دراسات السلفية العالمية.. صحوة لفهم الشرق أم توطئة لاستعمار جديد؟

957 2016-7-26 9:41

دراسات السلفية العالمية.. صحوة لفهم الشرق أم توطئة لاستعمار جديد؟

منذ جهر الإمام أحمد ابن حنبل بدعوته لحفظ النص الديني المقدس من شكوك المعتزلة بالعصر العباسي، ومحنته الشهيرة بـ”خلق القرآن” والتي أورثها لتلامذته ، ووصولا للمجدد “ابن تيمية” وقد ظهر بالتزامن مع سقوط بغداد على أيدي التتار وإحياء الفكر السلفي في مواجهة المبتدعين .. واجتهادات محمد بن عبدالوهاب بالجزيرة العربية بالقرن الثامن عشر الميلادي مع صعود الاستعمار الغربي وما شابها من “عوار”.. وانتهاء بالسلفيين المعاصرين وشيوخهم وخلافاتهم التي حسمتها الدماء .. موجات عاصفة شهدتها الحركة السلفية عبر العصور.

وحول الطبعة العربية الجديدة لكتاب “السلفية العالمية..الحركات السلفية المعاصرة في واقع متغير” تحرير الباحث الهولندي رول ميير وترجمة محمد التوبة، شهدت “دار الحكمة” مساء أمس الأول مناقشة نظمتها الشبكة العربية للأبحاث “ناشر الكتاب” وشارك فيها المفكر الفلسطيني مازن النجار والباحث أحمد سالم مؤلف كتاب “اختلاف الإسلاميين” .

السلفية .. شرقا وغربا

الكتاب يحوي مقالات لباحثين أوروبيين معروفين ضمن موجة الاهتمام بدراسة الحركات الإسلامية بعد هجمات 11 سبتمبر، وقد تناولت المقالات العقيدة السلفية والاتجاهات السياسية والفكرية والاجتماعية المختلفة، وتم دعم المقالات بدراسات معمقة لحالة السلفية ببلدان محددة إسلامية وأوروبية، إضافة لدراسات حول أشهر وجوه الدعوة السلفية المعاصرة منذ الألباني ووصولا لأبي مصعب السوري.

غلاف الكتاب

تحظى العديد من البلدان بدراسة حالة من جانب الباحثين الغربيين ومنها : السعودية واليمن ومصر والسودان وفلسطين وإثيوبيا وباكستان وفرنسا وبريطانيا وهولندا وإندونيسيا؛ حيث يجري تفكيك علاقاتها ببقية الفصائل الإسلامية كالإخوان المسلمين، وعلاقتهم بالجهاديين، والانشقاقات التي جرت بصفوفهم.كما يجري تحليل لمعتقدات السلفية كـ”الفرق الناجية من النار” .

وتكمن أهمية الكتاب في استعراضه الموسع للظواهر السلفية المعاصرة واعتماده على كم كبير من المراجع بلغات عدة، إلى جانب المقابلات الشخصية والملاحظات من قبل الباحثين أنفسهم، واتساع النطاق الجغرافي للدراسة ليشمل المدى المفتوح من غرب أوروبا لجنوب شرق آسيا وان لم يبد اهتماما كبيرا بأمريكا الشمالية والبلقان وآسيا الوسطى.

ويرى محرر الكتاب، رول ميير، أن السلفيين جماعة إصلاحية وليست ثورية، ولديها قدر كبير من الغموض يجعل قادتها بإمكانهم موالاة السلطة ومعارضتها معا، والأهم أن السلفية بما يمتلكه أبناؤها من تعمق بدراسة أصول الدين تعد نفسها “الفرقة الناجية” وعادة يكون أتباعها مختلفين شكلا ومضمونا عن باقي الفصائل الإسلامية . وعلى حين آخر تثبت العديد من الدراسات الواردة بالكتاب ومنها دراسة مضاوي الرشيد أن سلفيي أوروبا مثلا انقطعت جذورهم تقريبا بالأصول، وأصبحوا معلمنين بدرجة كبيرة ومتعايشين بدرجة كبيرة نسبيا مع أفكار الغرب.

أبناء الدرس الاستشراقي

يعود الباحث الإسلامي أحمد سالم إلى جذور الاهتمام الغربي بدراسة أوضاع المسلمين، فيجد أنه يعود لعصر الاستعمار حينما كانت الجيوش الغربية تكرس اهتماما كبيرا بفهم الشعوب المحتلة لإحكام قبضتها عليها وتوقع سلوكها، وكان المستشرقون أداة أساسية لتحقيق هذا الغرض، وهؤلاء أنواع؛ فقد يكونوا مرتبطين بالفكر أو الدين كالقساوسة، أو بالسلطة مثل مستشار اللورد كرومر الذي كتب عن المصريين وضابط المخابرات الإنجليزي الذي ألف كتاب “الاتجاهات الدينية والسياسية بمصر الحديثة” ببداية الخمسينات وتكمن أهمية كتابه بتدشين التأريخ لسرديات الإخوان ونشأة جماعتهم.

وكانت مراكز الأبحاث ولا تزال حتى يومنا مصنعا لقرارات الساسة بالعالم الغربي، أو قل أنها جزء من المراقبة الاستخباراتية للعالم، وقد مر اهتمام الدراسات بالحالة الإسلامية بعدة مراحل في القرن العشرين، وفي كل مرة كنا نلحظ صعود جيل جديد من الباحثين ينتمي لمدرسة دراسة الحالة الإسلامية، وقد كون الغرب 3 أجيال على الأقل من هذا النوع، بينما العالم العربي – كالعادة- يغط بسبات عميق ويقنع تماما بدور “المفعول به” .

كان الاهتمام منصبا على دراسة الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية طيلة عقود طويلة بالقرن العشرين، باعتبارها النماذج الأكثر حضورا على الساحة، وبدأ الحضور السلفي يزداد بالتسعينات بتزايد الاهتمام بالمملكة العربية السعودية باعتبارها عضو أساسي بـ”مطبخ” قرارات الشرق الأوسط.

وقد شكلت تفجيرات 11 سبتمبر 2011 عصرا جديدا من الاهتمام المعمق بالسلفيين كفاعلين رئيسيين وليسوا هامشيين، وبداخلها حركات الجهاد الإسلامي، وعلاقتها بتيارات الصوفية والإخوان . وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي اعترفت أجهزة الاستخبارات ومراكز الفكر الغربية أنها أصيبت بصدمة ومفاجأة لسببين؛ الأول إمكانية تسييس الحشود السلفية الهائلة لاتجاهات بعينها ترمي لكسب السلطة، والعدد الضخم للسلفيين الفاعلين والمشاركين بالمشهد الثوري.

أزمات السلفيين

يعدد الباحث أحمد سالم مراحل تحقق الدعوة السلفية؛  الأولى بالطبع منذ زمن الصحابة الكرام وصولا للإمام مالك، ثم تبعها الإمام أحمد ومحنة خلق القرآن، وجاء الشافعية ليمتحنوا ويضطهدوا أيضا بعصور الخلافة الإسلامية ، وكان زمن ابن تيمية تحقق جديد للسلفية ووصل الأمر لقتله وأن يزن الملك بالذهب من يأتي إليه بأحد كتبه ليحرقها ، وجاء محمد بن عبدالوهاب وسعى لإقامة دولة ولكن تم وأدها مبكرا ومن بعده جاء سلفيو العصر الحديث ليصنعوا تحققا جديدا . والمشكلة أن السلفيين لا ينظرون لكل مرحلة من هذه المراحل باعتبارها ظاهرة اجتماعية، أي تتأثر بالمجتمع والزمان والمكان، وأقوال أصحابها غير معصومة وأحيانا غير صالحة لزماننا برغم أهميتها بزمانها.

سلفيو غزة .. شبهات جديدة

والمحاضر يؤكد أنه رغم منجز الحركة السلفية الكبير بالدعوة الإسلامية إلا أنها لا تخلو من أزمات حقيقية ؛ فهي تدعي التسلسل النقي لدعاة السلفية من طبقة الصحابة أو تلك الطبقة المعيارية لاتباع الدين الإسلامي بنهج القرآن والسنة الصحيحة ، والحقيقة أن ذلك غير صحيح؛ فحتى إن تجاهلنا الأخطاء التي وقع فيها بعض كبار الصحابة أنفسهم، فإن جيل التابعين وتابعي التابعين وبينهم الأربعة الأربعة وابن تيمية وصولا لقيادات الحركة السلفية المعاصرين كمحمد بن عبدالوهاب والألباني وابن باز ، ليسوا معصومين، وهم أهل اجتهاد لا أكثر ولا أقل، يخطئون ويصيبون، وبالتالي فهالة القداسة المبالغة بأقوالهم وأفعالهم لا محل لها من الإعراب الصحيح.

وضرب الباحث مثلا لمكانة أعمدة السلفية عند أهل التسلف، والتي تجعلهم يضعون الحق على ميزان أفعالهم، وليس العكس، فإذا قال أحد “الكبار” بقول فيه مظنة مخالفة صحيح الدين، اعتبروه مسألة، وإذا قال نفس القول من هو خارج آباء السلفية، كان مبتدعا كافرا !

ودراسة الحالة السلفية مهمة عسيرة على أي باحث، ويؤكد أحمد سالم انه ربما ساعد على ذلك عدم رغبة السلفيين أنفسهم باستعراض مشكلاتهم من باب “درء الفتن والانقسام” ، كما يجعل الأمر عسيرا مسألة تداخل السلفيين بالعديد من الحركات الإسلامية الأخرى كالإخوان والجهاد وغيرها، وجزء من ذلك نابع من سفر أبناء تلك الجماعات للسعودية وتحول نظرتهم للاتجاه الأكثر تمسكا بالسلفية، ومن بين الصعوبات انقسام السلفيين أيضا فيما بينهم، ومن هنا نجد تباينات فقهية وسياسية بل وعقيدية كبيرة .

ويؤكد الباحث أن الحالة السلفية حظيت بدراسة غربية معمقة باعتبارها منطقة إظلام يسعى صانع القرار لتسليط الضوء عليها، لدرجة أن نحو 60 كتابا يصدر بلغات مختلفة عن السلفيين كل عام ، والعالم العربي متأخر كثيرا عن هذا الفهم .

وتكمن إشكالية كبيرة بهذا الكتاب وهو اعتماده على تقسيم فيكتوروفيتش، بكتابه “تشريح الحركة السلفية” إلى ثلاثة أقسام وهم الأنقياء، والسلفية السياسية، والسلفية الجهادية. وهي أشياء ابنة الخيال الغربي البعيد عن الواقع ولا تمت للواقع بصلة .

وردا على تساؤل الباحث عمرو عبدالمنعم بـ”محيط” يؤكد أحمد سالم أن حلم الشباب بالقتال أمر طبيعي ومحمود إذا كان سبيلا لاستعادة القوة والكرامة المسلوبة، والمهم هو ترشيد تلك الطاقات بحيث لا تخرج عن النطاق الشرعي المطلوب، ولا تتحول لجماعات متطرفة أو تلقي بنفسها لتهلكة . ويؤكد ردا على تساؤل آخر أن أخطاء كتاب “اخطاء الجهاديين بفهم ابن تيمية” كانت كثيرة ولعل أهمها تأكيده على أن السلفية لا تعترف بالإجماع ، وهذا طبعا لا يمت للواقع بأدنى صلة.

صوفية الأقدمين

من جانبه أكد د. مازن النجار، الكاتب البارز، أن السلفية التي يعرفها غير تلك التي يناقشها الكتاب الأوروبي المترجم للعربية حديثا، وقد أحسنت دار النشر حين نقلته كي نفهم تصوراتهم عنا، ولكن السلفية الحقة كانت تشيع تسامحا كبيرا واستنارة لم تعد موجودة الآن.

ومن الأمثلة التي قدمها “النجار” الفقيه الشافعي الفوراني، وكان أحد من أعادوا الاعتبار لابن تيمية وابن القيم وأعادوا الاجتهاد بكتاباتهم، والألوسي صاحب أروع التفاسير القرآنية، وكان قاضيا عثمانيا محافظا ولكنه اتجه للسلفية بتفسيره، والإمام السفاريني من بيت المقدس وكان يؤمن بالاجتهاد والتجديد .

مازن النجار يناقش كتاب السلفية

وأكثر من عشرين عالما حنبليا كان يسبقه وصف “زاهد” وكان انتقاد ابن تيمية ذاته للصوفية مقصود به الدروشة وليس الحالة الروحية التي يعيشها العابد الزاهد المتصوف. وهذه الجفوة المصطنعة بين الصوفية والسلفية أحدثت خللا كبيرا بحياتنا والحقيقة أن ابن حنبل وابن تيمية كانت كثير من كتاباتهم تشع بالروح الصوفية النقية.

ويؤكد “النجار” أن المفاهيم المتشددة لا تعبر عن جوهر الإسلام، والمجتمع بلا تصوف يفقد التربية الإسلامية الحقيقية، وكان الصوفيون يقومون بأدوار المربي والمقاوم والتاجر في العصر العثماني وإبان دخول الحملة الفرنسية مصر، ووالد محمد بن عبدالوهاب نفسه كان متصوفا قادريا وحنبليا، وهو تصوف الحنابلة الذي ساد بالقرن الثامن عشر ، ولكن ابن عبدالوهاب لم يتعلم أصول الفقه وأراد السلطة ولم يرد إنفاذ شريعة الله، وإلا فلماذا استحلال أموال ودماء المسلمين!

والسلفية التي يعرفها د. مازن ويحبها هي التي رفع رايتها الإمام المجدد محمد عبده ورشيد رضا ، أما تلك التي يركز عليها الكتاب فهي السلفية الجهادية، وهي تميل لنزعة استشراقية أقرب لخدمة الأبعاد الأمنية والمصالح الغربية بالمنطقة، ويجب التعامل مع تلك الدراسات بحذر، لأن دراسة المجتمعات لا تكون بالرصد الفوتوغرافي بتعبير “المسيري” وإنما بالمعرفة عن قرب .

داعش في قلب أوروبا

يقول النجار : انتهى العصر الذي يعيش فيه الإنسان ويموت دون أن يكون له ملف عند الأمن والمخابرات، وكل تلك الدراسات إنما تقوم بتراكم المعلومات اللازم لمؤسسة الأمن من أجل مزيد من إحكام السيطرة وليس الإصلاح . إن أمريكا وأوروبا “تشرقن الشرق” أي تضفي عليه خيالاتها وتصنع صورته بنفسها وتحارب ذلك العدو البديل عن العدو الأحمر الشيوعي.

والكتاب يخلو من أغلب الأسماء الموضوعية بدراسة السلفية برأي “النجار” وهو ما أدى لبعض الالتباسات، مثل الفرق بين القاعدة والحركة السلفية ،فقد اكتشفت باحثة غربية أن القاعدة فكرة أكثر منها تنظيما متصلا محكما، وقد أفرزت العديد من التيارات التي نراها اليوم على الساحة ومنها داعش. وقد حذر “النجار” من وقوع السيف بين المسلمين ، وما شهدناه من مآس كتفجير مسجد ابن تيمية برفح ضمن أعمال الشقاق بين الفصائل الجهادية.

ولـ”محيط” أكد النجار أن الحركة السلفية بقياداتها المعاصرة تتخلى عن مخزونها الروحي حين تميل للتشدد، وتتخلى عن دورها بالتجديد حينما ترتهن فقط لأقوال طبقات الرجال والآباء السلفيين دونما اجتهاد يواكب العصر، وتفقد مع الوقت ثقة الشباب حين توالي السلطة على حساب الرعية ومصالحها، وربما يشاركها بذلك الأزهر ، وهو ما يقف حائلا دون تأثيرهم لدرء الشباب عن التطرف.

وهو يقول: ما يجري على الساحة يؤكد  أن صراعات السلفيين على السلطة هو مكون أصيل يجعلنا نجزم بأنها حركة حداثية دنيوية ويفقدها صلتها بالدين وقيمه . وللأسف فقد تحول الشيوخ لـ”بيزنس الدعوة” وشباب الحركة لم يعوا الدرس جيدا ويسيرون بالطريق ذاته الذي يدعي أنهم “الفرقة الناجية من النار” وهي نظرة استعلائية ممجوجة ويتبعون شيوخهم فحسب بغير إعمال للعقل 

والارتهان لكتب كـ”معالم على الطريق” لسيد قطب تم بتأويل متطرف للرمزيات الأدبية من قبل قيادات السلفية الجهادية، وصولا لداعش، وفعلوا الأمر نفسه مع ابن تيمية حين أولوا كلامه بغير معناه وسياقه الزمني والمجتمعي. ويضيف النجار أن تأمل مصطلحات كـ”الشفاعة” و”الفرق الناجية” ونحوها بالتراث الدعوي السلفي يجعلنا أمام موقف جامد يرفض الآخر ويبدعه ويكفره أحيانا.

يحذر الكاتب مازن النجار في تصريحه من الانجراف بتسييس الجماعات السلفية وهو ما يجعل صراعها على السلطة ، بلا قيمة، كما ينفي إمكانية دمجها بمقولات تعميمية كبرى، سلبا وإيجابا، لأن تباينات حادة تميز بين الحركات السلفية بكل بلد وعصر، وكثير منهم قدم بالفعل خدمات جليلة للأوطان والدين، هو ينفي أيضا  وجود حركة عالمية ملموسة بواقعنا الراهن، فهي جماعات رفعت شعار الدين ولكنها لم تفلح حتى الآن بالاتفاق على “حرمة الدماء البريئة” !.


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998