قضايا وآراء

حينما يعطل القضاء..

ابرز سمة من سمات الدول المتحضرة هي أن تكون مؤسساتها الدستورية مبنية على مبدأ الفصل بين السلطات، وهذا المبدأ يفصل بين اختصاص كل سلطة من السلطات الثلاثة (التشريعية والقضائية والتنفيذية) عن الأخرى، الأمر الذي يجعل الدول قائمة ومبنية على نظام مؤسسات وليس على نظام أفراد بحيث اذا انهار الفرد انهارت معه الدولة وتعطلت جميع مؤسساتها.

هذا المعيار هو الذي يميز الدول أو الأنظمة الديمقراطية عن الدكتاتورية، فالدكتاتور يربط جميع مؤسسات الدولة بشخصه بحيث يصبح هو المشرع والقاضي والمنفذ في نفس الوقت، وهذا ما شاهدناه في الكثير من الأنظمة التي وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية أو الأنظمة التي انقلبت على الشرعية أي التي وصلت إلى الحكم بأسلوب ديمقراطي ثم قامت بتسخير جميع أجهزت الدولة ومؤسساتها للائتمار بأمرها والتفرد في صنع القرار ضاربة بعرض الجدار رأي الجماهير التي أوصلتها إلى السلطة.وفي الوقت الذي دفع أبناء العراق الثمن الباهض في ظل دكتاتورية مقيتة، بقيت أنظارهم تتطلع إلى عراق جديد قائم على قواعد وأسس قانونية قوية، إلا إننا نجد أن هناك سلطة رابعة ظهرت في العراق تؤثر على السلطات الثلاثة وتفوقها قوة في تعطيل القرارات أو تمريرها-بغض النظر كون تلك القرارات في مصلحة الشعب أو في غير مصلحته- والتي يمكن أن نسميها بـ(سلطة التوافقات السياسية) وتعد من أخطر السلطات على بناء مؤسسات الدولة بشكل صحيح قائم على احترام القوانين والأنظمة واللوائح.وفي بلد مثل العراق هو بأمس الحاجة لبناء رصين لمؤسسات الدولة ومنها القضاء بحيث يستطيع من خلاله أي مواطن الاحتكام إلى قضاء قوي تسري قراراته على الجميع دون استثناء ودون تميز ومن دون أن تحده حصانة ولا يرفع ضده (فيتو)، نجد إن السلطة الرابعة (وهنا اقصد التوافقات السياسية وليس الصحافة) تعطل المنظومة القضائية وتؤسس لسابقة خطيرة من شأنها أن تقود إلى انقلاب على-إجماع الشعب- في ضرورة احترام القرارات القضائية.فللقضاء دور مهم وكبير في اي بلد يطمح فيه المشرع الى الاستقرار والعدالة واحقاق الحق وانصاف المظلوم، فالبلدان التي تعرضت الى هزات عسكرية وسياسية كبريطانيا اثناء الحربين العالميتين بقي فيها القضاء قوياً ومحترما من جميع الاطراف السياسية والعسكرية والمدنية، وكان القاضي يعامل (تشيرشل) كما يتعامل مع أصغر مواطن بريطاني.وبما أننا نعتبر أنفسنا مسلمين وأصحاب حضارة اسلامية وأن أغلب شخصيات الاحزاب والكتل السياسية تعد نفسها- اسلامية- فإن المسؤولية الملقاة عليهم يجب أن تكون أكبر بكثير من دول أخرى قائمة على قوانين وأنظمة وضعية، وبذلك يجب على-ممثلي الشعب- في البرلمان(السلطة التشريعية) أن يلتفتوا جيداً لخطورة هذا الأمر وأهمية احترام القرارات التي تصدر من القضاء وأن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية أمام من أوصلهم إلى قبة البرلمان.فلو قام كل مسؤول في العراق بطرح هذا السؤال على نفسه أولاً،وهو، حينما يعطل القضاء،ماذا بعد؟ ولنأخذ هذا السؤال ونرجع به قليلاً إلى الوراء، حينما قام نظام البعث في العراق بتعطيل مؤسسة القضاء وجعلها أداة من أدواته السلطوية، لوجدنا الكثير من البرلمانيين(المشرعين) وعدد من المسئولين الحكوميين وبخاصة الذين يعتبرون أنفسهم من ضحايا النظام السابق ينظرون إلى الأمر بغاية بالغة من الخطورة لأنها تمثل انعطافة كبيرة نحو الدكتاتورية السياسية لصالح من يمتلك الحق في تعطيل القرارات القضائية بحسب ما خوله المشرع بنص الدستور.فما أعطاه الدستور من حق لهيئة الرئاسة في المصادقة على القرارات القضائية يجعل الكثير من تلك القرارات لا تصل إلى حيز التطبيق والنفاذ بسبب تعطيلها بدافع سياسي وليس لأسباب قانونية، كما حصل مع القرارات الصادرة من المحكمة الجنائية العليا والمصادق عليها من قبل أعلى سلطة قضائية والتي تم إيقافها (بفيتو سياسي)، وذلك يعتبر انتهاكا لسلطة القضاء التي يجب أن تحترم من الجميع.والسبب في مثل هذه الخروقات الخطيرة التي تحدث من قبل السياسيين، هو وضع الحصانة لأنفسهم والتي تعلو على حصانة القضاء خوفاً من أن يطالهم في يوم من الأيام، إضافة إلى المساومات بين السياسيين والتي تتم على حساب العدالة وحقوق الغير، وهذا الأسلوب المتبع من قبل السياسيين في تحصين أنفسهم من القضاء يعد من أخطر الأمراض الموروثة التي تصيب سياسي الدول العربية وبخاصة العراق أثناء فترة التحول من موقع الضعف وبداية الوصول إلى السلطة إلى موقع القوة وإتباع النهج الدكتاتوري.الأمر الذي يجب الالتفات إليه وبجدية من قبل المشرع بوضع حصانة للقضاء والعمل على تطهير أجهزته من العناصر غير الكفوءة وغير النزيهة أو تلك التي تعمل تحت مظلة الأحزاب السياسية والشخصيات المتنفذة في الدولة، وعدم الاستمرار في انتهاك حرمة المحاكم من قبل السلطة التنفيذية المسيسة.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات