تشكلات الغرب نمط الزمن ودور اللغة وفق بندكت إندرسون

شبكة النبأ المعلوماتية: 945 2017-3-11 16:31

تشكلات الغرب نمط الزمن ودور اللغة وفق بندكت إندرسون

يتناول بندكت اندرسون في كتابه " الثقافة ومنابع الوعي القومي " التحولات التي طرأت على التصور البشري حيال تخيلاته الكبرى وانتقالاته من تخيلات الجماعة الدينية الى تخيلات الجماعة – الأمة، مرورا بطور السلالات الملكية والتي تشغل المنطقة العابرة بين كلا تخيلي الجماعة الدينية والجماعة - الأمة .

وهذا التحول في هذا التصور البشري بالذات إنما مر من خلال تطور الدولة في نظامها السياسي ، فقد كانت الملكية – الإمبراطورية هي النظام الوحيد الذي يسكن المتخيل البشري في إمكانية إدارة أحوال الناس السياسية والاجتماعية أو يمكن ان يتخيله الناس آنذاك ، ويحيل أندرسون الأمر برمته في هذه التحولات الى اختلاف إدراك أنماط الزمن في الأجيال المتعاقبة والى دور اللغة وأثرها في انهيار وتطور تخيلات متعينة ، لكن يبقى المثال الأوربي – الغربي  هو النموذج الأمثل في دراسة ومتابعة تطورات هذه التحولات ، فالوعي في أصالته الوجودية بالنسبة لكاتب أوربي لابد ان تكون منابعه أوربية تاريخيا واجتماعيا  ، ورغم أن أندرسون يمر بالحضارة الصينية والاسلامية  إلا انه مرور لا يدخله في حضيرة هذه التحولات فالزمن متوقف في كلا الحضارتين ولم يكن هناك دور للغة في صنع متخيل الجماعة – الامة وفق النموذج الاوربي ، ولذلك لا أتفق هنا مع  الافكار التي تعمم نموذج إندرسون في الجماعات المتخيلة .

يجد إندرسون أن التفكير في الامة او بعبارته التي يشدد فيها على اثر المتخيل في نشوء الجماعة " ان الجماعة المتخيلة كأمة " نشأت في صميم الانهيارات المتعاقبة للجماعات المقدسة واللغات المقدسة، ويؤرخ لانهيارات الجماعة المقدسة في أوربا بظهور المعارضة البروتستانتية، ولانهيار اللغات المقدسة بظهور اللغات المحلية التي باشرت بترجمات الكتاب المقدس، فأعقبها انهيار السلالات الملكية المقدسة التي بدأت في القرن السابع عشر الميلادي واستحكمت انهياراتها بعد العام 1789م  . لكن المهم في هذه الانهيارات هو انهيار انماط إدراك الزمن، فصورة الزمن تدخل في نمطية من الادراك السائد في تصورات الجماعات المقدسة. فهو زمن عمودي متماثل تكمن في بداياته الاولى كل نهاياته فكل ما يحدث فيه مقرر ناشئ قديما في أول لحظة لهذا الزمن وعليه فانه زمن فارغ من الحاضر والمستقبل ، فالمستقبل هو تحقق او مجرد تحقق لما اعلن عنه منذ البداية وهو ما يدعو افراد الجماعة المقدسة الى التوقع دائما انهم في نهاية الزمان.

فالنهاية كانت حاضرة دائما في أذهان الجماعات المقدسة وهي التي تعمل دائما على ازاحة المستقبل او التفكير بالمستقبل في اذهان هذه الجماعات ، وينقل اندرسون عن اورباخ وصف هذا الشكل من الوعي من خلال مثال اسحق النبي فان التضحية بإسحق التي تحدث عنها العهد القديم تحققت في تضحية المسيح في العهد الجديد، وهنا تتوطد الصلة وفق أورباخ بين الحدثين من خلال الربط بينهما في زمن عمودي قد حددت مقاديره مسبقا، وقدم الكتاب المقدس مفتاحا لفهم هذا الترابط أنه مفتاح العناية الإلهية التي بواسطتها يفهم تاريخ البشر في الزمن الديني، وقد يكون القضاء المبرم في علم الكلام الاسلامي هو التعبير عن هذا الزمن العمودي، لكن القدر يشكل أفق هذا القضاء فيحيله من زمن عمودي الى أفقي يدخل فيه النسخ والبداء والخرم، وهي مفاهيم متداولة في علم الكلام الاسلامي حينها يرتهن التاريخ الديني بالتاريخ البشري، لكن رغم هذا ظل الزمن العمودي هو الفاعل والمؤثر في ذهنية الجماعة المقدسة / الاسلامية بتأثير التقوية  الدينية – الاسلامية وشيوع فكرة القدر – المخطوط مسبقا .

لكن ما أحدث هذا التحول في هذا  النمط من إدراك الزمن أو هذا الادراك في نمط الزمن عند اندرسون - فالنمط هو متعلق الادراك لكن عند اندرسون هو متعلق الزمن –  وتحديدا في الغرب هو ما طورته العلوم العلمانية وفق اندرسون باتجاه فكرة التزامن المعتمدة على الساعة والتقويم، ويبدو أن فكرة التزامن سحبت نمط أدراك الزمن من ذلك التصور المقدس والعلوي للزمن ، سحبته من إطاره السماوي وأسكنته واقعه الارضي وأخذت أدراكات الزمن تنصب على وقائع الحياة والاحداث اليومية المتزامنة بين افراد الجماعات غير المحددة بعنوان القداسة ، لم يعد هناك تفكير بالزمن الديني وان حياة البشر قد بصمت منذ البداية مما أهلّ هذه الجماعة الحديثة المعتمدة على الساعة والتقويم او على فكرة التزامن أن تتراجع عن تخيلات جماعتها الدينية لتبدأ من جديد مع متخيل آخر هو تخيلات الجماعة – الامة . وقد اعتمدت هذه الجماعة – الامة آليات في صور التحولات التي مرت بها، اعتمدت معاملة الزمن ومعاملة اللغة وفق التحولات الظرفية – السياسية والاجتماعية التي شهدتها مجتمعات تلك الجماعات الحديثة

صور التحول في تخيلات الامة – الجماعة .......

أ- معاملة الزمن ......

يبدأ إندرسون في مناقشة هذا التحول من خلال الرواية والصحيفة من خلال السرد الذي تؤديه باللغة غير المقدسة واعتمادا على فكرة التزامن ، وهي مؤشرات التحول في تخيلات الجماعة – الامة في اشتغالهما على التزامن، وهنا يبدو دور التزامن عند اندرسون اكثر اهمية من اللغة في مجرى التحول هذا . فالرواية التي شهدت ازدهارها في أوربا هي والصحيفة حتى القرن الثامن عشر الميلادي كانت تدخل في بيئتها وبشكل ضروري فكرة التزامن ، وعن إندرسون فابطال وشخوص الرواية يتحركون وينشطون وباتجاهات مختلفة ومتعددة ومتوازية دون ان يعرف او يلتقي أحدهما بالآخر ، الا ان القارئ هو الذي يراقب ويربط بين الاحداث والافراد في الرواية، أنه يراقب التزامن الدقيق بين حركة الافراد والاحداث في الرواية وهكذا بدأ المجتمع في هذه الرواية كيان سيسيولوجي ذي بعد كلي ومترابط ومحدود بهذه الكينونات المتحركة في داخله وهي تتحول الى كائنات عضوية – سيسيولوجية تطابق فكرة الأمة ، أو تبدأ هكذا تخيلا واعيا لأفرادها لحدودها لإمكاناتها تخيلا واعيا لذاتها تمهد بها للانشغال عن الزمن الغائب اللامتعين اللامحدود .

اذا هذا التزامن الذي يراقبه القارئ أو يصنعه هو الذي أزاح إدراك نمط الزمان العمودي الخاضع الى العناية والارادة الالهية لصالح نمط آخر من الزمن، انه الزمن الافقي الخاضع الى منطق التسلسل ومنطق السبب والنتيجة . واذا كان الخلود أو فكرة الخلود هي من رسخ أفكار أو نتائج الزمن العمودي المستقر في الفكر الديني وبواسطته تصاغ فكرة الجماعة المقدسة لأنها تقوم اصلا على فكرة الخلود ولولا هذا الخلود لما طلبت هذه الجماعة المقدسة من لدن البشر ، فأن الاستمرارية أو الاستمرار في الوجود هي من اصلب عقائد الجماعة المتخيلة – الامة . وحين استبدلت الاستمرارية بالخلود ومحاولة البقاء المستندة الى فكرة التطور الداروني في البقاء للاصلح ، من هنا بدأت الامة العلمانية تتقمص فكرة الموت المقدسة في الجماعات المقدسة في فكرة نصب الجندي المجهول الذي صار يرمز الى استمرارية الجماعة المتخيلة في الامة وقداسة المصير بالنسبة اليها كجماعة علمانية غير دينية، لكن قداسة المصير تحيل الى قداسة البدء أو اللحظة الاولى في تكون هذه الامة – الجماعة التي كانت تفسر بالاضحية الالهية في الجماعة الدينية " إسحق ، المسيح ، الفداء " ثم صارت تفسر بالاضحية البشرية أو التضحية من أجل الحرية والاستقلال ، هكذا تحولت القداسة في موضوعها وانتقلت في محمولها من الجماعة الدينية المتخيلة الى الامة القومية المتخيلة ، هذا التخيل الذي لا تكف الضرورة البشرية عن ارتياده والتمثل في عالمه أنه يأتي أو يبدأ نشاطه بإيحاءات الخلود والرغبة في الاستمرارية  من هنا تنشأ قداسة الافكار التي تستجيب الى إيحاءات الخلود والرغبة في الاستمرارية .

لكن إنهمام الذات البشرية بالخلود وتقمصها أو استنساخها غير الدقيق في الرغبة في الاستمرارية تواجه بديهة حتمية تقود الى المرارة النفسية في القلق من الضياع، هذا القلق المضاد للانهمام البشري في الخلود ، إنه وكما يقول إندرسون تعذر إجتناب هلاكنا المحتوم . قد يعبر إندرسون عن هذا القلق الداخلي في إختياره لفظ هلاكنا المحتوم في وصف الموت الذي يحفز الانسان دائما على التفكير بالخلود.

لكن رغم ذلك فان اندرسون يفسر القدرة الهائلة للاديان التقليدية في النفوذ الى التشكيلات الاجتماعية وعلى مدى آلاف  السنين هو في قدرتها على الاستجابة التي يصفها بالمبدعة والخلاقة على تخفيف العبء الذي تعانيه البشرية امام أزمات الوجود ، الموت ، أزمات الحياة ، المرض ، التشوه ، الحزن ،  الشيخوخة ، وهي الاستجابة التي لا تقدر على إدائها كل الافكار البشرية التي أنتجتها الثقافة الحديثة وخصوصية أساليب التفكير فيها ويؤكد اندرسون "  أن أكبر مكامن الضعف في كل اساليب التفكير الارتقائية / التقدمية دون استثناء الماركسية منها هي أن هذه الأسئلة لا تتلقى من اجابة غير الصمت " ويكشف اندرسون عن العلاقة المتواصلة بين الفكر الديني أو الدين وعالم الانسان الذي يعيش هاجسه الوجودي ويتساءل عن جوهره الغامض، دائما غامضا ولا يمتلك القدرة على استيضاحه ، ان أشد ما يقلق هذا العالم الداخلي لإنسان هو الموت، من هنا جاء بحث الانسان عن الخلود، وحين تعجز ادواته عن تلبية مطلبه الوجودي فانه يلجأ الى الدين، فان الدين أو الفكر الديني عند اندرسون يجيب بطرق شتى عن الجوهر الغامض للخلود، إنه يحول الموت الى نوع من الاستمرار " إندرسون ".

- معاملة اللغة ....

الخلود هو ضميمة الكتاب المقدس في كل الاديان السماوية الثلاث يدشن قصة الوجود البشري من خلال قصة الخلق الاولى ونفخة  الروح المتميزة في الانسان ، فالروح قبس من الخلود الالهي، والعنصر المؤثر فيها هو تلك العناية الالهية التي اختص بها آدم في قصة الخلق التي سردتها الكتب المقدسة ، وقد اكتسبت تلك اللغات التي تكلمت بها هذه الكتب المقدسة ومن ثم كتبت بها – اللاتينية كتب بها الانجيل الا ان كلام الانجيل آرامي فأخذت اللاتينية محل الآرامية – تلك الهالة من القداسة لأنها صارت العلامات على طريق الخلود، فاللغة في وظيفتها الاصل هي العلامة – الدالة على المعنى وتحولت تلك اللغات المقدسة الى الوسائط التي يكتشف بها البشر ضميمة الكتاب المقدس في الخلود.

من هنا أقترنت تلك اللغات بالخلود أيضا وقد اختصت بأهمية دينية فائقة تشكلت في أوج اللقاء بها تك الجماعات الدينية ، فالعبرية في التوراة واللاتينية في الانجيل والعربية في القرآن تشترط في اللقاء بها من أجل فهم الكتاب المقدس أن يتخلى المؤمنون من أفراد هذه الديانات عن لغاتهم الاصلية في لحظة التواصل الحميمية مع الكتاب المقدس وهي لحظة الدرس والتلاوة وهو ما يستوجب اتقان هذه اللغات التي يرومون من خلالها الكشف عن مضامين الكتاب المقدس ، فتكون بذلك اللغة المقدسة هي العنصر الاول المكون للجماعة الدينية  وفق إندرسون، وهو يقول " لو ان مسلما من ماجوبندار قابل مسلما من البربر في مكة الكرمة  لوجدا انهما يجهلان  لغة بعضهما ويعجزان عن التواصل الشفاهي مع ذلك تجدهما يفهمان الرموز الصورية لبعضهما لان النصوص المقدسة التي تجمعهما مدونة بالعربية الفصحى فقط "  لكن إندرسون يدفع باتجاه تفسير انهيار الجماعة الدينية المتخيلة في العالم المسيحي بانهيار اللغة اللاتينية والتمرد المسيحي الذي قادته حركات البروتستنات عبر ترجمة الكتاب المقدس  من اللاتينية الى اللغات المحلية، فصارت مضامين الكتاب المقدس مكشوفة للكل المسيحي وليس محصورا بطبقة الاكليروس حصرا ، وأصبحت المعاني التي تيسر فكرة الخلود او فهم فكرة الخلود متاحة للكل في العالم المسيحي فأستغنت اللغات المحلية بذاتها، لكنها أورثت الانتباه الى الذات القومية وصار هذا الظهور للغات المحلية في أوربا باعثا لإزاحة تصورات الهوية المسيحية وباعثا لنشأة تصورات الهوية القومية ، وقد أسهمت الرأسمالية الناشئة في هذه العصور وفق إندرسون على تعزيز هذا الانتشار للغات المحلية من خلال استثمار المال المتراكم لديها في مجالات إستثمارية – تجارية ناشئة حديثا مع ظهور الطباعة.... وهكذا تواصلت الرأسمالية والطباعة والاصلاح الديني – البروتستاني على اعطاء هذا الزخم الهائل في الاهتمام باللغات المحلية التي بدورها اعطت الزخم الهائل للإحياء القومي في أوربا الذي أعقب الاحياء الديني في حركات الاصلاح البروتستانتي .

هذا التحول في التصورات حول الجماعة من الدينية الى القومية كانت تنشا او تتكون من خلال استبدال اللغة اللاتينية في قراءة وفهم الكتاب المقدس باللغات المحلية لشعوب اوربا أن منابع الوعي القومي في اوربا يتأكد في اللغة المحلية وأن انبعاث الهوية القومية من منابع اللغة يسمح بوصفها بالمتخيل ويسمح بوصف الجماعة القومية ومن قبلها الدينية بالجماعة المتخيلة، فاللغة في تداولها المستمر ووظيفتها في الكشف عن المعاني انما تؤسس لتخيلات الجماعة حول ذاتها المستمدة من هذه المعاني ، واذا كان العالم المسيحي وفق اندرسون قد انهار على اثر انهيار اللغة المقدسة فان الجماعة الدينية الاسلامية ظلت في المتخيل الديني هي السائدة، ذلك ان اللغة العربية لغة القرآن لم تتعرض الى هذا الانهيار سواء في قداستها على مستوى النص – القرآن، او على مستوى الاهتمام المعرفي والاكاديمي، لقد كان لنشأة المجاميع العلمية في البلدان العربية ودورها في توثيق اللغة العربية بخصائص المعاصرة انما كان هو سعي الى تزمين اللغة العربية مع الزمن التصادفي الذي ابرز خصائصه هو فرض ضرورات غير متوقعة على اللغة المقدسة وضرورة توافقها مع مكتشفات ومبتكرات هذا الزمن التصادفي غير المخطط له من جانبنا.



التعليقات
اضف تعليق