في دوافع السلوك السياسي

1180 2016-7-26 10:45

في دوافع السلوك السياسي

تعرّف الموسوعة علم النفس السياسي (political psychology) بأنه مجال أكاديمي متعدد الاختصاص، يقوم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي، وتعتبر العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه، فيستخدم العلماء علم النفس كمرآة لفهم السياسة، والسياسة مرآة لعلم النفس. وقد أريد من هذا الفرع المعرفي: تفسير الأحداث السياسية من طريق وضع فروض وفق طريقة علمية واختبارها، أي اعتماد أسلوب البحث العلمي في دراسة السياسة، ووضع قوانين عامة لسلوك الفرد يمكن من خلالها تفسير سلوكه ومحاولة التنبؤ بها في الأحداث السياسية، وفهم سلوكيات المجموعات وطرائق تفكيرها وكيفية اخذها القرارات.

يبدأ الأكاديمي البريطاني هوتون (D. Houghton)، الأستاذ في إحدى جامعات فلوريدا الأميركية، من وقائع التعذيب وصوره في سجن «أبو غريب» العراقي العام 2004، ليسأل مع آخرين عن هؤلاء السجانين الأميركيين «الأسوياء نفسياً» الذين ارتكبوا هذه الفظاعات، عن دوافعهم وتحولهم الى جلادين. فيستعين بعمل فيليب زمباردو (PH. Zimbardo) «تأثير الشيطان» (أو فهم كيف يرتكب الأشخاص الطيبون الشر)، الذي يرد الأمر «الى تأثير القوى الموقفية العصيبة التي واجهتهم»، بمعنى إن الموقف المحيط بالفرد أكثر أهمية في سلوك الفرد من نزعاته أو شخصيته، في حين أن علم النفس السياسي قد ورث عن علم النفس، التوجه «النزوعي»، الذي يفترض أن الأفراد «عناصر فاعلة»، ويعود سلوكهم الى فروق في اعتقاداتهم وشخصياتهم. ويهتم الباحث أكثر بتفسير السلوك السياسي، ذاك النشاط الرامي «الى تحقيق غاية سياسية»: من الحرب والإرهاب الى عملية التصويت في الإنتخابات، وثمة نظريات كثيرة تجتهد في الشرح والتبرير من الإقتصاد الى الإجتماع.

يعرض الأكاديمي للمدرسة السلوكية وما أفرزته من تيارات افترضت إمكان التأثير في شخصية الفرد السياسية عبر «المؤسسات المجتمعية المختلفة وما تتضمنه من مثيرات واستجابات ودوافع ومعززات»، ما يسمح بالتعديل في البيئة من أجل تكييف السلوك في ما يسمى « الهندسة الإجتماعية»، والسؤال الرئيس الذي يستتبع ذلك هو عن «حرية الإرادة» لدى الإنسان، فإذا انتزعت منه، ماذا يبقى له؟ رغم أن معظم علماء النفس اليوم، كما يقول الكاتب، يشككون في قدرة الإشراط (مثال ما فعله بافلوف بالكلب ) على تغيير سلوكيات الفرد الأساسية من حيث المبدأ، لأن مورثاتنا الجينية لا تزال تتحكم في «تكوين سلوكنا».

يشير هوتون في كلامه عن «علم نفس الطاعة» الى أعمال الأميركي ستانلي ملغرام (S. Milgram) واختباراته، ولا سيّما بحوثه حول «الطاعة السياسية»، أي ما يجعل الأفراد يطيعون سلطة عليا مثل الدولة، حتى ولو كانت أوامرها تناقض قيّماً وأخلاقاً نحملها ونتبناها، مخالفاً النظريات التي حاولت تفسير النازية ومجازرها من خلال «الشخصية التسلطية» (كتاب تيودور أدورنو الشهير، الذي حرره مع زملائه في العام 1950 لتفسير السلوك الألماني بعامة)، حيث يعتمد الفرد القلِق وغير الآمن «على السلطة الخارجية في توجيه سلوكه الى حد كبير». وقد اهتم ملغرام بدرس تأثير الضغوط الإجتماعية في أحكام الفرد، خصوصاً إذا صدرت من سلطة معتبرة، وتوصل كاتب «الطاعة: وجهة نظر تجريبية» الى أننا «قد نخالف أعز مبادئنا وقيّمنا عندما نواجه موقفاً تحثنا فيه على الطاعة سلطة نرى أنها سلطة شرعية»، فعلى الضد من «النزوعية» (الميل، الإستعداد) لا يغدو من الضروري أن يرتكب الشر أصحاب النفوس الشريرة فحسب.

والحال، ينشغل علم النفس السياسي بفحص مسائل التعصب والعنصرية والتمييز العرقي والتسامح...الخ، ومحاولة لفهمها (حقل الدرس هو تحديداً الولايات المتحدة الأميركية)، ولغياب تفسير مقنع واحد، فإن هذه الظواهر «قد تكون نتاجاً لاعتقادات يحملها أفراد معيّنون، أو نتاجاً للشخصيات الخاصة بهؤلاء الأفراد، أو قد تكون نتاجاً لعوامل موقفية تشجع أو تسمح بممارسة العنصرية»، على سبيل المثل. والمفيد ما يقال عن «علم نفس الإرهاب»، والنظرة الى «الشخصية الإرهابية» على أنها «سوية» توجهها أيديولوجيا «تبرّر» أفعالها. ورغم النظريات النفسية الكثيرة مثل نظرية الإحباط-العدوان، والنرجسية العدوان، ونموذج «العملية» (التدرج في التحول) لهورغان، إلا أن «الإرهاب ظاهرة معقدة، لا يتسنى ردها حصرياً الى عوامل نزوعيّة أو عوامل موقفية»، ويشير الباحث الى إن التفسير المقبول «يجب أن يدمج كلا النوعين من العوامل»، وينقل عن أندرو سيلك قوله إنه بعد سنوات طويلة من البحث في الإرهاب تبيّن «أن أبرز خصائص الإرهابيين أنهم أسوياء».

وفي إطار «علم نفس العلاقات الدولية»، يحاول الباحث الإستفادة من منحى «المواقفية» لتفسير سلوك الدول، فبغض النظر عن النظام السياسي المعتمد، فإن «الموقف» هو الذي يُحِدد، أي وضعها الدولي، أو موقعها داخل النظام العالمي. وفي المقام الأخير، بقي هوتون متأرجحاً بين «النزوعية» و»المواقفية» تاركاً الفرصة لقارئه للحسم وترجيح حجج كل إتجاه معرفي.


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998