مركز الامام الشيرازي يناقش الخوف من الآخر بين العزلة والانفتاح

في ملتقى النبأ الأسبوعي

شبكة النبأ المعلوماتية: 214 2018-5-1 6:41

مركز الامام الشيرازي يناقش الخوف من الآخر بين العزلة والانفتاح

ناقش مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث وضمن نشاطه الشهري موضوعا تحت عنوان (الخوف من الآخر بين العزلة والانفتاح)، وذلك بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والاكاديمية والاعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد كل سبت صباحا بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام.

هذا وقد بين مدير مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث الأستاذ حيدر الجراح:

لعل السمة البارزة في عالمنا المعاصر هي الخوف من كل شيء.. وهو خوف معمم استحق ان يطلق عليه (الخوف الكوني).. وهناك سمتان أخريتان يمكن لهما ان تشكلا مع الخوف ثالوث العقد الإنسانية في حاضرنا الراهن، وهما اللايقين والفردية..

واضاف الجراح في تعريف الخوف:

الخوف هو الشعور الناجم عن الخطر أو التهديد المتصور ويحدث في أنواع معينة من الكائنات الحية، ويقوم بدوره بالتسبب في تغير في وظائف الأيضية والعضوية ويفضي في نهاية المطاف إلى تغيير في السلوك، مثل الهروب، الاختباء، أو التجمد تجاه الأحداث المؤلمة التي يتصورها الفرد. وقد يحدث الخوف في البشر ردا على تحفيز معين يحدث في الوقت الحاضر، أو تحسبا كتوقع وجود تهديد محتمل في المستقبل كوجود خطر على الجسم أو الحياة عموما. وتنشأ استجابة الخوف من تصور لوجود خطر ما، مما يؤدي إلى المواجهة معه أو الهروب منه وتجنبه، وهذه الاستجابة في الحالات القصوى من الخوف (الرعب والإرهاب) يمكن أن تؤدي إلي التجمد أو الشلل.

اقترح عدد من علماء النفس أن هناك مجموعة صغيرة من العواطف الأساسية أو الفطرية وأن الخوف أحد هذه العواطف. وتشمل هذه المجموعة المفترضة مشاعر أخري مثل تفاعل حاد للكرب، الغضب، القلق، الخوف، الرعب، الفرح، الذعر، والحزن.

وذكر الجراح أسباب الخوف:

يصاب الناس بمخاوف محددة نتيجة عملية التعلم.

الخوف يمكن أن يُتعلم من خلال تجربة أو مشاهدة حادث مؤلم مخيف.

يتأثر الخوف بالسياق الثقافي والتاريخي. وهناك اختلافات بين الثقافات حول كيفية استجابة الناس للخوف.

والخوف يكون شديدا إذا كان الخطر الملحوظ شديد وجديته شديدة، والعكس صحيح.

يصدر الخوف من ثلاثة مجالات هي:

الخوف من الطبيعة – الخوف من المرض – الخوف من العدوان البشري

لم ينجح المجتمع الحديث بأدواته أن يُشعر الفرد بالأمان، لذلك وكتوجه دفاعي يحاول كل فرد ان ينضوي الى جماعة معينة قد تطمئن مخاوفه، ذلك ما أطلق عليه ديفيد ريسمان عالم اجتماع امريكي «التجمع المكون من أفراد يعانون من الوحدة»، وما حاول أن يفسره بندكت أندرسون في كتاب «الجماعات المتخيلة» بالحديث عن سر التماهي مع فئة كبيرة من الغرباء المجهولين الذي يعتقد الشخص أنه يشاركهم شيئًا ويتحدث بإستخدام الضمير (نحن) عندما يتحدث عن نفسه.

في ورقة حملت عنوان عنوان: "الخوف في خطاب المودودي"، للباحث التونسي مراد الحاجي، انطلق من اعتبار أن الأصوليات تنشأ من فترات الانحطاط والاضطراب، وبنى مفهوم الخوف من ثم على اعتبار أن المجتمع الهندي الذي نشأ فيه المودودي كان المسلمون فيه أقلية، وأن نشأة المودودي ارتبطت بنوع من الخوف من الآخر المختلف، ثم اعتبر أن هذا الخوف يمثل سمة عامة آنذاك في المجتمع المسلم بالنظر إلى حدث انهيار الخلافة العثمانية وما صاحبه من خوف على مصير المسلمين الذين تفرّق شملهم سياسيا، وهو ما أحدث رجّة في نفوسهم، بالنظر إلى اعتبار المودودي، أن من لا إمام له لا يمكن أن يكون مسلماً.

واستعرض الحاجي بعض التعريفات لمفهوم الخوف، خلص منها إلى اعتبار الإنسان الخائف منتجا في الآن ذاته للخوف في نفوس الآخرين، انطلاقا من محاولة توجيه ردود فعله العدوانية تجاه من لا يمثلون الخطر الفعلي بالنسبة إليه، ثم بيّن أن الخوف لدى المودودي كان على ضربين؛ الأوّل خوف من الآخر غير المسلم، والثاني خوف من الحداثة، وقد تمثّل ذلك في اعتبار المودودي العلوم والتطور التي يعرفها المجتمع الإنساني الحديث أدوات لإهلاك الإنسان.

كنتيجة متوقعة، من هذا العصر السائل والعلاقات الإنسانية العابرة في زمن اللايقين، يخرج "زيجمونت باومان" بنقد آخر للحداثة في مرحلتها السائلة بخصوص الخوف الذي يحياه إنسان العصر الحديث، فيعرض لنا كتابه "الخوف السائل"، الذي يخبرنا بأن العهد الذي قطعته الحداثة على نفسها بتحرير الإنسان من الخوف، لم يتم فقط نقضه، وإنما تم توزيع هذا الخوف نفسه على الأفراد، بدلا من الدولة.

فهؤلاء الأفراد الذين سقطوا في سجن الخوف، بعد أن وعدتهم الحداثة بتحريرهم منه، صاروا يشعرون بالتهديد الدائم من المستقبل والخوف المستمر من مصيرهم المجهول لما أدّت له السيولة من سرعة في الاستهلاك والاستبدال.

وفي شرح هذا التحول، يذهب "باومان" إلى أن الدولة -في عصر الحداثة الصلبة خاصة في العالم الغربي- قد وعدت مواطنيها بالتخلص من الخوف الذي ساد في عصور ما قبل التنوير، وهو الخوف الذي قام على ثلاثة أركان هي: الخوف من الطبيعة، والخوف من المرض والموت، والخوف الإنساني بين البشر وبعضهم وفقا لمقولة هوبز أن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان".

 

العهد الذي قطعته الحداثة على نفسها بتحرير الإنسان من الخوف تم توزيع هذا الخوف نفسه على الأفراد، بدلا من الدولة

 

ولأجل إغناء هذا الموضوع نطرح الأسئلة التالية..

السؤال الاول: كيف يؤسس الخوف من الآخر الانعزال عنه؟

سبب تشكل الانعزال هي البيئة الحاضنة

الدكتور حسين أحمد رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، تحدث قائلا: "إن حالة اللايقين هي التي تؤسس لحالة الانعزال عن الآخر، ايضا قضية انعدام (الصورة/ النوايا/ التصريحات والمواقف الواضحة) هذه كلها تؤسس لحالة الخوف من الآخر، وبالتالي هذا مما يدفع الآخر للانعزال عنه خشية أن يصاب بضرر، ولكن قضية الخوف من الآخر هي ليست القضية الوحيدة التي تسبب الانعزال، فهناك بيئة عامة هي التي تجمع الطرفين وربما تعتليها الكثير من المشاكل(السياسية/ الامنية/الاجتماعية/ الثقافية)، بالتالي هي التي تدفع بالأفراد للتخوف من الآخرين".

اضاف احمد "لذا فإن القائم على صناعة تلك البيئة هو الذي يؤسس لطبيعة التنظيم القائم في المجتمع، بالتالي فإن سبب تشكل الانعزال هي البيئة الحاضنة لهذا التخوف، ناهيك عن ذلك فإن الطرف الآخر هو ايضا يمتلك ذات الشعور المماثل".

الهدف لابد أن يكون هو القيمة العليا للإنسان

حامد الجبوري باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية "يرى سبب ذلك هو سوء توزيع الاولويات، فعلى سبيل المثال الهدف لابد أن يكون هو القيمة العليا للإنسان، وبالتالي بمجرد تغيير الهدف وجعله وسيلة هنا يبدأ الخوف".

الخوف هي حالة طبيعية وهي غريزة من غرائز الانسان

الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات "يرى أن مفردة الخوف هي حالة طبيعية وهي غريزة من غرائز الانسان، علما أن الخوف والعزلة تبدأ من الدائرة الضيقة إلى الدائرة الاوسع، وبالتالي يمكن أن نشمل كل ما جاء في الورقة عن الخوف في قضية الخشية من المجهول، وهذا حق طبيعي للإنسان فلو كانت لديه المعرفة الكاملة لكان لا يخاف".

اضاف جويد "ايضا احيانا الخوف يأتي من التجربة الفاشلة، بالتالي يمكن ايجاز الفكرة بأن أساس الخوف يتشكل عند حالة الجهل وعدم معرفة خفايا الامور".

الخوف حاجز لا يمكن تخطيه

الاعلامي فاضل الحكيم "يؤكد على أن الخوف هو حق مشروع، لاسيما وأن الانسان في حقيقة تكوينه هو يخاف من كل شيء مجهول، لكن بعض الناس يستطيعون تحويل الخوف إلى نصر، لاسيما اولئك الذين تعرضوا إلى بعض الاخفاقات هذا مما شكل لهم حافز قوي على النصر، ايضا هناك الخوف من ثقافة الآخر، خصوصا وأن بعض الجهات السياسية تحرص على تجهيل الناس واستغلالهم، لذلك البعض يعتقد بأن الخوف حاجز لا يمكن تخطيه، والبعض الآخر يعتبر الخوف شجاعة في ساحات الوغى".

مفهوم الخوف واسع في اشكاله وتمظهراته

الاعلامي علي النواب "يجد أن مفهوم الخوف هو مفهوم واسع جدا في اشكاله وتمظهراته، بالتالي يتم التركيز على الخوف الاجتماعي، خاصة وأن الانعزال حالة موجودة في المجتمع(المذاهب/ القبائل/ في البيت الواحد) هذه كلها قنوات مهمة لخلق حالة الانعزال، والسبب هنا اولا يتركز حول الخوف من الآخر، كما ان الانسان لا يمتلك الاسلحة الكافية والادوات كي يواجه بها الآخر فيضطر للانعزال، وايضا فإن الواقع العراقي اليوم يعيش حالة من الانعزال ففي السابق كان هناك انسجام ووئام بين اطياف المجتمع الواحد، لاسيما وأن الحياة كانت بسيطة جدا وهي ليست صعبة ومعقدة كاليوم".

اضاف النواب "فاليوم الجار لا يعرف جاره، وبالتالي هو يخاف منه كي لا يخترقه ويسبب له بعض الاشكالات، لذا فإن الخوف اسبابه كثيرة ومتنوعة ولكن يمكن ايجازها بحالة الجهل بالآخر، فضلا عن عدم امتلاك الدراية الكاملة للمواجهة، ناهيك عن كون الانسان هو كائن ضعيف".

الخوف هو الدافع الحقيقي لظهور ما يسمى حقوق الانسان

الدكتور ايهاب علي، اكاديمي وباحث في مؤسسة النبأ "يؤكد أن الخوف هو الدافع الحقيقي لظهور ما يسمى حقوق الانسان، وحتى تنظيم العلاقات الاجتماعية احد اسبابها هو الخوف الذي يولد الاضطهاد والعنف وما شابه، لذا فعندما يتحول الخوف إلى تخويف وخصوصا عندما يفقد الانسان الآخر خاصية الاقناع فيلجأ إلى هكذا امور، الفقرة الثانية عندما يتحول الخوف إلى صراع ضد الآخر من اجل البقاء فيمكن أن يلجأ إلى سياسة التخويف، الفقرة الثالثة عندما يكون المجتمع متشظ ولا توجد لديه روابط، بالتالي يمكن للخوف أن يسبر اغواره بسهولة، اما بالنسبة للفقرة الرابعة والاخيرة هي غياب الحريات".

 

الانعزال هي محاولة لحماية المصلحة والأيديولوجيات وصناعة طوق على المجتمع

 

الاوهام هي صناعة يتقنها الانسان

الشيخ مرتضى معاش، رئيس مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام "يستشهد بحادثة ظهرت قبل عشرين أو ثلاثين عام وهي ظاهرة العولمة، وهي بطبيعة الحال تعبر عن حقيقة المجتمع المفتوح، وبالتالي اصبح العالم عبارة عن قرية واحدة، ولكن اليوم وبعد مضي ثلاثة عقود يتجه العالم نحو (الانعزال /السجون /غلق الحدود/الخوف من الآخر)، لذا فإن قضية الخوف من الغريب هي موجودة في كل المجتمعات، خاصة وأن الانسان عندما يخاف من الغريب فهو لا يعرفه ولا يثق به، وهذا استثناء ولكن اليوم اصبح قاعدة، فعلى سبيل المثال في العراق عندما تكون هناك هجرة من مجتمعات اخرى إلى مجتمعاتنا، فنجد المجتمع يواجهها بريبة غريبة وبعدوانية".

اضاف معاش "هذه القضية تؤشر إلى وجود شيئين وهما(الاوهام/ الافكار)، خاصة وأن الاوهام هي صناعة يتقنها الانسان، حتى يرفع بها حالة اللايقين ويحمي نفسه داخليا من عدم وجود خطر من الآخر، لذلك تشكلت الاساطير والقصص التي يرويها لنا التاريخ، بالتالي فإن صناعة الاوهام هي موجودة بشكل بسيط في الاسر، وبشكل معقد في الفلسفات الكبيرة والخطيرة وهي ادت إلى حروب كبيرة في العالم، وهي تعتبر الآخر غريب وخطير والعنصرية هي أحد مظاهر هذه الفلسفات".

يكمل معاش "بالتالي فإن الاوهام والافكار يلتقيان في هذا الجانب، ويصنعان الافكار المسبقة والمريضة عند الانسان حتى يخاف من الآخر، خصوصا عندما تتوفر اجواء من عدم الثقة بين البشر، هذا مما يودي إلى صدام الحضارات وإلى صدام الهويات وإلى قضية الحروب الاهلية، فمثلا الحرب السورية اليوم هي حرب عبثية وهي قائمة على مجموعة من الاوهام العجيبة والغريبة، فالنظام هو فعلا نظام استبدادي لكن الحالة التي تشكلت في سوريا لم تعالج حالة الاستبداد، وانما تحولت إلى حرب عنيفة جدا وقادها خطاب طائفي ضد الآخر، وبالتالي تحولت إلى حرب خطيرة".

يضيف ايضا "فلذلك قضية الانعزال هي محاولة لحماية المصلحة والأيديولوجيات وصناعة طوق على المجتمع، وهذه القضية يصنعها بعض المفكرين الاغبياء ويصنعها الطغاة المستبدين ويصنعها ايضا اصحاب المنهج المتطرف، فالتطرف هو احد اسباب الاتجاه نحو الانعزال وكراهية الآخر، فاليوم العالم يشهد فورة كبيرة جدا في الخوف من الآخر وتدمير الآخر في مجتمعات يظنها البعض في قمة الانفتاح في ظل وجود التكنولوجيا والتطور الحضاري".

مراجعة مصادر الخوف

الدكتور مصطفى فؤاد الصادق، مغترب عراقي "يوصي اولا بمراجعة مصادر الخوف، خاصة وأن اهم مصدر للخوف هو فقدان الهوية، هذه الهوية تتمثل في (اللغة/العقيدة/ الثقافة/ العلاقات الاجتماعية)، فهنا الذي يخاف هو يخاف من فقدان هويته، واقرب مثال على ذلك مؤخرا مهاجر عربي اقدم على قتل ابنه لأنه يتحدث باللغة الالمانية، الشيء ذاته ربما يحصل مع الانسان الغريب فهو يخاف على ابنائه من انهم يفقدون الهوية من خلال تعاطيهم مع الثقافة الشرقية والاسلامية، بالتالي هناك نوعان من الحلول نحن كجالية مسلمة تعيش في الغرب".

اضاف فؤاد الصادق "هناك نموذجان للاندماج حالة من الاندماج بين المجتمع الغربي والمجتمعات القادمة اليها، فهناك النموذج الامريكي الذي يطمئن الآخر بأنه لن يفقد هويته اذا اندمج في المجتمع وهذا هو الاندماج الانفتاحي، في مقابل الانفتاح الانغماسي الذي يدفع اليه النظام الاوربي خصوصا وأنه يجعل المهاجر يفقد هويته لصالح النظام الاوربي، وهذا بطبيعة الحال اوجد حالة من الانعزال لدى المهاجر العربي والاسلامي، وهذا ايضا سهل من عملية انضاج الفكر المتطرف لدى الجيل الثاني للمهاجرين، ولهذا نجد في الولايات المتحدة الامريكية مثلا أن اللغة الرسمية هي الانكليزية ولكن عندما يكون العدد كبير من العرب يمكن تدريسهم باللغة العربية".

يكمل فؤاد الصادق "فهذه المساحة من الحرية للاحتفاظ بالهوية تزيل قسم كبير من حالة الخوف، الركيزة الثانية هي المعرفة فنحن عندما نخاف الثقافة الغربية والمسيحية، نفقد المعرفة عن هذه الثقافة، ففي الولايات المتحدة الامريكية هناك اكثر من (2000) مركز للدراسات مخصصة لدراسة القرآن، وهو يريد من خلال ذلك معرفة الآخر حتى لا يخشاه، لكننا بالمقابل كمسلمين لا توجد لدينا مراكز دراسات متخصصة (بالإنجيل/العهد القديم)، وذلك من اجل سد منافذ تلك الصورة الضبابية التي تشكلت عن الديانة المسيحية أو اليهودية، وهذا مما يفسح المجال واسعا امام عدم الخوف من الآخر والتقرب منه".

يضيف ايضا "عند ذلك من الطبيعي ومع تقدم الزمن سوف نحصد مسافة واسعة من الخوف من الآخر، وهذا ما حصل فعلا بالجيل الثاني اي جيل الشباب حيث يوجد من بينهم الكثير من المتطرفين وهذا الامر يشمل الاسلام والمسيحية، ايضا عندما نتحدث عن نموذج الاصلاح الديني المتوفر الان في ايران على سبيل المثال، فهو بواقع الحال غير مبني على معرفة الآخر، حيث قاموا باستنساخ النموذج المسيحي وتطبيق مفرداته على اصلاح الفكر الاسلامي، هذا مما ادى إلى فشل غالبية مشاريع الاصلاح الديني، وايضا ادت إلى حالة من التطرف وهي اشبه ما يكون بردة فعل عند اولئك الذين يخافون من فقدان الهوية".

تراكم الخوف واستخدامه كوسيلة لاستعباد الانسان

عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية "يعتقد أن موضوع الخوف هو حاجة فطرية وغريزة طبيعية لدى الانسان، فالخوف لم يخلق في الوقت الحاضر بل خلق من أول الخليقة، ويقينا أن اساس وجوده به حكمه، وأن الله سبحانه وتعالى اوجده حتى يحمي الانسان نفسه، وكما هي المخلوقات الأخرى فإن لم تحم نفسها تتعرض للخطر، اذا الخوف لم يكن حالة عصرية ناتجه عن العولمة، لكن هذا الخوف تطور وتراكم".

اضاف الصالحي "والانسان يخاف على قضيتين، الاولى هو الامن على حياته والان تطور واصبح الامن الاستراتيجي، اي امن (الدولة /العائلة /المجتمع)، والقضية الأخرى هي قوته اي الامن الاقتصادي بتعبير اليوم، بالتالي الانسان يعاني من الخوف منذ بداية الخليقة وهو يخاف على النفس وعلى القوت، وهنا بطبيعة الحال ثمة اشياء تعزز حالة الخوف، من مثل اولا التجربة فبعض الدول مثلا تتعامل معك بكل اريحية، وهذا خلاف بعض الدول التي عاشت أو تعيش بعض التجارب التراكمية من القمع والاضطهاد والحروب، فتجد انه يتعامل مع الآخر بخوف، بالتالي أن التجربة لها اساس ولها ارضية أن تجعل كل من في الارض هم وحوش".

اضاف الصالحي "ايضا الدكتاتورية والحكم الشمولي هو يؤسس على أن هناك مؤامرة وأن هناك عدو خلف الجدران يحاول أن يفتك بك في أي لحظة، وهذا يرسم لديمومة حكمة واستراتيجيته وهو اسوأ انواع الخوف الذي تؤسسه الدكتاتورية، بحيث انه يخوّف الآخرين من المجهول لكن في الواقع هو يعيش اسوأ حاضر يعيشه الانسان، اذا الخوف لدى الانسان هو فطرة ونعمة اودعها الله سبحانه وتعالى للحفاظ على حياة الانسان، ولكن التجارب السيئة والتراكمات السيئة والحكم السيء وتزييف بعض الاديان، ادى إلى تراكم الخوف واستخدامه كوسيلة لاستعباد الانسان".

 

المساحة من الحرية للاحتفاظ بالهوية تزيل قسم كبير من حالة الخوف

 

السؤال الثاني: كيف يمكن للمشتركات الانسانية أن تؤسس لقواعد جديدة للانفتاح على الآخر؟

الشيخ كمال معاش، خطيب حسيني، "يؤكد على وجود مفردة نبوية قرآنية (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)، فهذا الخوف ليس بشيء جديد وهو يتوفر حتى لدى اصحاب الفكر من القيادات الدينية والسياسية، وحتى المراجع والفقهاء هم يخافون أن يقولوا شيئا حيث يفكر بما يترتب عليه من اثار، انا شخصيا اتحاشى اثناء الكتابة من طرح الافكار بحرية، وهذا واقعا احساس ينتاب الجميع حيث يتردد الشخص المعني عشرات المرات حتى يطرح ما يريد قوله من خلال شبكات التواصل أو من خلال الكتابة".

اضاف معاش "فالسؤال هنا كيف نتمكن من كسر حاجز الخوف في نفوسنا جميعا، لاسيما العلماء منهم وهم يتحاشون البوح بالحقيقة وهي جزء من رسالتهم، وعند ذلك هو ربما يصطنع الخوف أو يتقيد بالضوابط الشرعية.

حامد الجبوري "يصر على ضرورة وضع الرؤية الانسانية على اعتبارها هي السائدة كي نحقق الامان وايضا القبول بالآخر والحوار والنَّقْد البَنَّاء، وكل هذه المشتركات بالتأكيد ستخلق حالة من الامن الانساني، فالإنسان لا يستطيع اختيار (اصله/لونه/مكان ولادته) فلماذا يحاكم الانسان على تلك المميزات، عندها سيبقى المعنى الحقيقي للإنسان كونه خلق من تراب وهو المشترك الاساسي لكل بني البشر".

 الحقوقي احمد جويد "يصف أن العزلة والانفتاح على الآخر هي تكاد أن تحاكي واقع المجتمعات الانسانية، لذا فإن النقطة الاساسية هي وجود الثقة والصدق والمصداقية بين أي مجتمع سواء كان صغيرا أم كبيرا وحتى بين الدول والقوميات، فاليوم نشاهد الاسر مثلا منغلقة على نفسها عن طريق المصاهرة للحفاظ على الهوية والاسم، لكن اذا كانت هناك ثقة بين مجتمع واخر بالتالي تذوب حالة الخوف من الآخر، لذا فالأساس هو الصدق والثقة".

الدكتور علاء إبراهيم الحسيني التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم، "يجد أن المشتركات الانسانية كثيرة وممكن استثمارها للانفتاح على الآخر، وهذه المشتركات تكون على المستوى(الفردي/الاسري/الاجتماعي) ومن ثمة نحو المجتمعات الاوسع فالأوسع، لذا فإن الاستثمار بتلك المشتركات والتأكيد عليها سيخلق جوا من الثقة، ولكن هذا يعتمد على عوامل ومقومات ومن اهمها الثقة بالذات اولا، ومن ثمة احترام الآخر والتأكيد على حق التعبير والرأي".

اضاف الحسيني "وهذا يقودنا إلى نوع من الحوار ونوع من الانفتاح ونوع من المعرفة بالآخر، لذا فإن خوفنا من الآخر وخوفنا من الموت واشياء اخرى، بالتالي هذه الاشياء هي مجهولة ولا نعلم ما هي حقيقتها، إلى جانب ذلك فلعل انغماسنا فيه ومعرفتنا به اكثر سوف يمهد الطريق امام ازالة نوع من هذه المخاوف أو درجة معينة من هذه المخاوف وهي افضل من بقائها (100%)".

يكمل الحسيني "فهذا يعتمد بالدرجة الاولى على المشتركات التي تفضلتم بذكرها كمحور للسؤال، فالمشتركات اليوم وعندما نريد أن نحقق واحدة من هذه المشتركات وهي الامن الانساني، وهذا الامن الانساني سواء كان في مجتمعنا العراقي أو في المجتمع الدولي، هو الذي سيقود في المستقبل محور اخر من المشتركات من مثل الحفاظ على الكرامة الانسانية، خصوصا وأن الكرامة الانسانية تؤكد في كون كل فرد له الحق في أن يعتقد ما يشاء، بالمقابل هذا لا يعطل خاصية فهم الواحد للأخر، بالتالي اذا توصلنا إلى هذا القاسم المشترك سوف يزول الخوف، وعندها من الممكن أن نستثمر تلك الفسحة من اجل ارساء اسس التعايش السلمي وعلى المستوى الاسري والاجتماعي".

الاعلامي علي النواب "هناك شبه اجماع بأن قضية الخوف تتعلق بالمعرفة، لذا فإن المعرفة الصلبة تؤكد بأننا لم نعرف الله سبحانه وتعالى وبالتالي الخوف موجود بكافة اشكاله وتمظهراته".

الدكتور ايهاب علي "يرى أن المشتركات الانسانية تختلف من مجتمع إلى آخر، خصوصا وانهم لا يومنون بالعشيرة وهي مشترك بنا، ايضا أن روح العشيرة هي أحد المشاكل التي نعاني منها، فكيف نتعامل مع هذا المشترك الذي يقوي حالة العزلة، الحل يكمن في مدى فهم تجارب الآخرين التي استطاعت أن تحيد الخوف وأن تبعد عن مجتمعاتها آفة العزلة والانعزال، بالتالي يمكن أن يكون المجتمع المدني هو النموذج الاقرب للحل، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن المجتمعات ذات التوجه الديني والعشائري هي اقرب ما تكون للعزلة وللخوف".

الشيخ مرتضى معاش "يجد أن احد اسباب انتشار ظاهرة التطرف والخوف والانعزال في العالم اليوم هو ظاهرة اللايقين، لذا فإن مشكلة المعرفة هي التي تؤسس إلى اللايقين وهي مشكلة خطيرة جدا، فهذه المعرفة غير صحية وهي معرفة مرضية تؤدي إلى تدمير المجتمعات وصدامها، وتؤدي أيضا إلى مجموعة من الازمات العنفية الكبيرة، حيث يأتيك فيلسوف وعندما تقرأ تاريخه هو مريض نفسيا، بالتالي هو يثير لك مجموعة من الازمات النفسية، بالنتيجة هذه الفلسفة تصبح حاكمة على العالم وتؤدي إلى حروب وازمات ومشاكل، وتؤدي ايضا إلى صعود دكتاتوريات وعنصريات، وتبرز ايضا ظاهرة التفوق والسيطرة والهيمنة، وهي نتاج فلسفة واحدة فقط ولفيلسوف واحد".

اضاف معاش "وكلما نتعمق بهذه الفلسفة نزداد لايقينا ونزداد صداما وخوفا من الآخرين، لذلك لابد أن نذهب وراء المعرفة اليقينية التي تؤدي إلى اليقين، وكما قال الامام علي(ع)(لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً)، اما اليوم الشك المرضي الموجود هو الذي يؤدي إلى الخوف من الآخر وإلى التطرف، علما اننا اليوم نعاني من مشكلتين الاولى مشكلة الاستبداد الشرقي ومشكلة الاستعمار الغربي، الاستبداد الشرقي يزداد استبدادا وطغيانا وهو منغمس في ذاته، ايضا الاستعمار الغربي هو يؤمن بظاهرة (التفوق /الهيمنة /التسلط)، لذلك هو يمارس عملية العلمنة واللبرلة، فالعلمنة اليوم هي علمنة قسرية يفرضها الغرب، وذلك من اجل أن يكتسح الهويات ويكتسح الاديان ويدمرها من اساسها، لذا من الطبيعي أن تتشكل حالة الخوف من الآخر، فمثلا في الثقافة الفرنسية هناك من يدعوك إلى ثقافة حلية الخمر وإلى حالة الشذوذ الجنسي، ويحاول من خلال ذلك تسويق تلك المفاهيم في مجتمعاتنا، بالنتيجة سيكون لديك رفض مطلق لهذه التفاهات وخوف من الآخر ونوع من التطرف الشديد اتجاه هذه العلمنة القسرية".

يضيف ايضا "اليوم حتى في الغرب هناك قراءات تؤكد على أن اللبرالية قد انتهت في الغرب ودفنت تحت الارض، والسبب في ذلك هو التعسف الذي تمارسه اللبرالية وهي بطبيعة الحال أي اللبرالية تطور للعلمانية، وهي قد مارست انواع من التعسف الفكري والمعرفي في عملية الادماج القسري للهويات الأخرى، مما ادى إلى عملية التطرف والصدام والانعزال، واليوم نستطيع أن نؤكد في المستقبل القريب أن المجتمعات الغربية ستصبح مجتمعات دينية، وهذا ما لمسناه مؤخرا في الانتخابات الامريكية وايضا في الانتخابات الفرنسية التي كادت ان تأتي بمرشح متدين".

يكمل حديثه "بالتالي اذا اردنا أن نغير المجتمع لابد أن يكون التغيير متعقل وواعي، فنحن لا نستطيع أن نلغي الانفتاح ولا نستطيع أيضا أن نلغي الدين، بالنتيجة التغيير لابد أن يكون مدروس ومعتدل كي لا نقع في فخ التحرر المفتوح والمطلق، وهذا ما دعا اليه القرآن الكريم (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، اخيرا أذا اردنا أن نصل إلى قواعد مشتركة للعمل مع الآخر نحن نحتاج إلى الوسطية وإلى الاعتدال وإلى التوازن، وذلك حتى لا يكون لديك انفتاح مطلق بلا حدود ويؤدي إلى الانهيار، وايضا لا يوجد عندك حالة من المحافظة والتشدد حتى تكون في سجن، بالتالي نحن نحتاج إلى حكمة وإلى عقل والى دراسة من الخبراء والعلماء والعارفين، فمثلا هناك كتاب مهم جدا لعالم المستقبليات (الفين توفلر) وهو تحت اسم (صدمة المستقبل)، وهو يتكلم عن قضية التكيف مع التطورات الكبيرة التي يشهدها العالم، فيتحدث عن كون العالم اليوم مريض نفسيا لعدم قدرته على التكيف مع التطور الكبير الذي حصل في العالم، اي العالم الغربي الذي انتج هذه التكنولوجيا فكيف بنا نحن الذين لم ننتج هذه التكنولوجيا، وانما نحن مجرد مستهلكين فكيف سنستوعب تلك الصدمة".

الدكتور مصطفى فؤاد الصادق "يدعو إلى التركيز على المشتركات الانسانية التي هي اولا مشتركات طبيعية، ايضا المشترك الحقوقي فيجب أن نؤمن باننا نعيش في عصر الانسان المحق، ففسحة الحق اصبحت اكبر من فسحة التكليف، بالتالي يجب اعادة النظر بالآخر خصوصا وأن الحق اصبح مشتركا انسانيا، وهذا مما يؤسس لثقافة الانفتاح، اما بالنسبة للمشتركات الأخرى (الارض/العقل/ السلام/ الوطن/ الامن/الرفاه)، هناك مثال قريب جدا فالذين صوتوا للرئيس الامريكي ترامب من الجالية المسلمة هم اكثر من(60%)، علما أن خطاب ترامب كان ضد المسلمين".

اضاف فؤاد الصادق "والسبب أن خطاب ترامب كان يدعو إلى الولايات المتحدة الامريكية العظمى، وهنا ادرك المسلم بان امريكا لو اصبحت قوة عظمى عندها الامور ستصب في مصلحته كمسلم، وهنا انبثق شيء من الانفتاح على الآخر من قبل المسلم الامريكي ومن قبل صانع القرار الامريكي، بالتالي هذا مشترك انساني يمكن البناء عليه، وهذا الامر يؤسس إلى اعادة النظر باستراتيجيتنا التبشيرية وتحولها إلى استراتيجية تعريفية، وذلك بغية تعريف انفسنا للأخر من دون تغيير الآخر".

عدنان الصالحي "يصف الاسلام بانه يدعو إلى محبة الآخرين، بل والابعد من ذلك فكل الرسالات والاديان تدعو إلى المودة, وهناك ايضا الكثير من الروايات التي تحث على الجهر بالحب، بالتالي فإن الرسالة واضحة كون الحب هو من المشتركات الانسانية، فاذا وجدت هذه الثقافة فكل شيء سيزول امام القاعدة الام وهي المشترك الانساني، علما أن من يضاعف تلك القاعدة وهذه الجزئيات هم المستفيدون من التناحر والتقاتل والبغضاء، وهم ثلة قليلة يرمزون لبسط سلطانهم ونفوذهم على البشرية، فإشاعة ثقافة الحب والمودة والتسامح هي اكبر وسيلة من اجل اطمئنان الآخر".



التعليقات
اضف تعليق