الإعلام في فكر الإمام الشيرازي

المهندس فؤاد الصادق

الدور الكبير، والمحوري للإعلام في غاية الوضوح، ولاسيما مع تحول العالم إلى عصر القرية الصغيرة الواحدة.

الأخطار التي باتت تُهدِّدُ الإعلامَ أخذت تُقِلق المعنيين بمهنيّة الإعلام، وحرفيّته، ودوره الذي وَجِدَ مِن أجله.

جاءَ الإعلامُ كيّ يحاولُ الوصولَ الحقيقة، لإيصالها إلى الجمهور.

وَلِدَ ليكون عيناً للجمهور على السلطة، وعلى السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية والقضائية، وتعاظمَ دوره حتى اُطلق على الإعلام اسم "السلطة الرابعة".

فما الذي حدث!؟

هل أمسى الإعلام عيناً للسلطة؟

السلطة السياسية، أو الإقتصادية كالشركات العابرة للقارات، أو...، مما بعثَ البعضَ للدعوة لإصلاح دور الإعلام حتى في الدول الديمقراطية، في الوقت الذي دفعَ آخرين لتأسيس سلطة خامسة.

ما هي الأسباب!؟

ما هو موقف الإسلام مِن كل ما يدور عالمياً حول الإعلام سلباً وإيجاباً!؟

ما هو موقفه مِن:

•       نسبيَّة الحقيقة.

•       نسبيَّة الحقيقة الإعلامية.

•       النسبيَّة الثقافية.

•       النسبيَّة التاريخية.

•       النسبيَّة وإستطلاعات الرأي.

•       الإعلام والصحافة المواطنيّة.

•       الإعلام والدعاية.

•       التسويق الإعلامي.

•       شرعية ومشروعيةنقل الحقيقة النسبية الإعلامية.

•       الإعلام العقلاني.

•       الإعلام العاطفي.

•       الإعلام وجماعات الضغط.

وما نحو ذلك.

بدأت التحرّي عن أجوبة فقهية لهذه الأسئلة، فعثرت على مخطوطة قيد التحقيق للإمام الشيرازي الراحل (ر) باسم:

"فقه الإعلام والرأي العام".

قرأته بشغف، فوجدت الكتاب قيماً وفريداً في المكتبة الفقهية، لكني أحتمل أن الإمام الراحل إنما وضعَ الكتاب المذكور إستكمالاً لما تطرقَ إليه في الإعلام بصورة موزعة في موسوعته الفقهية الكبيرة، والتي لم يُطبع مِنها لحد اليوم سوى 140 مجلداً، فلذلك، ولحاجة المكتبة الإسلامية إخترت إستقراء الفكر الإعلامي للمجدد الثاني السيد محمد الشيرازي (ر) في الأجزاء المطبوعة مِن موسوعة الفقه كمقدمة لصياغة وبلورة النظريات الإعلامية للإمام الراحل الشيرازي في القسم الثاني مِن هذه الدراسة، ليكون ذلك موثقاً، وفي كتاب واحد مستقبلاً في متناول اليد.

القسم الأول

•       حول دور الأنانية والفردية في تكريس الديكتاتورية عبر تغييب الأخلاقيات الإعلامية وتفريغ الصحافة عن الصحافة المواطنية لتتفرغ إلى التلميع والتسقيط بالتشهير والقذف وكيلّ التهم:

المستبدون والديكتاتوريون الذين نزعَ الله الإيمانَ عن قلوبهم، أنانيون يطمحون إلى الإنفراد، ويريدون الفردية، يريدون أن يُقال عنهم الخير، بينما يُقال عن غيرهم الشر، أو لا يُذكر سواهم، فلا يتورعون عن الإتهام والتسقيط والتشهير بالآخر في وسائل الإعلام وأجهزته، فيتم تجييش الإعلام وموارد الأمة للفتنة والفساد والإفساد والإتهام والقول بالإفك والإثم حُبَّاً للشهرة، وللإنفراد بالسلطة، ولا سبيل لمواجهة ذلك إلاّ بحرية الأحزاب والإعلام وإستقلاليته بعيداً عن الإحتكار والأحادية وتمركز ومركزية السلطة في إطار منهج صائب يكون في ظله الناس بعيداً عن نَهْبَ الديكتاتوريين الذين يفعلون ما يشاؤون، تارة بإسم الحق الإلهي، وتارة بإسم الديمقراطية، وتارة بإسم أنا ربكم الأعلى .

•       حول دور الإعلام الفاعِل في ممارسة الرقابة على السلطة القضائية لتقويمها وتأصيل إستقلاليتها وترشيد أداء القضاة والجهاز القضائي:

يجب ضبط القضاة ضبطاً دقيقاً مع لزوم كونهم عدولاً، ولو كان لهم أقوى الملكات، لأن إحتمال الإنحراف يبقى ماثلاً ومُمكناً مع غياب العصمة، وعبر وسائل عديدة منها الصحافة الحرة التي تخافها السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويخشى منها القضاة، لأن الصحفيين الأحرار يُحاسبون الحكام والممثلين والقضاة على كلِّ صغيرة وكبيرة، ومِن دون ذلك الضبط ينحرف القضاة وتصبح أموال الناس ودماؤهم وأعراضهم وحيثياتهم نهب الشهوات ومطمع المستبدين والطغاة .

•       حول دور إعلام التعتيم والتلميع والتسويق والدعاية السوداء في خلق أجواء ومناخات سياسية وإجتماعية مُزيفة لابد للإعلامي والصحفي والباحث أن يتعامل معها بوعي وذكاء ومسؤولية في لقاءاته وتحقيقاته ومسحه للرأي العام للإقتراب مِن الحقائق الإجتماعية والسياسية فالإلتزام بمؤشرات الصحافة المواطنيّة: 

على الباحث أو الـمُحقق في اللقاءات ونشاطات إستقراء ومسح الرأي العام تحاشي الإعتماد على الشائعات والدعايات والمناخات والأجواء الـمُصطنعة، بل يكون له مِن الذكاء ما لا يخلط الحقيقة بالمصطنع، فالحكام المستبدون يفرضون أنفسهم على وسائل الإعلام، وعلى المحلات والملتقيات العامة بواسطة الشرطة السرية، وعلى قطاعات كبيرة عبر الترغيب والترهيب ليملئوا المجتمع بأنفسهم وأفكارهم، ففي التحقيق ينبغي التمييز بين مناخات كاذبة كهذه وبين الأجواء الحرة، وحين تكون الأجواء مِن النوع الأول لا مناص مِن إجتناب إفرازات وإنعكاسات الحاكم المستبد الـمُرّوِج لسياسة التجهيل والمسيطر على الإعلام، في الحوارات والمقابلات والإحصاءات في عملية البحث عن الحقيقة، كمَنْ يسير في أرض مُلغمة أو شائكة لابد له مِن الحذر وبدقة كي لا يصيب الشوك جسمه وملابسه، وعلى عكس السائر في أرض سويّة.

وما يجب الحذر مِنه في هذه المناخات ضمن الحدود القطرية يصدق أيضاً خارجها، فقد يذهبُ الديكتاتورُ إلى أبعد مِن ذلك فيُسخِّر وسائلَ الإعلام والضمائر ويُجيّشها في نفس المنحى.

فمهمة الإعلامي والصحفي والباحث الإجتماعي تكون أكثر صعوبة وتعقيداً، وتستدعي المزيد مِن الإنتباه والحذر والتدقيق عند ما يكون التحقيق في بيئة تحكمها الأحادية الحزبية، تقديس الفرد، عدم التداول السلّمي للسلطة، إنعدام حرية الصحافة والإذاعة والتلفزيون وما في هذا الإتجاه، والتي في ظلها تمسي الإحصاءات الرسمية، والأجوبة على نماذج الأسئلة وأوراقها المسْحيّة لا تعطي إلا رائحة الحاكم، وذلك مما يملي المزيد من التحقيق والتدقيق والنباهة، وهكذا الأمر في التعاطي والتعامل مع الوثائق والأسناد لتمييز الصحيح مِن السقيم بالإستعانة بالتقنيّات الخاصة بهذا المجال كالخط ومواصفات الورق والإنشاء وزمان ومكان الإنشاء والصدور والتحرير، فما ينشأ في حاشية المستبد لا يكون سنداً، بينما ما ينشأ في جو نظيف يكون سنداً، فلابد مِن المقارنة والتدقيق والإحصاء لتأكد الباحث الإجتماعي أو المحقق الصحفي في صحة تاريخ هذا السند أو ذاك إلى غير ذلك .

•       - في الإعلام، العمل الإعلامي، أخلاقيات وقيّم العمل الصحفي ومهنيّته تبرز ظاهرة النِسْبِيَّة المطلقة للحقائق أو لحقائق البحث والنِتاج المعرفي أو الأبحاث الإجتماعية أو التحقيقات الإعلامية، وخلافاً للنسبية ذاتها التي يُستدل بها للنسبية الثقافية ( Relativism Cultural ) أو النسبة التاريخية ( Relativism Historical )، وفيما يرتبط بهذا المنحى يقول الإمام الراحل (ر):

إنّ المعرفة قد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، وإحديهما لا يمكن أن تنقلب إلى الأخرى، فإن المعرفة الصحيحة هي المطابقة للواقع، وغير الصحيحة هي المخالفة له، ويُقال للمعرفة الصحيحة (حق) بإعتبار أن الواقع يطابقها، و(صدق) بإعتبار أنها تطابق الواقعَ... أما إصطلاح الصحيح والأصح، والفاسد والأفسد، فذلك بإعتبار مطابقة مجموع أجزاء الموصوف بالصحة للصحة، فإنْ طابقَ الكلَّ كان أصح، وإلا كان صحيحاً، وإن خالف الكلَّ كان أفسد، وإلا كان فاسداً، فالحكم القضائي - مثلاً- لكلٍّ مِن داود وسليمان (عليهما السلام) في قضية واحدة وزمن واحد كان صحيحاً رغم إختلافه - بناءاً على رواية - ولذا قال سبحانه:

﴿ وكلاً آتينا حكماً وعلماً﴾.

وإنْ كان حكم الثاني أفضل وأكثر إستيعاباً، ولذا قال تعالى:

﴿ ففهمناها سليمان﴾.

هذا بالنسبة للصحيح والأصح، وكذلك الحال في الفاسد والأفسد.

فثمة حقائق متغيرة، وأخرى ثابتة فمِن الثوابت إمتناع إجتماع وإرتفاع النقيضين، وحسن الإحسان وقبح الظلم، ومِن المتغيرات الزمان، واللغات والإضافات والحالات، فمِن غير المعقول مثلاً أن ترتفع كفة ميزان وتنخفض الأخرى بدون سبب إطلاقاً... وأن يصبح رفع الظلم عن المظلوم قبيحاً أو يصبح ظلم الناس حسناً.

كما مِن غير المعقول في غير الثوابت: أن يجمد الزمان، بأن لا يكون للجسم بعد رابع، وجرت العادة بتغير اللغات، كما أن الإنسان المنفرد قد يتزوج فيصبح زوجاً بعد أن كان أعزباً، والطفل يتحول إلى يافع فشاب وهكذا.

وربما تنقسِمُ الأشياء إلى حقائق خارجية كالإنسان والحيوان والنبات، وإلى أمور إنتزاعية، لا مدخلية للإعتبار فيها، فهي لا تتغير بتغيير الإعتبار، مثل: زوجية الأربعة، وإلى أمور إنتزاعية تحتاج إلى إعتبار يمنحه المعتبر، مثل جعل الورقة مالاً، فبإعتباره تكون ذات مالية، كما أن بسلب الإعتبار تسقط عن الإعتبار، وبناءاً على ذلك يظهر:

أن المعرفة قسمان ثابتة ومتغيرة، وجعْلُ المعرفة كلها متغيرة ونسبية وبصورة مطلقة ليس بصائب، فالبعض يدافع عن ذلك في الإدعاء بأن المعرفة نتاج أو فرع للمحيط أو البيئة، وللإنسان، وحيث أن كليهما في تغير وتحول دائم، فلابد وأن تكون المعرفة متغيرة أيضاً! وهذا غير سليم ويُرد عليه:

•       إن قسماً مِن المعرفة فرع أو نتاج: المحيط (أو البيئة) والإنسان، لا كل أقسام المعرفة -كما تقدم-.

•       إن مجموعة مِن الحقائق في الخارج لا تتغير.

•       لو كانت كلّ الحقائق في تغير والمعرفة تبعاً لها، فمِن أينْ يمكن إثبات تلك القاعدة الكلية وتعميمها والتي تقول بأن (كلُّ المعرفة تتغير) فاللازم بطلان أحد الأمرين.

أجلْ الزمان بعدٌ رابع للموجود الخارجي - كما ذهبَ إليه بعض المحققين - لكن لا تأثير على الموجود، كي يجعله نسبياً ... بأن يجعل نفس الحقيقة نسبية، لتكون كلّ الحقائق نسبية، بل الموجود أو الذي يقع في الخارج بتبّدل العوامل تتبدل الـمُسببات، كالطفل، والشاب، والهرم، وعليه فلا أساس للقول بأن: الحقيقةَ بدون الزمان وهمٌ.

ولوجودِ نظام عام يتحكمُ في الأسباب والنتائج والآثار... في العلل والمعلولات مثل:

1-     قاعدة: طغيان السلطة بدون الإيمان.

قالَ سبحانه: ﴿إنّ الإنسان ليطغى إن رآه استغنى﴾ .

ومثل:

2-     إنّ السلاح والعلم والمال والكثرة، قوة وسلطة.

3-     ماضي الزمان دائماً مرآة لمستقبله.

وإنطلاقاً مما تقدمَ يُقال:

التاريخ يكشف عن أنه كلما تجمعت وتمركزت السلطة في يد إنسان (غير المعصوم وشبهه) طغى، وكما طغى في السابق، كان الحكم كذلك في اللاحق.

أو يُقال وأيضاً بناءاً على ما تقدمَ:

إن هذه الدولة أو تلك قد أخذت تجمع مقومات القوة، فلابد وأنها تطغى، وطغيانها يسبب إضرار جيرانه، فينبغي تهيئة مقومات القوة في قباله، أو الحيلولة دون تجميعها لمقومات القوة، ومِن هنا أستُقي وإشتهرِ المثلُ القائل:

التاريخ يعيد نفسه.

وبناءاً على كلِّ ما تقدم ذكره:

فثمة حقائق متغيرة، وأخرى ثابتة، ومعرفة قد تكون صحيحة، قد تكون فاسدة، وهناك ما هو أصح مِن الصحيح، كما هو هناك ما هو أفسد مِن الفاسد، والمعرفة الصحيحة هي المعرفة الـمُطابِقة للواقع.

وعن المعرفة والنتاج المعرفي بقسميه: التجربي والذهني، وعلاقة ذلك بالحقائق يقول المجدد الثاني (ر):

إن الواقعَ قسمان:

قسم يخضع للتجربة، حيث أنها أمور عملية، والتجربة يمكن أن تقودَ إلى إكتشاف القوانين المودعة في ذات الأشياء، مثلاً: مُكتشِف الكهرباء وصل إليها عن طريق التجربة، فقوانين الكهرباء المودعة في الكون كانت مجهولة، والتجربة والبحث قادا الـمُّجرِبَ كشف ومعرفة تلك القوانين.

وعليه فلا دور للتجربة في تغيير واقع القوانين المودعة والقائمة في ذات الأشياء، وإنما دورها يكمن في كشف واقع تلك القوانين، وكلما زادَ الإنسان تجربة في هذا الميدان، زادَ كشفا لذلك الواقع، والظاهر أن ما قاله (ر) بخصوص الإكتشاف يتعداه إلى الإختراع أيضاً.

وقسم آخر لا يخضع للتجربة مثلاً:

هلْ أنّ الشيء مركب مِن جنس وفصل؟

وأنّ الوجود والعدم لا يجتمعان، وأن كلّ ترجيح بلا مُرجح محال و... لا يمكن إخضاعه للتجربة فالقول بأن كلما لم يخضع للتجربة ليس بعلم، مخالف للبداهة.

وعليه فتراكم التجارب لا يُغيرُ واقعَ القوانين القائمة المودعة في ذات الأشياء، وإنما يصل إلى أسرار أكثر تعقداً وغموضاً، كالذي يسير في المدن، كلما أكثرَ مِن السياحة ظهرت له مجهولات جديدة.

ويُضيف (ر) بأن التجربة قد تكون واجبة في قوله:

ثم أن التجربة التي هي مقدمة للعلم الواجب، واجب - على القول بوجوب المقدمة - ومِن ذلك يُعرف الأقسام الأربعة الآخر مِن الأحكام الخمسة.

فكشف المعلومات في كل علم مادي بحاجة إلى طريقين:

الأول: الطرق الفكري.

الثاني: الطرق التجربية.

فبعد التجربة أو التجارب يبدأ الفكر بتصنيف وتقييم النتائج كي يُصدق أو يُكذِّب التجربة، وبعبارة ليقول:

بأن ما أدركه الإنسانُ هلْ هو صحيح؟

لتكون المعرفة المترتبة معرفة صحيحة، أو معرفة غير صحيحة؟

وليقول:

هلْ ما أدركه الإنسانُ هلْ هو مطابق لواقع الأمر والقوانين المودعة في ذات الأشياء؟

لتكون المعرفة المترتبة معرفة صادقة، أو معرفة غير صادقة.

وعلى ذلك فالفكر والتجربة يتعاضدان في كشف القوانين المذكورة، وحلّ ومعالجة المشاكل، ولتوصل الباحث إلى كشف قانون مِن تلك القوانين، وما يرتبط به لابد مِن المراحل الستة التالية:

1-     معرفة وتعيين الهدف، لتحري أفضل الطرق وأقصرها.

2-     التجربة الأولية أو البدائية.

3-     صياغة أو تكوين فرضية للوصول إلى الهدف، لأن التجربة التفصيلية العميقة إنما تكون بعد صياغة الفرضية.

4-     التجربة التفصلية الواسعة لإختبار مدى صحة الفرضية المذكورة بالملاحظة والتجزئة والتركيب والتحليل والدقة وما شابه ذلك.

5-     وعندها ينكشف القانون، الذي كان الهدف الأسمى للعالم الباحث، ولهذا قيل: إن الغرض أول في الفكر، وآخر في العمل.

6-     وتبقى مرحلة أخيرة إنْ كان الباحث يريد التوسع والتقدم، لا الجمود والوقوف، وهي مرحلة الربط بين هذا القانون الـمُكتشف، وسائر القوانين، لإستكشاف:

ما هي القوانين الأخرى التي تجتمع مع هذا القانون الـمُكتشف في قانون أعم؟

وما هي القوانين التي لا تجتمع؟

وإن شئت قلت:

كشف النسب الأربع بين القانون الـمُكتشف وغيره:

هلْ هو تباين، أو تساوي، أو عموم مطلق، أو عموم مِن وجه؟

وكإشارة للمراحل المتقدمة في عمل الباحث أو عالم الإجتماع يقول سماحته (ر):

مثلاً: إذا كان الباحث يرى فساد المجتمع بتفشي المنكرات (كالقمار، المخامر، المباغي،...) ويفكر في التعاطي ومعالجة ذلك، فإنه يمرّ بالمراحل التالية:

أولاً: يتعين الهدف وهو: تفشي المنكرات.

ثانياً: يتصور أو يفكر في أن العلاج هو غلق أبواب المباغي والمقامر والحانات.

ثالثاً: يرى بعد التعمق في المشكلة: إن ذلك ليس العلاج، إذْ مادام جماعة مِن الناس يتعاطونها، يكون الغلق علاجاً صورياً أو سطحياً، فإن المتعاطين ينتشرون ويتحايلون بالإختفاء عند التعاطي إلى غير ذلك... فيتوصل إلى فرضية مفادها: العلاج الحقيقي هو إيجاد الوعي في الناس، لأن تعاطي هذه الأمور الضارة إنما يكون لعدم رشد الناس فكرياً، ولذلك لا يعرفون مصلحتهم ومفسدتهم فيرجحون اللذة العابرة على العاقبة المحمودة.

رابعاً: يقوده الأمر الثالث إلى تجربة فكرية أو عملية واسعة (مِن باب تداعي الأفكار في الفكر، وإرتباط الأمور في التجربة العملية)، وذلك بالبحث للحصول على إجابات على أمثال الأسئلة المرتبطة التالية:

ولماذا المنكرات؟

لماذا الإستعمار؟

لماذا تحطم الزراعة والصناعة والتجارة؟

لماذا السجون؟

وهكذا مِن الأفكار المرتبطة، أو النشاطات المناسبة في حقل التجارب.

خامساً: يصل الأمر بالباحث إلى إكتشاف القانون، وهو:

كلما تدنى وعي الأمة تفشت المنكرات، وكلما إرتفع الوعي قلَّت المنكرات إلى أن تنعدم، وعليه فالعلاج ترفيع مستوى الوعي.

وسادساً: إذا أرادَ الباحثُ الإنطلاقَ وعدم الجمود على القانون الـمُكتشف عليه أن يفكر في النسبة بين القانون الـمُكتشف مِن جهة، والقوانين الـمُكتشفة سابقاً عبر نفس الخطوات في السياسية والإجتماع والإقتصاد والعقيدة، والأخلاق والحريات، والسلطة، والقوة والسيادة وغيرها.

وبذلك يظهر طريق العلم: وحدته، وكثرته، وتداخله، وتباينه، وطريق العمل...، وإذا لم يتوقف الباحِث أو الـمُحقق ويتعمق ويتدبر ويدرس ويبحث ملياً في المرحلة السادسة كانت علومه المتناثرة، وتجاربه المتشتتة غير مرتبطة، ولا تعطي رؤية شاملة، ولا قاعدة متينة.

وربما ينطوي في قول الإمام المجدد (ر) الأخير إشارة واضحة إلى سبب كبير مِن جملة الأسباب التي يمكن أن تُفسِر إختلافَ نتائج البحوث والمعالجات والتحقيقات الإجتماعية والإعلامية، والتي تقودُ البعضَ إلى التشبث بتعميم النسبية على كلّ الحقائق بصورة مطلقة، بدلاً مِن معالجة إنعدام الإستيعابية أو سمة الأحادية في البحوث والمعالجات العلمية أو الإعلامية، والتي تُفرز نتائج متعارضة ومتباينة إما يتم التعصب عليها، ومِن ثم زرع التعصب، أو تجنيد آخرين لتلك النظريات والنتائج المنطوية على توجهات أحادية لمصالح وأهداف سياسية أو إقتصادية أو إيديولوجية، ليُقال لاحقاً وكمحاولة لإحتواء آثار ذلك بأن كل الحقائق نسبية(!).

إنه نوع آخر مِن التعصب والنظرة الشمولية، تعصب للنسبيّة التي تفرض النسبية أول ما تفرضها على نفس النسبية.

أما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأحادية المذكورة، والترويج لها في الإبتعاد مِن الإعلام والصحافة المواطنيّة الحرة المسؤولة فهو كبير وبحاجة إلى المزيد مِن البحث المستوعب، فلابد للإعلام التعددي الحر المستقل المسؤول مِن إحترام الحقيقة (ثابتها ومتغيرها) لأن البحث عن الحقيقة يعطي الإعلام شرعيته.

والحديث في هذا الخصوص طويل، فلنعد إلى قرائتنا، فبعد تلك الإشارة يضيف سماحته (ر):

وقد أمرَ الإسلام بالتفكير، والتدبر، والتفقه، والتعقل، وما إلى ذلك، كما يجدها المتتبع في القرآن الحكيم، وأقوال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده الطاهرين (عليهم السلام)، فقد وردَ في الحديث الشريف:

(في التجارب علم مستأنف) .

وقال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

(قيمة كلّ إمرئ ما يُحسنه) .

وقال (عليه السلام):

(فإنْ أشكلَ عليك شيء مِن ذلك فإحمله على جهالتك فإنك أول ما خلقت كنت جاهلاً ثم علمت، وما أكثر ما تجهل مِن الأمر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعد حين) .

وقال (عليه السلام):

(لا علم كالتفكر، ولا شرف كالعلم) .

وقال (عليه السلام):

(ما لي أرى الناس إذا قرب إليهم الطعامَ ليلاً، تكلفوا إنارة المصابيح ليبصروا ما يدخلون بطونهم، ولا يهتمون بغذاء النفس بأن ينيروا مصابيح ألبابهم بالعلم، ليسلموا مِن لواحق الجهالة والذنوب، في إعتقاداتهم وأعمالهم) .

وقال (عليه السلام):

(العلم مقرون بالعلم فمَنْ عَلِمَ عَمَلَ، والعِلمُ يهتِفُ بالعمل، فإنْ أجابه، وإلاّ إرتحل عنه) .

وفيما نحن بصدده، وفي خضم حديثه عن مهمة الباحث أو العالم الإجتماعي يقول الإمام الراحل (ر):

عليه أيضاً بيان مواضع الخطأ والصواب، والحسن والأحسن، وا