قضايا وآراء

الاخلاق وطبيعة النظام العالمي الجديد

يرى بعض الخبراء حتمية الانتقال الى نظام عالمي جديد بديلا عن النظام العالمي الحالي الذي تصدعت جدرانه بالكثير من الازمات التي لم يحسن التعامل معها والاستجابة لمتغيراتها الانية فضلاً عن المستقبلية، كما هو الحال مع ازمة جائحة كورونا على سبيل المثال لا الحصر، وهي ازمة ذكرتنا بمثيلاتها التي أحدثت انتقالاً لنظام عالمي لم يكن سائداً قبلها، كالثورة الصناعية التي انطلقت من اوربا والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة واحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الامريكية والأزمات الاقتصادية الكبرى، وغالباً ما يحدث هذا الانتقال كنتيجة لثغرات ومساوئ في بنية هذا النظام وبالتالي تولد مع انطلاقته المؤشرات الحتمية "الحتمية التاريخية" على نهاية النظام وانطلاق البديل ليحل مكانه.

لكنهم –الخبراء- اختلفوا في طبيعة هذا النظام الجديد الذي ربما سنشهد فيه عودة الدولة الوطنية والتيارات الشعبوية التي تركز على القومية والسيادة التي حاولت العولمة اذابتها من قبل في نظام عالمي مفتوح، في حين يرى آخرون ان العالم قد يتجه الى نظام من دون قائد يكون فيه دور القيادة للجميع وفق مبدأ مصلحتي اولاً لتجنب الانتكاسات التي عانت منها دول العالم على المستوى الاقتصادي والصحي والسياسي نتيجة لترابط المصالح الشديد والمعقد على مستوى العالم الذي نعيشه اليوم.

ان طبيعة العلاقات الدولية المستقبلية هي من ستحدد ملامح النظام العالمي الجديد وعلاقته بالنظرية "الواقعية" السائدة في وقتنا الحالي والتي أسس لها ومجدها كتاب امثال (نيكولو ميكافيلي، توماس هوبز، كينيث والتز) بشقيها "الكلاسيكي" و"البنيوية الجديدة" وفلسفتها القائمة على تراكم "القوة" واعتبارها كغاية ووسيلة بحسب المؤيدين لهذه النظرية من الفريقين (الهجومي والدفاعي)، والتي لم يصمد امام واقعيتها اصحاب المدرسة "المثالية" لأسباب بنيوية وفلسفية حقيقية بعيداً عن مثاليتها التي وصفت بالطوباوية لأنها ارادت الوصول الى مجتمع مثالي من دون تقديم وسائل او أدوات سياسية تحول هذا الحلم الى واقع.

وعلى مر التاريخ وتقلب الأنظمة العالمية التي تسيدت العالم لفترات مختلفة من الزمن كانت هذه الأنظمة تعاني من ازمة حقيقية تؤدي الى فشلها وسقوطها في نهاية المطاف، هذه الازمة تظهر عند غياب او تغييب (عن عمد وإصرار) لمبدأ وفضيلة "الاخلاق" في أي مرحلة من مراحل تشكيل الأنظمة العالمية المتعاقبة، وهي ازمة بانت تداعيات غيابها لتدق ناقوس الخطر في النظام العالمي الحالي من خلال:

1. جائحة كورونا وتخلي الأصدقاء والحلفاء عن بعضهم الاخر فضلاً عن تجاهل مساعدة الدول الفقيرة والضعيفة في ظل تخبط النظام الصحي العالمي ومؤسساته.

2. نظام اقتصادي غير عادل وغير أخلاقي أدى الى انتشار الفقر بشكل واسع وحصر الثروات بيد القلة.

3. نظام سياسي قائم على مبدأ القوة والمصلحة ولا يعير أي أهمية للعدالة او الاخلاق او الإنسانية.

4. نظام اجتماعي يعزز الواقع العنصري والتفرقة على أساس اللون وتمجيد الشذوذ والعنف.

يؤكد الكاتب "حسام سويلم" في معرض مناقشته لكتاب (نظام العالم الجديد) الذي الفه الكاتب "أ. رالف إبرسون" في عام (1990) بان: "منظرو النظام العالمي الجديد يدعون للحكم على البشر على اساس جيناتهم حيث يتابع مؤلفنا كشف النقاب عن الاقنعة التي تختفي وراءها الحركة التي تطلق على نفسها اسم الحركة الإنسانية، ويوضح التلاعب الذي يقوم به منظرو هذه الحركة بمفاهيم الاخلاق ومحاولاتهم الفاشلة للفصل ما بين الدين والأخلاق، وهو يرفع الصوت محذراً من ان النظام العالمي الجديد ليس خطرا محدقاً بنا، يتعين علينا ان نرصده عند الافق البعيد، وانما هو ماثل ومتحقق وقائم بالفعل وينبغي ان نخوض معركتنا الشرسة ضده حتى النهاية، لان الخطر في واقع الامر يتربص بوجودنا ذاته، وهو يشدد على انه إذا نجحت (الحركة الإنسانية) في تنفيذ أهدافها، وتمكنت من القضاء على الدين في الحياة الأمريكية على سبيل المثال، فإنها سوف تقضي بالتالي على الأخلاق والقيم المعنوية للمسيحية هناك، وهو ما يعنى أن أصحاب هذه الحركة سيـقدمون للأمريكيين نمطاً آخر من الأخلاق والقيم المعنوية الجديدة لتحل محل ما يعتقدونه حالياً".

ويرى ان هؤلاء: "حقاً يفعلون ذلك اليوم، ويطلقون على ممارساتهم (موقع الأخلاق)، ويعرف القاموس (موقع الأخلاق بأنه نظام معنوي لا يلتزم تماماً بالقواعد الأخلاقية والقيم المعنوية والتقاليد والأعراف الاجتماعية، ولكن يمكن إعادة صياغة كل تلك المفاهيم في ضوء المواقف الناشئة في المجتمع في كل حين، بمعنى آخر أن ما ارتبط به الناس من أخلاق وقيم معنوية ثابتة عبر القرون بفعل تمسكهم بالدين، يمكن تغييرها في ضوء المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي صياغة ايديولوجية جديدة تتفق والمعطيات الجديدة في كل حين وذلك حسب مزاعم منظري هذه الحركة، ويؤكد اصحاب هذه الحركة أن الأخلاق والقيم المعنوية ينبغي أن تأخذ مصادرها من التجارب الإنسانية، ومن ثم فهي مستقلة ولا تتبع أديان أو أعراف سابقة، بل يعاد تحديدها وصياغتها طبقاً للمواقف".

ان هذا التخبط في الأنظمة المتعاقبة التي فشلت في:

1. توحيد المجتمعات الإنسانية على التعاون في مجالات الخير والرفاه والسعادة ونبذ التناحر والحروب والصراعات والمصالح.

2. بناء الحضارة الإنسانية على أساس أخلاقي يقبح الظلم والانانية والشر ويستحسن الخير والعدالة الاجتماعية والمساواة.

3. منع تقسيم المجتمعات البشرية الى (فقيرة/غنية، جاهلة/متعلمة، متطورة/متخلفة، أولى/ثالثة، اعراق نقية/مختلطة، ديمقراطية/ديكتاتورية) وبالتالي المزيد من التناحر والتفرقة.

4. منع الحروب بكل اشكالها، والعنف وانتشار الفقر والامراض والاوبئة وتجهيل المجتمعات.

5. إدارة الاختلاف والتنوع البشري المثمر والعمل على المشتركات الإنسانية والفطرة السليمة.

6. سوء استخدام الموارد الطبيعية وتكريسها لإنتاج المزيد من الازمات بدلاً من حلها، فالسلاح النووي والكيماوي والتلوث البيئي والتغير المناخي وانتشار الأوبئة وغيرها من الازمات التي من الممكن ان تنذر بكوارث تدمر البشرية في أي لحظة.

7. جميع هذه الأنظمة توحدت في خلق عالم من "الفوضى" في طبيعة العلاقات الدولية لاستثمارها في إدارة هذه الاختلافات بما يتناسب ومصالح الدول الكبرى.

ان هذا التخبط جاء نتيجة للابتعاد عن "الاخلاق" في بناء "الحضارة" التي ارتبطت مع "الإنسانية" برباط فطري لا مكان للشر او الصراع او المصالح الضيقة فيها، وقد أشار اليها الامام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بقوله ان: "جوهر الحضارات الأخلاق، فإذا كانت الأخلاق خيرةً كانت الحضارة خيرةً والتف الناس حولها، وإن كانت الأخلاق سيئةً كانت الحضارة سيئةً وانفض الناس عنها، كما أن الأمر ليس بالادعاء وإنما بالواقع، فالمحبة الواقعية هي التي تنبت، والفسيلة الواقعية هي التي تورق وتزهر وتثمر".

واشار الكاتب (وفيق فايق كريشات) في مقال نشره بمجلة النبأ عن (الأخلاق في فكر الإمام السيد محمد الشيرازي) الى ان: "الإمام الشيرازي (رحمه الله) يقرر أن القيم الأخلاقية، كحسن الإحسان وقبح الظلم، من الحقائق الثابتة، فمن غير المعقول أن يكون رفع الظلم عن المظلوم قبيحاً، أو يكون ظلم الناس حسناً، ونحن لو أنكرنا المعيار المطلق للأخلاق، لوقعنا في عبثية خلقية خطيرة، ولانتقضت الأخلاق من أساسها، ولسادت في المجتمع البشري شريعة الغاب" وأضاف: "إن للمجتمع والدين والعقل والعاطفة والضمير إسهامات في المسألة الأخلاقية من وجهة نظر الإمام الشيرازي، فالدين يمد الإنسان بمعين لا ينضب من القيم الفاضلة، ويشكل مع المجتمع سلطة خارجية تقوّم الانحرافات، ويكون شبكة واقية تحمي الفرد من التهاوي تحت نقاط ضعفه الإنساني، أما العقل فهو مصدر آخر لمعرفة القيم، لكنه مصدر باطني ينبثق من صميم الذات الإنسانية، مما يولد الالتزام عن قناعة، ثم تأتي العاطفة فتكسب الفعل الأخلاقي حرارة وحماسة وتعزز الالتزام وتزيد النفس التصاقاً به".

واعتبر انه: "إذا كان صلاح المنظومة الأخلاقية للمجتمع عامل بناء، فإن فسادها عامل هدم، أقله على الصعيد الفردي، إن ما قامت به الحضارة المادية الحديثة -التي نشأت في كثير من البلدان الأوروبية والأميركية- من تطليق للأخلاق ومن تدمير للشخصية الإنسانية، شاهد صارخ على الأثر الهدام لفساد المجتمع على الإنسان، من الصحيح أن المجتمع الغربي قد روّض الطبيعة وحرر الفرد من ضروراتها، لكنه وضعه في موقف لا يحسد عليه بعد أن أهمل الفضائل وغض النظر عن انتشار الرذائل".

ولتلخيص ما سبق يمكن التأسيس لنظام عالمي جديد قائم في جوهره على بنية أخلاقية إنسانية سليمة كبديل عن الانانية والمصالح والفوضى غير المنتجة وما خلفته من أزمات ودمار أخلاقي ومادي كبير، وينبغي إدراك ان المكاسب التي ستجنيها المجتمعات البشرية من هذا النظام ستكون اضعاف ما كان يجنيه من الأنظمة التي سبقتها، مع تقليل حجم الخسائر الى حدوده الدنيا، لان التوازن والاستقامة والعدالة والفاعلية التي سيولدها هذا النظام ستعود بالنفع العام على الجميع في مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي بناء حضارة إنسانية حقيقية قائمة على الفطرة الإنسانية والسعادة للجميع وليس فئة معينة من البشر على حساب الاخرين.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒhttp://shrsc.com

 

التعليقات