|
نظرية الأدب عند الشهيد السيد حسن الشيرازي.. مشروع لكل الآداب |
د.أحمد قوماندار مصطفى الحسن |
|
وحده العالِم الذي لا يغيب بموته، وإنَّما قد تكون ولادته الأبديَّة قد بدأت بعد الرَّحيل، وتلك من أولى بدهيَّات الحياة، لأنَّه خلَّفَ (علماً يُنْتَفَع به). ووحده العالم الذي يدلُّك على أكبر قِيم الحياة على قِصَر العمرْ فيها، ويُعرِّفك بالكيْفيَّة التي يجب أن تَصرف بها الوقت، وكيف توظِّفه من أجل الإنسان والدِّين والحياة. والعالم وحده هو الغائب الحاضر، غائب الجسد حاضر العلم، يخطر في الأسماع والبصائر، يُمتع ويُحاور ويطلق الحكمة صامتاً، يعلو صوته في ضجيج السُّكون، يدعو إلى الثَّورة والتَّمرُّد في السُّكونيَّة المطلقة حين تحترق الأشياء بنار مرئيَّة الأثر، مفهومة الاشتعال، مبهمة المواقد على تعدُّدها في أغلب الأحيان. والعالم وحده الأديب الثَّائر الذي خبِر مواطن القُوَّة والضَّعف، فأدرك قيمة الوقت في الزَّمن الصَّعب، وأنَّ الأدب هو المنهج الأرقى والأسما في كلِّ مناحي الحياة (للكلِّ الاجتماعي)، وأنَّ الدِّين وحده الكفيل بإحياء النُّفوس البشريَّة ومصدر قوَّتها، بعد أن طغت أطماع المحتلِّين والمستكبرين، الذين لم يؤمنوا إلاَّ بأكداس الفحم وأكوام الحديد وقهر إرادة الإنسان. والعالم وحده الأديب الذي يجعل من الحاضر الماثل صورة للمستقبل المُنْتَظَر، ويرى الحاضر على أنَّه المُستَقبل الذي يجري إعداده في اللَّحظة الرَّاهنة، وأنَّ التَّعبير عن دواخل النَّفس إنَّما هو وقع أقدامها في الكون الذي تعيش في إحدى زواياه، وعليه إضاءة أي مكان يصل إليه، باللَّفظ المسموع، أو بالإيقاع الذي تتداعى نغماته وتتنادى من الفضاء الرَّحب إلى العالم السَّمعي والبصري، وأنَّه لا عبثيَّة في الخلق والكون والحياة، لأنَّها بناء مستمر لا يوفقه الزَّمن، ولا تطاله أيدي العابثين والمعطِّلين والمتعطِّلين. هنا تكمن الهيبة من دخول عالَم الأدب عند (السيِّد حسن الشيرازي)، وهو يرتفع صوتاً، ويعلو أدباً، ويرتقي فنَّاً، بحيث يتكثَّف حتَّى تكاد لا تستبين المرئيَّ الماثل، ويشفُّ حتى كأنَّك تلمس المعقول وتبصر المجهول، وأنت بين هذه وتلك تدخل عالماً رهيباً مهيباً، ممتلئ الجنبات سحراً وألقاً وحكمة. فلسفة الأدب: لقد نظر إلى الأدب على أنَّه رسالة في الحياة من أجل الحياة لها غاية تريد لها أن تكون ثابتة الجذور، واضحة النَّظرة إلى المُستقبل الأرقى، فهو يرى: (أنَّ الأدب يحصد القمم ويقطف النُّجوم، ليعبِّد للتَّائهين المُستقبل الصَّاعد، ولا ينحدر إلى المستنقعات الآسنة، التي تلفت الصَّاعدين إلى الوراء، حتى ليحبسه الناس مثاليَّاً، وما هو إلاَّ منتزعاً من صميمهم، ولكنَّه منتزع من قممهم لا من سفوحهم)([1]). تلك نظرة إلى الأعلى دائماً، إلى الحريَّة المطلقة، فليس للأديب ولادة عاديَّة، ولا رحيله أمراً عاديَّاً، وإنَّما هو أثر كبير يتْرُك أثراً عظيماً يتناسب مع مكانة الأديب وقدراته وثقافته، تكون بعد وفاته أعظم ما تكون وأوضح ما تكون، إذ أنَّ نتاجه الأدبي إنَّما هو إضافة معرفيَّة في حياته، وإضافة معرفيَّة بعد وفاته، وهنا تكمن عظمة الأديب. فليست كل كتابة أدباً، لأنَّ الأدب في حقيقته: هو تربية للنَّفس وتوطين لها على الفضائل ومكارم الأخلاق، آخذه بالدين والعلم والفلسفة والتاريخ، منسجمة الرَّوابط، تتأسَّى بالعظماء، وتتعظَّم بالمبادئ، وتبدأ دائماً بالحق. لأنَّ الأدب ليس هو الكتابة العابثة اللَّهثة وراء الماديَّة البحتة، المنفلتة من صائنات الأخلاق، إلى مهالك الهوى ومسارب الفجور، وهي أخطر ما تواجهه المجتمعات في حياتها. يقول السيِّد حسن الشِّيرازي: (إنَّ الأفراد -مهما عظُمُوا- يفنون عندما تلفِّفُ الأجداث رفاتهم، ولكن الأديب العظيم، عندما يولد، يولد معه كوْنٌ عظيم، وحينما يموت، يضيف إلى رصيد البشريَّة كوناً عظيماً، لم يسبق أن رآه إنسان، وكلُّ لحظة يمضيها القارئ مع أديب عظيم هي رحلة في كوكب منفرد، متميِّز الخصائص والسِّمات)([2]). وهذه الميزة لا تتاح إلاَّ لمن قوَّم النَّفس على حميد الأخلاق، وصان اللِّسان عن السَّفاسف، واهتدى إلى الطَّيِّب من القول، أيَّاً كان موضوعه الأدبي الذي اختاره مجالاً له. لأنَّ اللَّفظة تنبئ عن قائلها في تفكيره ومسلكه وطباعه ومنهجه في الحياة. إنَّك لتجد في رُؤية السيِّد حسن الشيرازي الأدبيَّة انتقالات من العالم الضَّيِّق المكبوت إلى العالم الأرحب، من عالم الجهل وانهزام الذَّات الحائرة في المجاهيل من حولها، إلى عالم الفضيلة والمثال التي تخلَّصت من الجهل والأنانيَّة والانحسار والانكسار، ومن عالم الظلمة النَّفسيَّة الطارئة التي تنوء تحت أثقال سطوة الظلم والطُّغيان حيناً، والأنانيَّة والاستكبار والعنت أحياناً، إلى عالم النُّور الذي يبدِّد مسالك الحيرة والقلق، وبذلك يقضي الإنسان عمره على قِصَره في منجاة من الأذى واللَّوم، وينتقل الأدب من الخاص إلى العام، فيصبح عمَلاً إنسانيَّاً تتسع له مساحة العالم، مع قدرة على الإبداع والابتكار، يتميَّز بالشَّجاعة الأدبيَّة القادرة على النَّقد والتَّجاوز وصولاً إلى المُعْجِز، وهو بهذا يستحق (أن ينفق الإنسان في سبيله ما يستطيع من وقته المحدود، لأنَّه عمل إنساني يوسِّع نطاق الفكر البشري ليَسع ما وُجدَ وما لمْ يوجد)([3]). وإذا كان العمل الأدبي في نظر (السيِّد حسن الشيرازي) ينظر كلِّ شيء في الكون والحياة والإنسان بمنظار (الشُّعور) لا بمنظار (الذِّهن)، بحيث لا توجد فواصل حاسمة بين المناطق الشّعوريَّة، إلاَّ أنَّ هذا العمل الأدبي يجب أنْ يتَّجه إلى الإنسان أولاً، ليفتح له أبواب الكون على قدر استعداده وفطرته وثقافته ومؤهِّلاته وقدراته، لأنَّ كل إنسان يُصَوِّر الكون ويتصوَّره على نحو (خاص به) لا يتماثل مع ما يصَوِّره ويتصوَّره إنسان آخر، وهنا تأتي مهمَّة العمل الأدبي ودوره، في توحيد النَّظرة إلى الكون، أو تقريبها بين الرُّؤى المُختلفة على أقلِّ تقدير، وكأنما للأدب مهمَّة غير تلك الأوليَاَت... وهي تنظيم رحلة العقل البشري في تلك الأكوان التي خلقها الله سبحانه، لكي تتملَّى من مشاهدها العجيبة، على الرغم من اختلاف الكائنات البشريَّة فيما بينها بأشياء حدَّدها (علم الشَّخصيَّة) في: خطوط الأصابع، وقسمات الوجه، وذبذبات الصَّوت، والذّبذبات العصبيَّة، وبصْمة الإبهام وغيرها. ذلك لأنَّه يرى في الأديب الكبير: (رسول من رسل الحياة، الذين مُنحوا (قدرة الاتِّصال) بواقع الحياة، ليطَّلعوا على الخفايا والضَّمائر، فينيروا للآخرين طريق التَّقدُّم والصُّعود، فرسالة الأديب تتلخَّص في أن يفتح المنافذ بين النَّاس وبين الواقع، الذي يصهر القُشور والزُّيُوف، ليُهَيْمِنَ على مسيرة الأفكار والأعمال -في المطاف الأخير- فالقيمة الشُّعوريَّة للأديب تقَدَّر بمدى اطِّلاعه على الواقع المختبئ خلف القُشور والزُّيوف، والقيمة الشعوريَّة للأدب تُقدَّر بمدى كشفه عن ذلك الواقع([4])، بمعنى أنَّ الأديب هو الإنسان القادر على اكتشاف حقائق الحياة، وارتياد آفاقها المجهولة أو المستغلقة لفكِّ رموزها، وكشف مبهماتها، واستكناه جواهرها، واستنباط معطياتها، والإجابة على تساؤلاتها الحائرة بوضوح، بعيداً عن الإيهام والابهام، ويقدِّمها في أي صورة تعبيريَّة يُريد، ولكن بشرط أن تكون خدمة للمعرفة الإنسانيَّة وتوعية للإنسان، في أصدق صورة وأوضح عبارة وأجمل تعبير. ويرى السيِّد حسن الشيرازي: أنَّ التَّعبير في العمل الأدبي ذو القيمة لابدَّ للأديب من أن يضعها في حسابه، ذلك لأنَّ التَّعبير عن (الحقيقة العلميَّة) بصور مختلفة أمر ممكن، وفي ذلك لا يتأثر (المدلول العلمي) باختلاف التَّعبير، إذ أنَّ استخدام الألفاظ ومعانيها ومترادفاتها تبقى ضمن الاهتمام (بالحقيقة العلميَّة) والتَّعبير عنها، فلكلِّ حقيقة ألفاظ خاصَّة تناسبها وتدل عليها، لأنَّ وظيفة (العمل العلمي) تنتهي بتفريغ شحنة ذهنيَّة في أذهان المستمعين، دون أن يكون وراء الإلقاء والتَّلقِّي أمر آخر. على غير ما هو عليه الحال في (العمل الأدبي)، إذ لا ينتهي بتفريغ شحنة شعوريَّة في مشاعر المستمعين، دون أن يكون وراء الإلقاء والتَّلقِّي أمر آخر، حتَّى تنتهي الدِّلالة اللُّغَويَّة للألفاظ، بل لابدَّ من أن تُضاف إليها مؤثِّرات أُخَر يكمل بها الأداء الفنِّي باعتبارها أساسيَّات لكل عمل أدبي. فلا بدَّ للأديب وهو يضع العمل الأدبي أمام القرّاء من أن يوظِّف الإيقاع الموسيقي للألفاظ، وهي تتنادى لتشكِّل الجملة الموسيقيَّة القادرة على جذب مشاعر المتلقِّي، وتوجيه هذه المشاعر باتِّجاه النَّص الأدبي ومغزاه، ثمَّ تتَّجه إلى مراميه وأهدافه، وهذه تُعرِّفنا إلى أنَّ لكل حرف إيقاعه الذي يقف إلى جانب الحرف الآخر وايقاعه، ثمَّ تتآلف الحروف والألفاظ وإيقاعاتها الموسيقيَّة إلى أن تتكامل وحداتها وأنغامها في الجمل. ولابدَّ للأديب من استخدام الصُّور وأبعادها وألوانها وطعومها وروائحها وظلالها، إذ أنَّ للألفاظ والعبارات إشعاعات وإضاءات تحيطها، بحيث تتكامل الإشعاعات وتتواصل، كما تتواصل الظِّلال والانفراجات والمنعرجات والوهاد والجبال وغيرها من مكوِّنات الصُّورة، فتولد اللَّوحة التي ترسمها ريشة الأديب بالكلمات والألفاظ، يزيِّنها بسحر العبارة، وجمال الصُّورة، وروعة المشهد، وبذلك تأخذ مكانها في النَّفس الإنسانيَّة فتحرِّك انفعالاتها، وتثير كوامنها، وتفتح آفاق مشاعرها، بحيث يصبح القارئ مشاهداً مشاركاً للأديب في عمله الفنِّي. وهنا يضعنا السيِّد (حسن الشيرازي) أمام رؤية جديدة للعمل الأدبي. ويطرح السيِّد (حسن الشيرازي) سؤالاً مهمَّاً، هو: كيف تدلُّ الألفاظ على معانيها الذّهنيَّة؟؟ وكيف توحي الألفاظ على الصُّور والظِّلال المصاحبة لها؟؟ فيضع اتِّجاهين في مواجهة الجواب، وهذان الاتجاهان يختلفان في المبدأ: الأوَّل: الاتِّجاه الدِّيني: وهو أنَّ المصادر الدينيَّة تدلُّ على أنَّ واضع اللُّغات هو الله سبحانه وتعالى، وقد بشَّر بها النَّاس بواسطة الأنبياء، كما أنَّ الأنبياء فتَّقُوا كثيراً من العلوم للإنسان، وأنَّ أبانا (آدم (ع)) كان يتكلَّم بلغة كاملة التَّعبير([5]). هذا الاتِّجاه في أولى معانيه، أنَّ الإنسان الأوَّل تعامل مع الحياة بألفاظ كافية تحمل كل ما احتاج إليه من معانٍ شاملة كاملة موحية متناسقة متناغمة أدقّ ما تكون إذا كانت تعليماً دقيقاً من الله سبحانه وتعالى، وهذا مثبت في قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)([6])، وذلك على تعميم المعنى الدلالي وإطلاقه، أظهر التَّوكيد المعنوي (كلَّها) شمولاً وإحاطة، ومنه جاءت أو بدأت الخبرة اللَّفْظيَّة، إذ لا يمكن أنْ يخلقَ الله سبحانه وتعالى خليفة في الأرض، ثمَّ يتركه عرضة للْحَيْرة والقلق والجهل، وإنَّما الحقيقة أنَّه علَّمه الكيفيَّات الألفاظ والأسماء والأسباب والنَّتائج ومصادر الأشياء والعناصر، ثمَّ أوكل إليه مهمَّة التَّعمير على هذه الأرض. الثاني: الاتِّجاه الدَّارويني: الذي يزعم أنَّ الإنسان البدائي لم يكن يملك من اللُّغة إلاَّ رصيداً محدوداً قد يكون مجرَّد كلمات مفردة، يرمز اللَّفظ الواحد منها إلى شيء أو حركة أو حالة، ويجعله مفهوماً كبيراً قد لا تحتمله غلاَّ عبارات طويلة، ولم تتوفَّر له وسيلة يستعين بها على وضع اللُّغة بمقدار المفاهيم التي كان يتعاطاها إلاَّ طبيعته التي كانت تملى عليه فيردد، وهنا يأتي ردُّ العالم العارف الأديب (السيِّد حسن الشِّيرازي) بطبيعة النَّوايا وتفسيراتها التي لا تقوم على دليل عملي، فيقول السيِّد: (ونحن وإن كنَّا لا نؤمن بالاتِّجاه الدَّارويني جملة وتفصيلاً إلا أن النتيجة أمر لا يختلف عليه الاتِّجاه الدِّيني والاتِّجاه الدَّارويني، فسواء أكان واضع اللُّغات هو الله سبحانه وتعالى أو البشر، فلا بدَّ أن يكون تخصيص كل لفظ بمعنى خاص سبباً، وهذا يعني وجود صلة خفيَّة بين اللَّفظ والمعنى، ولا يوجد كالجرس دليل إلى اكتشاف اللفظ للمعنى المقصود عرضة)([7]). لكنَّ المسألة في الألفاظ وجرسها وإيجادها أمر قد يحتاج منَّا إلى فهم آخر ردَّاً على الدَّاروينيَّة، ذلك أنَّ اللغة التي حملها أبونا آدم (ع) كانت لغة مكتملة الألفاظ، نظراً لما تقتضيه مهمَّته التي خُلق من أجلها واستُخلف، فهو لم يُخلق طفلاً تصقل معارفه المشاهد والدِّربة والتَّجارب والذكريات، وإنَّما خُلق رجلاً مكتمل الرجولة، معداً أتم الإعداد للبدء في مهمَّة الإبلاغ والإعمار والتعمير، مع الوسائل المساعدة التي تكفل له استمرار القيام بالمهمَّة المُلْقاة عليه، وهذه تحتاج إلى معرفة كلِّيَّة بالألفاظ ومعانيها ودلالاتها، وإلاّ فقد يكون مُحرجاً أيَّما إحراج في التَّلاؤم بين الأشياء ومُسميَّاتها ومعانيها وأغراضها، لأنَّ مهمَّته كانت قد بدأت منذ أن وعى حقيقة خلقه أمام خالقه، ولأنَّ المسألة لا تحتمل المرور الطِّويل بتجارب الحياة ومشاهدها المتكرِّرة لكي تتكوَّن لغته، وتتشكَّل معارفه ومداركه، وذلك ما أوضحه الخطاب القرآني لآدم (ع)، على أنَّه الرجل النَّاضج القادر على حمل المهمَّة. والسيِّد حسن الشِّيرازي بما امتلكه من ذائقة وجدانيِّة رفيعة، وأدب رصين عالي المستوى، ولغة قادرة على التَّوصيل، يفسِّر كثيراً من الحالات الشُّعوريَّة تفسيراً فلسفيَّاً يبعث على الدَّهشة والإمتاع معاً، فهو يرى: أنَّ استخدام الأديب لألفاظ المعبِّرة عن مشاهداته وذكرياته الشُّعوريَّة يتمُّ بطريقتين: الأولى: أن ينفعل الأديب بالتَّجربة الشُّعوريَّة، ويبلغ الانفعال من التَّوهُّج والحرارة والاشراق، بحيث يغمر الأديب كلّه: قلبه وفكره، وأعصابه، فيجعله في شبه نشوة أو في نصف غيبوبة، وعندئذ يتم التَّعبير اللَّفظي عن هذه التَّجربة الشُّعوريَّة بنصف وعي، فلا يتم اختيار الألفاظ ورصفها بإرادة كاملة الصَّحو، وإنَّما تقفز الألفاظ إلى مواقعها، وتتناغم مع بعضها، وكأنَّها تفعل ذلك بإرادتها لا بإرادة الأديب، وهذا ما قاد العرب إلى الإيمان بأنَّ لكلِّ شاعر شيطاناً، أو جنِّيَّاً يوحي إليه بالشِّعر. الثانية: أن يختار الأديب نفسه صياغة العبارات، بإرادة صاحية لا يرنِّقها شرود، وفي هذه الحالة ينبغي للأديب: أن يهيِّئ للألفاظ نظاماً وجوَّاً يسمحان لها بأن تشعَّ كلَّ رصيدها من الإيقاع والصُّور والظِّلال، وأنْ تتناسق إيقاعاتها وظلالها مع الجوِّ الشّعوري الذي يريد عقده، وأن يعني المعاني الشُّعوريَّة من الألفاظ دون المعاني التَّجريديَّة([8]). فالأديب الذي لم يهيِّئ الظروف الملائمة للإشعاع الكامل لألفاظه، إنَّما يكون قد وضع نفسه في دائرة من الحصار المحُكم، فيها يبرد الشُّعور وتنفصم عُراه، فيغدو مشتَّتاً، كأفكار طارئة ضاعت مصادرها، وأصبحت تبحث عن قيدها، فضاعت في زحمة غير متوقَّعة. لأنَّ غنى الألفاظ ودلالاتها يأتي من تناسُقها ووحدة اتِّجاهها وهدفها وكلَّما تناسقت ألفاظ الأديب كانت أبلغ في إظهار مرامي شحنة الشُّعور، إذ إنَّ التناسق يأتي بتآلفها فيقوِّي الدلالات، ويتوحد الإيقاع، وتصبح الأجواء أكثر شفافية وجذباً لنفس القارئ، لكونه يبحث دائماً عن وحدته النَّفسيَّة داخل النَّص الأدبي، فيجد في النَّص ما يوحِّد شتاته ويجمع تفرُّقه، فيتخلَّص من عناصر التَّشويه والتَّشويش التي قد تحيط به، فيطمئنَّ على واقعه ومستقبله، وخاصة في عصرنا الذي نعيش فيه، والذي كثرت فيه الثَّقافات الوافدة التي تحمل معها آفات من الأفكار وألوان من التَّعابير والمشكلات، بحيث يصبح القلق واقعاً والشّرود أمراً مألوفاً. ويحبُّ السيِّد حسن الشِّيرازي أنْ يُحوِّل النَّظر إلى (أنَّ القرآن الكريم هو الذي يسعفنا إلى النَّظائر، أكثر ممَّا تسعفنا أعمال البشر، فقد يستقلُّ لفظ واحد برسم صورة حيَّة لمعنى ثقيل، لا بمحتواه المجرَّد، بل بجرسه تارة وبظلِّه تارة أخرى، وبجرسه وظلِّه معاً آوِنة ثالثة)([9]). فاسمع كلمة (مُزَحْزِحِهِ) في قوله تعالى: (وما هو بمزحزحه من العذاب) ([10]) إِنَّها تصوِّرُ لك عمليَّة الزَّحزحة، التي تحاول تحريك شيء ثقيل عن مكانه، ولكن عبثاً تحاول، لأنَّه ثقيل بحيث لا يتحرَّك من مكانه، وإن تحرَّك بمحاولة مرهقة، فسرعان ما يتدحرج إلى حفرته التي تركَّز فيها على أثر ثقله([11]). وهذه إنَّما هي دعوة حُرَّة إلى متابعة ألفاظ القرآن الكريم تزيد الأديب بلاغة وحكمة، إذ يجد فيها كلَّ ما هو بحاجة إليه، فهو المجال الأوسع والأكثر وقعاً في النُّفوس، يسمو بها الذّوق، ويتَّسع الخيال، وتتَّضح الصُّورة ويتم الإبلاغ، ويحْسُنُ الأسلوب، وتنبعث الحكمة، وتخصب المعاني، إذ إنَّ ألفاظ القرآن ذات نور سرمدي، وطعم أبَدي، وشعاع لا ينتهي إشراقه، وكل حرف فيه له شخصيَّته التي تنتظم في ألفاظه لتؤدِّي علمها بأبدع عبارة وأجلّ لفظة وأشرف معنى، فهي تصنع أجواء تتناسب والغرض الذي نزلت من أجله، أو العلم الذي تريد إيصاله، أو النَّهي الذي تحرِّمه، أو المسلك الذي ترشد إليه، بتناسق وتناغم عجيبين، لا تجدهما في غير القرآن الكريم، لأنَّه تنزيل من ربِّ العالمين، يدفع عن الإنسانيَّة القلق والاضطراب، ويرفع عنها الذُّلَّة والهوان، ويكرمها غاية الإكرام: (ولقد كرمنا بني آدم) ([12])، فاستحق بذلك التَّكريم الخطاب الشريف واللَّفظ اللَّطيف، حتَّى حين يستحق الشِّدَّة والتَّعنيف، بعد أن دلَّه عل منابع الهدى والخير، وحذَّره من مهاوي الشِّرك والضَّلال، فخاطبه بما يعي ويفهم ويعلم. (العقيدة) عند الغرب.. كما يراها السيد حسن الشِّيرازي: كانت (أوروبا) لفترات طويلة مؤمنه بالمسيحيَّة، وأيَّاً كانت درجة تغلغل العقيدة الإلهيَّة في النُّفوس التي درجت على الوثنيَّة ردحاً طويلاً، فإنّ المسيحيَّة كانت الطَّابع العام للتفكير الأوروبي، وكانت العقيدة بالله هي القاعدة لهذا التَّفكير، ثمَّ تطوَّرت الأمور، فاستطاعت الكنيسة أن تكسب السُّلطة الزَّمنيَّة إلى جانب السُّلطة الروحيَّة، حتَّى أصبحت تجنِّد الجيوش، وتعزل الملوك، وتملك الإقطاعات الواسعة كأمراء الاقطاع، وكان في وسعها أن تستفيد من ائتلاف السلطة الزمنية والسلطة الروحيَّة في قبضتها لتأصيل السُّلطة الزمنية في تأصيل السلطة الرُّوحيَّة، ولكنَّها أساءت التَّصرُّف في هاتين السُّلطتين، إذ استغلَّتهما للتحكُّم في رقاب الناس بأعذار واهية، وفرض الأتاوات الجشعة عليهم، وتهديد كل من لا يتذلَّل لها بالطَّرد من ملكوت الله. وبعد أن قويت الكنيسة وتمكَّنت من إخضاع الناس عمدت إلى تأليف نظريَّات تدَّعي أنَّها (علميَّة) تتناول البحث في (الكون، وهيئة الأرض، والنُّجوم والأفلاك، وعمر الإنسان...) وأصبحت ترغم الناس على الإيمان بهذه النَّظريات بالقوَّة، وترمي كل من خرج عليها بالإلحاد، ثمَّ حرقه بالنَّار... وبعد أن أثبت العلم بالتَّجربة والبرهان والبحث العلمي خطأ هذه النَّظريَّات، بدأت بمكافحة معارضيها، فراحت تفتك بالعلماء وتحرق جثثهم، لأنَّهم قالوا بـ (كرويَّة الأرض)، وأنَّها ليست مركز الكون، مما نفَّر النَّاس من الكنيسة، وانفصل العلماء عنها، وعمقت الشُّقَّة بين العلماء والكنيسة، ممَّا أدَّى اتِّساع الهوَّة بين العلم والدِّين، حتَّى إنَّ المتأثِّرين بالعلم الحديث وسموا (داروين) بالبطولة، لأنَّه وجّه الضربة القاضية إلى الكنيسة، حتَّى أصبح وجودها خفيفاً لا وزن له في حقيقة الأمور. وحين اشتدَّ الصراع الفكري في (أوروبا)، قامت الثَّورة الفرنسيَّة، وجرَّدت الكنيسة من سلطتها الزَّمنيَّة، في الوقت الذي نفر عنها العلماء فجرَّدوها من سلطتها الرُّوحيَّة، وتحرَّر الناس من سلطة الكنيسة، فنهضت أزمة حقيقيَّة هي أخطر ما تكون، إذ حمَّل هؤلاء الأخطاء للدين، حيث لم يُفرِّقوا هل المخطئ هي الكنيسة أم المخطئ هو الدِّين؟؟ ولذلك رموا الدين والعقيدة وراء ظهورهم، وقالوا: (إننَّا لا نؤمن إلاَّ بما تدركه حواسُّنا، وما دامت حواسُّنا لا تدرك الدين والله والعقيدة، فهي أمور لا حقيقة لها، ونحن لا نؤمن بغير الحقائق)([13]). وفي هذه الأوضاع المُتأزِّمة، حدث شرخ كبير بين رجال الدين في الكنيسة، وبين الناس، فانعدمت الثِّقة، واستوت لدى النَّاس الحقيقة وغيرها، ونفروا من كل ما تأتي به الكنيسة خطأ كان أم صواباً، وقطعوا كل صلة بينهم وبين الكنيسة، فكانت الفرصة مواتية ليقوم مدَّعو العلم الذين أطلقوا عليهم اسم (العلماء) بضرب العقيدة واجتثاث جذورها من الأذهان، وإلصاق كل منكر بها، وخاصة من قبل علماء اليهود الذين استغلُّوا هذه الفرصة الذين كانوا يدبِّرون للوقيعة والخلاص من الكنيسة التي طالما اضطهدتهم، وحاولت القضاء عليهم عن بكرة أبيهم. فجاء فرويد ليقول: إنَّ العقيدة إفراز جنسي ينشأ من عقدة (أوديب) الناجمة من كبت الطّفل لرغبته الجنسيَّة نحو أمِّه بسبب وجود أبيه. أليس في هذا القول ما ينطوي على اتِّهام العقلاء في عقولهم؟ علماً بأنَّ عقدة أوديب قامت أصلاً على توهُّم خاطئ، أو قل على خطأ لم يكن مقصوداً لذاته، لأنَّ أوديب لم يكن يدري من يعاشر، ولم تكن رغبته بأمِّه أصلاً انتقاماً من أبيه، -ولو عرف أنَّها أمُّه لما اقترب منها، ولذلك حين عرف فعل ما فعل، وما هذه النَّظرة إلاَّ محض افتراء وظنَّ فيها من الكذب ما يدحضها ويردُّها على صاحبها. وجاء ماركس ليقول: إنَّ العقيدة إفراز اقتصادي, ينشأ من طبيعة المجتمع الطبقي وتستغلُّه الطَّبقة الحاكمة لإخضاع الطَّبقة المحكومة. فإذا كان هذا صحيحاً من وجهة نظره, فلما استغلَّت طبقته الحاكمة الناس الذين حكموهم, ألم يظهر إفلاس عقيدته بهذا الانهيار المفاجئ الذي أصاب دولته؟ إنَّ العقيدة قناعة أخلاقية ومسلك متميِّز, تجعل من الفرد يحيا لنفسه ومجتمعه, سيِّداً يمتلك كامل حرِّيَّته, وليس إنساناً تحكمه الآلة التي يقوم بتشغيلها والعمل عليها. وجاء غيرهما وأدلى بدلوه في إنكار العقيدة ومحاربتها, وعلى هذا أصبح هناك من يقف ضدَّ الدين والعقيدة, ولا يريد أن يعرف من الخاطئ: العقيدة أم رجال الكنيسة؟ وأصبحت الحرب معلنة إلى أن أصبحنا نرى اليوم ما نراه ماثلاً..! على هذا أقامت الآداب الأوربية قناعاتها, وأصبح الأدباء يكتبون أدبهم في قناعاتهم هذه التي تقف في وجه العقيدة موقف العداء المعلن, وأصبح الأدب يتصدَّى للمشكلات الطارئة عندهم بعيداً عن العقدية ودورها في الحياة, وأصبحت الحياة الاجتماعيَّة (لا دينيَّة) خالصة, تضع الهدف الأعظم محاربة الدين والعقيدة, أو تشويه حقائقها على أقلِّ تقدير, تارة بدعوى التَّقدُّم, وتارة بدعوى التَّطوُّر, وأنَّ الزَّمن قد تجاوز هذه المفاهيم وأصبحت قديمة باليَّة, لا بد للعصر من جديد يناسبه. لكنَّ هذه لم تكن في الغرب وحده، وإنَّما كانت لها ما يقابلها من آداب الشرق, التي لا تحمل فلسفة ولا هدفاً, وإنما تقوم على تقليد الآداب المنحرفة, التي تضع كل الحقائق الإلهيَّة والعقيديَّة في إطارها المادِّي المحدود, الذي لا يدعمه منطق, ولا يؤيِّده برهان, وتجد هؤلاء الأدباء يدَّعون: أنَّ ما يكتبونه أدباً, والأدب لا علاقة له بالدين والحياة على حد زعمهم. وهنا نحن نسأل: كيف يُكْتب الأدب خارج نطاق العقيدة؟ وكيف لمن امتهن الأدب أن ينكر ما جاءت به الرِّسالات السَّماويَّة التي أنزلها الله إحياء للنُّفوس والعقول, وحملت كل مرتكزات الخير وعناصرها للإنسانيَّة من أجل سعادتها وعيشها الكريم؟!. إنَّ الأديب الحق هو الذي شرب من مناهل العقيدة والإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرِّه, إذ لا يمكن أن يكون الأديب أديباً وهو لا يعرف الله, الذي يسبِّح بحمده كلُّ شيء. إنَّ سبب النكسة المُ |