قضايا وآراء

الإمام الشيرازي: رياح التغيير والإصلاح سوف تهب على الغرب

من اهم الصفات التي تميز بها الامام الراحل السيد محمد الشيرازي هو قدرته على التنبوء بالكثير من الاحداث المستقبلية والتي حصل بعضها مؤخرا، وتأتي قدرته تلك من خلال قراءاته العميقة والمتعددة للقرآن الكريم وسنة اهل البيت عليهم السلام وتجارب الامم، بالاضافة الى استخدامه لادوات التحليل التاريخي وذلك بأعتماده على منهج الاسباب والمسببات والسنن الكونية والتعليل التاريخي.

 وتشخيصات (الإمام الشيرازي) الصائبة للرؤية المستقبلية المتحققة تكاد تأخذ ايضا مسارها التاريخي باتجاه الغرب، فهو قد وضع التقييمات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والتغيرات الدولية على محك الواقع.. وتنبأ بما سيؤول إليه الواقع الغربي.

إن الصورة التي يرسمها الغرب عن نفسه، صورة براقة ناصعة؛ جميلة من حيث الشكل الخارجي، ولكن تكتنفها لعديد من العقد والأزمات والمشاكل، من حيث الجوهر الذي يشكل أسس بناء المجتمع واستمرار وجوده؛

فالإمام الشيرازي قد تنبأ وهي نبوءة علمية عن حضارة الغرب وما فيها من مزايا ومساوئ وانحراف، ونقاط قوة وضعف، وعوامل تقدم وانهيار، فيقول سماحته: (إن الدول الغربية قفزت في صناعتها إلى مستويات خيالية، لم يكن يتوقعها البشر قبل مائتي عام، لكن الصحيح أيضاً أن المادية البحتة كانت سبباً في حدوث خلل روحي رهيب وفراغ فكري هائل، لا زال المجتمع الغربي يعاني من آثاره، ولذا كثرت الجرائم الإنسانية والأخلاقية، ولم يستطع القانون بقبضته الحديدية من ردع الناس عن اقتراف الموبقات والجرائم؛ فإن القانون لا يكفي في ردع الإنسان عن الموبقات إذا لم يكن له وازع من داخله، والشاهد على ذلك هو وقوع مئات الجرائم في أمريكا بسبب انقطاع الكهرباء لثلاث دقائق فقط).

ويرى الإمام الشيرازي: إن الكنيسة وكتبها الدينية والأخلاقية عاجزة عن ملء الفراغ الروحي الذي يعيشه المجتمع الغربي؛ ذلك أن الكنيسة لا توفر إلا جانباً ضئيلاً جداً من حاجات الروح، وشعر العقلاء في المجتمع الغربي بهذه الحقيقة، كما تجد ذلك في كتبهم، وهم اليوم يلتمسون المخرج، ولا مخرج إلا بالرجوع إلى الدين الصحيح الذي يزرع في الإنسان الخوف من الله سبحانه، وإلى الفطرة الإنسانية الرشيدة، فضلاً عن سيطرة وسيادة روح التعاملات المادية المبنية على المصلحة الشخصية الضيقة، وهي ناشئة من التربية التي تربى عليها الفرد في أسرته ومجتمعه والمناهج التعليمية التي درسها وقيم المجتمع السائدة بين الناس؛ مما أدى إلى اضطراب الإنسان الغربي ومسخه.

إن ضعف العوامل الروحية هي انعكاس لتربية الفرد الغربي وتنشئته وثقافة مجتمعه، ولما كان المجتمع الغربي يدعو أفراده من خلال التربية إلى التقليل من شأن الجوانب الروحية، فإنه أصبح بمرور الزمن يسلك سلوكاً يتنافى وقيم السماء ومن ثم ابتعد شيئاً فشيئاً عن روح القيم والمثل، وازداد إقباله على الحياة المادية البحتة، بل وتكالبه على المادة، والتنازع على الثروة، حيث إن (المادة والثروة) محدودة، وحيث أن طموحات الإنسان غير محدودة، وكل واحد يريدها كاملة لنفسه ويراها من حقه وحسب، فقد انحرف (القانون) أيضاً، وهذا ما عبر عنه سماحة الإمام الشيرازي حيث رأى سماحته بأن الإنسان روح ومادة؛ فالتفريط في أحدهما له نتيجة معكوسة على الجانب الآخر.

ورغم أن الحضارة الغربية أعطت للكلاب حقوقها، إلا أنها فرّطت برغبات الإنسان الحقيقة والذي بات يبحث عن الجديد بكل ما هو منحرف، دون رادع يمنعه أو وازع من دين سماوي يحل هذه الإشكالية.. فتيقن واضعو السياسة الغربية بأن العودة إلى الفطرة الإنسانية أمر لابد منه..

لكن الإمام الشيرازي يرى في نهاية المطاف: إن الفطرة الإنسانية ستنتصر على أعدائها، وستحسم نتائج المعركة قريباً لصالح الفطرة، لكن الأمر يبقى مرهوناً بعدد الرجال الذين يدافعون عن الفطرة وبالأساليب العلمية التي يعتمدونها في تحقيق ذلك، فكلما كانت الوسائل أفضل وأشمل، وكلما كان الرجال أكثر كلما كان طريق النجاح أقصر وأسرع، كما أن التقدم العلمي الإيجابي الذي وصل إليه العالم اليوم يعتبر هو الآخر انتصاراً للفطرة أيضاً.

إن رؤية الإمام الشيرازي التنبوئية في حالة الغرب اليوم، هي حالة تشخيص لحضارة أمم بدأت بالتدهور، وهو أمر ماثل أمام المراقب العادي، وقد بدت للعيان بداية النهاية واضحة.. وهي رؤية فاحصة لما يجري الآن، كما أنها دعوة لإعادة صياغة الحياة الإنسانية برؤية سماوية تضفي روح الإنسانية عليها، فالإمام الشيرازي يدعو عقلاء الغرب وقادته إلى إعادة النظر في كل القوانين المادية بعد أن ثبت فشلها عبر قرن من الزمان أو أكثر، سواء في إقامة السلام بين شعوب الأرض، أو في إقامة مجتمعات إنسانية خالية من الآفات والكوارث والأزمات والمشاكل، أو في إقامة نظام قيمي أخلاقي يرتكز إلى تعاليم السماء في حل إشكالات التطور والتحضر المتسارع الذي لا يأخذ بنظر الاعتبار مادة الحياة الأولى التي هي الإنسان..

ويطرح سماحته رأياً يبدأ بعلاج المشكلة المستعملة بقوله: إن المخرج الوحيد هو الإيمان بالله إيماناً قلبياً يطفح على سلوك الإنسان وعمله وأعضاءه وجوارحه، لا إيماناً ظاهرياً لا يتجاوز لقلقة اللسان، وإلى جانبه قانون صحيح هو (الإسلام) وإلا فما نفع القانون الصحيح - مع فرض وجوده - إذا لم يطبق؟!!.

ويقدم سماحته نصيحته بشكل صريح الى الغربيين قائلا: إن الحضارة الغربية مهددة بالانهيار، إذا لم ترجع إلى فطرتها الإنسانية في التعامل مع الحياة.

ويعتقد الإمام الشيرازي أن رياح التغيير والإصلاح سوف تهب على الغرب حتماً، وقوله: الغرب ومن في فلكه أناس قابلون للهداية، فإنهم بشر والبشر بفطرته يحب الخير لنفسه ولغيره، ووجود ظواهر التعصب فيهم لا يدل على أنهم متعصبون.. ودليل عدم تعصبهم قبولهم للمسيحية مع أن المسيح (ع) كان شرقياً وليس غربياً.

فالغرب بعد حالات الانحطاط الخلقي والإنساني التي وصل إليها، رغم ما حققه من تطور تكنولوجي وتفوق في عالم الإعلام والفنون ووصل إلى أعلى مراتب الكمال الاقتصادي، والرخاء المادي فإنه بدأ يتجه إلى التآكل من الداخل، وبدأ ذلك بتصدع القيم السائدة بين الناس وانهيارها وبمرور الزمن بدأت تظهر الآفات الاجتماعية والشخصية، وهذا ما أكده إعلان مدريد في العام (1999) في إحدى فقراته ونصها:

(لا شك أن هناك حاجة عالمية للتعامل الأخلاقي وللمراجعة المستمرة للمعايير الأخلاقية رغم الفروق الحضارية والاجتماعية والقومية).

وعندما الإمام الشيرازي  يدعو إلى إصلاح الغرب فأنه لا يقصد إصلاحاً أحادياً في جانب واحد من جوانب الحياة، وإنما يشمل كل ما يتعلق في الأبنية المختلفة للإنسان المعاصر، سواء نفسياً أو اجتماعياً أو إدارياً (في إدارة شؤون العائلة أو الأسرة) أو ما أشبه ذلك، رغم أن الإصلاح ليس عملية سهلة ويسيرة على الإنسان، أو من يقوم به.. فقوله: كلنا نعرف الداء، وإنما الخلاف في الإصلاح، فالأغلبية الساحقة يرون أنه غير ممكن، ولهم في ذلك حجج ومستندات، وقوله: أنا أدري أن كل نهضة وكل فكرة، كانت مهددة في بدء أمرها بكل هذا، وقد لاقت كل هذه المتاعب والمصاعب وجوبهت بجميع هذه المجابهات، ومع ذلك فقد نجح الكثير منها.

إن الغرب يدرك مدى حجم الإعاقات الناجمة بين أفراد المجتمع الغربي بسبب ما آلت إليه تطورات الحضارة السريعة وانعكاساتها، وهو يطرح العلاجات التي يجد أنها ملائمة مثل مساعدة المرء على القيام بمواجهات ناضجة لمشكلات الحياة وصعوبتها، مما يعني تأهيل أفراد المجتمع ليكون النجاح نصير ممارساتهم، والثقة بالذات دافعهم لما يمارسون.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات