قضايا وآراء

هل تتولى المرأة القضـــاء؟

لعله لا يختلف اثنان في أن العقل يفرض على الباحث، والناقد الموضوعيين أن ينطلق كل في حكمه على نظرية ما وتقييمه لها، سلبا أو إيجابا من النظرية نفسها بطريق دراستها دراسة علمية موضوعية بعيدة عن جميع ما يحمل من رواسب، ومتبنيات، فيحكم على المجتمعات التي تسود فيها تلك النظرية من خلال دراسته تلك، وهذا هو المنهج العلمي العقلي الصحيح.

 أما الإنطلاق في دراسة ما من مجتمع يتبنى تلك النظرية للحكم عليها بالصحة أو البطلان من خلال سلوكيات ذلك المجتمع فهو مناف للمنهج العلمي الصحيح، بقدر ما فيه من إجحاف بحق تلك النظرية.

 النقاد والدارسون للدين الإسلامي من غير المسلمين ينطلقون ـ عادة ـ في دراستهم وتقييمهم للدين الإسلامي من المجتمعات الإسلامية ليحكموا على نظرياته، ومبادئه من خلالها، والحال أن المتبني لنظرية ما قد يخطيء في فهمها، أو قد يكون تبنيه لها شكلي ليس إلا ما ينعكس سلبا على سلوك المتبني وبالتالي فليس عيب في النظرية التطبيق الخاطيء، أو الصوري لها من قبل متبنيها حقيقة أو شكلا.

 هكذا تعامل الكثير مع قضية المرأة في الدين الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ هذه القضية التي تمثلت أمامنا مؤخراً في صورة تعيين أول قاضية مصرية في المحكمة الدستورية، وأخريين في هيئة مفوضي المحكمة ذاتها في خطوة سبقت إليها 11 دولة عربية، و39 دولة إسلامية.

 البعض يضع ـ بقصد أو بدونه ـ موضوع عدم جواز تولي المرأة القضاء في الدين الإسلامي في إطار عدم مساواته بين الرجل والمرأة، في حين تنطوي هذه التهمة على عدم فهم صحيح للإسلام إن لم نقل بخلط ـ مقصود من قبل أصحابها ـ  للمفاهيم، وتلاعب بها.

 فقد لعب البعض على ورقة المساواة متجاهلاً المعنى الحقيقي لهذا المفهوم حيث صوّر مبدأ المساواة على أنه تساو بين الرجل والمرأة في كل شيء، متناسيا الإختلاف البيولوجي والنفسي بين بني الإنسان ـ ومنهم الرجل ومنهم المرأة، والشيخ والشاب، والصغير والكبير ـ من جهة أعمارهم وأجناسهم.

 فهؤلاء يدعون إلى مساواة المرأة بالرجل في كل شيء متجاهلين الإختلاف العضوي، والنفسي لكل منهما، لذا تكون الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة من كل جهة أشبه شيء بالدعوة إلى مساواة الشاب مع الطفل، أو الكهل في الحقوق والواجبات بلا فرق.

 فهؤلاء حين يطبلون للمساواة حسب رؤيتهم المتضمنة تجاهل جميع الفروق المذكورة إنما يدعون إلى التشابه والإتحاد لا إلى المساواة التي تراعي الفروق التي تقدم ذكرها بين بني البشر.

 فالإختلافات على مختلف الأصعدة مما لا سبيل إلى إنكاره، ففي " أصل الخلقة اختلاف بين الرجل والمرأة في الجسم، كما أن بينهما اختلافا في الصفات، فالمرأة عاطفية أكثر لتصلح لشؤون الحمل والجنس والتربية، والرجل عقلاني أكثر ليصلح لشؤون الأعمال الخشنة " كما يرى فذلك الامام الراحل السيد محمد الشيرازي في (كتاب القضاء، موسوعة الفقه، مجلد84، ص33 ). 

أكثر من ذلك يمكن القول بأن المساواة إنما تكمن في الإختلاف في الخلق بينهما  كما ورد ذلك في كتاب الحجاب الدرع الواقي للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي حيث يقول : فجعل التساوي المطلق بينهما خلاف تركيب خلقهما ".

 عليه لم يكن منع الإسلام المرأة من تولي القضاء إلا من جهة تكريمه لها بتجنيبها ما لا يتناسب وطبيعتها النفسية والعضوية من الأعمال، وليست مهمة التربية وغيرها ـ مما يتناسب وقدرات المرأة النفسية والعضوية ـ  بأقل شأنا من القضاء، وقد أولى الدين الإسلامي مهمة كالتربية إلى المرأة على أهمية هذه المهمة وخطرها.

 ثم إنه أين هي المرأة الغربية من تلك الوظائف كالقضاء مثلا، في الوقت الذي نرى فيه " عالم اليوم شرقيه وغربيه، ممن لا يؤمن بالإسلام لا يدخل المرأة في هذه الشؤون إلا قليلا وأقل من القليل، فرؤساء العالم ملكيين وجمهوريين رجال، إلا في حالات أندر من النادر " ( المرجع المتقدم، ص34 ).

 إن الغرب الذي يوجه سهام نقده إلى الدين الإسلامي بكونه يصادر حرية المرأة، ويقلل من شأنها في قبال الرجل لم يوفق في فرض المساواة بين المرأة والمرأة فضلا عن مساواتها بالرجل وذلك بالتمييز بين نساء كل طبقة عن الأخرى في ماهية الوظائف التي تشغلها كل منهما، إذ " تقتصر الميادين السهلة على شريحة معينة من المترفات، في حين إن الميادين الشاقة تكتظ بالطبقات العامة من المسحوقات ". ( المرأة في ظل الإسلام، الإمام الشيرازي، ص10 ).

 عليه لم تكن تلك الروايات التي تمنع المرأة من تولي القضاء لتنتقص جانب المرأة حين تحجب عنها تلك الوظيفة. وتلك الروايات صريحة في المنع فقد روي عن رسول الله (ص) في وصيته للإمام علي قوله: " يا علي ليس على المرأة ...... ولا تولى القضاء ".

 وفي هذا رد على السيدة تهاني الجبالي أول قاضية مصرية في المحكمة الدستورية حين سئلت عن قول رسول الله (ص) في أنه لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة في كونه يشير إلى عدم تولي المرأة القضاء حين أجابت بأن ذلك " استخدام للحديث في غير موضعه، الولاية المقصودة هنا هي الإمامة أو الخلافة وهذه غير مطروحة، المطروح وظائف عامة فقط..( مجلة المصور ).

 خلاصة القول هي أن للإسلام رؤية متكاملة حول المرأة تميزت بتكريم المرأة المسلمة من خلال مساواتها بالرجل مع مراعاة الإختلافات التكوينية بين كل منهما على الصعيدين البيولوجي، والسيكولوجي، ولقد تناول الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي(رحمه الله) تفاصيل تلك النظرية في مجموعة كبيرة من كتبة الكثيرة.

 على أنه لو جمعت تلك الأفكار المتناثرة في ثنايا الكتب المتفرقة في نظرية متكاملة بين دفتي كتاب لكان ذلك أفضل في إبراز حقيقة النظرية الإسلامية في قضية المرأة ولسهل الأمر على الكثير من الباحثين للإستفادة من هذا الجهد الموزع.

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://www.telegram.me/
التعليقات