الامام الشيرازي العراق الوطن الذي احبه

1768 2015-11-12 2:15

الامام الشيرازي العراق الوطن الذي احبه

أربعة وأربعون عاماً من عمره عاشها الإمام الشيرازي في العراق مشغوفاً به وبمقدساته التي طالما انتظر في مهجره ساعة خلاصها، ليشهد يوم التغيير في العراق وليشارك في هذا التغيير، إلا أن الأجل لم يمهله "رحمه الله"، لكنه ترك للعراقيين من التأملات الكثيرة عند قراءة ما كتبه، والتي تصح أن يبتكروا منها نموذجاً صالحاً ومحاولات عملية جادة على طريق معالجة التراكمات المخلفة بفعل السياسات الرعناء التي أطبقت على كل منافذ الحياة، ولم تترك للإنسان العراقي إلا التعب والنصب.

 

والعائلة الشيرازية في العراق، من العوائل العريقة التي لها تاريخ حافل بالمواقف المشرفة المناهضة لأشكال الاضطهاد والاستبداد من جهة، والمؤيدة لمواقف الشعب العراقي المسلم إزاء ذلك من جهة أخرى.

 

والإمام محمد الحسيني الشيرازي " قدس سره" ينحدر من هذه الأسرة العلمية المتجذرة في المدن العراقية المقدسة ككربلاء والنجف وسامراء. فهي بين زعيم ديني وعالم رباني وحامل لواء الجهاد. فكل من هؤلاء له مآثره ومدرسته في العلم والفكر والدين والأدب، ناهيك عن الموهبة التي حباها الله إياهم في القدرة على النفوذ بين أوساط الناس بطيب خلقهم وحسن معاملتهم، وتواضعهم وعفتهم، ومواساتهم لأبناء أمتهم وسائر خلق الله تعالى.

 

فأول نازل من هذه العائلة لأرض كربلاء في العراق، هو السيد محمد حسن المعروف بالمجدد الشيرازي في عام 1259هـ، الذي تنوع نشاطه في أدوار شتى في السياسة والفقه والعلم. ومن أبرز مواقفه المشهودة قيادته لثورة التنباك في إيران. ففي موسوعة (طبقات أعلام الشيعة) يقول المؤلف:

 

يكفي للاستدلال على نفوذ حكمه وقوة سطوته مسألة التنباك التي قلبها رأساً على عقب حتى امتلأ السلطان ناصر الدين شاه القاجاري رهبة وخوفاً على نفسه.

 

وبذلك كان أول من استخدم مبدأ الحصار الاقتصادي ضد الاستعمار من خلال تحريمه التنباك، كما أنه يُعد آنذاك الزعيم الديني وأعلى المراجع الإمامية في سائر البلاد الإسلامية بعد تصديه للمرجعية العليا بعد الشيخ الأنصاري، وإليه أيضاً يعود بناء كيان هذه الأسرة.

 

ومن البارزين من هذه الأسرة، المؤثرين في تاريخ العراق عموماً، وفي إقامة الدولة العراقية خصوصاً:

 

- آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين في العراق ضد الاستعمار البريطاني، وقد نجح من خلال مكانته الدينية والاجتماعية في الأمة الإسلامية أن يحقق الانتصار على المستعمر. وقد استشهد إثر دس السم له.

 

- آية الله العظمى الميرزا عبد الهادي الشيرازي المرجع بعد الإمام أبي الحسن الأصفهاني والإمام السيد البروجردي. نشأ وترعرع في أجواء سامراء، ونهل من حوزات كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، وله شرف المساهمة في ثورة العشرين.

 

- آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الحسيني الشيرازي، الذي تقلد المرجعية وقد انتشرت على عهده واتسعت بشكل كبير، كما وساهم في ثورة العشرين مع الإمام محمد تقي الشيرازي.

 

- آية الله السيد حسن الشيرازي، ولد في النجف الأشرف، ودرس فيها وتعلم وعلّم الكثيرين، ويُعد مفكراً إسلامياً بارزاً وأديباً بارعاً، ومؤسساً للعديد من المدارس الدينية منها الحوزة الزينبية في دمشق، وله العديد من المؤلفات أبرزها: موسوعة الكلمة (19مجلداً).

 

أعتقل في العراق عدة مرات، وبعد وساطات دولية ومحلية اخلي سبيله، فاضطر لترك بلاده والهجرة إلى لبنان، تابعه نظام البعث العراقي واغتاله في بيروت عام 1400هـ.

 

- آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي، وهو الشقيق الأصغر للإمام الشيرازي الراحل، ولد في كربلاء عام 1360هـ، وقام بتدريس العديد من العلوم الدينية في الفقه والأصول، أبرزها (الخارج) منذ العام1398هـ في دولة الكويت ثم مدينة قم المقدسة. له مؤلفات عديدة بلغت السبعين، وهو يعد الآن احد اهم المراجع الشيعية البارزة في العراق والعالم.

 

ولعل أبرز ما يذكر عنه من موقف مساند للشعب العراقي إبان صراعه مع النظام العراقي البائد؛ هو جوابه على الاستفتاء الذي تقدم به جمع من العراقيين المستقلين، في خضم الضبابية وتدليس الواقع الذي عاشه العراقيون والذي حال دون تقدير المواقف تقديراً صائباً، علاوة على تأثير الإعلام العالمي والعربي على العقلية الإنسانية في صياغتها التابعة لها، في هذا الموقف جاء جواب السيد صادق الشيرازي معبراً عن الخصوصية العراقية المعذبة في أتون الحروب وضروب الاضطهاد، والتواقة إلى التغيير الجذري في طبيعة الحكم المتسلط على رقاب أبنائها، ليقول: 

 

على جميع المؤمنين وفقهم الله تعالى تعبئة كافة الطاقات وبذل الجهود واغتنام الفرص والعمل الجاد طبقاً للموازين الشرعية وفي شتى الأصعدة لإنقاذ الشعب العراقي المؤمن المظلوم من هذه المظالم القائمة التي لم تزل ومنذ عقود يقاسيها ويعانيها أشد المعاناة، وإنني إذ أدعو المؤمنين الكرام إلى جمع الكلمة وتوحيد الصفوف ومواصلة الأعمال بالحكمة والحنكة والمثابرة ونبذ كل ما يمكن أن يؤدي إلى التهاون والتفريط، أسال الله القوي القدير أن يحقق الآمال بإزاحة المستبدين الطغاة وبناء عراق مستقل وموحّد على أسس التعددية والمشورة والعدل والحرية المشروعة والله هو الولي المعين.

 

والإمام محمد الحسيني الشيرازي، من هذه الأسرة العريقة في العلم والتقوى والجهاد... أسرة أنجبت أعاظم الفقهاء.. وربت أجيالاً عديدة من العلماء الفطاحل، والمجاهدين والقادة العظماء.. ويرجع نسب هذه الأسرة إلى الثائر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وتاريخها في العراق يعود إلى أكثر من مائة وخمسين عاماً، وقد عرفت بالانتساب إلى (شيراز) لكون جدهم الأعلى (والد المجدد الشيرازي الاول) كان يقطنها...

 

ولد الإمام الشيرازي في النجف الأشرف عام 1347هـ، هاجر وهو في التاسعة من عمره بصحبة والده السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي ابن حبيب الله الحسيني الشيرازي ابن آغا بزرك الشيرازي، أخ المجدد الشيرازي الكبير إلى كربلاء. ومن أبرز معالم حياته، عطاؤه الفكري المتنوع، المستند إلى القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم (ص) والأئمة الأطهار(ع).

 

وقد عاش الامام الشيرازي ايام صعبة والعراق يمر بمراحل عصيبة قاسية في تاريخه المعاصر. ويصف الإمام الشيرازي أحداث حقبة الأربعينيات والخمسينيات فيقول:

 

عصفت بالعراق رياح الاستغلال وتقاذفته أمواج التبعية، وخُنقت الأحزاب وزيفت الانتخابات وقيدت الصحافة، وتردت الأوضاع المعيشية للناس، وحظر النشاط السياسي وعلى الخصوص في فترة الاحتلال الإنجليزي الثاني عام 1360هـ.

 

وفي العهد الجمهوري الذي ابتدأ بحكم قاسم والأخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف والبكر وصدام، دخل العراق مرحلة جديدة من الكبت الفكري والاضطهاد السياسي والحرمان من التمتع بالحقوق، وأضحت الطائفية والاستبداد والديكتاتورية والابتعاد عن الدين والقيم السماوية أساسيات العمل السياسي.

 

وفي هذه الفترة بدأ الحكم العسكري للبلاد، ومنعت الأحزاب الإسلامية من ممارسة نشاطاتها، وانعدمت الحياة النيابية، واتسعت عمليات الاعتقال العشوائي والتهجير المبرمج، والتصفية الجسدية، وأضحى الشعب يعيش الجوع والحرمان والكبت والديكتاتورية والأمراض النفسية والعقد الاجتماعية، والخلاصة أصبح العراق يعيش الذل والتبعية وفقدان الكرامة نتيجة ظلم حكامه وابتعاده عن سنن الله وموازينه.

 

ومن خلال قراءته لتاريخ العراق المعاصر القوى الرئيسية الفاعلة على الساحة العراقية بهذا الشكل:

 

- قوة المراجع والحوزات العلمية وهي تمثل سلطة روحية ودينية على الشعب والدولة. فهي الركيزة الرئيسية التي يستند عليها المجتمع العراقي. ومن الدلائل على قوة المرجعية وتأثيرها في الحرية والاستقلال ثورة التنباك التي حدثت في إيران، ومحاربة الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية للاستبداد في إيران ومحاولته لإرساء حكم (المشروطة المشروعة) حتى تمكنه من طرد الملوكية الجائرة. وأيضاً طرد المستعمر من العراق واستقلاله عند إعلان وجوب مطاردته من قبل الشيخ محمد تقي الشيرازي.

 

- قوة الأحزاب السياسية وكانت تمثل قوة الإعلام والجماهير. حيث امتاز أكثر من أربعين حزباً في العراق تمتع بحرية شبه تامة، وقد عملت هذه الأحزاب على إنقاذ البلد من ويلاته ومشاكله والنهوض به نحو البناء والتقدم، وقد فرضت نفسها على الساحة وأصبحت تتحكم بقرارات الدولة، فالساحة تمنح الجميع قدرة إبراز قواه وقدراته والاستفادة منها بالشكل الأفضل.

 

ومن فوائد وجود الأحزاب الحرة هو حصول حالة من النضج الاجتماعي لدى الناس، وتمييز الغث من الصحيح، شريطة كونها أحزاباً صريحة في قضاياها وأمام قضايا الأحزاب الأخرى.

 

- قوة العشائر وكانت تمثل قوة الشعب العسكرية. وقد أخذ السيد أبو الحسن (رحمه الله) زمام العشائر كلها بسبب وكلائه ومساعديه من رجال الدين. فكانت الحكومة تهابه وتخشاه لما يستند إليه من القدرة العشائرية المتزايدة. فهي سند العلماء والحوزات والعتبات المقدسة والمؤمنين واقتصاد البلد أيضاً. وبفعل هذا التنسيق، تحقق التكافؤ بين قوة الدولة وقوة الأمة.

 

- قوة الدولة المتمثلة بقوة القانون.

 

    وقد عرف الإمام الشيرازي بقدرته على الاستشراف المستقبلي من خلال قراءاته للواقع مؤكداً زوال وسقوط هذا النظام بقوله في نفس كتابه (العراق ماضيه ومستقبله) حيث يقول:

 

تشير الظواهر إلى أن أوضاع العراق السياسية مقبلة على تغيرات سياسية جديدة وإن حزب البعث لا يبقى طويلاً في السلطة.

 

وفي كتابه (العراق بلد الخيرات) يكشف الإمام الشيرازي النقاب عن الأسباب التي جاءت بالحكم البعثي بقيادة صدام حسين إلى الحكم، والتي يستنتج منها القارئ من خلال السلوك المنهجي الذي أتبعه النظام، حالة عدوانية وأعمالاً إجرامية طالت أبناء الشعب العراقي دون تمييز بين قومياته وطوائفه وباختلاف مناهلهم الفكرية والسياسية، لذا يقول:

 

إن الشيء العسير هو الإحاطة الكاملة بالأعمال الإجرامية التي مارسها بحق أبناء شعبنا العراقي المسلم، من التعذيب وقتل الأنفس المحترمة، وهتك الأعراض، وسلب الأموال والممتلكات، وقيامه بعمليات التهجير الواسعة ضد أبناء شعبنا المظلوم. ولم يتوقف هذا النظام في ظلم الشعب العراقي بجميع فئاته عرباً وأكراداً وشيعة وسنة، بل حتى الأقليات الصغيرة لم تسلم من حقده وظلمه، بل وتعدى ليخرج من إطار الشعب العراقي ليعم الشعوب الأخرى.

 

ويحاول الإمام الشيرازي في كلامه وضع النقاط على الحروف وكشف أوراق هذا النظام الذي تظاهر بمظاهر عدة كالقومية أو المذهبية أو الدينية عموماً كما في حملته الإيمانية الخادعة، من خلال تحليله للممارسات التي استهدفت الشعب العراقي بكل فئاته، إضافة إلى ذلك كله، دخول هذا النظام في مؤامرات سرية، لضرب الشعب العراقي المسلم، وضرب نهضته الإسلامية. ومن مؤامراته العلنية تحالفه مع نظام الشاه المقبور لضرب أبناء الشعب العراقي الكردي في الشمال، وتحالفات مشبوهة كثيرة لا يسمح المجال لذكرها. فخطره ليس على الشعب العراقي فحسب، بل على العالم الإسلامي بأكمله، بل وعلى جميع الخيرين ومحبي الإنسانية في العالم.

 

ومن خلال عرض ذكرياته في العراق يمكن معرفة آرائه وقراءاته للواقع الذي عاشه العراق، وكذلك يمكن الإطلاع على الأدوار التي تبناها الإمام الشيرازي خلال معاصرته للحكومات المتعاقبة على العراق حتى إبعاده عنه عنوة من قبل نظام صدام. ومع ذلك بقي الإمام الشيرازي حاملاً لهموم العراق وأبنائه في غربته، وكان أمله لا ينقطع ودعاؤه متواتراً لخلاص العراق وتحرره، على الرغم من المعاناة التي يصفها الإمام الشيرازي في كتابه (مطاردة نصف قرن) والتي يوعز أسبابها إلى الانتساب للمجدد الشيرازي الكبير فيقول:

 

لقد دفعت عائلتنا ومنذ قرن من الزمن ضريبة انتسابها للمجدد الشيرازي الكبير جد أبي، وانتسابها للميرزا الشيرازي قائد ثورة العشرين خال أبي، وضريبة ما ننشره من الكتب التوعوية والمؤسسات الخدماتية.. وقد لا ينفع الصراخ ولا النياح، وإنما العمل وحده النافع، وبدونه قد تدوم المحنة إلى قرن آخر والعياذ بالله.

 

فهذا الإحساس والتبني للمواقف الثابتة هو المعروف عن هذه الأسرة أينما حلّت، فهو ارتباط عميق بقضايا الإنسان وعالمية الإسلام الهادف إلى إحلال السلام والحرية والرفاه للإنسان من خلال صناعة المجتمع المدني الآمن والمتوازن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وأما التعرض للمصاعب فهي ضريبة لابد منها كما يقول الإمام الشيرازي، ولعل الأساليب التي اتبعها النظام الأخير الذي جثم على صدر العراق، خير دليل على هذا الكلام، فمنها:

 

1) تلفيق التهم بشخصه وكتبه ومشاريعه وأفكاره وزملائه.

 

2) محاولة اغتياله عدة مرات.

 

3) مراقبة تحركاته وتحرك الشخصيات التي تفد إليه.

 

4) منع طباعة ونشر كتبه، وإنزال العقوبات بحق من يتوانى في الالتزام بعدم طباعتها، وكما تم مصادرة المتواجد منها في المكتبات.

 

5) إلقاء القبض على زملائه وإيداعهم وتعذيبهم في السجون، كأية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي، والشيخ عبد الزهراء الكعبي، وإعدام الآخرين منهم.

 

6) منعه من مزاولة مهامه التبليغية وإلقاء المحاضرات والدروس. ومنع الطلاب من الحضور في دروسه، ومن الحضور في صلاة الجماعة المقامة من قبله.

 

7) إغلاق أغلب المؤسسات التي أسسها أو تبناها، مثل إغلاق مستوصف القرآن الحكيم ومصادرة محتوياته، والصندوق الخيري أيضاً. كما حُظر من تجديد وعمارة بعض مؤسساته، ومُنع من تأسيس مؤسسات أخرى مثل (دار الولادة).

 

8) منعه من إصدار المجلات والنشرات مثل (مجلة الأخلاق والآداب)، مجلة (أجوبة المسائل الدينية)، سلسلة (منابع الثقافة الإسلامية)، مجلة (القرآن يهدي)، مجلة (أعلام الشيعة)، ومجلة (صوت المبلغين)، وغيرها من المجلات الأخرى.

 

9) مصادرة المؤن التي ترسل ومن خلاله توزع إلى الفقراء.

 

10) المضايقات التي تتراوح بين التضييق على الوفود والمواكب التي تزوره، وعد الاعتراف بكثير من الموارد الشرعية الصادرة منه كعقود الزواج. 

 

11) اغتيال شقيقه الشهيد حسن الشيرازي.


التعليقات
الحقول التي تحتوي على (*) ضرورية
تعليقات فيسبوك
مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث:
مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث
جميع الحقوق محفوظة لــ
(مركز الامام الشيرازي للدرسات والبحوث)
2017-1998