قضايا وآراء

الإمام الشيرازي: الاستبداد اقبح انواع الظلم

حركة الإنسان في ظل الاستبداد تتوقف عن التقدم وتجمد بكيانها وهويتها، لانه في ظل الاستبداد تتوقف عطاءات الإنسان بشكل مطلق ويتوقف نموه وتبقى آثار ذلك الى مجموعة أجيال متعاقبة. فالأمة الإسلامية لازالت تأن من وطأة التخلف لأنها مرت بأقسى أنواع الاستبداد في ظل الدولة العثمانية التي جمدت الحركة ونفت الإنسان الى خارج التاريخ، ولم يسجل التاريخ في  فترة حكم صدام والبعث عطاءا إنسانيا او علوما مزدهرة او كتبا، والذي سجله التاريخ هو مذابح ومجازر ومقابر جماعية وتشريد وفقر مدقع ومجاعات وحروب مستنزفة.

 

ومن هنا كان لابد لنا ان نعرف ماهية الاستبداد وهويته الحقيقية من اجل مواجهته والقضاء عليه واستئصاله داخليا وخارجيا.

 

تتعدد أسباب نشوء الاستبداد باختلاف الظروف والعوامل، ولكن القاسم المشترك هو عوامل معنوية تنبع من ذات الإنسان الذي يشكل عبر مجموعة الأفراد والمجتمع الأرضية القابلة لتحقق الاستبداد فيه، ذلك أن الاستبداد كالنبتة الخبيثة التي تنبت في التربة السيئة ولاتنبت في التربة الصالحة.

 

ويرى ماكيفر في كتابه تكوين الدولة ان: الدكتاتوريات تزدهر في أوقات الأزمات التي يتهافت فيها النظام القائم وتتهالك التقاليد وتستفحل المنازعات فيمتلك اليأس النفوس ويرضى الناس بالرجل القوي مضحين بالكثير لأنه يعدهم بعودة الثقة والأمن ويتنازلون عن معايير الشرعية التي لا يتنازلون عنها في أوقات أخرى ويتغاضون عن التناقض بين الدكتاتورية والشرعية.

 

ويقول الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: يجد العوام معبودهم وجبارهم مشتركين الكثير من الحالات والأسماء والصفات وهم ليس من شأنهم ان يفرقوا مثلا بين الفعال المطلق والحاكم بأمره وبين من لايسأل عما يفعل وغير مسؤول وبين المنعم وولي النعم.

 

ويرى موريس ديفرجيه ان الدكتاتورية وليدة لأزمات يتعرض لها البنيان الاجتماعي: انه نموذج يعكس الوضع الاجتماعي لان الجذور والأصول العميقة هي التي أنجبته وانه نموذج يتولد عن تفاعل قوى وطاقات داخلية وذاتية.

 

ان التربية العائلية والاجتماعية تساهم بشكل كبير في وجود الاستبداد لان الاستبداد سلوك يتعلمه الإنسان من خلال ما يكتسبه من قيم وتقاليد خلال فترات حياته، فعندما يكون الجو العائلي مشحونا بالتسلط والقهر والأحادية فان هذا ينعكس على الأبناء بشكل سلوك عام تظهر كوامنه وأثاره على اتجاهين الفاعلية حيث يكون الاستبداد السلوك الأولي الذي ينتهجه الفرد في تعامله مع الآخرين، واتجاه القابلية حيث يكون الفرد جاهزا لقبول الاستبداد بكل أنواعه والتعاون معه.

 

 يقول ارسطو: ان الرجل الحر لا يستطيع أن يتحمل حكم الطاغية ولهذا فان الرجل اليوناني لا يطيق الطغيان بل ينفر منه، أما الرجل الشرقي فإنه يجده أمرا طبيعيا فهو نفسه طاغية في بيته يعامل زوجته معاملة العبيد ولهذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هو نفسه معاملة العبيد.

 

يرى الكثيرون من الكتّاب والباحثين إن الاستبداد كان تعبيراً يخص شأن الرأي و كل ما يتعلق بالتمسك به والتعصب له رغم ثبوت بطلانه، ودون اعتبار لأراء الآخرين. وفي هذا يقول الأمام علي(ع)(لا تستبد برأيك، فمن استبد برأيه هلك).

 

ثم تطوّر المفهوم مع تطور الدولة العربية الإسلامية، فصار الاستبداد، قرين الظلم والتعسف في الحكم وصولاً للدكتاتورية.

 

ولقد بين الأمام الراحل، السيد محمد الحسيني الشيرازي"رحمه الله" هذه الحقيقة، عندما قال ذلك في كتابه" المحاضرات، المجلد الثاني، ص106" ما نصه:

 

ولا يخفى أن للظلم أنواعاً عديدة، وأقبحها وأشدها ثقلاً على الإنسان هو ظلم الحكام للناس، من ناحية سلب حرياتهم، وإجبارهم على أمور معينة أو معتقدات فاسدة وأشباه ذلك. أي أن الحكام المستبدين يغلقون كل المنافذ، ويفتحون منافذ وطرق خاصة بهم تخدم مخططاتهم ويجبرون الناس على السير فيها، وقطعاً ما يراه الظالم المستبد ليس من الكمال في شئ.

 

ومنذ أن بدأ صراع الإنسان مع الإنسان الآخر، باستخدام القوة والعنف المنظم أو بالتهديد والإرهاب باستعمالهما، أو بإتباع وسائل الخداع والتظليل، بذلك بدأت مسيرة الاستبداد في التاريخ مستصحباً معه قرينه ورفيقه الأبدي (الظلم)، ثم لحقت بهما(الدكتاتورية) وانضمت اليهما، ليشكلوا(الثالوث غير المقدس)، بحيث أضحى وما أن يذكر المرء واحداً منهم، حتى يتمثل له الاثنان الآخران ويحظران في ذهنه وعقله وتصوّره، فيثيرون في نفسه، شعوراً ثلاثي الأبعاد هو الاضر، مكوّن من الخوف والغضب والرفض.

 

وللإمام الراحل تشخيص علمي دقيق لهذه المسألة المعرفية الخطيرة الأهمية، فحدد أسبابها وأرخ لبداية ظهورها في تأريخ البشرية، وأعطاها وتعاطى معها وبما تشكله من أهمية في تكوين وبناء الأساس المعرفي(الفكري) لكثير من المسائل والمفاهيم، التي تكون في النهاية مجمل وعي الإنسان ومعرفته لنفسه وللعالم والكون المحيطين به. حيث يقول"رحمه الله" في كتابه"كتاب السياسة، ج1 ص54"ما نصه:

 

وهنا استولى جماعة خاصة على أدوات الزراعة، مما قسم المجتمع إلى طبقتين، وظهرت الملكية الفردية المالكة لأدوات الزراعة والأرض، وحينذاك وضعت القوانين والأنظمة أدوات الزراعة والأرض في أيدي الملاّكين(وفي هذا الدور ظهرت السلطة الدكتاتورية) حيث كان الملاّكون يجمعون حول أنفسهم كل وسائل بقاء السلطة في أيديهم، لئلا تنفلت من أيديهم الملكية الفردية الوسيعة، فوضعوا الدين وخلقوا الإله(بزعمهم)لكي يقولوا للفلاحين إنهم يستمدون سلطتهم من الله الخالق للكون؟ فلا حق للفلاح في مخالفتهم.

 

إن الاستبداد ومن لحظة ظهوره على الأرض وحتى اليوم، كان دائماً هو الوجه الآخر للباطل المزيف المقترن أبداً بالقوة، والمعادي والنقيض للحق والحقيقة؛ الحقيقة التي ما فتأت هي السلاح الأقوى بيد المظلومين، وترسهم القوي الذي يحتمون به وقت الشدائد.

 

واضاف سماحته بأن هناك تنازع دائم بين القوة والحقيقة، فالقوة تريد تزييف الحقيقة، واستخدامها في مآربها كما يفعله الدكتاتوريون غالباً).

 

وبعد ظهوره وتشكله غدا أول فرسان الشر الثلاثة، و أكثرهم شراسة، ونعني به الاستبداد نقيضاً لكل ما هو إنساني وحضاري وجميل في هذا الوجود، بل وأكثر من ذلك فقد صار العقبة الكأداء الرئيسة أمام تقدم البشرية وتطورها وتطلعها نحو الأفضل، حتى أصبح العدو الأول للحياة، وضدها النوعي.

 

وأكد سماحته في كتاب الدولة الإسلامية بأن الاستبداد اكبر مشاكل الإنسان، ومعوقاته عن التقدم، وهو مزيج من الأنانية والكبر والتكبر والجهل والاستعلاء.

 

وبما أن الاستبداد وكما ذكرنا في بداية مقالتنا هذه، قد بدأ بالرأي وانتهى باستئثار السلطة ولكونه حالة رجعية، فقد بقي كما بدأ، حيث يبتدىء دائماً بفرض أداء الدكتاتور وأهوائه، التي هي ليست غير أوامره التي لا تقبل النقاش والجدل ولا تقوّل الاعتراض، والتي تتجه دوماً صوب نهايات واحدة هي الكوارث والمصائب، من حروب ودمار وخراب للبلاد، وجهل وتجهيل وتخلف وإفقار وموت وتشريد للعباد، وفي هذا كله كان للإمام الراحل تشخيصه الدقيق لكل تلك الظواهر والحالات حيث رآها كنتائج طبيعية، تماماً كأولاد غير شرعيين يولدون من رحم الظلم، وتزاوج الاستبداد والدكتاتورية، والذي نص عليه في الصفحة(302)من كتابه المعنون"ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين" حيث قال رحمه الله:

 

من طبقة الاستبداد، انه يأتي بالانحرافات والموبقات ويوجب التقهقر والتأخّر في البلاد ويسبب إذلال العباد، ونذكر منها أموراً:

 

منها؛ انه يأتي إلى الحكم بالفرد الأسوأ فالأسوأ والأفسد فالأفسد.

 

ومنها؛ انه يأتي بالرأي الأضعف فالأضعف.

 

ومنها؛ إن القادة يصبحون أكثر ترهلاً فأكثر، ويصبحون أكثر طلباً للرفاه على حساب الآخرين.

 

وفي مكان آخر أشار رحمه الله إلى أن العلاقة غير الشرعية بين الظلم والدكتاتورية لابد أن ينجم عنها حصوله حالة من عدم سيادة القانون في البلاد، حيث قال ما نصه في الصفحة(303)من نفس الكتاب:

 

إن ما يمهد للدكتاتور لوصوله إلى الحكم هو الظلم الشامل وعدم سيادة القانون وخوف عند الجميع.

 

كما أن الإمام الراحل كان قد حدد بوضوح العلاقة بين الدكتاتورية ونشوب الحروب، بسبب عجز الدكتاتور عن حل ألازمات التي تأخذ بالعصف بالداخل، فتحدث الأزمة الكبرى بين الشعب والدكتاتور، مما يجعل الأخير أن يعمل على تصديرها إلى الخارج وخاصة(الجيران)عن طريق شن الحروب، كما حصل في العراق، وفي هذا الشأن قال الإمام الشيرازي الراحل:

 

ومن طبيعة الدكتاتور دائماً أن يلتجئ إلى الحرب لأنه بالحرب يظهر نفسيته المستعلية، كما انه يلتجئ إلى الإرهاب فيحوّل بسبب الحرب القوى البشرية من الخدمة البناءة إلى الهدم، كما انه يحوّل بسبب الحرب والإرهاب جماعة كبيرة من الناس إلى العبودية الاقتصادية وبالنتيجة: يهبط بمستوى الملايين من الناس، ويسلب منهم الحرية والرخاء المادي ويزجهم في العجز والفقر والفوضى.

 

وفي ربط علمي جدلي، يبيّن الإمام الراحل الصلة بين الظلم العالمي الذي تمثل بالرأسمالية العالمية والاستعمار الغربي، وبين مفهوم الاستبداد، كأعلى أشكال ذلك الظلم بقوله (إن الاستبداد يحطم أعدائه أولاً، ثم تصل النوبة إلى الأصدقاء، وهذا يصدق بالنسبة إلى الاستعمار ايضاً، لأنه نوع من الاستبداد).

 

ولكون الاستبداد والدكتاتورية هما ظاهرتان لا تتفقان، لا مع قوانين السماء العادلة التي جاءت عبر الأنبياء والرسل(ع) ولا حتى مع قوانين أهل الأرض الطبيعية التي تتواأم وتنسجم ومسيرة الحياة في صعودها نحو الأعلى وتطورها نحو الأفضل، ومع الوجود البشري واحتياجاته لأنها أي الاستبداد والدكتاتورية، هما الضد والنفي لذلك الوجود، فإننا لا نكون مغالين ولسنا متطرفين في رأينا إذا ما قلنا بأن خطورة ذينيك الظاهرتين، هو أكثر خطورة حتى من أسلحة الدمار الشامل، الشغل الشاغل، للعالم كله هذه الأيام.

 

ولذلك صار على الإنسان، ولو من باب الدفاع عن النفس والمحافظة على الذات فقط، إن لم يكن في سبيل مبادئ وقيم بناها الأجداد، ويعتز بها الأولاد. أو تضحية إيثارية في سبيل الآخرين،(والجود بالنفس، غاية الجود).

 

إن على الإنسان أن يبذل ما يستطيع من قوة وان يتصدى للاستبداد بما لديه من وسائل، لأجل إنهاء وإسقاط دولة الظلم والدكتاتورية وإقامة دولة العدل الاستشارية(الديمقراطية)وهذا هو عين ما دعا إليه الإمام الراحل"رحمه الله" في ما نص عليه في الصفحة(342)من كتابه"كتاب الاجتماع، ج1"حيث قال:

 

الاهتمام لإسقاط الدكتاتورية في سائر الحكومات، لتقوم مقامها الحكومات الاستشارية كما اسقطت الشعوب، ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية وروسيا الستالينية.

 

وبما ان  الإمام الراحل كان همه الأكبر(العراق) نقتبس  مقطعين يخصان الموضوع، اولهما؛ عن استبداد طاغية بغداد صدام، والثاني؛ عن حتمية سقوط نظامه البعثي:

 

1-     قال رحمه الله، في الصفحة(20)من كتابه "لنبدأ من جديد" ما يلي: وها نحن نرى اليوم وقد استبد صدام بأمر العراق، ويفعل ما لم يفعله حتى بريطانيا والحجّاج والمغول.

 

2-     وعن حتمية سقوط الطغاة المستبدين؛ قال رحمه الله في الصفحة(28)من كتابه"حكومة الأكثرية"ما نصه: مما لاشك فيه إن حكومة البعث ستسقط بأذنه تعالى.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات