قضايا وآراء

الامام الشيرازي في نصيحته للغرب

من الصحيح القول بان الغرب قد استطاع تطوير تكنولوجيا الانتاج وزيادة منتجاته قيمة وكمية عبر تحقيق الثورة الصناعية منذ اواخر القرن الثامن عشر والثورة الاكترونية منذ اواخر القرن التاسع عشر والثورة الكيميائية منذ عشرينيات القرن الميلادي العشرين والثورة الذرية منذ اربعينيات القرن الماضي والثورة المعلوماتية منذ اواخر القرن ذاته ايضاً.

ومن الصحيح القول ايضاً، بأن هذه الثورات العلمية قد اسهمت بشكل فاعل في زيادة مداخيل دول الغرب زيادة مذهلة، كما اسهمت في تمليك هذه الدول رساميل ضخمة قابلة للاستثمار في داخل حدودها وخارجها، كما مكنتها من بناء مدن حديثة ذات مباني شاهقة وطرق معبدة وجسور عملاقة ومؤسسات خدمية راقية، وتكوين جيوش قوية، مجهزة باحدث وافتك الاسلحة والتي بامكانها تدمير الكرة الارضية او أي بلد معادي في ساعة زمن، واستكشاف النجوم المجاوره لكوكب الارض والسيطرة على الفضاء الجوي المحيط بالارض، عن طريق الاقمار الصناعية المكلفة بدارسة احوال الارض ورقابة احداثها والتدخل في الحروب العسكرية الجارية على يابستها وبحارها ومحيطاتها.

ومن الصحيح القول ايضاً بان دول الغرب قد نجحت في بناء نظام سياسي ديمقراطي، ضمن للمؤسسات السياسية والاعلامية والنقابية وللمواطن العادي حرية التعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار السياسي الوطني او الإقليمي او الدولي، بما يبعد البلد او البلدان المتحالفة عن نزعات الدكتاتورية الفردية.

ومن الصحيح القول ايضا، بان دول الغرب قد استطاعت بناء نظام للضمان الاجتماعي، شركات او مؤسسات لاعانة الافراد والمؤسسات التي تتعرض لمخاطر الحريق والبطالة والسرقة والمرض والكوارث الطبيعية وغيرها من المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها المواطن بسبب تقدم السن او تغير الظروف السياسية والاقتصادية او تقلبات الظروف الطبيعية،يخفف من آلام الناس ويزيل عن طريق حياتهم بعض المصاعب والعثرات ويقلل من دوافع الاجرام.

ومن الصحيح القول ايضاً بأن دول الغرب قد استطاعت توفير الكثير من مظاهر الرفاهية والمتعة لبعض مواطنيها، كالملاعب الرياضية والحدائق واماكن التسلية.

ومن الصحيح القول ايضاً بان هذه الدول قد قدمت لبعض الدول المتخلفة مساعدات اقتصادية، كما استقبلت عدد لا بأس به من المهاجرين اليها من دول العالم الثالث، كما اتاحت لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية.

بالرغم من كل هذه المظاهر الحضارية المتقدمة والتي تؤكد تقدّم المدنية الغربية الا ان هذا البناء الشامخ لا يخلو من عناصر هدم، قد تتنامى حتى تحيله الى ركام.

ربما يستبعد البعض هذا الاحتمال، باعتبار ان هذا البناء قد استطاع مقاومة مخاطر جسيمة كثيرة خلال مئات السنين الماضية، مثل: البطالة، التضخم، حروب مسلحة دامية اهلية واقليمية ودولية، دكتاتوريات هتلر وموسليني وفرانكو، الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وتناقس بعض اركان هذا النظام ـ أي الدول الغربية ذاتها ـ على مصادر المواد الاولية واسواق تصريف منتجاتها، انهيار متكرر لنظام النقد الدولي.

صحيح ان الرأسمالية قد استطاعت مقاومة هذه الازمات والخروج منها منتصرة ولكن علينا التذكير بامور عديدة، ابرزها:

أـ لم يكن الخروج من تلك الازمات بلا تضحيات جسام، اذ خسرت البشرية ملايين الضحايا واموالاً طائلة وفقدت الاستقرار والامن لزمن طويل.

ب ـ لقد تحملت شعوب كثيرة، بما فيها شعوب الدول الغربية، الكثير من الآلام بسبب تلك الازمات المصنوعة بايدي بعض افرادها.

ج ـ ان الاتحاد السوفيتي قد تعرض لانهيار مفاجيء وساحق بالرغم من كل مظاهر القوة والتقدم المادي التي تمتع بها، اذ لم تنقصه مظاهر المدنية وامكانيات غزو الفضاء وامتلاك اسلحة الدمار الشامل وموارد اقتصادية ضخمة.

والتزاما من الامام الشيرازي الراحل بنهجه الاصلاحي، الساعي الى تأمين الخير للبشرية جمعاء ونشر الامن والسلم في العالم وبناء عالم جديد بعيد عن المخاطر التي تهدد وجوده واستقراره، فقد وجه لدول الغرب نصيحته الداعية الى اقامة وتبني نظام جديد خالي من مصادر الخطر وعوامل الهدم والاستنزاف.

لقد جاءت تلك النصحية بعد دراسة الامام الراحل لواقع الدول الغربية، حيث كشف عن ابرز العوامل الداخلية الهدامة والتي تنذرها من السقوط في مهاوي سحيقة مدمرة.

وبالنظر للحرص على عدم اطالة هذه المقالة فسأكتفي بذكر بعض المخاطر المهددة لأمن الغرب والتي رصدها الامام الشيرازي الراحل:

أـ الافراط في الحرية: لقد اتاحت الديمقراطية الغربية لمواطينها فرصة التعبير عن الرأي وكذلك ممارسة أي سلوك يرتضيه الفرد لنفسه ولا تعارضه قوانين الدولة. ان هذه الحرية غير المقيدة بنظام اخلاقي او تعليمات دينية، بالنظر لعلمانية دول الغرب، له ابعاد خطيرة وتأثير سلبي على المجتمع، اذ انه قد يوقع بعض الناس في متاهات وممارسات سلوكية ضاره بنظام الاسرة او نظام القيم الاجتماعية وبالتالي بسلامة المجتمع. وفي اطار تنبيهه لهذا الخطر قال الامام الراحل في كتابه الصياغة الجديدة(ص68): هذه الحرية الافراطية هي التي سببت المشاكل التي يرتطم بها الغرب الى هذا اليوم.

ب ـ سيادة النزعة المادية: لقد تحكمت المادة في حياة كثير من الشعوب، بما فيها الغربية. ان تحكيم المادة في حركة الانسان يؤدي الى تغليب مصالحه المادية على مصالحه واهدافه ومبادئه الروحية، وهذا مكمن الخطر على الفرد والمجتمع. وعن هذا الواقع المؤلم والخطير قال الامام الراحل: حين انهزم الدين عن الساحة واخذت المادة مكانه حدث الاستعمار والاستغلال للشعوب الاخرى، لان المادة ضيقة فتوجب التشاجر والتناحر والاستغلال والاستعمار.

ج ـ تنامي النزعات الانانية: ان سعي الانسان الى تحقيق مصالحه الخاصة ليس بالامر المحرم لكن هذا السعي يجب ان يكون في حدود معينة، لانه متى ما ركز الانسان على تحقيق مصالحه الخاصة واهمل مصالح اخيه في الدين والانسانية اصبح غولاً لا يعرف الرحمة والشفقة ولوقع في ازمة اخلاقية توقعه في صراعات طبقية وقومية وحزبية قاتلة لا رحمة فيها على ضعيف وليكون القوي هو سيد الموقف وهو القادر على البقاء دون غيره من الناس. وفي هذا الخصوص قال الامام الراحل في كتابه الانف الذكر(ص70): ما دامت الدنيا لا تضع الحب مكان الكراهية، والاخوة مكان الطبقية والوطنية والقومية ونحو ذلك، وحسن الظن بدل سوء الظن، وحب الانسان بما هو انسان بدل الروابط الانانية والارضية ونحوها، والتعاون بدل التقاطع.... لم يكن للعالم خلاص من المشاكل بل تزداد ضيقا يوماً بعد يوم.

دـ تفاوت دخول السكان: لقد عانى جزء من شعوب الدول الغربية من الفقر او العجز عن اشباع الرغبات والحاجات المادية والروحية بالرغم من غنى هذه الدول ورفاهية بعض سكانها ووجود نظام للتأمينات الاجتماعية للتخفيف من او القضاء على ظاهرة الفقر. ان سبب هذا الفقر هو تكبيل يد الدولة او الحد من قدرتها على التدخل في الحياة الاقتصادية.

لقد اتاح تطبيق هذا المبدأ لبعض السكان، خاصة اصحاب الرساميل، الحصول على اموال طائلة فيما حرم البعض الاخر من الحصول على الدخول الكافية او اللازمة لتغطية متطلبات المعيشة. وقد اشار الامام الشيرازي بمثال بسيط الى هذا التفاوت في توزيع المداخيل حينما قال في كتابه المذكور سابقاً(ص92ـ93) كالبلاد الغربية في الوقت الحاضر، انها لم تتمكن ان تعطي للناس حاجاتهم، فهل كل الناس في الغرب يتمكنون ان يصلوا الى الجامعة ويتخرجوا منها؟ وهل كل الناس في الغرب اغنياء؟

ان هذا التفاوت بالدخل هو المسؤول عن عنوسة ملايين النساء ومعاناة اغلبية السكان من الخوف والقلق من التعرض للفقر او البطالة لاي سبب من الاسباب.

هـ ـ عدم اخضاع وسائل كسب المداخيل لمعايير دينية: لقد فرضت الشرائع السماوية على المؤمنين بتعاليمها قواعد عمل او كسب معاش معينة. ولعل ابرز تلك القواعد هي تحريم الكسب عن طريق الربا والرشوة والاحتكار والدعارة وتجارة المخدرات. اما من اسباب هذا التحريم فهي: محاربة كل عمل يؤدي الى استغلال الانسان للانسان وحط البعض من كرامة الاخرين، او بالاحرى كل ما يؤدي الى هدم وحدة المجتمع وتوتير اوضاعه وتوريطه في ازمات اجتماعية قابلة للنمو والاستفحال. وتنبيها منه لهذا الخطر قال الامام الراحل في كتابه سابق الذكر(ص98): الغرب يرى ان المحدد هو المادة. فكلما يجلب المادة فهو امر قانوني وان كان يسبب الربا والاحتكار وفتح المواخير وتجارة الافيون.

وـ عدم اخضاع السياسة العامة لمعايير دينية: لقد حرمت الاديان السماوية قتل الانسان لاخيه الانسان بدون مسوغ منها، كما حرمت الاستغلال واخضعت الحروب لمعايير وضوابط معينة ووضعت للحكام وممارساتهم مواصفات ومقاييس خاصة واحاطت الحريات العامة بحدود وجعلت لنشاط الجماعات السياسية ضوابطاً. ان اخضاع السياسة العامة لهذه المحددات والضوابط والعايير يضمن سلامة واستقرار وتقدم المجتمع والا فان عدم الالتزام بهذه القواعد سيوقع الدولة في ازمات قابلة للحركة بكل اتجاه سلبي وبما يؤدي الى ضعفها وربما زوالها. وقد اشار الامام الراحل الى هذا الخطر المحيق بالدول الاشتراكية والديمقراطية في كتابه المنوه عنه اعلاه(ص103)بالقول: فحيث لا يشترط الديمقراطيون والشيوعيون في الحكام العدالة والخوف من الله سبحانه وتعالى يكون القانون ايضاً العوبة بيد الحكام .... وتخلق بين الطبقات فجوة سحيقة فيعيش حفنة من الناس في بحبوحة من الرفاه والعيش الرغيد الى حد التخمة في كل شيء بينما يعيش اكثرية الناس في احضان الفقر والمرض والجهل والتأخر والتخلف وافتقاد اوليات الحاجيات.

ان مكامن الخطر هذه قد تعرض ذلك العملاق الغربي، الذي يظن بانه قوي لا يقهر ولا تهزه الاعاصير، الى النكوص على عقبيه والانحناء لعواصف اجتماعية محلية وعالمية.

وبحكم كون الامام الراحل داعية اسلامي لاقامة مجتمع دولي آمن مستقر بعيد عن العواصف فقد نصح الشعوب عامة، بما فيها الغربية، وكما ورد في الصفحة(125) من كتابه سابق الذكر، بتبني المبادىء التالية:

أـ اعادة الانسان الى الاعتقاد بالله واليوم الاخر، والخوف من ربه ومراقبته، وتطبيق قوانينه على كافة اجزاء الحياة.

ب ـ رد المال الى موضعه، الذي يكون فيه خادماً لا مخدوماً.

ج ـ رد الجاه الى موضعه، فيكون مسؤولية لا غروراً واستعلاءً.

د ـ إعادة بناء الصناعة على أسس صحيحة، تبعد الضرر عن الإنسان وتحقق له كل ما ينفعه ويسهل عليه سبل العيش.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات