مقالات

كيف يحافظ الانسان على انسانيته؟

مقدمة:

أينما تذهب في هذا العالم تجد وتسمع من يتحدث عن الانسان الحسن السلوك والجيد لنفسه وللمحيطين به، مع فارق الاهتمام بهذا الجانب الاخلاقي من بلد الى آخر، ففي مجتمعات تعد نفسها ثرية بالقيم والمبادئ المنتجة للانسان السليم من الجهات كافة، وتحديداً القيم الدينية والاخلاقية، فيكفي لديهم أن يكون الانسان ملتزماً بالاحكام والتشريعات والاوامر الإلهية وما توصي به كتب الروايات عن المعصومين، عليهم السلام، فيما تجد مجتمعات اخرى نفسها منشغلة عن هذا الامر لتعرضها لنكبات وأزمات خانفة من الداخل، حيث الفقر والتخلف والحرمان، ومن الخارج، حيث الحروب الطاحنة والتجاذبات السياسية، فلا تجد الوقت الكافي للتفكير والبحث عن الانسان الجيد، كون الانسان لديها اساساً معرض دائماً للموت، فلا يفرق معها كيف تكون شخصيته، أما بلدان اخرى تنبهت الى الامر لاسباب عدة، و راحت تحثّ وتعبئ لصناعة الانسان الفاضل والحسن والمتضمن للصفات الاخلاقية، وبالمجمل؛ يكون انساناً حقيقياً، وهو ما نسمع عنه في بعض البلاد الغربية.

ومن خلال برامج تبلفزيونية ومطبوعات وخطابات وندوات تشارك فيها شرائح مختلفة من بعض المجتمعات، تم تثقيف الناس على أمرين من جملة أمور في هذا الجال، وهي؛ مساعدة المحتاجين، من مرضى وفقراء ولاجئين وغيرهم، والامر الآخر؛ احترام المختلف في رأيه وعقيدته وانتمائه الاثني.

ومع اننا لسنا بوارد الخوض في تقييم هذه التجربة، ونتركها لأهلها، إنما المهم لدينا الوصول الى السمة الانسانية الحقيقية التي بشر بها الاسلام ونعد انفسنا ورثة منظومة اخلاقية وتربوية شاملة من شأنها صناعة الانسان الحقيقي الذي يحمل سمته من صغر سنة وحتى آخر لحظة من حياته، فالقضية لا تتعلق بزمان ومكان، بقدر ما هو منهج للحياة يعيشه الانسان – الفرد والمجتمع- وينعكس مباشرة في علاقاته البينية والمجتمعية، وهذا ما يدعو اليه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- في هذا المقطع الصوتي، عندما يؤكد استمرارية الحالة الانسانية وعدم تأثرها بمتغيرات الزمان ومستجدات العصر مهما كانت، وهو ما يُطلق عليه في الاصطلاح الديني: "الاستقامة"، فالانسان الحقيقي، هو ذلك الذي يحمل سمة الانسانية طوال حياته، ولا يحيد عنها طرفة عين، بل ويجاهد من اجلها، كما يحذر في الوقت نفسه مما يقتل روح الانسانية في الانسان نفسه. لنقرأ معاً:

"أن يخوض الانسان عملية التغيير الذاتي ليس بالأمر الهيّن؛ أيها الشباب!

ينقل عن الشيخ مرتضى الانصاري، أحد أبرز فقهاء الشيعة، وهو استاذ الفقهاء منذ 150سنة والى اليوم، وصاحب كتاب "المكاسب" سًئل في مجلس عام، عن كيف يكون الانسان عالماً؟ وكيف يكون انساناً؟ فقال:

"أن تكون عالماً فهو مشكل، أما ان تكون انساناً فهو أشكل"! بمعنى ان يطلب الانسان العلم فهو بحاجة الى تخطي الصعاب والتحديات، بينما ان يكون انساناً، فهو يواجه صعوبات وتحديات اكبر، فاذا كان طلب العلم يأتي من الدراسة والمذاكرة والسماع والمطالعة، وذلك خلال ثلاثين او اربعين سنة –مثلاً- فان انسانية الانسان بحاجة الى متابعة للسلوك والحركات والسكنات يومياً وفي كل لحظة طيلة حياة الانسان.

يروى من قصص العبرة، أن شاباً من سوريا تنازع مع والده الذي كان ينصحه ويريد تقويم سلوكه دون فائدة، فقرر الشاب مغادرة مسكنه والانفصال عن والده، وعند الرحيل قال له والده: "اذهب يا بني فانت لن تكون انساناً حقيقياً"!

هذه الكلمة حزّت في نفس الشاب، فمضى الى حال سبيله، فقرر ان يرتقي مدارج العلم والمعرفة ليكون كما يريد، او ان يكون انساناً كما يتصور، فدرس في الجامعة، ثم تخرج ثم انخرط في العمل السياسي واصبح نائباً في البرلمان، ثم تدرج في العمل السياسي حتى صار وزيراً ثم اصبح رئيساً للوزراء.

ذات مرة وفيما كان موكبه يسير في الشارع، ومن حيث الصدفة، رأي والده، وقد طعن في السن، وهو بين الناس المصطفين في الشارع لرؤية موكب رئيس الوزراء، وقد عرف والده فوراً، بيد أن الوالد لم يكن بوسعه التعرف على ابنه، فأوقف الموكب واقترب من والده، وقال له: ألا تعرفني! قال: لا، فقال له: انا ابنك الذي قلت له يوماً: "انك لن تكون انساناً"، وها انا اليوم رئيساً للوزراء!

فقال الوالد: والآن انا متمسك بكلمتي تلك، ربما درست في الجامعة واصبحت وزيراً ورئيساً للوزراء، ولكن لم تصبح انساناً حتى الآن...."!

فهذا الولد (رئيس الوزراء) تصور ان المفترض من والده ان يفتخر به ويتزلف اليه، لا أن يأتي هو ويقبل يده ورأسه عرفاناً بما له من جميل جمّ منذ كان طفلاً صغيراً.

ان يكون الانسان انساناً يحتاج الى استقامة، يقول النبي الاكرم: "شيبتني سورة هود"، يقول العلماء ان سبب تأثر النبي بهذه السورة للآية الكريمة: {واستقم كما أمرت ومن تاب معك}.

فالانسان يمكن ان يكون صادقاً وأميناً ومحباً للناس ويضم جميع الخصال الحميدة، بيد أنه بحاجة الى الاستقامة على كل ذلك، ليس هذا فقط، وإنما انت مكلف بأن يكون من حولك مستقيمين ايضاً، {ومن تاب معك}.

الاستقامة على النهج روح الإنسانية

الحالة الانسانية ربما تتجسد في مواقف او مبادرات او قرارات تعود على صاحبها بالثناء والتبجيل لانه اتخذ هذا الموقف الانساني او تقدم بمبادرة انسانية إزاء الاطفال المصابين بأمراض عضال –مثلاً- او مد يد العون للعوائل النازحة من ميدادين القتال وغير ذلك كثير، وهذا حسن في كل الاحوال، لانه ربما يكون بداية لتنمية الحالة الانسانية وتكرار التجربة في وقت آخر، بيد أن الأحسن وجود هذه الحالة ضمن منظومة اخلاقية وقيمية متكاملة تجعلها عامل دفع في المجتمع نحو معالجة الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الفقر والبطالة والأمية، بل والإسهام في الارتقاء بمستوى النمو والتطور في المجالات كافة.

وبذلك تتحول الحالة الى ثقافة في اوساط المجتمع تستمد جذورها من تعاليم وأحكام سماوية جسدها المعصومون، عليهم السلام، ولذا كانوا يدعون دائماً للاستقامة على النهج لانه يمثل روح الانسانية في المجتمع، وإلا تبقى المبادرات والمواقف الانسانية مجرد نقاط بيض متناثرة وسط صفحات سوداء تغطي المساحات الواسعة من المجتمع، واحياناً نلاحظ ثمة نوعاً من الاتكالية وانتظار من يقوم بمبادرة انسانية لمساعدة الايتام والارامل والنازحين والمرضى والمعوقين، ولذا نجد سماحة الامام الشيرازي يستشهد بحديث للرسول الأكرم بأن "شيبتني آية في سورة هود"، وقد ذكر العلماء بأنها: {واستقم كما أمرت ومن تاب معك}، هذا الحديث الشريف شغل العديد من العلماء والباحثين، لما تمثله من إشارة واضحة الى أهمية الاستقامة في الحياة وتحدي الصعاب والضغوطات والمنغصات، وتكون الاستقامة ذات أولوية عندما ترتبط بالحالة الانسانية، فمن يريد ان يكون انساناً حقيقياً عليه ان يكون مستقيماً وهو يحمل كل القيم والمفاهيم التي تدفعه في لحظة تفاعل واندماج لأن يتخذ موقفاً انسانياً.

ولكن؛ كيف يكون الانسان مستقيماً حتى يكون انساناً؟

العلماء والباحثون أشاروا الى أن الاستقامة والحالة الانسانية، ليست مما يمكن طلبع واكتسابه مثل العلم والمعرفة، وهو ما صرّح به الشيخ مرتضى الانصاري "بأن يكون الانسان عالماً لهو أمر مشكل، أما ان يكون انساناً فهو أمر أشكل"، ومنشأ الصعوبة في أن الانسانية حالة تنمو في نفس الانسان، وبحاجة الى تحدي من خلال بذل جهود جبارة واستثنائية، وهذا ما يشير اليه المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في كتابه "الابتاء مدرسة الاستقامة" عندما يشير الى حقيقة "المعدن" في نفوس الناس، وضرورة الحفاظ على نقاوتها، وأن "حوادث الحياة ومستجداتها وطوارئها وما تجره من ظروف واحوال شاقة ومحن وآلام لا تزيد المعدن الطيب إلا طيبة وصلابة ومتانة، بينما يكاد المعدن الخبيث والضعيف يتلاشى ويضمحل وينصهر، ذائباً في بوتقة ملمات الدهر لان من طبعه الميل مع كل ريح، والتهاوي لأدنى تحد".

الانسانية والانسانيون

ثم هل يكفي ان تكون الانسانية لشخص واحد يتميز بها وسط اقربائه او اصدقائه او محيطه الاجتماعي؟

ان ثمار الانسانية وآثارها في الواقع الاجتماعي تكون عندما تتسع مساحة الانسانيين في المجمتع، فاذا وجدت الانسانية في الدائرة الحكومية وفي السوق وفي حركة السير بالشارع وغيرها من مرافق الحياة، لنا ان نتخيل النتيجة وما تكون اوضاع المجتمع وكيف سيشهد اختفاء الازمات والمشاكل لديه الواحدة بعد الآخرى.

وعندما يؤكد سماحة الامام الشيرازي على هذه النقطة المحوروية في الحالة الانسانية، إنما يؤكد على البعد الحضاري الذي يكشف عنه القرآن الكريم في الآية الكريمة التي قصدها النبي الأكرم في حديثه الشريف، فالحالة الانسانية، ليست مقتصرة على الغني او المشهور رياضاياً او فنياً او الوجيه الاجتماعي، انما من هي مسؤولية كل انسان ان يجرب هذه الحالة في نفسه وإثارة الكوامن الخيرة وصقل المعدن النظيف في نفسه، ليعم الخير الجميع.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات