قضايا وآراء

جرثومة الفساد والمسؤولية الاجتماعية العامة

غيرت أوجه الفساد صورة المستقبل المشرق الذي تطلع له المواطن بروح الأمل والتفاؤل في الدولة العراقية، بعد أن تم الإطاحة بنظام استبدادي فاسد جثم على صدر المجتمع لعقود طويلة، فصار الهاجس هو الخشية من المواجهة مع هذه الآفة الخطرة القادرة على نخر جسد الدولة، لأنها تسببت بتفشي مرض خطير أصاب جسد المجتمع قبل المؤسسات، إذ أصبح من الصعب إحصاء الأسباب التي تساعد أو تسهل تفشي هذا الوباء داخل المجتمع ومؤسسات الدولة.

كبير المفتشين الأمريكيين في العراق للإشراف على إعادة البناء، ستيوارت بوين، أشار في تقريره الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية في 9/11/2006 إلى أن حجم الفساد في العراق يتجاوز أكثر من 10 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني العراقي.

منظمة الشفافية العالمية المعنية بالكشف عن الفساد حول العالم في تقريرها السنوي لعام 2008 أن العراق يحتل المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر فساد، وكشف الدليل الذي أصدرته "منظمة الشفافية الدولية - الاتحاد الدولي ضد الفساد" أن العراق يقبع في المرتبة 178 مسجلا 1.5 نقطة من أصل 10 ممكنة على مقياس الشفافية، وتحتل الصومال وميانمار المرتبة 179 الأخيرة بدرجة 1.4 لكل منهما.

هيئة النزاهة في العراق تمكنت في18/5/2009 من تنفيذ أوامر إلقاء قبض بحق 33 متهما بقضايا فساد مختلفة، في إطار سعي الهيئة لتنفيذ أوامر إلقاء قبض على 997 متهما بقضايا فساد لم تنفذ بعد، ووفقا لبيان صدر عن هيئة النزاهة فان المتهمين هم بدرجة مدراء عامين وينتمون لوزارات مختلفة في الحكومة العراقية، وتقول إن أعداد الفاسدين بالآلاف.

والقائمة كبيرة وطويلة منها ما تم كشفه والتحقق منه ومنا ما لم يتم الكشف عنه لأسباب فنية أو سياسية أو لعدم كفاية الأدلة، إلا أن الحقيقة الراسخة هي إن هناك أموال طائلة تم إهدارها وفساد كبير داخل المؤسسات الإدارية، وبالتالي علينا أن نذهب إلى ابعد من موظف الخدمة العامة بتحديد المسئول عن هذه الظاهرة، وأن نضع التساؤل التالي نصب أعيننا وهو، هل إن الفساد المالي باعتباره يخص المال العام والإداري باعتباره يخص موظف الخدمة العامة يتحمل مسؤوليته الموظف فقط؟

تطرق عدد من الكتاب وأصحاب الاختصاص لذكر الأسباب الحقيقة التي تقف خلف تفشي هذه الظاهرة، وقاموا بطرح المعالجات والحلول المقترحة للحد منها، فكان الموظف (المكلف بخدمة عامة) بحسب تعريف "قانون الخدمة المدنية" هو المتهم الأول والوحيد الذي يتحمل المسؤولية في هذا المجال- وهي بالطبع النتيجة - غير انه لم يتم التطرق إلى مسؤولية من هم خارج الخدمة العامة من غير الموظفين (أفراد المجتمع)، ففي أغلب الأحيان تكون المبادرة في الفساد من أشخاص لا يشغلون وظائف عامة، فيكون الإيجاب من قبلهم ثم يأتي دور الموظف الفاسد بالقبول، فالرشوة على - سبيل المثال- في أغلب الأحيان يتم عرضها على الموظف، وفي حالات قليلة يكون الموظف هو المبادر في طلب الرشوة بعد أن يبتز المواطن ويطمئن إن أمرها لن يصل إلى علم الجهات الرقابية من قبل الشخص الذي يقوم بدفعها، وهؤلاء يجدون بيئتهم الخصبة للفساد فيكون المجتمع هو الذي تقبل الفساد ويعمل به جنباً إلى جنب مع الموظف أو المسئول الفاسد، وكل ذلك يتم في حال توافر العوامل الآتية مجتمعة أو منفردة، والتي تتمثل في:

أولاً: الحكم الشمولي، فحالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية تسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة وعندها يفتقد النظام السياسي أو المؤسسة السياسية شرعيته في السلطة وتصبح قراراته متسلطة بعيدة عن الشفافية، فضلاً عن عدم حرية نشاط مؤسسات المجتمع المدني، تتفشى ظاهرة الفساد الإداري والمالي ويمكن للشخص الفاسد سواء كان موظف أو غير موظف أن يمارس فساده بدون خوف أو خشية من قانون يمكن أن يطبق عليه.

ومع أن هناك فارق جوهري بين المجتمعات التي تنتهج أنظمتها السياسية أساليب الديمقراطية وتوسيع المشاركة، وبين الدول التي يكون فيها الحكم شمولياً ودكتاتورياً، لكن العوامل المشتركة لانتشار الفساد في كلا النوعين من الأنظمة تتمثل في نسق الحكم الفاسد (غير الممثل لعموم الأفراد في المجتمع وغير الخاضع للمساءلة الفعالة من قبلهم) وتتمثل مظاهر الفساد في الحكم الشمولي بفساد الحكام وسيطرة نظام حكم الدولة على الاقتصاد وتفشي المحسوبية، وبذلك يحصل المقاولون والتجار المقربين من السلطة على أغلب وأهم المشاريع التي فيها مبالغ مالية كبيرة وضخمة حتى لو لم يتم انجازها أو أنها تنجز بشكل غير المتفق عليه أو مخالف للمواصفات، وبذلك يكون هذا المقاول أو التاجر هو جزء من الفساد رغم أنه لا يحمل صفة موظف خدمة عامة.

ثانياً: الفوضى السياسية، فحالة الفوضى السياسية تخلق بيئة مناسبة لهدر المال العام وبخاصة ما يشاع عن بيع وشراء المناصب الحكومية والوظائف الكبيرة، فمئات الملايين من الدولارات اختفت في ظل عدم الاستقرار الأمني كما هو الحال في الأموال التي اختفت في زمن الحاكم المدني الأمريكي ومجلس الحكم الانتقالي.

ثالثاً: الفلتان الأمني، من الأشياء المهمة التي تساهم في تفشي الفساد في أي بلد في العالم هو عدم الاستقرار الأمني، فدوامة العنف التي ضربت العراق في الأعوام السابقة ساهمت وبشكل كبير بتسهيل نهب المال العام وإفلات المتهمين بالفساد من قبضة العدالة لانشغال الحكومة ومؤسساتها التنفيذية بالمشاكل الأمنية ومحاولة فرض الأمن، كما ان الفساد بدوره يقوم بدور اساسي في عملية نشر الفوضى الامنية واستخدامها كبيئة حاضنة لعمليات الفساد والافساد.

رابعاً: ضعف الرقابة، المشكلة التي تعاني منها المجتمعات النامية بشكل عام أو ما يطلق عليها دول العالم الثالث تكمن في غياب الرقابة والتقييم والقوانين الصارمة، بعبارة أخرى عدم وجود المشرعين الذين يقومون بحماية حقوق الأفراد وحقوق المجتمع، فالغياب الكامل لهؤلاء المشرعين إضافة إلى مركزية الأعمال في جميع مؤسسات المجتمعات وبخاصة الحكومية منها أدى إلى بروز ظواهر مرضية منحرفة، كالرشاوى والغش والتزييف والتزوير وعدم انتقاء الكفاءات المؤهلة الجديرة بإصلاح وخدمة المجتمع وغياب العدالة الاجتماعية وعدم وجود محاسبة فاعلة للمقصرين المؤتمنين على المال العام إلى جانب انتشار الوساطات في جميع مناحي الحياة وهي بعض من مظاهر الفساد التي تعاني منها الدول النامية بدون استثناء.

إن ما يجري اليوم من هدر كبير للمال العام وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، لم يعد فساداً بالمفهوم المتعارف عليه اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً، بل صار حالة تجاوز فيها كل حدود الفساد وأبعاده، ليدخل فضاء خطيراً يمكن أن يقضي على الدولة كمؤسسة سياسية وسلطة عمومية جامعة في المجتمع الحديث وعلى المنظومة الاجتماعية كأداة لردع المسيئين، كما يهدد الحياة العامة ووحدة البلاد، إذ يتضح أكثر فأكثر أن الحياة الوطنية (وطناً ومواطنين) مرتبطة أشد الارتباط بالدولة ومكانتها وحصانتها وأطرها الشرعية وسلطتها القانونية التي تفرض سيادة القانون على جميع مكونات الشعب أفراداً وجماعات بالعدل والتساوي، وتصبح بهذا المعنى دولة الكل لترسيخ عوامل القوة والتماسك والارتقاء.

ويرى المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الشيرازي رحمه الله في كتابه "إذا قام الإسلام في العراق" انه: (...من الضروري على الدولة محاربة الفساد بأقسامه كافة، كالفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك فإن الفساد يوجب تأخر الأمة ويدمر الشعب بعد أن يسلب اطمئنانه بالدولة، كما يرى رحمه الله، إن الديمقراطية الحقيقة تمثل خير وسيلة لمكافحة الفساد بقوله: أن الزهد الذاتي زائدا الاستشارية (الديمقراطية) توجب رقابة الأمة للحكام ومزيداً من تقيدهم في منهج التعامل وفي كيفية صرف الأموال فلا يتمكنون من التصرف في أموال الأمة تصرفا سيئا...).

بهذا المفهوم يصبح الفساد خللا اجتماعيا كبيرا يجب التنبه له ومعالجته بكل حزم وبحكمة وبدون إبطاء، أي بشكل سريع، ولكن لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بتكاتف الحكومات مع شعوبها لمعرفة مكمن الخلل ومكمن العلة، ومتى ما عرف ذلك فإن عملية الإصلاح سهلة وميسرة وقد لا تستغرق وقتا طويلا فكل ما في الموضوع هو استئصال الجرثومة التي تسبب الفاسد سواءً كانت على شكل مسئول أو صاحب نفوذ أو غيرهم أو كان نظاما فاسدا أو قانونا أكل عليه الدهر وشرب أو غيرها من معوقات التنمية في المجتمعات، فمستقبل دولتنا واستقراره وتنميته مرهون بقدرتنا الجادة والجماعية على استئصال وباء الفساد وجراثيم الفاسدين.

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات