامس:
لإتقان البحث لابد مِن كشف الأسباب والـمُسببات والملازمات.... والتعمق لإستكشاف العلل والمعلولات والملازمات للظاهرة، أو الموقف، أو السلوك، أو الإتجاه الذي يتناوله الباحث أو المحقق، فلابد مِن معرفة اللازم والملزوم والـمُلازم، فالحياة عالم الأسباب، وأبى اللّـهُ أن يجري الأمورَ إلا بأسبابها، وفي القرآن الحكيم:
﴿ثم اتبع سببا﴾
وأصول ذلك يرجع إلى خمسة أمور:
أ- هلْ هذا الأمر تحديداً هو العلة؟
فالمحقق أو الباحث الذي يعمل لإستكشاف حقيقة ما، أو قانون معين يجب أن يراقب ويحلل ويلاحظ أن هذه الظاهرة الإجتماعية، أو تلك مسببة عن ماذا؟
فإذا لاحَت في ذهنه فرضية، عليه أن يدقق ويتسائل:
هلْ هذا الأمرُ المعين هو العدالة؟
مثلاً: حين يرى الباحث غلياناً وهيجاناً إجتماعياً، ويتصدى لتناول ذلك، لابد وأن يُناقش الظاهرة فيتسائل:
هلْ الأمر أو الدافع الإقتصادي علة لهذا الهيجان؟
بأن كان السبب تدني الأجور وتضخم الأسعار.
ب- فإذا تحققَ ووثِقَ الباحثُ مِن كون سبب الغليان والهياج المذكور هو الأمر الإقتصادي، عندها عليه أن يواصل مناقشته ودراسته، فيتسائل:
هلْ العامل الإقتصادي المتقدم، ولوحده يُمثل سبب ذلك الغليان الإجتماعي؟
ألا يمكن أن يكون هناك عامل آخر إضافة إلى العامل المذكور، كبعض العوامل السياسية، مما يُسبب الهيجان والغليان الإجتماعي؟
ج- وبعد فراغ الباحث أو الكاتب أو الإعلامي مِن مناقشة ودراسة فتحديد علة أو علل الظاهرة عليه أن يبدأ التقصي عن الجذور... جذور الظاهرة، وما يقف وراء هذه العلة أو تلك العلل والعوامل مِن علة أو علل، فيتسائل:
هلْ للعلة علة؟
وهكذا كي يحاول التوصل إلى جذور الظاهرة، مثلاً:
إذا ظهرَ له أن الغليان والهيجان الإجتماعي (الذي يشاهده) يعود إلى تدني الأجور المسببة عن التضخم، فلابد أن يتسائل:
وما هي أسباب التضخم؟
الفساد الإداري والمالي، أمْ إرتفاع ميزانيات التسلح، والأموال الطائلة التي تصرفها الدولة للحرب؟
ليناقش ويتسائل لاحقاً:
ولماذا الحروب؟
وهكذا يواصل تتبع إستكشاف الجذورَ.
د- وبعد التوصل إلى معرفة جذور المشكلة أو الأزمة، يأتي دور مناقشة الباحث لآثارها، وما يترتب على تلك الآثار مِن إفرازات، فإن المعلول قد يكون بدوره علة لأمر آخر، ففي نفس المثال السابق، وبالنسبة لظاهرة الغليان والهيجان الإجتماعي المذكورة، لابد وأن يناقش الباحث متسائلاً:
ما هو آثار ذلك الهيجان والغليان؟
فإذا كان الجواب:
مظاهرات وإضرابات.
تسائل مرة أخرى:
إلى ماذا تنتهي المظاهرات والإضرابات؟
هلْ ستواجهها الحكومة بالشدة، لتملأ السجون والمستشفيات والمقابر؟
وإلى غير ذلك مِن الأسئلة والمناقشات.
هـ- ليأتي بعد ذلك دور التحقيق عن الملازمات ومناقشتها، سواء للظاهرة، أو لأسبابها، أو لمسبباتها، ففي المثال السابق:
المظاهرات والإضرابات يمكن أن تلازم المدراء لجماعة مِن العمال عن أعمالهم، مما يوجب تفشي البطالة و...، الخ.
والفرق بين المعلول والملازم واضح، فإن العلة والمعلول في سلسلة واحدة، بينما الـمُلازم في عرض المعلول، فنور النهار وحرارته ليس أحدهما علة للآخر وإنما كلاهما معلولان لعلة ثالثة هي إشراق الشمس.
ثم إن الإنسان بالتعقل والتفكر والتجربة، يتمكن أن يتوصلَ إلى هذه الأمور، فاللازم أن يكون المحقق أو الباحث متأنياً، دقيقاً، يراقب فيلاحظ الأشباه، ويقارن الأضداد حتى يستلخص الواقعَ.
ومما تقدمَ مِن قوله (ر) يمكن إستنتاج:
• النسبيّة التي تكتنفُ الحقائقَ المترتبة على مثل هذه الدراسات، والتغطيات والتحليلات الإعلامية، حتى لو إلتزمت بما سبقَ مِن ضمانات لإتقانها، والموقف مِن تلك الحقائق، وسُبل تقييم ودراسة ونقد الحقائق المذكورة بموضوعية ومرنة وبعيداً عن التعصب.
• المسؤولية الكبيرة والخطيرة والحساسة للكاتب والمحقق والباحث والإعلامي لمساعدة المواطن أو الدولة في الوصول إلى فكر وإعلام دقيق ومحقق، ينهض فيه المفكر والباحث والإعلامي إلى التعاطي الإيجابي الحرّ المتحرر مع حملات بث التحليلات أو التقارير أو الإستنتاجات أو الأخبار البعيدة عن الصحة، أو التشهير بذريعة نسبية الحقائق، وهذا مما تدعو إليه القيم والأخلاقيات الصحفية، ومبادئ إحترام الحقيقة وآداب المهنة، فمراعاة المسؤولية يُكرِسُ الحريةَ، والبحث عن الحقيقة يعطي الإعلامَ شرعيته، ويدعم مشروعيته، ويوظِّفه في الإتجاه الذي خُلِقَ الإعلامُ مِن أجله، والمتمثل في إيصال الحقيقة.
وعلى أيّ تقدير يختم المجدد الثاني (ر) حديثه المتقدم عن مقومات إتقان البحث بروايات عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفيما يرتبط بقيمة الرصيد التجربي إلى جانب الرصيد العقلي:
(العقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك) .
(فإن الشقي مَنْ حرم نفع ما أوتي مِن العقل والتجربة) .
(الفكر مرآة صافية) .
- فيما تقدمَ مِن الإمام الراحل (ر) حول البحوث والدراسات والتغطيات الإعلامية، ومقومات الإتقان فيها ما يشير وينظر إلى التمييز بين الإعلام والدعاية ( propaganda ) التي تلتقي مع الإعلان، والتي تستخدم أحدث وسائل الإعلام والإتصال بالناس مِن صحافة وإذاعة وتلفزيون وسينما ومنشورات، وإلى جانب أحدث فنون الإيحاء الذاتي المستوحاة مِن علم النفس الفردي والإجتماعي، والتي يتصدرها تجنيد العواطف والمشاعر والإحساسات و....
كما يتضمنَ إشارةً إلى الدِيْماجوجيَّة ( Demagogy ) المبنية على الكذب وإنتهاز فرصة القلاقل والبؤس والجهل واللجوء إلى التحيز والتحامل، للتسلط على الناس عبرَ تزيين أهواءهم، وبواسطة حيل البيان ومعسول الألفاظ وتبسيط أو تسطيح الأمور مع إبراز المزايا وإخفاء العيوب مما يُعّقِد النقد والحكم الموضوعي المتعقل، وذلك لإستشارة حماس الناس وولعهم، مع عدم الإكتراث بإرشاد الناس إلى مصالحهم الحقيقية، كما نبّه (ر) إلى خطورة إنحسار الإعلام في الدعاية، فإبتعاده عن دور الأساسي الحقيقي المتمثل في إيصال الحقيقة، إضافة إلى تحذيره مِن خطر وقوع الدعاية ولاسيما المبطنة والخفية مِنها ووسائلها في يد الرأسمالية المنحرفة.
وفي معرض حديثه عن الفرق بين الجماعة والجمع، وتحت عنوان:
العقل أمْ العاطفة؟
يشير إلى الدعاية التي تُجّنِد العاطفة عادة إلى حد كبير، فيقول (ر):
الجمع أو الإجتماع العفوي أو التلقائي - غالباً - تحدوه العاطفة الشديدة للتجمع والعمل، بدون تفكر في العواقب والنتائج، ولذلك يذوب الفرد في الجمع، حيث لا يرى إلا الجهة التي ينساق إليها، بسبب تلك العاطفة المشبوبة، والغالب أن الديكتاتوريين يستفيدون مِن هذه العاطفة في سوق أو دفع الناس إلى أهدافهم، لا أهداف الناس ومصالحهم، ولهذا نرى أن مثل ذلك يلازم تقديساً مطلقاً لديكتاتور هو وراء الإثارة .
ثم يتعرض (ر) إلى تسليط الأضواء على سلبيات الدعاية والإثارة العاطفية، ومخاطبة مشاعر وإحساسات البسطاء المتمثلة بالديماجوجية، والتي يمكن أن تعاني مِنها الجماعة، أو الجمع، أو السلطة أو الإعلام فيقول:
لكن يلزم أن يعلم أن مثل هذه الأساليب سواء كانت في الجمع أو الجماعة لا تثمر إلاّ على المدى القصير، لأنها تواجه برد فعل مِن جهات:
أ‌- مِن العقل لأنه في النهاية يتغلب على العاطفة، فينقلب العمل العاطفي الديماجوجي المعمول فترة إلى أبشع صورة الكره والذم، ويبقى الذم على القائمين بذلك في المستقبل.
ب‌- سقوط الديكتاتور الذي كان وراء العمل المذكور سقوطاً هائلاً، حيث تنكشف سلبياته وحيله ومكائده.
ت‌- تسلط الأعداء على الجماعة التي تنتهج المسلك المذكور، لأن الأعداء يعملون بتعقل، وجماعة كهذه عملت بالعاطفة والتبسيط وتضليل البسطاء، والعاطفة لا تتمكن مِن البناء فتسقط، بينما العقل يتمكن مِن البناء فيغلب.
ومِن الأمثلة في العصر السابق بنو امية حيث استغلوا عواطف السذج ضد أهل البيت (عليهم السلام) فتسلط عليهم أعدائهم ونسفوهم بما بقوا لعنة التاريخ.
كما أن مِن الأمثلة في العصر الحديث: هتلر، وستالين، وموسيليني، وماو، حيث سقطَ كلهم سقوطاً ذريعاً .
ثم يدعو سماحته (ر) إلى ترجيح العقل على العاطفة بما يمكن تسريته إلى أهداف الخطاب الإعلامي، قائلاً:
وحيث اللازم على الإنسان إتباع العقل، وإنْ كان فيه مرارة عاجلة، وحرمان مؤقت، وعدم الإنسياق وراء العاطفة، وإنْ كان فيه حلاوة وملأ غرور، فقد حذر الإسلام أكبر قدر مِن التحذير عن ترك التعقل والأخذ بالعاطفة، بل أمرَ بالتعقل وما تقتضيه الموازين الصحيحة، وإستشهدَ بالعديد مِن الروايات الشريفة، التي تتناول دور التجربة والعقل والوسطية والتودد منها:
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
(العقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك) .
(إنّ الشقيّ مَن حرم نفع ما أوتي مِن العقل والتجربة) .
(لا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل) .
(لا ترى الجاهلَ إلا مُفرِطاً أو مُفرِّطاً) .
(إذا تمَّ العقلُ نقص الكلام) .
(التودد نصف العقل) .
(لا يغش العقلُ مَنْ استنصحه) .
(الحلم عطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فأستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك) .
وقيل له (عليه السلام): صفْ لنا العاقل؟
فقال (عليه السلام):
(هو الذي يضع الشيء مواضعه).
فقيل له (عليه السلام): فصفْ لنا الجاهلَ؟
فقال (عليه السلام):
(قد فعلت) .
وهذا لا يتناول دور العاطفة الإيجابي وفاعليته الكبيرة، بل يتعرض إلى نقد التجنيد الإنتهازي العواطف وإثارتها لتجييش الجماهير والبسطاء على طريق تسطيح الأمور والمعالجات لتسويق أهداف ومطامع فئوية أو شخصية، وما يؤكد ذلك قوله (ر) عند الحديث عن الجماعة العاملة كالحزب:
الجماعة بحاجة إلى أمرين:
1- المبادئ أو الفلسفة التي تجمعهم، وتكون منهجاً لهم.
2- العاطفة المشبوبة التي تسيّرهم وتحثهم على التقدم.
فهما معاً ضمان بقاء الجماعة، فإذا فقدت الجماعة أحدهما تبددت واندثرت .
ويضيف المجدد الثاني (ر) ما يشير إلى الإبتعاد عن التسطيح وإستغلال العواطف في التسويق والدعاية للأفراد أو الحكام أو الأفكار أو الخطط أو المعالجات الحماسية الديماجوجية غير العقلانية، وبما يهدف ويتضمن إستشراف المستقبل، فيقول:
بعد طول تجربة العالم لأساليب الحكم، وصلَ مؤخراً إلى ما ذكره الإسلام مِن الإستشارية (الديمقراطية)، حيث أنها أكثر أساليب الحكم ديمومة وأفضلها، وتوجِب ظهور الكفاءات وإستقرار الناس وتعاونهم، وقلة المشاكل للحاكم والأمة على حدٍ سواء.
ومِن هذه الجهة كان اللازم على الحكومات - وعلى جماعات الإستكشاف ممن لهم هدف في الكشف- أن تتعرف على مُنطلقات الناس، في أعمالهم، مِن العقائد والصفات وغيرها، فإنه إذا اكتشفت الحكومة ذلك، تمكنت مِن تحقيق الرغبات، وحل المشكلات، وتعديل القوانين بدون تصادم بالعقائد والمآرب.
فإستكشاف ذلك مِن قبيل الوقاية قبل المشكلة، والعلاج بعد بروزها، فإن مشاكل الأمم حالها حال مرض الأفراد، فكما أن الطبّ والطبيب يعمل في إتجاهين:
إتجاه العلاج والوقاية ويهتم بأعراض المرض وأسبابه ومتداخلاته، وقاية مِن الإبتلاء بالمرض... وإذا مرض قطعَ جذور المرض بالعلاج الملائم، كذلك إذا جسّت الحكومة أو جماعات الإستكشاف أو... نبض المجتمع اطلعت على مكامن المشكلة، فاتخذت الخطوات التي توجب عدم إستفحالها، وإذا ظهرت أو برزت المشكلة تمكنت مِن معالجتها وحلها، فلا تبقى أو تستفحل .
ومما مرَّ يمكن أن نستشف الموقف الفقهي لسماحته مِن الأبحاث الإجتماعية أو التغطيات والمعالجات الإعلامية العاطفية التسطحية الحماسية الدعائية، فتأكيده (ر) على محورية الإنسان، ومنطلقات الناس ومصالحهم ورغباتهم وحل مشاكلهم بما يستشرف المستقبل، إضافة إلى ما تقدمَ وسيأتي كله يُكرس القراءة هذه.
وليس هذا فحسبْ بلْ يلفت الإنتباه إلى ضرورة إستكشاف كمّ وتوزّع وتوزيع مطالبات الجماهير في تلك التغطيات والأبحاث فيقول (ر):
وقد تكون المطالبة الجماهيرية العامة واضحة، وظاهرة وإنما الإستكشاف يفرض نفسه لمعرفة درجة الشدة والضعف في ذلك، كأن تعلم بأن مشاهدي التلفزيون غير راضين عن برامجه، لكن لا تعلم مقدار أو نسبة عدم الرضا.
هلْ هو خمسون في المائة، أو أكثر، أو أقل؟
فلابد مِن إستطلاع ذلك، للتمكن من الموازنة بين الأهم والمهم.
ثم إن الأمر الذي يميل نحوه المجتمع يُطلق عليه إصطلاحاً (بأن له قيمة إجتماعية) وكلما كانت علاقة المجتمع به أكثر، كانت قيمته الإجتماعية أكثر، والعكس بالعكس، ومعرفة القيم الإجتماعية مِن أهم الأمور لدى الساسة، لأن كيانهم مرتبط بها .
كما أن سماحته (ر) يتناول نقد الديماجوجية وعدم الإكتراث بإرشاد الناس إلى مصالحهم الحقيقية، والدفاع عن تلك المصالح، مما يضمن إنجاز الإعلام لمهامه الأصلية، ويسد الطريق أمام إستفحال ما يسمى حديثاً بالتوازن المسيء للديمقراطية، أو الإبتعاد عن السياسات المواطنيّة أو الصحافة المواطنية، فيقول ما مضمونه وتحت عنوان التوعية الجماهيرية:
أن المجتمع ليس معصوماً، يعرف قيمة ذوات القيم، أو يعرف تفاهة ما لا قيمة له، خصوصاً إذا كانت سياسات التجهيل والتضليل هي الحاكمة، وعليه فاللازم على المفكرين، أن يقوموا بمهمة التعديل الإجتماعي الفكري، على طريق التعريف بما له قيمة مِن غيره، ومقدار قيمة كلّ ذي قيمة، والحاجة إلى التعديل المذكور تُبرِّزها حالتين:
1- الحالة التي تُسيطر القوة أو السلطة، ومنطقها على الأوضاع، حيث أن الحكومات الديكتاتورية، تمارس سياسة التجهيل والتضليل بواسطة أبواق دعايتها وأجهزة إرهابها، فإن الشريحة الواعية أو المستنيرة تنسحب قهراً مِن ميدان كهذا، ولا يبقى إلا الهمج الذين يسبحون بحمد الديكتاتور، وفي حالة كهذه تنعدم الطرق والسُبل أمام الناس لإستكشاف ومعرفة القيم مِن الزيف، كما تُحرم مِن معرفة مرتبة كلّ قيمة، ودرجة كل زيف.
وفي الحديث الشريف:
(إذا ظهرت البدع في أمتي، فعلى العالِم أن يظهر علمه، فمَنْ لَمْ يفعل فعليه لعنة الله) .
وقال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
(ولولا... ما أخذَ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها) .
2- الحالة التي يُسيطر فيها المال على الأوضاع، فللمال دور خطير في الدعاية والتعمية والإضلال، وربما كان هذا أسؤهما، لأن


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998