|
فدرالية العراق في أقلام الكتٌاب الأمريكان |
|
جميل عودة |
|
ثالثا:الفدرالية مقدمة للتقسيم: رابعا: نظرية التقسيم الناعم( كردستان، شيعستان، سنستان) |
|
أتفق الكتاب الأمريكان وأكثرهم من الساسة المعمرين إلا القليل منهم على أن العودة إلى نظام مركزي مستبد في العراق باتت شبه مستحيلة، وأن نظاما سياسيا جديدا يجب أن يحكم عراق ما بعد صدام، ولكنهم ذهبوا مذاهبا شتى حول طبيعة النظام السياسي المقترح، فمنهم من دعا إلى الفدرالية واختلف دعاتها في التفاصيل، ومنهم من دعا إلى الكونفدرالية، ومنهم من استساغ التقسيم، وظهرت في الآونة الأخيرة تسريبات إعلامية تفيد أن تقريرا للاستخبارات الأمريكية أوصى بتعين أحد الجنرالات العراقية ليكون قائدا للبلاد في حال فشل الحكومة الوطنية. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما يقدمه هؤلاء المؤلفين فإنه يشكل وجهات نظر سائدة في دوائر صنع القرار الأميركي، وقد تتحول أي من هذه الأفكار إلى واقع بين يوم وليلة. ومن هنا تأتي أهمية محاولة تفهمها واستيعابها، ومن ثم تحديد أسلوب التعامل معها سواء فكريا أم على صعيد الواقع السياسي. لذا، نحاول في هذا البحث استعراض تلك المقترحات، وما أثير عليها من مواقف وردود، لنرى مدى جديتها وفائدتها للعراق. أشار هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق أنه...مع الحالة العراقية، أننا في وضع صعب جدا لأننا نحارب تمردا وسط حرب أهلية. وبدون شك، فقد وقعت أخطاء كبيرة، لكن ذلك لا يساعدنا الآن كي نركز عليها، لذلك فإن ما يجب تجنبه هو ظهور نظام شبيه بنظام طالبان في جزء من العراق أو بروز نظام أصولي جهادي، حتى لو لم يكن على نمط نظام طالبان أو على نمط النظام الإيراني. ومن هنا فعلينا أن نتجنب وضعا نكون فيه الطرف الوحيد الذي يسعى إلى إطفاء الحرائق بدون الوصول إلى مصادر الاشتعال. ولعمرك فهذه مهمة صعبة جدا. وهناك بالطبع التساؤل القائم والمشروع، وفحواه: هل وصلنا إلى النقطة التي علينا أن نختار للعراق أمرا من اثنين: الديمقراطية أو الاستقرار؟ الإجابة نعم. بل إنها حقيقة واقعة، وتقديري هنا أنه كان تصرفا ملائما أن تقف أميركا مع الديمقراطية. فأميركا لا تستطيع أن تذهب إلى منطقة ما لتقول إن كل ما نريده هو الاستقرار. لكن يجب تعديل الفترة الزمنية، التي في أثنائها يمكن تحقيق الأهداف ودرجة مشاركة أميركا بشكل مباشر فيها، وفق التجربة والظروف. إن فرصة إيجاد طرف سياسي في العراق قادر على تحقيق الاستقرار أصبحت متأخرة الآن، ذلك لأننا وإذا أخذنا احتلال ألمانيا واليابان مثلا ، لوجدنا أن هذين البلدين لا يصلحان أن يكونا نموذجا للعراق. ففي كلا البلدين لم تتعرض مؤسسات الدولة للتغيير باستثناء ربما 10% من المسئولين في القمة، هذا بالنسبة لألمانيا، أما في اليابان فحتى نسبة التبديل كانت أقل من هذا الرقم. ولم تكن هناك مشكلة أمن داخلية في ألمانيا أو اليابان. لذلك فهما بعيدان جدا عن أن يكونا نموذجا لهذا الوضع. وعودة للعراق، وللتساؤل حول النتيجة التي سيترتب عليها الوضع فيه، أظن أن نظاما كونفدراليا بصلاحيات محدودة جدا هو الذي سينتج في الأخير....النظام المرجح ظهوره في العراق هو كونفدرالية لوحدات تتمتع باستقلال ذاتي كبير{1}…. في الرابع عشر من شهر يوليو الماضي شكلت القناة الرابعة البريطانية بالتعاون مع مركز السياسة الخارجية لجنة مستقلة غير حزبية تهدف إلى دراسة الوضع في العراق وبحث سبل الخروج من الأزمة المستفحلة هناك. وقد أعترف تقرير اللجنة البريطانية على نحو لا لبس فيه، بأنه «لم يتبق في العراق سوى خيارات مؤلمة»، لكنه يقر أيضاً بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تتحملها بريطانيا إزاء بلد شاركت في غزوه. ومع ذلك فإن التقرير لا يدعو إلى انسحاب أحادي وغير منظم للقوات البريطانية من العراق، كما يشير إلى الخيارات المحدودة التي تملكها لندن في هذه الفترة. وعلى غرار «مجموعة دراسة العراق» الأميركية، يشدد التقرير البريطاني على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية، وفي الوقت نفسه العمل على إرساء دولة فدرالية قوية. (المصدر: جيفري كمب، العراق والخيارات المؤلمة). ثالثا:الفدرالية مقدمة للتقسيم: حسبما جاء في تقرير البنتاجون بعنوان (قياس الأمن والاستقرار في العراق) فإن “الوضع الأمني يمرّ في أعقد حالاته منذ بدء (عملية حرية العراق) يعني منذ الغزو في مارس/ آذار 2003، فالولايات المتحدة تواجه كلا من التمرد السّنّي، الذي وصفه التقرير بأنه (شرس وقابل للحياة)، وتكاثُر الميليشيات الطائفية وعمليات القتل العرقية. وأضافت وزارة الدفاع، في إدانة مذهلة لمقدرتها على توفير الأمن والاستقرار الاقتصادي، قائلة انه (يُنظَر إلى الجماعات المسلحة المحلية غير الشرعية، باعتبارها المصدر الرئيس لتوفير الأمن والخدمات الاجتماعية الأساسية). وقال التقرير إن هذه الجماعات أصبحت (متحصنة) في كل من شرق بغداد (الشيعي)، وغربها (السّنّيّ)، واختتم بالقول (إن الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى حرب أهلية، قائمة في العراق). وتثير فكرة الميليشيا المتحصنة التي تقسيم بغداد إلى شرقية وغربية، في الذهن على الفور، شبح بيروت خلال حربها الأهلية من 1975 -،1990 وتقول وزارة الدفاع الأمريكية إن العراقيين يشتركون معها بصورة متزايدة في هذه المخاوف، وتلفت النظر إلى أنه ليس في بغداد فقط، بل وفي منطقة الفرات الأوسط جنوب بغداد، وفي المنطقة المحيطة بالبصرة، الميناء العراقي في الجنوب، تسود بين العراقيين، المخاوف المتزايدة بشدة، من حرب أهلية شاملة. وجيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر، لا يقرّ له قرار، ويبدو جاهزاً لإطلاق انتفاضة ثانية، كما فعل سنة 2004 وهو نفسه تكتنفه الانقسامات الخطيرة، وتتخلله العناصر المسلحة، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، يضغط بشدة من أجل تقسيم العراق الذي يدعوه (فدرالية) وقد طرح أحد زعمائه (الذي يتصادف أنه وزير التربية والتعليم في العراق) سيناريو حرب أهلية شاملة. وقال: (ان الفدرالية سوف تعزل جميع أجزاء البلاد التي تحتضن الإرهابيين”. وأضاف، “سوف نضع الجنود على طول الحدود){2}. وممّا يعمّق الانقسامات بين الشيعة، ظهور أمير حرب جديد، هو محمود حساني، الذي أنشأ جيوشاً خاصة في النجف وكربلاء والبصرة وبغداد، والذي يعارض بعنف، المجلس الأعلى للثورة الاسلامية وجيش المهدي بزعامة الصدر. ويبرز حساني، الذي يعارض الولايات المتحدة أيضاً، ويكره ايران، كزعيم شيعي وطني يمكن ان يزعزع الوضع الشيعي الراهن برمته. أمّا الأكراد المزعجون، فهم يهددون بالانشقاق علناً فقد قال مسعود البرزاني، الذي يشكل السلطة الحقيقية في كردستان، متحدّياً هذا الأسبوع: (إذا أردنا الانفصال، فسوف نقوم به من دون تردد أو وجل). وإذا بدأ الأكراد عمليتهم المتوقعة على نطاق واسع للاستيلاء على كركوك وحقول النفط العراقية الشمالية، فسوف يشعل ذلك فتيل تصعيد عظيم للحرب الأهلية في العراق{3}. إذا كان الأكراد قد نالوا كل مطالبهم وحققوا طموحاتهم الخاصة بالفدرالية واللغة الكردية بالنظر إلى الظلم الذي وقع عليهم طيلة الفترة السابقة، فقد أدت الامتيازات العدة التي حصل عليها الأكراد إلى إغضاب السنة، خصوصا فيما يتعلق بمسألة الفيدرالية التي يعتبرونها الطريق المفضي إلى تقسيم العراق وتهديد وحدته{4}. حيث أنه وبرغم شعارات الاخوة والوحدة الوطنية التي ينادي بها الزعماء السياسيون من عرب واكراد على حد سواء, فان علامات الاختلاف تبدو واضحة في كثير من الحالات، فالميليشيا الكردية المسلحة التي تضم اكثر من خمسين الف مقاتل يجري توزيعها حاليا على الجيش العراقي الجديد وقوات الشرطة وحراس الحدود، لكن هؤلاء الأفراد ما زالوا يحملون على بزاتهم الرسمية الجديدة علم كردستان وليس العلم العراقي الرسمي، ومن المرجح انهم سيتحولون إلى جيش داخل الجيش النظامي يمكن بكل سهولة دعوته إلى القتال دفاعا عن كردستان اذا ما اقتضى الأمر. ويرتفع علم كردستان, كذلك، على جميع المباني الحكومية في الشمال، وقد رأينا في طريقنا إلى كركوك رجلا بالزي الوطني الكردي يقف على الطريق الخارجي المؤدي إلى المدينة وهو يرفع بيده علم كردستان. في السليمانية، التقينا أيضا بشاعر كردستان الأول شيركو بيكس الذي أعرب شكوكه بصدقية التطلعات الديمقراطية لدى العرب، وكان بيكس قد قاد في الربيع الماضي حملة لجمع التوقيعات على عريضة تطالب بإجراء استفتاء عام حول موضوع انضمام كردستان إلى العراق أو المحافظة على استقلال الإقليم، وقد وقع على العريضة 1.8 مليون شخص كان بينهم من وقعها بالدم ويرى بيكس أن الاكراد الذين تعرضوا لمذبحة جماعية أثناء عملية (الانفال) التطهيرية التي شنها عليهم العراقيون العرب حسب تعبيره سيكونون في وضع افضل لو انهم اتخذوا طريقهم الخاص. ويرى بيكس ان (الاكراد) قد ظلموا منذ ثلاثة وثمانين عاما عندما تم ضمهم بالضد من رغبتهم إلى هذا العراق حسب تعبيره. ويضيف قائلا: (بعد عقود من القهر, لا نجد في داخلنا ما يحملنا على الإحساس بالارتباط بالعراق). لكن هذه التطلعات والاختلافات لا تجد طريقها إلى الموقف الحالي الذي يتخذه الزعماء السياسيون الأكراد. فعلى الرغم من الإمكانيات العديدة التي تجعل الاستقلال في متناول أكراد العراق, فان زعماءهم السياسيين يرون أن الوقت غير ملائم لذلك بسبب الضغوط الشديدة التي تمارسها جارات العراق ذات الاقليات الكردية وفي مقدمتها تركيا. لكن من يتجول في الشارع الكردي يلمس بوضوح أن الموقف الرسمي الكردي بات متعارضا مع إرادة العديد، أن لم نقل الأغلبية، من الأكراد العاديين{5}. رابعا: نظرية التقسيم الناعم( كردستان، شيعستان، سنستان) كتب جوزيف بايدن عضو بمجلس الشيوخ الأميركي ونائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية مقالا قال فيه: قبل أربعة أشهر عرضت في مقال لي مشاركة مع الرئيس المتقاعد لمجلس العلاقات الخارجية خطة مفصلة للمحافظة على وحدة الصف العراقي، وحماية المصالح الأميركية، وإعادة الجنود الأميركيين إلى وطنهم. وقد تبنى عدد كبير من الخبراء الأفكار التي طرحناها، ومنذ ذلك الوقت جعلت الأحداث المتلاحقة التي تشهدها الساحة العراقية تلك الخطة أكثر إلحاحا ومناسبة للتطبيق عن الوقت السابق الذي عرضت فيه. فالحقيقة الجديدة الجوهرية في المشهد العراقي هي تزايد العنف بين الشيعة والسنة وتجاوز خطره ما عداه من الهجمات التي ينفذها المسلحون حيث بات هو التهديد الأساسي الذي يواجه العراق….ويبقى الطريق الوحيد للحفاظ على العراق وتوفير الظروف الملائمة لسحب قواتنا من العراق متمثلا في تقديم حوافز ومبادرات للشيعة والسنة والأكراد تلبي مصالحهم في إطار سلمي وتدفع باتجاه إرساء قواعد وضع سياسي مستقر. والخطة التي طرحناها تتألف من خمس نقاط تعرض خيارا أفضل. أولا: تدعو الخطة للمحافظة على العراق موحدا بتطبيق اللامركزية ومنح الأكراد والشيعة والسنة أقاليمهم على أن تترك المصالح المشتركة مثل أمن الحدود وتوزيع عوائد النفط للحكومة المركزية. ثانيا: يلتزم السنة بالاتفاق على أساس ضمان حصتهم في عوائد النفط وتمنح كل مجموعة حوافز خاصة لرفع إنتاج النفط الأمر الذي يجعل من النفط رابطا يجمع أقاليم العراق معا. ثالثا: تضع الخطة برنامجا ضخما لتوفير وظائف في الوقت الذي تزيد فيه من مساعدات إعادة الاعمار خاصة من دول الخليج على أن تربط ذلك بحماية مصالح الأقلية. رابعا: توجه دعوة لعقد مؤتمر دولي لتوقيع معاهدة إقليمية لعدم وقوع اعتداءات وتشكيل مجموعة اتصال لفرض الالتزامات الإقليمية. خامسا: تبدأ عمليات ممرحلة لإعادة انتشار القوات الأميركية خلال العام الجاري على أن يتم انسحاب معظم هذه القوات بنهاية 2007 بينما تظل قوة محدودة لمتابعة التزام الجيران وللتصدي لأي تجمعات إرهابية....وعلى هؤلاء الذين يرفضون هذه الخطة أن يجيبوا على سؤال واحد بسيط: ما هو البديل{6}؟ طرحت مجموعة من الأسباب لتبرير فكرة التقسيم الناعم من بين هذه الأسباب هي: اليوم يرتفع العلم الكردستاني في سماء كردستان، وليس العلم العراقي، بينما يتحدث الأطفال لغتهم الكردية الأصلية في نظامهم التعليمي، ويتعلمون الإنجليزية وليس العربية كلغة ثانية. إلى ذلك يجني الإقليم فوائد مالية كبيرة من الاستثمارات التركية المتدفقة عليه، فضلاً عما يجنيه من موارد هائلة تضخها عليه السياحة. أما المنطقة الجنوبية من العراق، لاسيما مدينة البصرة والأجزاء المتاخمة لها، فقد تحولت افتراضاً إلى ما يشبه الدولة الشيعية خلال العامين الماضيين، وبرغم من أنها ليست بالعنف الذي تتسم به بغداد، فإن البصرة تخضع عملياً لحكم مجموعة من الميليشيات الشيعية التي تخوض حرباً شرسة ودامية فيما بينها لفرض هيمنتها على الموارد النفطية الهائلة المتوفرة في الجنوب العراقي. ووفقاً لدراسة أعدتها (مجموعة الأزمات الدولية) مؤخراً، فإن مدينة البصرة، تعد حالة نموذجية لدراسة تعدد وتنامي أشكال العنف المنتشرة في العراق اليوم. والمؤسف أنه لا علاقة تذكر لنشاط وأهداف هذه الميليشيات، بالعنف الطائفي من حيث هو، أو بالمقاومة الوطنية للاحتلال الأجنبي. وجاء في الدراسة المشار إليها (أن فترات الاستقرار النسبي، لا تعكس وجوداً كبيراً للسلطة الحاكمة بقدر ما تعكس حالة التوازن الهش والنسبي البادي الآن، بين المصالح المتضاربة المتنافسة فيما بينها، وكذلك حالة الإرهاب الجاري بين الميليشيات المتناحرة){7}. |