نكران الثقافات

شبكة النبأ المعلوماتية: 1359 2016-7-26 10:57

نكران الثقافات

عرفت فرنسا في خريف عام 2005 أعمال شغب كبيرة شهدتها ضواحي المدن الكبرى، وخاصة العاصمة باريس التي تسكنها أغلبية ساحقة من الفرنسيين أبناء الهجرة.

وقد هوجمت أثناءها عدة مؤسسات عامة وأحرقت آلاف السيارات. وكانت الأغلبية من الشباب الذين شاركوا في أعمال الشغب تلك هم من ذوي الأصول الإفريقية (السود) ومن أبناء بلدان المغرب العربي الثلاثة التي كانت سابقا في عداد مستعمرات فرنسا. وكان من الملفت للانتباه أن باحثين كُثرا أشاروا بوضوح إلى الأصول الاثنية والدينية للشباب المعنيين. وعالم الاجتماع الفرنسي هوغ لاغرانج كتب كتابا تحت عنوان «نكران الثقافات».تجدر الإشارة بداية أن هذا الكتاب أثار ضجّة كبيرة في فرنسا لم تهدأ واقعيا حتى الآن، واتهم كُثر المؤلف بعرض أطروحات ذات طابع عنصري. وهناك آخرون اعتبروا أن الكتاب يقوم بعملية توصيف لواقع اجتماعي تنبغي مواجهته وإيجاد حلول لمشاكله الحقيقية.

ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن فرنسا المعروفة ببلد التنوع الثقافي والاثني هي الآن بصدد «نسيان أهمية الثقافة». ويذهب بالاعتماد على تجربته «الميدانية» من جهة، وعلى معلوماته النظرية، من جهة أخرى، باتجاه التأكيد على وجود حالة من «الجهل» الحقيقي في مجتمع مثل المجتمع الفرنسي بواقع المصاعب التي يواجهها التفاعل الثقافي، «التثاقف» الجاري.

وفيما هو أبعد من العناوين العريضة الشائعة «الكليشيهات» التي تردد مقولات مثل «الانكفاء الطائفي والاثني على الذات» أو مثل «تآكل جميع أشكال السلطة»، يؤكد هوغ لاغرانج أن هناك «ممارسات اجتماعية وأسرية» تجري على خلفية «اللقاء» بين ثقافة البلاد الأصلية والثقافات الوافدة.

ويرى المؤلف أن مثل هذه النظرة تسمح بمناقشة مسائل أصول الهجرة والمهاجرين وعلاقتها بكل ما يتعلق بقضايا الأمن بالاعتماد على المعطيات السوسيولوجية المتوفرة وليس على أساس مقولات «إيديولوجية» كالتي يطرحها اليمين الفرنسي المتطرف. هذا مع العلم ان المؤلف يصل في تحليلاته إلى القول ان «نسبة الجانحين تختلف تبعا للمنشأ الثقافي».

هكذا يقول ان هذه النسبة، في نفس الوسط الاجتماعي، تعود المرتبة الأولى فيها إلى الأفارقة السود من أبناء الساحل الإفريقي ثم المغاربة ثم الأفارقة من المناطق الأخرى (غير الساحل) ثم الأتراك وأخيرا الأوروبيين «الأصليين». ما يشير، ويؤكده المؤلف في هذا السياق هو ضرورة ألا يتم «استغلال» هذه الوقائع سياسيا من قبل الحكومة أو من قبل اليمين المتطرف.

ويؤكد المؤلف أنه إذا كانت مثل هذه الوقائع تقترب من مقولات اليمين المتطرف. فإنها تأتي بالمقابل من دراسة سوسيولوجية معمّقة. ويتم التذكير في هذا السياق بالجملة التي كررها الكاتب والصحفي الفرنسي الشهير «اريك زمّور» والتي مفادها أن «أغلبية ممارسي التجارة الممنوعة هم من السود والعرب».

وهذا ما يرد عليه المؤلف بالقول: «ما أبحث عنه هو تحطيم مثل هذه المعادلة. إذ منذ اللحظة التي يتم فيها التخلّي عن اللغة الخشبية يتم الجنوح نحو موقف مفاده أن السود والعرب جانحون. وهذا القول حماقة كبيرة».

إن الكثير من الحجج والبراهين يقوم المؤلف بتقديمها لتفنيد مثل تلك «الحماقات» التي تريد التعميم وتضع الجميع بلا استثناء، العرب والسود، في سلة واحدة. يكتب المؤلف: «يبدو تعبير السود وكأنه يدل على مجموعة واحدة موحّدة من السكان. لكن هذا المفهوم ليس عاما في الواقع».

ويشير المؤلف أنه لأسباب معقّدة، خاصة بالنسبة لفرنسا وألمانيا، يُرفض الاعتراف بما كان أغلبية المهنيين والعاملين بين أوساط الهجرة والمهاجرين قد لاحظوه عفويا من خلال تجاربهم منذ فترة طويلة. ومثل هذا الرفض يجعل من الصعب إعداد أية خطط فعالة لمواجهة مسائل حساسة مثل الأمن.

بالمقابل هناك لغة سائدة تتهم كل من يشير إلى وقائع قائمة على الأرض ب«العنصرية». هذا خاصة هناك رفض كامل من قبل المؤسسات المعنية بالإحصاء للقيام بأي تحقيق على أسس اثنية.

الملاحظات التي يبديها المؤلف في كتابه والتي جرت عليه انتقادات شديدة والاتهام أنه «عميل سري» لليمين المتطرّف، تقول ان تحقيقاته الميدانية التي أجراها في بعض الضواحي تشير بوضوح إلى أن الجانحين من المهاجرين الجدد القادمين من بلدان الساحل الإفريقي يزيدون بأربعة أضعاف على الجانحين من أبناء البلاد الأصليين. والجانحون من المهاجرين ذوي الأصول المغاربية يزيدون بالضعف وتقل هذه النسبة أكثر بالنسبة للقادمين من بلدان خليج غانا.

ويؤكد المؤلف ضرورة ربط هذه الظاهرة بالظروف الاجتماعية والاقتصادية للمعنيين بها وواقع عيشهم في مناطق معزولة «غيتوات».

من الأسباب الأساسية التي يؤكدها هناك نقص درجة «الاندماج». والتأكيد أيضا أن التقاليد الثقافية «المستوردة» للمهاجرين «ليست مولّدة للجريمة أو الجنوح». وبالتالي لا بد من البحث عن جذور مثل هذه الظواهر في الواقع الاقتصادي والاجتماعي السائد.

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن «النجاح المدرسي والاجتماعي يبقى قائما بقدر كبير على المستوى الثقافي للأمهات ولمدى اندماجها المهني».

وبالنتيجة النهائية يرفض المؤلف مقولات مثل «صدام الحضارات» أو «حرب الثقافات». ولكنه يقول بوجود ما هو أقل خطورة ويتمثل في «نزاعات الثقافات». ويرى أن من يريد التصدّي لمشاكل الهجرة عليه أن يأخذ هذا في الحسبان.

 



التعليقات
اضف تعليق