دور الثقافة في تحقيق المجتمع المدني وبناء قيم الحرية

شبكة النبأ المعلوماتية: 5193 2015-11-14 8:15

دور الثقافة في تحقيق المجتمع المدني وبناء قيم الحرية

تتمحور غالبية العلوم الاجتماعية حول نقطتين هامتين: النقطة الأولى أن الإنسان كائن اجتماعي يميل إلى الاختلاط والاتصال بالآخرين، والنقطة الثانية هي أن الناس في المجتمع يميلون إلى التشابه فيما يصدر عنهم من سلوك في المواقف المختلفة، أو بعبارة أكثر وضوحاً، الناس يميلون إلى توحيد أنماطهم السلوكية قدر الإمكان داخل مجتمعاتهم، وإن كان هذا التوحيد يبدو ضرباً من المستحيل. وقد اعتنى الباحثون والمفكرون في حقل البحوث العلمية الاجتماعية بدراسة تلك التشابهات في السلوك الإنساني وفي الحياة الاجتماعية، ووجدوا أن هناك تشابهاً وتقارباً كبيراً بين مفهوميّ المجتمع والثقافة، فالعلاقة بارزة وبشكل واضح بين المفهومين من الناحيتين النظرية والواقعية، فالمجتمع هو الأساس الذي يستوعب المدد الثقافي، وهو الوعاء الذي يحتوي العصارة الثقافية لأبنائه، فالثقافة تعتمد على وجود المجتمع في الوقت الذي تكون فيه هي الوسيلة المثلى للنهوض بذلك المجتمع الذي قام بتأطيرها وحفظها لأبنائه المقيمين فيه. وبالرغم من أن علماء الاجتماع والأنثربولوجيا يرون أن هناك نقاط تشابه كثيرة بين ثقافات الشعوب المختلفة، إلاّ أن المشكلة التي لا تزال قائمة حتى اليوم تتمثّل بالسؤال التالي: ما هي الثقافة، وما هو التعريف الأمثل لها؟

 

لقد ذهب فريق من الباحثين إلى أن الثقافة عبارة عن اندماج المعارف والمعتقدات والأخلاق والأعراف والفنون والقوانين مع بعضها البعض، وقد تبنّى «إدوارد تايلور» هذه النظرية عن الثقافة، وقال في كتابه (الثقافة البدائية) معرّفاً إياها، أنها: «كل مركّب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق، والقانون والعرف، وغير ذلك من الإمكانيات أو العادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع».

 

وهكذا نرى أن الثقافة الاجتماعية هي اختراع بشري قام الإنسان بابتكاره من أجل فهم ما يحيط به من رموز وألغاز، ومن أجل أن يعي حقيقة وجوده كانسان له دور في دفع عجلة الحياة للأمام، فالثقافة إذاً، جدولٌ من التداعيات الفكرية الواعية والناضجة التي تجعل المرء يستكشف خبايا نفسه مثلما يستكشف خبايا محيطه، حتى يل في نهاية رحلته إلى دائرة الرؤية العقلانية لحقيقة الثقافة الإنسانية التي ينطبق عليها قول الفيلسوف الهندي «رادها كريشنان» الذي عبّر عن وجهة نظره تجاه علاقة الثقافة بالإنسان بقوله: «إذا ما تعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات، فسنجدها جميعاً واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، وإن تنوّعت وتعددت ثقافاتها».

 

وعندما نتحدث عن نظرية الثقافة من وجهة نظر إسلامية لابد لنا من الوقوف عند النظرية الثقافية التي رسم معالمها العامة أحد أبرز المفكرين من مراجع الدين في العصر الحديث، غادرنا منذ فترة زمنية قصيرة في رحلة سماوية إلى جنان الخلد ودار النعيم في جوار رب جواد كريم، بعد أن ترك لنا وللامة الإسلامية ميراثاً ثقافياً وتراثاً روحياً قلّ نظيره عند الجهابذة والأفذاذ من علماء المسلمين. ويكفي أن نقول إن الإمام الراحل سماحة آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) قد ترك لنا من مؤلفاته القيمة أكثر من 1565 عنواناً لكتاب وكرّاس وموسوعة في مختلف أنواع العلوم والمعارف الدينية والدنيوية. وقد رفع سماحته راية الدعوة إلى (الشورى) و(الحرية) و(التعددية) و(الأخوة الإسلامية) و(الأمة الواحدة) و(السلم واللاعنف). وكان سماحته قد أولى القضايا المستحدثة في الفقه الإسلامي أهمية كبرى، كما وإنه ك تب عن مستحدثات السياسة والاقتصاد ولاجتماع والحقوق والقانون والبيئة والطب والأسرة والثقافة بأنواعها وأبعادها. ومن خلال قراءتنا لبعض مؤلفاته (رحمه الله)، نستطيع أن نلمس عنده عمق التجربة الثقافية وان ندرك مكانتها الحقيقية في مشروعها الحضاري الشامل. 

 

يرى سماحته أن الثقافة التي هي ـ حسب تعريفه لها ـ: «عبارة عن الدين والعلم والأخلاق والرسوم والعادات ونحوها»[6]، تتميز بخاصيتين أساسيتين، وهاتان الخاصيتان هما: التكامل والتعقّد. فالتكامل هو الانتقال والتحوّل إلى الأفضل بعد المرور من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل، فعملية الانتقال من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية هي الناتج الطبيعي لعملية تفاعل المرء مع المفردات المحيطة به في مجتمعه، وبالتالي فإن هذه التفاعلات ستؤدي المنتخب من السياق عميلة تشذيب وتهذيب للمعارف والأعراف التي تعيش مع أفراد المجتمع، فالثقافة الحقيقية هي التي تخلق حضارة حقيقية تقوم على احترام الفرد وحفظ كرامة المجتمع، وأية ثقافة لا تعمل من أجل لذلك فهي ثقافة مزيّفة وغير متكاملة.

 

أمّا الخاصية الثانية التي تتميز بها الثقافة فهي التعقّد، وتنتج عملية التعقد هذه من حقيقة أن حاجات الإنسان الجسدية والنفسية كثيرة جدّاً، وكلما وجد الإنسان إمكانية الحصول عليها سارع في أخذها بغية تحقق تلك الحاجات، وكنتيجة لذلك فإن الروابط تتعقّد وتتشابك أكثر فأكثر، وهذا بدوره يؤدي إلى تشعب وتعقد المسؤوليات الحضارية التي يواجهها الفرد تجاه نفسه وتجاه الآخرين المحيطين به ثم تجاه المجتمع بأكمله. ويرى سماحة السيد الشيرازي أن ثقافة المجتمع، على كثرة وحداتها وفروعها، تنتظم في ثقافة موحّدة هي بمنزلة الهيكل العظمي لثقافة المجتمع العامة، فكذلك الحال بالنسبة للثقافة العامة للمجتمع، فثقافة العقائد وثقافة الآداب وثقافة العلوم والفنون وحتى ثقافة الأحوال الشخصية، هي عبارة عن أجزاء ووحدات ثقافية كلية تعطي المجتمع هويّته المتميزة.

 

والحقيقة أن هذه النظرية التحليلية للإمام الشيرازي تتطابق كلياً مع أحدث النظريات الاجتماعية التي تدعو إلى تكامل وتآلف الثقافات الفرعية ضمن منظومة ثقافية واحدة تجمع الجهود والمحاصيل الثقافية الفردية والفرعية ضمن دائرة واحدة وهي الدائرة التي عبّر عنها الإمام الشيرازي بـ(الهيكل العظمي لثقافة المجتمع). ويدعونا الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى عدم الخلط بين نوعين من الثقافة، وهما ثقافة الحرف وثقافة العنف، فالثقافة التي يريدها الإمام الشيرازي (قدس سره) للمجتمع الإسلامي هي ثقافة الحرف أولاً؛ فالحرف هو مبدأ الكلمة، والكلمة هي سيدة الحضارة، فعندما ندعو أبناءنا لاعتناق ثقافة الحرف، فإننا بذلك ندعوهم إلى الدخول في عالم الفكر والحضارة، لأن التاريخ يعلمنا أن الحضارات الحقيقية هي الحضارات التي كانت تقوم على احترام الفكر والروح أولاً ثم على القوة والمنعة ثانياً.

 

ومن خلال رصد حركة أمواج الحروب الدامية الكثيرة التي شهدها مصرح الحياة الإنسانية. يرى سماحته في كتابه (الاجتماع) أن «الجماعة كلما قربت إلى الفهم، مالت إلى المعايشة بسلامٍ مع كل الجماعات، سواء جمعهم الإطار العام أم لا.

 

ويؤكد الإمام الراحل أن إقبال الإنسان على تعاليم السماء وتدبّرها هو الحل المثمر للمجتمعات الإنسانية، سوءا كانت تلك المجتمعات صغيرة على مستوى أفراد قلائل أم كانت كبيرة على مستوى دول وأمم. فعندما نعي ذواتنا وذوات الآخرين عن طريق العمل الطيب الذي يرفعنا فكراً وروحاً إلى عالم النقاء والترفع عن عالم الماديات والدنيويات، عندئذٍ سندرك قيمة تمسكنا بثقافة الكلمة السماوية والحرف الإلهي. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ))، وهذا يعني أن أساس الخلق هو المعرفة والتعارف، فالحكمة الإلهية تقتضي منا، نحن البشر، أن نتعارف ونتلاقح فكرياً وحضارياً مع بعضنا البعض، وأن يكون أسلوب التعارف بين الشعوب والقبائل هو أسلوب التقوى والقرب من الله بالأفكار والأعمال الصالحة.

 

ومن الوسائل التي يفضلها الإمام الشيرازي (رحمه الله) في عملية الوعي الثقافي بين المسلمين عموماً، قراءة سيرة النبي والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فحياتهم الحافلة بالمآثر الإنسانية وبالصور المشرقة تجعلنا في أمسّ الحاجة لاستلهام الدروس والعبر من سيرتهم وسنتهم، لأنهم أولاً وأخيراً ضد الحقد والبغضاء والصور المشوّهة للفكر والوعي الإسلاميين، ولذلك يقول سماحته: «إن الحقد لا يولّد إلاّ الحقد، والبغضاء لا تولّد إلاّ البغضاء.. فإن كل شيء يثمر مثله، الأخلاق الحسنة من الإنسان تثمر حسن الأخلاق في الجانب الآخر، أمّا الأخلاق السيئة فإنها تولّد رد فعل سيئاً. وهكذا بالنسبة إلى السلام، وما يقابل السلام، فكل واحد يقابله مثله.. ولذا نشاهد في أنبياء الله تعالى والأئمة الطاهرين والمصلحين العظام هذه الظاهرة: ظاهرة حسن الخلق، العفو، السلام، سعة الصدر، الحلم، التواضع، الصبر، عدم ردّ الاعتداء بالمثل، وإنما ردّ الاعتداء بالتي هي أحسن».

 

 ومن خلال جولاتنا وقراءتنا التحليلية لمؤلفات الإمام الراحل (رحمه الله) نلاحظ أن سماحته يربط دائماً وأبداً بين المرتكزات الثقافية والقيمية الحضارية للحرية، كذلك الحال بالنسبة للتفاعل القائم بين الثقافة والحرية. إن أحد الشروط الأساسية لنضوج المجتمع وارتقائه الحضاري هو التزاوج بين الثقافة بكل مفرداتها والحرية بكل مقوّماتها.

 

ولذلك فعندما يتحدث الإمام الشيرازي عن الحرية، نراه يتحدث عنها بوصفها (ضرورة) وليس بوصفها (منحة) أو (عطاءً)، لأن سماحته يرى في كتابه (السياسة) أن: «الأصل في الإنسان الحرية..».

 

 فالإنسان ـ بالنسبة إليه ـ يولد حراً، لأن الضمير الإنساني والوجدان يؤكدان حرية الإنسان؛ فالإنسان دون حرية ليس بإنسان. الحرية تعمل على تفعيل وإثمار الثقافة ودفعها قدماً للأمام وللأعلى، في حين أن الثقافة تقوم بعملية تجذير للحرية في المجتمع، كما أنها تعمل على توجيهها الوجهة الصحيحة الصائبة؛ فهي لن تقبل أن تكون الحرية ذريعة لسفك الدماء وهتك الأعراض، بل ووسيلة لقتل الحرية ذاتها.

 

ويؤكد الإمام الشيرازي، من خلال إصراره على الحرية كضرورة استراتيجية للنهوض بالمجتمع، على أن الإسلام الحنيف الذي جاء به الرسول المصطفى (صلّى الله عليه وآله) هو العلاج للكثير من الأوبئة التي تعصف بالفرد والمجتمع. والسؤال الدائم الذي يطرحه الإمام الشيرازي هو: أي تحرز نستطيع أن نجده في البناء الأيديولوجي الإسلامي؟

 

والجواب الذي يردّده دائماً أيضاً هو: «ففي الإسلام التحرّر العقيدي، والتحرر الاقتصادي والتحرر السياسي، والتحرر الثقافي، والتحرر الاجتماعي»، ويبين سماحته أن الحرية الفكرية أو الثقافية تنمّي الإنسان وترتقي بالمجتمع، وتصنع التاريخ، وتصحح الانحراف، فجدلية العلاقة بين الحرية والقلم تطلق التفاعل المطلوب، لأن حرية القلم تفرض عملية البحث والكشف عن مواطن الخلل والخطأ في حركة المجتمع ونشاطاته. ونحن نعلم أن سماحته قد قال: «وفي الإسلام.. التحرر الثقافي، فلكل إنسان أن يصل إلى ما يريده من العلم والثقافة، فليس أمام فرد حاجزٌ من المال أو غيره يمنعه عن الوصول إلى الجامعة، أو ما فوق الجامعة». وهذا يعني أن نربط الثقافة بالمجتمع من جهة، وأن نربط الثقافة بالحرية من جهة أخرى. فالثقافة التي تمارس دورها من خلال المثقفين من أبناء المجتمع من أجل تعديل المسارات وتصحيح الانحرافات عن طريق القلم الرصين والعقلاني والبعيد عن لغة التقريع والتجريح، هي الثقافة المطلوبة لكل مجتمع ينوي النهوض والارتقاء إلى مستوى المسؤولية المناطة به تجاه أفراده وتجاه المجتمعات الأخرى، فعندما يتحرر القلم من خوفه وغربته يغدو أملاً، أما عندما يكون محاصراً وغريباً فسيغدو مفهوم (أقل) مرتبطاً بمعنى (الألم).

 

وإذا كانت الأسس التي تقوم عليها الثقافة هي (الإدارة) و(الحرية) و(المعرفة)، كما نفهمها من خلال نظرية الإمام الشيرازي الثقافية، فإن هذا يعني أن تغيير أي مجتمع لن يتم دون خلق الأجواء المناسبة لميلاد هذه الأسس الثلاثة. ولا يكفي أن نعمل على خلق هذه الأسس عند بعض أفراد المجتمع دون البعض الآخر بحيث تبدو عملية التحول الثقافي عملية إفرادية تتحمّل عبثها شريحة صغيرة من المجتمع دون بقية الشرائح؛ ولذلك فإن الإمام الشيرازي قد دعا إلى تنظيم كافة أبناء المجتمع في إطار تنظيمات ثقافية تعمل على تغذيتهم فكرياً وروحياً وتقوم في اوقت نفسه بربط ثقافتهم الأصيلة بالواقع الاجتماعي. وبإمكاننا أن نلاحظ هذه الحقائق التي تبنّاها الإمام الشيرازي في مشروعه الثقافي الحضاري ضمن كتابه القيّم (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام).

 

ولكي نحوّل العالم المحيط بنا إلى مستوى ثقافي أكثر رقياً، يجب علينا أن نغير ما في أنفسنا، ولا يمكن لنا أن نحقق الغاية المطلوبة عن طريق العنف بتصفية الثقافة القديمة وقيمها وإحلال الثقافة الجديدة المفترضة بدلاً منها، ولكن يمكننا ـ من وجهة نظر الإمام الشيرازي ـ أن نجد محطات انطلاق مؤقتة وذلك بالانضمام إلى الهيئات والمنظمات التي تعمل بشكل جدي ورسمي على دراسة طرق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، أو بسن التشريعات والقوانين التي تتناسب مع حاجاتنا ورغباتنا النفسية والاجتماعية التي تردم الثغرات بين (الأنا الداخلية) و(الأنا الخارجية).



التعليقات
اضف تعليق