مركز الامام الشيرازي يناقش إشكالية تأسيس الإلحاد ونفي الايمان في العالم الحديث

680 2017-3-11 13:56

مركز الامام الشيرازي يناقش إشكالية تأسيس الإلحاد ونفي الايمان في العالم الحديث

(التأسيس للإلحاد ونفي الايمان في العالم الحديث)، عنوان طرحته الحلقة النقاشية الشهرية التي عقدها مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث في كربلاء المقدسة، بحضور مجموعة من الباحثين والأساتذة الجامعيين.

حيث قدم الحلقة النقاشية حيدر الجراح مدير مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث، والذي اشار إلى إن "التدين لازم الانسان منذ فجر الخليقة وكان التدين هذا عبارة عن الايمان بالله وقد سادت الكثير من الافكار التي حاولت ان تنقض الايمان من خلال الالحاد بفكرة الاله التي اوجدها الانسان وخلقه الله سبحانه وتعالى على هذه الفطرة، حيث نجد ان هذه الحركات كانت كثيرا ما تشكك بدواعي الايمان، وتحاول ان تنفي الايمان بهذا الاله سواء كان الاله حسياً لا يستطيع ادراكه الانسان كما في الديانات التوحيدية الكبرى، او الاله ذات تجسيما معين كان يكون على شكل صنم او تمثال في بقية الثقافات والحضارات".

هذا وقد استضاف المركز الباحث حكمت البخاتي للإجابة عن الكثير من التساؤلات حول الافكار المؤسسة للإلحاد ولنفي الايمان في العالم الحديث "بادئا حديثه بمقدمه ضمنها ابتداءا شكره للمركز لإتاحته فرصة الحديث وتناول موضوعات المعرفة والثقافة في هذا الزمن المشكل جدا. في الحقيقة ان موضوعة الالحاد هي موضوعة قديمة لكنها مرت بصور عديدة من التحول، فلم يأخذ الالحاد في تطوراته التاريخية والفكرية فكرة واحدة او موضوع واحد، وانما كان هناك تعدد في تصورات الالحاد".

واضاف البخاتي "لو بحثنا في اللغة العربية عن اصل كلمة الالحاد التي تطرح الان بمعنى نفي الخالق، لا نجد لها شيئا في اصول لغة العرب وانما في لغة العرب تعني الميل او الاعتراض، ولعله كل اللغات القديمة لا تحتوي هذه الفكرة في الفاظها ومشتاقاتها، الالحاد الاغريقي كان هو في الحقيقة نظري وكان موضوعه هو طبيعة الله وليس نفي الله، فهناك عندما اصطدم فلاسفة الاغريق بالإلهة اليونانية وعدم قناعاتهم بها، بحثوا عن اصل للعالم وللوجود في الماء وفي النار وفي الهواء وفي التراب وهكذا، واعتبروا هذه هي اصل الوجود ولم يكون هناك نفي للخالق، لكن الالحاد الحديث تطور بهذا المعنى باتجاه نفي الخالق عبر قطع الصلة بين الخلق وبين المخلوقات او الكون، وتعتبر النظريات الثلاثة المؤسسة لهذه الفكرة هي نظرية ماركس ونظرية دارون ونظرية فرويد، رغم انهم لم يعتنوا بقضية الالحاد بقوة في افكارهم وفي نظرياتهم".

يكمل البخاتي "فعلى سبيل المثال دارون تحدث عن الحياة بعد الخلق ولم يتحدث في نظرية عن ما قبل الخلق وهذا الكلام لمترجم نظريته الى العربية، كذلك فرويد لم يعتني تلك العناية الفائقة بنفي الخالق بقدر ما انه اهتم بموضوع قطع الصلة ما بين الانسان والله سبحانه وتعالى، حتى ماركس لم يكن بهذه القوة في موضوعة الالحاد ان يبحث عن دليل نظري او ان يبحث عن قوة نظرية علمية في دحض فكرة الاله، انما تطرق الى اثر الدين والجوانب السلبية للتطبيقات الكنسية والتي تصورها انها اصل الدين في الحياة العامة، مما دعاه ان يقول(الدين افيون الشعب) وليس الشعوب كما يتردد، لكن على اي حال الالحاد المتأخر الذي نشأ بعد هؤلاء الفلاسفة كان يقترب بقوة من نظرياتهم، لاسيما بعد ظهور الفيلسوف البريطاني برتراند راسل الذي تبنى الالحاد بقوة واعتبره على مستوى فلسفته الوجودية بديلا عن الايمان".

وتطرق البخاتي "لذلك يعتبر راسل هو الاكثر صلة بما يطرح الان حول الالحاد أو هو المصدر الرئيسي لأفكار الالحاد في هذا العصر، نقاش راسل نتخذه كنموذج للإلحاد الحديث وهو يعتمد على سياقين، الاول هو سياق نظري والثاني يمكن وصفه بالسياق العملي مجازا، بالمناسبة كل الملحدين ليس لديهم دليل على نفي الله تعالى وعلى نفي الخالق، اذا كان في عقيدتهم هذا الشيء غير موجود فكيف يستطيعون احداث الدليل او تكوينه، اما الايمان فان له الادلة المتتالية والمتعددة والمتطورة ايضا مع ازمنة الايمان وتاريخ الايمان في اثبات فكرة الله سبحانه وتعالى، لذلك كان الملحدون يعتمدون في نفي فكرة الخالق يكاد ان يعتمدون حصرا في نفي ادلة الايمان، كانوا يسعون الى مناقشة المؤمنين على ادلتهم ويسعون الى تفنيد هذه الادلة دون ان يأتوا بدليل، وهذا ما فعله راسل حينما تناول ادلة الايمان التي هي وفق وجهة نظره، انه لكل شيء سبب ولكل مخلوق خالق ولكل مصنع له صانع".

واوضح البخاتي "اذا كان الله هو السبب لكل هذه المسببات وباعتبار ان لكل سبب مسبب فما هو السبب الذي يقف خلف الله، او اذا كان لكل مخلوق خالق او لكل موجود موجد فمن الذي اوجد الله، وهو غير مقتنع بالإجابة التي طرحت بان الله سبحانه وتعالى هو المسبب لكل هذه الاسباب، ولذلك سقطت في نظره فكرة وجود الله وهكذا هو لا يأتي بدليل وانما يفند دليل اهل الايمان، وهنا يمكن مناقشة كون المسببات الوجودية لها اسبابها الخاصة لكنه عندما ننتقل الى الاسباب الخاصة، ايضا هذه الاسباب تتحول الى مسببات وهكذا، هذا هو قانون الخلق لكن المسبب الاول له قانونه الخاص والخالق الاول له قانونه الخاص، ان راسل يحاول ان يطبق قانون الخلق على قانون الخالق وطبق فكرة المسببات على فكرة السبب الاول، وهنا وقع في هذا الخلط باعتبار ان هذه الفكرة بالأصل هي فكرة اغريقية أو وثنية قديمة، حينما يساوون الخالق بالمخلوق اي ان التصورات الاغريقية تساوي الاله مع البشر في نزعاتها في رغباتها في مشاكلها في مشاكساتها، وكذلك كانت النظرة العراقية القديمة الى الاله لم يضعوا حداً فاصلا بين الاله والبشر، كذلك كررها راسل عندما ساوى في الاسباب والمسببات بين السبب الاول الذي هو الله وبين المسببات في الوجود".

والمح البخاتي "الى ان راسل أوقع نفسه في التناقض اذا يقول ان افتراضنا المسبق ان العالم له بداية وهو ما يتسبب في فقر مخيلتنا عن هذا العالم، اذا هو هنا يعود لأهمية المسبب في تكوين الافكار ويؤكد على اهمية السبب ودوره وهو هنا يامن بالسبب، وهو في الواقع سابقا كان ينفي السبب بالمطلق ويعدها فكرة قديمة وليست فكرة حديثة، وعلى العالم الحديث ان يتجاوز التفكير في السبب او السببية".

واشار ايضا "النقطة التالية التي ينتقل اليها راسل في تفنيد ادلة الايمان هو نفيه للقوانين الطبيعية، باعتبار ان القوانين الطبيعية كان يستدل بها أهل الايمان او المدارس اللاهوتية والمدارس الاسلامية بوجود القانون الطبيعي على وجود منظم لهذا القانون، فهو هنا يدحض هذا الدليل ويؤكد على نفي القوانين الطبيعية، وليس هناك وجود للقوانين وانما (والكلمة له) هناك معادلات احصائية تنبثق عنها قوانين الصدفة، وهو قد استبدل المنطق الصوري بالمنطق الرياضي، هذه المعادلات الاحصائية التي تنبثق عنها قوانين الصدفة هو لم يتخلى عن اسم القانون وانما اعادها مرة اخرى، اضافة الى ذلك حين تتحول هذه المعادلات الاحصائية الى معادلات كونية فأنها تعبير عن تنسيق تام، يعني ان النظام الذاتي للكون والذي يقوم على هذه المعادلات نفسها التي يؤكد عليها راسل، وهي تكشف عن تنسيق وهذا التنسيق هو الذي كان يقف خلف النظام في العالم، النظام الذي لم يجيء على نفيه راسل، اذا يبقى السؤال المطروح لأهل الايمان والذي لم يتناوله بالإجابة راسل انه من اوجد هذا التنظيم ومن اوجد هذه القوانين، طبعا طرح الاجابة هو الله او هو الخالق عند هذا الحد يتوقف ولا يناقش هذه المسالة".

ويسترسل البخاتي "الى ان المؤمنون الاوائل لم يكونوا يعرفوا القوانين الطبيعية وليس على مستوى من العلم، حتى يعرفوا هذه القوانين في الطبيعة لكنهم كانوا يأمنون بالله سبحانه وتعالى بحكم البداهة التي تتحدث عن ان هذا النظام وهذا التنسيق يدل على منسق ومنظم لهذا الكون، الفكرة الاخرى التي يطرحها راسل حول القوانين الطبيعية انه يقول اذا صدقنا بهذه القوانين، سوف يتبلور من خلال ذلك سؤال لماذا الله اختار هذه القوانين دون غيرها، الاجابة المسيحية كانت امام هذا الاعتراض انها قالت ان هناك اسباب الله الخاصة به، من هنا ينتقل راسل فيقول اذا كان لله اسبابه الخاصة اذا هذه ترتبط بمزاجية المشيئة الالهية، نعود هنا الى مزاجية المشيئة التي يامن بها راسل وهي تقوده حسب ما يطرح الى امكانية تعطيل هذه القوانين، لكن افتراضه في امكانية تعطيل تلك القوانين هو افتراض غير متحقق، ويظل إزاء واقع متحقق وديمومة عمل وفاعلية القوانين الطبيعية، اذا هو في تبنيه فكرة مزاجية المشيئة الالهية، ينقاد ايضا الى الفكرة القديمة حول تساوي المزاجية البشرية مع المزاجية الالهية".

ويعتقد البخاتي "ان راسل كان ينتقل الى سياقات اخرى في مناقشة الادلة النظرية، والى سياقات اخرى في مناقشة قضية الايمان وتوكيد الالحاد من جانبه، فيعتبر انه اذا كان الله كما تقول الاديان هو خير وهو جميل، اذا كيف يكون هناك ظلم وكيف يكون هناك شر، وهذه في الحقيقة انتقال من السياق الفكري النظري للإلحاد الى السياق العملي وهنا يدخل في مجالات الحياة وفي مجالات الواقع، ونحن نعرف ان الله سبحانه وتعالى منذ البداية اخبر عن وجود الشر وان الاختيار هو السبيل الى تحقق الشر او تحقق الخير، النقطة الاخرى الاساسية في تفنيد دليل راسل انه هو ضمنيا لا يؤمن بتوافق الله مع الشر، ولا يؤمن بوجود الله مع وجود الظلم، فإذن هو ايمان ضمني بالله تعالى لا يصرح به راسل وقد اسميته بالأيمان غير المعلن من جانب راسل، وهذه واحدة من الاشياء التي جعلت راسل يتردد في نفي الله نفيا مطلقا، ولذلك هو انتهى اخيرا في افكاره الى ترك موضوعة الايمان بالله".

 وناقش الباحث "فكرة ان الدين وليد الخوف انتشرت في العالم من خلال النظم السياسية التي كانت سائدة في الشرق، والتي هي نظم الاستبداد فكان الحاكم في الشرق يعتبر نفسه بمثابة الله او وكيل الله فكان يحكم باسم الدين، فمن خلال فكرة المستبد الشرقي انتشر الدين ووصل الى عالم الغرب، ولذلك هو يعتبر الدين اصوله شرقية خالصة، وواقعا ان فكرة الاستبداد الشرقي لا اساس لها من القوة التاريخية فلو رجعنا الى تاريخ حكام اوربا في القرون الوسطى، لوجدنا من صيغ الاستبداد والقهر للشعوب ما لم نجده في تاريخ الحكام المستبدين الشرقيين فقد كان هناك حرق للنساء وللرجال في الساحات العامة وهم احياء كان هناك صور بشعة من مثل القاء الضحايا الى الاسود ففكرة الاستبداد الشرقي هي فكرة مضللة وهي نتاج الاستشراق الاوربي".

كما ناقش البخاتي "فكرة ان قضية الخوف لدى الانسان أو الخوف من المجهول، من الموت، من الهزيمة هي التي تدفع الانسان الى الايمان بالله، ويرى ان العلم هو البديل عن هذا الايمان فاذا تحقق العلم وانتصر العلم ستتبدد كل المخاوف وبذلك يعد الانسان لا حاجة له بالدين، لكن الاشكالية ان العلم انتج مخاوف فاقت المخاوف القديمة، تطور العلوم التكنلوجية والتقنية انتجت الاسلحة النووية اسلحة الدمار انتجت تلوث البيئة مشاكل طبقة الاوزون، مما اورث مخاوف الان كون العلم هو المسبب فالعلم الذي يعتبره راسل بديلا عن الايمان وفي الحقيقة يعود بالنتيجة الى نفس مشكلة الخوف".

هذا وقد ختم البخاتي ورقته البحثية "بأن الفاصل الكبير الذي يضعه راسل بين الدين والعلم نجد ان العلم في السنوات اللاحقة ما بعد راسل بدأ يهتم بقضية الدين، وهناك نشأت مناهج علمية ودراسات علمية اخذت موضوعة الدين لاشتغالها العلمي الخاص، ولعل كلمة مرسيه الياد وهو يصف علم الاديان (بأن وظيفته ان يجعل الوثائق والوقائع الدينية منهجا ميسورا لفهم الانسان الحديث وادراكه) ويعتبر مرسيهم ان ؤرخ الاديان وبفضل تلك الوثائق يتمكن من الوصول الى معرفة أعمق بالإنسان الانسان الحديث".

 المداخلات:

بعدها انتقلت الحلقة النقاشية الى طرح المداخلات من قبل الحاضرين للاطلاع على آرائهم وافكارهم حول هذا الموضوع:

- الشيخ مرتضى معاش رئيس مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يرى ان عالم اليوم يزداد حداثة، وان السبب الرئيس لبروز ظاهرة الالحاد ليس بسبب جوهري عميق، بل هو نتيجة للحداثة العالمية المستمرة وشعور بعض الناس بعدم الحاجة الى الاله، وانهم يمتلكون كل شيء من مثل الهواتف الذكية والتكنلوجيا المتطورة وصعدوا الى القمر وتوصلوا الى كل شيء، وهذا هو الغرور بعينه حتى اوصل الانسان لهذه المرحلة التي لا يحتاج بها الى الاله، لكنه عندما يصاب اي الانسان بكوارث وازمات في ذلك الوقت يرى الله موجودا، فالله يحيا في عمق الانسان وفي فطرته، واقوى دليل على وجوده هو فطرته الانسانية والتي يشعر من خلالها بأنه ضعيف وان الله هو الخالق وهو كل شيء.

يضيف معاش، النقطة الثانية الهزيمة النفسية هي التي تؤدي الى فكرة الالحاد، وكذلك الشعور بالفشل وبالعدمية والشعور بانه ليس هناك شيء في الحياة، وليس هنا هدف فيفقد الانسان كل مبررات البقاء في داخل نفسه، القضية هنا لا تتعلق بنفي الايمان بل هي هزيمة نفسية، يضاف الى ذلك يستدل الملحدون على نفي الخالق بالعلم، لكن العلم مهما توصل هو لا يعرف ما تحت قدمه لا يعرف ما تحت الارض وما في اعماق البحار، ايضا الاشكاليات التي طرحها العلماء والفلاسفة ادت الى اشكاليات اعمق، فهم حاولوا حل مشكلة السببية بالصدفة ولكن الصدفة هي تعبير عن العشوائية وليس لها قيمة، فالقيمة للنظام.

يكمل معاش، العقل الانساني لديه حدود مطلقة وبديهيات مطلقة يتحرك من خلالها، فالعقل الذي يرفض فكرة اجتماع النقيضين هو نفسه الذي يؤكد على وجود سبب اول او سبب اعلى وهو الله سبحانه وتعالى، فكل ما طرحوه من اشكاليات نفي الخالق هو العكس من ذلك يؤدي الى تثبيت فكرة الخالق، لذلك فان الالحاد هو نتيجة الغرور والهزيمة النفسية، كما انه يؤدي الى المزيد من اليأس وفقدان الهدف في الحياة، فهؤلاء الذي دخلوا في باب الالحاد لم يتوصلوا الى نتيجة فكانت الابواب امامهم مؤصدة، العالم امامهم مؤصد ليس هناك افق ما بعد هذا العالم.

ويضيف، لذا حياتهم اصبحت عدمية بعد ان غرقوا في مفهوم العدمية حيث لم يصلوا الى نتيجة، عكس اهل الايمان فأنهم وصلوا الى نتيجة مفادها انهم يؤمنون بالله وباليوم الاخر ويؤمنون بالجنة وبالنار وبوجود عوالم اخرى، هذا يتلائم مع نفسية الانسان في ان له هدف في الحياة وله استمرارية، اما اهل الالحاد فوصلوا الى اليأس والى العدمية هي التي تحكمهم الان، بالنتيجة الانسان يؤمن بالحياة والايمان يتلائم مع الحياة والله يتلائم مع الحياة، اما الالحاد فيتلائم مع العدم مع نفي السببية مع نفي الوجود المستقبلي، فلابد ان نفكر بطريقة اكثر عمقا ونرجع الى فطرتنا كي نعرف كيف يؤثر الله في حياتنا.

- احمد جويد مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات، يقف عند عنوان تأسيس الالحاد وكل تأسيس مبني على قواعد، وبالتالي ان الملحد لم يأتي ليؤسس قواعد رصينة يبني عليها ويقنع الاخرين في نظريته الالحادية، الالحاد بشكل عام ينبع في الكثير من الاحيان من ردات فعل قد تصيب بعض الاشخاص، وممكن ان تشكل حالة انتفاضة نفسية على كل شيء وهذا خلاف العقل والفطرة وحتى العلم، اليوم العالم يتطور ويثبت كل شيء من خلال العلم وكل الامم سواء كانت من الموحدين أو من غير الموحدين، هي تبحث عن خالق عن اله وعن شيء هو سبب لهذا الكون، وبالتالي لا يمكن ان ننفي عدم وجود اله وكل ما جاء من خلال الكتب والرسائل السماوية، فهذا خلاف لكل النواميس الطبيعية خلاف العقل وخلاف العلوم.

- عدي الحاج مدير العلاقات العامة لمؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، يعلق ان كل الاديان التي جاءت لها كتب سماوية صدرت عن اله واحد، لذا الملحدون لا ينتمون الى هذه الكتب والا لكانت فكرتهم سدى، وبطبيعة الحال هناك ثمة اسئلة تلوح في سماء هذا الواقع وهي تكاد ان تتمحور على الشكل الاتي، فإيهما فكرة وايهما معتقد خصوصا ونحن نعلم ان الفكرة قابلة للتغير اما المعتقد فهو ثابت، كيف ان الشر والظلم هو من الله جل جلاله وهو العادل، ما هو سبب تنامي فكرة الالحاد مؤخرا خصوصا في اوساط الشباب، دائما المسلمون هم من يدافعون عن خالقهم عكس غير المسلمين وهل الحداثة وتطورها يرجعنا الى الجاهلية؟.

 - من جانبه الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، يشيد باختيار هذا الموضوع وانه على اهمية كبيرة ويتمنى ان يتم التركيز على الشرق الاوسط بشكل اساس وأن يكون النطاق الزمني منحصر على الوقت الحاضر.

خاصة وأن قضية الالحاد هي قضية قديمة وحتى في عصر التنوير في اوربا تم تناول فكرة (ان الله مات في الغابة)، في دراسة في الولايات المتحدة الامريكية وبعد هجمات 11 سبتمبر اجروا استطلاع وكانت نسبة (93%) من الشعب الامريكي يعتقد ان هناك إله واحد، وهذا دليل على ان الشعب الامريكي شعب مؤمن الاقلية فقط كان لديهم شك.

يضيف العرداوي، ان الاستبداد الشرقي لا يصمد امام النقد او امام البحث العلمي، لكني لا اتفق مع الباحث في كون المستبدين في الشرق لم يمارسوا افعال المستبدين في الغرب، فلو اطلعنا على كتاب (الاستبداد في خير امة اخرجت للناس) لكاتبه محمد يعقوب، للاحظنا الكثير من مظاهر الاستبداد التي مورست في الشرق فأحد الخلفاء العباسيين يعلق زوجة ابيه من صدرها ثلاثة ايام.

يكمل العرداوي، الالحاد حالة مرضية قطعا فلا يمكن لانسان سوي ان يكون ملحدا، الايمان حاجة انسانية كي يعرف الانسان من اين جاء والى اين يذهب، الملحد يبدو انه قطع الصلة بينه وبين مصدر ظهوره وماله، وسؤالي هنا هل توجد نسبة لعدد الملحدين في الشرق الاوسط في الوقت الحاضر، والعراق اين هو من توجهات الالحاد، أين يقف الشعب العراقي المسلم، وايضا كنت اتمنى ان اجد اجابة التوجهات الالحادية في اي الفئات العمرية، هل هي في فئة الشباب ام هي في فئة الشيوخ وهل هي بين النساء اكثر ام بين الذكور، لأننا اذا ماعرفنا أين توجد نسبة الملحدين وربما هي "موضة" وليس اعتقاد وهذا يذكرنا بكتاب حنا بطاطو عندما يتكلم عن الشيوعيين العراقيين الذين ينتمون الى الواقع الطائفي وهذا هو واقع ايمان من نوع اخر.

- حامد عبد الحسين خضير باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية، من جانبه استعان بمفردة ذكرها الطبيب والفيلسوف الفرنسي برنار (ان الله او الخالق غير موجود حتى يخضع تحت مباضع الجراحة)، هذا مما يؤسس الى فكرة لابد ان يخضع الله الى التجارب وذلك نتيجة للتطور العلمي واستخدام المناهج التجريبية.

- عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ذكر: ان فكرة طرح هذا الموضوع هي فكرة جديرة بالاحترام في هذا الوقت بالذات، وهي بدأت تعود للمجتمع بطريقة او بأخرى وان سبب نضوجها الان له علاقة بالإرهاب وبالشرق والغرب المستبد، كلها تولد اجواء وافكار جديدة للتخلص من تبعية بعض الاديان التي يطفو عليها صفة الدكتاتورية او الارهاب.

يضيف الصالحي، ان قضية الالحاد ليست واضحة المعالم بشكل مميز لدى القارئ او المستمع، الالحاد في الجانب الغربي من العالم هل هو نفسه في الافكار والتعامل في الجانب الشرق اوسطي، نفس الاحزاب التي كانت ممتدة من روسيا الى الصين الى العراق وبعض الدول الشيوعية التي كانت تحمل نفس الافكار، ممارساتها في روسيا تختلف عن الصين او عن العراق رغم انه يحمل نفس الشعار نفس الاهداف ولكن في تطبيقه وممارسته اليومية هو يختلف وان كان يدعي ادعاء واحد.

يكمل الصالحي، الشيء الاخر في الوقت بالذات ورغم تصاعد قضايا العنف ومحاولة ربطها بالاسلام وبالصراع الديني، لكن لحد لم تبرز فكرة الالحاد بشكل مجانب لهذه الفكرة على انها هي المخلص، ما زالت القضية بعيدة وهي ما زالت طي الكتمان وحديث يدور في الكواليس، كون اشخاص يؤمنون بآراء خاصة بهم وهي ليست فكرة واسعة ومنتشرة، لكن البعض يطرحها على انها الخلاص من مشاكل دمج الدين بالسياسة، واخيرا كنت اتمنى على الباحث ان يتطرق الى وجهة نظر العلماء بهذا الموضوع.

-علي صالح الطالقاني مدير مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، من جهته يستغرب من موضوع تهويل الالحاد ومن وجود نسب كبيرة، الشيء الاخر الملحدين انفسهم لا يفضلون ان يقال لهم انهم ملحدين يقبلون بتسمية اللادينيين، النقطة الاخرى يحصل خلط كبير ما بين من يرفضون الدين وما بين فكرة الالحاد، الكثير منهم يؤمن بالله ولكن يرفض الدين بشكله المنظم بطقوسه بعاداته.

يضيف الطالقاني، اثناء متابعتي لبعض الحوارات التلفزيونية لفت نظري اغلب الملحدين من الشباب وتراوح اعمارهم ما بين (20 الى30) عام، وهم دائما ما يأتون على ذكر اسباب مختلفة وهي تكاد ان تكون طبيعية، ومن تلك الاسباب انهم ينظرون من منظور ديني متشدد وان الدين لا يلبي طموح البشر ولا يتناسب مع كل مرحلة من مراحل البشر، البعض منهم كان يعيش في جو ديني متشدد في السعودية مثلا، البعض يعزي سبب الحاده لأنه فقد طفولته وبراءته من خلال وجود الدين المتشدد والان يحاولون من خلال ذلك تعويض النقص الحاصل.

يكمل الطالقاني "من النقاط الاخرى هناك ازدواجية تعيشها مدننا بين الحياة المدنية والحياة الدينية، اي بمعنى ان القول لا يتم تطبيقه وهذا امر خطير وهو يسبب حرج للمتلقي، وبالتالي يمكن ان نطرح السؤال الاتي، لماذا يتم اغفال اهمية الفلسفة بشكل عام ودورها في الخوض في الذات الالهية، وما هي الغايات الرئيسة من جعل العالم ملحدا؟".

- محمد الصافي ناشط مدني، تحدث قائلا " لقد تم ذكر ان تأسيس الالحاد وأنه بني على نظريات وعلى اراء فلسفية وهي تمتد لزمن لطويل، الان عندما نشاهد انتشار مفردة الالحاد او الملحدين او اللادينيين او الربوبين، الكثير من التسميات الموجود اليوم نجدهم في تلك الاصناف ينحدرون من خلفية دينية، وهم بالأساس كانوا تابعين لأديان ولمذاهب متعددة وليس بالضرورة هم مسلمين على العكس نجد ان نسبة الملحدين اكثر من(80%) من اتباع الديانة المسيحية".

يضيف الصافي "أتصور ان الصراع المذهبي الموجود بين الدين الواحد والصراع بين الاديان بشكل عام، يساهم بشكل كبير في نشر الالحاد في العالم هذا اليوم، والغريب هنا ورغم ان العالم قد شهد حربين عالميتين الا انه لم يسجل حضور فكرة الالحاد آنذاك وبقى المجتمع الغربي متمسك بالكنيسة وهو محافظ، بعد تلك الحربين نجد الترويج بقوة لفكرة الالحاد اكثر من قبل، هم يستثمرون الصراع السياسي والديني بشكل كبير".

يكمل الصافي "كذلك لا توجد احصائية عن عدد الملحدين خصوصا وان هناك تخوف او تردد في امكانية التصريح بهكذا فكرة، كذلك انتقال الصراع الديني والمذهبي الى نفس مجتمع "الملحدون" فالبعض من هؤلاء يؤكدون على انهم لا يعترفون بوجود الله، البعض يقول نحن ربوبيين نؤمن بوجود الرب ولكن لا نؤمن بوجود الاديان، البعض منهم يصرحون انهم لادينيين ولا يؤمنون بوجود الاديان لكن لديهم تعصب للمجتمع الذي ينتمون اليه ".

يضيف ايضا " كأنما هم نقلوا نفس الامراض التي كانوا يعانون منها في اصل انتمائهم الديني، الى العالم الجديد الذين يعيشونه وهو تحت مسمى الالحاد وهناك ضعف في المؤسسات الدينية للرد على فكرة الالحاد، نُسجل ايضاً ضعف الخطاب الديني نحو المجتمع فنجده يركز على الامور التاريخية وعلى الصراعات بدل نشر ثقافة التسامح والمحبة والسلام، لم يتعرضوا الى الارث الاسلامي العظيم المتمثل بسيرة اهل بيت النبوة عليهم السلام، ومحاولة تجرية فكرة الالحاد من مقومات نهوضها الوهمي في عالمنا اليوم ".

التعليقات الختامية للباحث

 اخيرا رد الباحث حكمت البخاتي على جميع الملاحظات والمداخلات بشكل متسلسل "خصوصا فيما يتعلق بفكرة ان الحداثة لم تصنع الالحاد، لكن الظرف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام الذي رافق الحداثة هو الذي ادى الى ظهور صور الالحاد، النقطة الاخرى لم يشكل الالحاد دائما ظاهرة جماهيرية او مجتمعية، وانما هي ظواهر فردية تتضافر لغرض ان تكون ظاهرة جماهيرية لكنها لا تستطيع ان تنجز هذه الجماهيرية، اضف الى ذلك ان الالحاد يسعى الى تأسيس قواعد واستبدال نسق الايمان بنسق الالحاد، بل اكثر من ذلك بعض الملحدين الغربيين يتناولون الالحاد بمرونة فكرية، ليس لأغراض عدائية وانما يسعون الى تأسيس قواعد حتى تبني عليه المسائل الاخلاقية، ووفق هذا المنظار على الاديان التوحيدية ان تتنبه لمواجهة تلك الافكار بما يلائمها او يتناسب معها فكريا، اما بخصوص الالحاد فأنه ليس معتقد انما هو فكرة قابلة للتبدل وهذا ما تؤكده تجارب الملحدين الذين تخلوا في اوقات سابقة عن فكرة الالحاد".

يضيف البخاتي ايضا "ما يخص اقرب الفئات العمرية التي تنحو نحو الالحاد بالتأكيد هم فئة الشباب، والغريب في الموضوع ان اكثر الذين اتجهوا نحو الالحاد يعللون سبب انحيازهم نحو الالحاد، بغية التحرر من القيود النفسية التي فرضها الدين وهؤلاء غالبيتهم ينحدرون من واقع ديني متشدد وخصوصا المدارس السلفية، تلك التي تلغي الحياة فاذا أُلغيت الحياة أين محل الله؟ إن اهم اسماء الله سبحانه وتعالى هو الحي القيوم، سيما وان كل اسماء وصفات الله تتفرع من هذا الاسم وبالمناسبة (الحي) هناك رابطة تفسيرية بينه وبين الحياة.

 اما ما يتعلق بموضوعة نسبة الملحدين فليست هناك نسب معينة لكن على ما يبدو ان الالحاد اكثر ما ينتشر عربياً في المغرب والسعودية ومصر تحتل المرتبة الثالثة، وذلك بسبب وجود المدارس السلفية في تلك الدول وايضا ان نسبة الالحاد في العراق لا تشكل الا نسبة بسيطة، وان نسبة الالحاد في الدول المذكورة اعلاه يكاد يكون بمستوى النسب العشرية".

 يكمل البخاتي "ان مسالة الخوض عن الالحاد في الغرب دون الشرق فالإجابة تكاد تكون بسيطة كون الغرب لا يزال يحتل المركز وان تأثيراته على الشرق اساسية ومصدرية، الى جانب ذلك فيكفي الاستبداد الغربي انه انتج الفاشستية والنازية، وان ما سببته الحروب هناك تضاهي جميع حروب الدنيا منذ نشأتها.

 اما ما يخص (الموضة) فالكاتب العراقي (حاتم الكعبي) اصدر كتاب يسمى(حركات الموضة) وهو يوازن بين ظهور الموديلات بظهور الافكار، ايضا العالم الحديث هو عالم المعرفة بامتياز وبطبيعتها المعرفة تنتج الجدل المستمر، اما الرؤى التي تتحدث عن ضرورة ان تضع الله في موضع التشريح واقعا هي اشارت ومن حيث لا تدري الى موت الانسان، الى جانب ذلك الدعوة لازدهار الفلسفة نتاج ناهض عملت عليه الحضارة الاسلامية وعارضته الثقافي التركية التي شكلت عبء على الواقع الاسلامي، تطورات العالم الصناعي هي التي تدفع باتجاه ان تجعل العالم ملحدا.

 النقطة الاخيرة ان الموقف الذي دفع للإلحاد المظاهر الزائفة للإسلام التي قدمته التجربة السلفية، وهذا قد يذكرنا بالحداثة ما بعد الحرب العالمية وهي قد واجهت نقدا حادا وقويا حتى جاءوا بأفكار ما بعد الحداثة ثم ما بعد ما بعد الحداثة، واخيرا ان التشدد الديني والتطرف الديني هو طارئ على الذات العربية".


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998